Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب السير والجهاد
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾(١).
فلم يخمِّسه النبي صلى الله عليه وسلم حين غنمه وحده بغير إذن النبي
صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: فإنه إذا دخلها بغير إذن الإمام ولا مَنَعَةً له، صار ما يأخذه من
دار الحرب بمنزلة سائر المباحات المأخوذة من دار الحرب، أو دار
الإسلام، كالصيد والحطب، فيكون له خاصة، ولذلك قال أصحابنا: إن
كانوا جماعة لا منعة لهم: اشتركوا فيما أخذوه بالسواء، لا يفضَّل الفارس
منهم على الراجل، كما يشتركون بالسواء في صيدٍ لو صادوه.
مسألة :
قال أبو جعفر: (وكذلك الاثنان والثلاثة حتى يكون الداخلون لهم
منعة، فيكونون بذلك في حكم السرية: فيُخمَّس ما أصابوا، كذلك قال
محمد، ولم يحك خلافاً.
وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنهم كالواحد، ولا يُخمَّس
ما أصابوا، حتى يكون عددهم تسعة فصاعداً، فيكونون بذلك في حكم
السرية، ويخمَّس ما أصابوا)(٢).
فقالت: نِعْمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدوُّ عن ابنه، فساق غنمهم وجاء بها
إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة، فنزلت هذه الآية.
وفي بعض الطرق سأله إياها، أو سأله: هل تطيب له، فأعطاه إياها، أو طيَّها له.
أسباب النزول للواحدي ص٥٠٢، جامع البيان للطبري ٨٩/٢٨.
(١) الطلاق: ٢، ٣.
(٢) قال الكاساني: وأقل المنعة أربعة في ظاهر الرواية، لقوله عليه الصلاة
=

٢٠٢
کتاب السير والجهاد
قال أحمد: إذا صار لهم مَنَعة: لم يعتبر فيه إذن الإمام في باب
وجوب حق الخمس، وذلك أنَّ ما أُخذ على هذا الوجه فهو غنيمة؛ لأنه
أوجف عليه بالمنعة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا
رِكَابٍ﴾(١)، فصاروا بمنزلة السرية والجيش العظيم إذا دخلوا دار الحرب
بغير إذن الإمام، فيخمَّس ما أصابوا.
وأما محمد: فلم يذكر عدداً في ذلك، وإنما اعتبر أن يكون لهم منعة،
وأبو يوسف اعتبر تسعة فصاعداً، وطريق إثبات الأعداد والمقادير في مثل
ذلك: الاجتهاد أو التوقيف، ولا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس،
ومتى عدمنا التوقيف، وصار الأمر إلى الاجتهاد، سقط السؤال عنا في
إقامة الدلالة على إثبات هذا المقدار بعینه دون غيره، لأن رجوعه حينئذ
يكون إلى غالب الظن، وأكبر الرأي، كتقويم المستهلكات، وتقدير
النفقات، ومهر المثل ونحوها.
فإن قيل: فينبغي أن يكون لاعتبار التسعة دون غيرها جهة من
الاجتهاد، لا بدَّ للقائل بها من إظهارها، والإبانة عنها.
قيل له: جهة الاجتهاد فيه، أنَّ السرية التي يحصل بها امتناع في أكثر
الحال، لا بدَّ من أن تكون جماعة تدخل في حد الكثرة، والتسعة لها من
المزية في ذلك ما ليس لغيرها، وهي أنّ أقل الجمع الصحيح ثلاثة،
والتسعة هي جمع الجمع، فيحصل بها معنى الكثرة التي يتعلق حكم
والسلام: ((خير الأصحاب أربعة))، وروي عن أبي يوسف أنها تسعة. بدائع الصنائع
٠١١٧/٧
(١) الحشر: ٦.

٢٠٣
كتاب السير والجهاد
الامتناع بها، فكانت هذه جهة يسوغ اعتبارها فيما وصفنا(١).
مسألة : [كيفية تصرف الذين في السفينة إذا رماها العدوُّ بالنار]
قال: (ومَن كان من المسلمين في السفينة في البحر، فرماها العدوُّ
بالنار، فعملت فيها: فإن المسلم الذي فيها بالخيار: إن شاء صبر على النار
حتى تُحرقه، وإن شاء ألقى نفسَه في الماء وإن كان يعلم أنه يموت فيه
غَرَقاً. هكذا كان أبو حنيفة يقول.
قال: وقال محمد: إن أيقن بالهلاك في الماء أو النار، لم يُلق نفسَه في
الماء؛ لأنه يصير قاتلاً لنفسه بفعله، وهلاكه في السفينة ليس من فعله).
قال أحمد : وذكر محمد جواب هذه المسألة في السِّير الكبير عن أبي
حنيفة مُجْمَلاً، لم يفصِّل فيه وجوهَها، فقال: قال أبو حنيفة: إذا أحرق
المشركون سفينةً من سفن المسلمين، فإن صَبَر المسلم على النار حتى
تحرقه كان في سعة، وإن سقط في البحر فغرق كان في سعة، ولم يفصِّل
وجوه المسألة في غلبة الظن في الرجاء، أو خوف الهلاك.
وذكر محمد عن نفسه وجوه المسألة على أربعة أنحاء:
إما أن يرجو النجاة في الماء، ولا يرجوها في السفينة: فيطرح نفسه
إلى الماء.
أو يرجوها في البقاء في السفينة، ولا يرجوها في إلقاء نفسه في الماء:
فيثبت في السفينة، لا يسعه غير ذلك.
(١) شرح السير الكبير ١٢٥٧/٤، تبيين الحقائق ٢٥٧/٣، بدائع الصنائع
١١٧/٧.

٢٠٤
کتاب السير والجهاد
أو يعتدل الرجاء والخوف في الثبات في السفينة أو إلقاء نفسه في
الماء: فهو كما قال أبو حنيفة، هو بالخيار: إن شاء ثبت، وإن شاء ألقى
نفسه في الماء.
قال: وإن أيقن بالهلاك فيهما جميعاً، ثبت في السفينة، ولم يُلْق نفسَه
في الماء؛ لأن التغريق يكون من فعله، والإحراق من فعل غيره.
قال أحمد : فحاصل موضع الخلاف بينهما: إذا حصل اليقين أو غلبة
الظن في الهلاك، غرَّق نفسَه، أو ثبت في السفينة:
فقال أبو حنيفة: إن شاء ثبت، وإن شاء ألقى نفسَه في الماء.
وقال محمد: لا يسعه إلقاء نفسه في الماء إذا لم يَرْجُ به نجاة.
فوجه قول أبي حنيفة: أن هلاكه بالماء أيسر عليه منه بالنار، فله أن
يلقيَ نفسَه في الماء، وقد قال أصحابنا جميعاً: لو قال له: لنعذبنَّك بالنار،
أو لتُلقينَّ نفسك في الماء: أنه في سعة من إلقاء نفسه في الماء؛ لأن هلاكه
على هذا الوجه، أيسر من هلاكه بالنار، وفيه دفع ضرر النار وما يلحق بها
من الآلام عن نفسه.
وأما إذا اعتدل الرجاء والخوف في الخلاص: فله أن يلقيَ نفسَه في
الماء عندهم جميعاً؛ لأنه يرجو الخلاص بإلقاء نفسه في الماء، فلم يكن
فيه إعانةٌ على قتل نفسه(١).
(١) شرح السير الكبير ١٤٩٨/٤، بدائع الصنائع ٩٩/٧، شرح الإسبيجابي
١٤٢/٢ (خ) قال: ولم يذكر قول أبي يوسف، ثم قال: وقول أبي يوسف مضطرب،
فقيل: إن قوله مع محمد، وقيل: قوله مع أبي حنيفة، ثم قال:
قال: بعض مشايخنا إذا كان في أيام الشتاء، فليس له أن يلقيَ نفسه في الماء
=

٢٠٥
کتاب السير والجهاد
مسألة : [حكم الإسهام لمن قاتل في البحر ومعه دابته]
قال: (ومَن غزا في البحر ومعه دابة: أُسهم لها وإن كان لا يحتاج إلى
القتال عليها فيه).
وذلك لأنهم لو كانوا في البَرِّ فقاتلوا رجالةً: استحق سهم الفارس مَن
كان منهم معه فرس، لأن النزال أشد ما يكون في الحرب.
قال عنترة:
وعَلاَمَ أركبه إذا لم أَنْزِل
ودَعَوْا نزالاً فكنتُ أول نازل
وقال آخر:
وأخو الحرب من أطاق النِّزالا
لم يطيقوا أن ينزلوا منزلنا
فكما لم يبطل سهم الفارس بالنزول، كذلك إذا كانوا في البحر؛ لأن
الحاجة إلى الفرس قائمة لو أنهم صاروا إلى الساحل(١).
مسألة : [الذين تلزمهم الجزية]
قال أبو جعفر: (ولا تجب الجزية إلا على الرجال الأحرار البالغين
المعتمِلِين)(٢).
بالاتفاق، لأنه لا راحة له فيه، وإنما الاختلاف فيما إذا كان له أدنى راحة، والعلم
المذكور ها هنا علم ظاهر وغلبة، لا علم حقيقة وإحاطة اهـ.
وفي البدائع، والسير الكبير، أنَّ قول أبي يوسف مع أبي حنيفة.
(١) شرح السير الكبير ٩٢٥/٣.
(٢) المعتملين: جمع: معتمل، وهو القادر على العمل، وإن لم يحسن حِرَفَه.
البحر الرائق ١١٠/٤، فتح القدير ٢٩٤/٥، وفي (د،م): المقاتلين.

٢٠٦
کتاب السير والجهاد
قال أحمد: والأصل فيه: أنَّ الجزية واجبة على مَن كان منهم من أهل
القتال، لقول الله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ
اُلْآَخِ﴾(١) الآية.
فإنما أمر بأخذ الجزية ممن يقاتل، وليست المرأة ولا الصبيان والزَّمْنَى
والشيوخ الضعفى من أهل القتال.
وأيضاً: فلا خلاف بين الفقهاء أنَّ الصبيان والنساء لا جزية عليهم،
والمعنى فيهم: أنهم ليسوا من أهل القتال، فكل مَن كان بمثابتهم من
الزمنى - والشيوخ منهم - حكمه حكمهم(٢).
وما روي أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام: ((أمر أن تؤخذ من كل حالم
وحالمة دينار))(٣): فإنه كان على جهة الصلح(٤).
(١) التوبة: ٢٩.
(٢) الخراج لأبي يوسف ص ١٢٢، بدائع الصنائع ١١١/٧، الهداية وفتح القدير
٢٩٣/٥، البحر الرائق ١١١/٥، نيل الأوطار ٢٢٨/٨. وفيه: أنَّ الجمهور على أنها
لا تؤخذ منهم، بداية المجتهد ٦ /٩٦.
(٣) سنن أبي داود ١٤٩/٢، السنن الكبرى ١٩٣/٩، الخراج ليحيى بن آدم
بمعناه (٢٢٩) ص٧٢، الأموال لأبي عبيد (٦٥)، وشاهد في (٦٦) ص٣٥.
واختلف في ثبوت: ((حالمة))، وكون الحديث مسنداً أم مرسلاً، ورجّح
الغماري في الهداية على البداية (١٠٨٢) ٩٧/٦ صحة الحديث، وانظر نصب
الراية ٣ /٤٤٥.
(٤) الخراج لأبي يوسف ص ١٢٠، الخراج ليحيى بن آدم رقم (٢٠٢) ص ٦٥،
الهداية ٢٩١/٥.

٢٠٧
کتاب السير والجهاد
[مسألة: قَدْر الجزية]
قال أبو جعفر: (ويؤخذ من الغني منهم ثمانية وأربعون درهماً، ومن
الوسط منهم أربعة وعشرون درهماً، ومن الفقير اثنا عشر درهماً)(١).
والأصل فيه: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه وضع الجزية على أهل
السواد(٢)، وجعلهم ثلاث طبقات على نحو ما ذكرنا، وذلك بمحضر
الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه، ولا إظهار خلاف (٣)، فصار
ذلك إجماعاً منهم، لا یسع خلافه.
كما صالح بني تغلب على تضعيف الحق الذي يجب على المسلمين
في مواشيهم (٤).
وكما وضع الخراج على أراضي السواد، وأقرَّ أهلها عليها(٥).
ونظائر ذلك من الأمور التي عقدها لكافة الأمة على أصناف من
الناس، فلم يُختَلَف عليه فيها في عصره، ولا مِن بعده من الأئمة (٦)،
(١) بدائع الصنائع ١١٢/٧، مجمع الأنهر ٦٧٠/١، ويؤخذ هذا القدر خلال
السنة، يؤخذ منه كل شهر أربعة دراهم، وعلى المتوسط نصفها، وعلى الفقير ربعها.
(٢) الخراج ليحيى آدم (١٣١) ص ٥٠، الأموال (١٤٦) ص ٧٢.
(٣) خالفت قلة من الصحابة، وقيل: إنهم رجعوا إلى قول عمر، انظر: فتح
القدير ٨٩/٥، بدائع الصنائع ١١٢/٧.
(٤) الخراج ليحيى بن آدم (٢٠٢- ٢٠٧) ص ٦٥، ٦٧، الأموال لأبي عبيد (٧٠)
ص٣٧، الخراج لأبي يوسف ص١٢٢.
(٥) الخراج لأبي يوسف ص٢٨، الأموال لأبي عبيد (١٤٦) ص٧٢.
(٦) في (د، م): الأمة.

٢٠٨
كتاب السير والجهاد
فصار إجماعاً.
وأيضاً: فكل عقد عقده إمام من أئمة العدل على كافة المسلمين، فهو
لازم لأول الأمة وآخرها(١)، لقول عليه الصلاة والسلام: ((ويعقد عليهم
أولهم)»(٢).
فإن قيل: فقد روى مسروق عن معاذ ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم
أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً))(٣).
قيل له: كان ذلك على وجه الصلح، ويدل عليه: ما روى محمد بن
جعفر عن عوف عن الحسن قال: بلغني ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم فرض على أهل اليمن في كل عام على كل حالم: ذكرٍ أو أنثى، عبدٍ
أو حرّ: ديناراً أو قيمته من المعافر (٤))(٥).
ومعلوم أنَّ المرأة لا يؤخذ ذلك منها إلا على وجه الصلح.
مسألة : [حكم مَن لم يؤخذ منه الخراج حتى دخلت عليه سنة أخرى]
قال: (ومَن وجب عليه خراج رأسه، فلم يؤخذ منه حتى مضت السنة
(١) انظر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا الباب: الخراج ليحيى بن
آدم (٣٠)، ص٢٣.
(٢) العبارة بهذا اللفظ لم أقف عليها، والذي يروى: ((ويسعى بذمتهم أدناهم ... ))
إلخ، كما سبق .
(٣) سبق آنفاً.
(٤) المعافر: هي برود باليمن منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن. النهاية لابن
الأثير ٢٦٢/٣.
(٥) سنن أبي داود ١٤٩/٢، مصنف عبد الرزاق (١٠٠٩٩).

٢٠٩
كتاب السير والجهاد
التي وجب فيها، ودخلت سنة أخرى: لم يؤخذ منه شيء لما مضى في
قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤخذ منه).
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الجزية مأخوذة على وجه العقوبة؛ لقول الله
تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾(١)، فلا يجوز أن
يجتمع ذلك عليه لسنتين، كما لا يجوز أن يجتمع عليه إيجاب حدَّيْن من
جنس واحد، لأن الحدود أيضاً عقوبات.
وإنما اعتبر دخول السنة الثانية، لا مُضيُّها: من قِبَل أنَّ الخراج إنما
يجب عليه في أول السنة، وفي حال ما أقررناه في دارنا بالذمة(٢).
ويدل عليه: قوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ
اُلْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾(٣).
فأوجب قتالهم إلى وقت إعطاء الجزية، فصح أنّ وجوبها متعلق
بزوال القتال، والقتالُ لا محالة زائل عنهم بدخولهم في الذمة، فوجب أن
تلزم الجزية في تلك الحال، ثم إذا مضت سنة وجبت أيضاً، فوجب
الاقتصار على إحداهما على النحو الذي وصفنا في الحد.
ويدل عليه: موافقة أبي يوسف ومحمد لأبي حنيفة: أنَّ موته يسقطها،
والمعنى فيه: أنّ موضوعها لما كان موضوع الصَّغار والذَّلة، وكان ذلك
(١) التوبة: ٢٩.
(٢) الخراج لأبي يوسف ص ١٢٢، الهداية وفتح القدير ٢٩٧/٥، بدائع الصنائع
١١٢/٧، مجمع الأنهر ١ / ٦٧٢.
(٣) التوبة: ٢٩.

٢١٠
كتاب السير والجهاد
معنى لا يتأتى بعد الموت: لم يجز أَخْذها؛ لأنها حينئذ تكون مأخوذة على
غير وجهها، وإذا صح هذا الاعتبار في الموت، صح أيضاً في دخول سنة
أخرى، من حيث امتنع اجتماع عقوبتين عليه من جنس واحد(١).
فإن قيل: الجزية لما كانت مأخوذة لأجل إقراره في دارنا، أشبهت
الإجارة، فوجب أن لا يسقطها الموت، ولا دخول سنة في أخرى(٢).
قيل له: ليس موضوع الجزية موضوع الإجارة؛ لأن الإجارة بدل من
منافع الشيء المستأجر، وليست الجزية بدلاً من شيء من المنافع، وإنما
هي لأجل ترك قتاله فحسب، لقوله تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾(٣)، فأخبر أنَّ
الجزية مأخوذة بزوال القتال عنهم.
وأيضاً: فالذمي متصرف في دارنا في ملكه، فكيف يجب عليه أجرة
ملكه؟
وأيضاً: فالأجرة ليست بصَغَار، والجزية صَغَار، فإذاً ليست بأجرة (٤)،
وموضوعها(٥) موضوع الصَّغَار، فلا يصح أَخْذها إلا على هذا الوجه،
ومن أجل ذلك قالوا في الذمي إذا أسلم: إنه يسقط عنه خراج رأسه لِمَا
(١) الخراج لأبي يوسف ص١٢٣، مجمع الأنهر ٦٧٢/١، بدائع الصنائع
١١٢/٧، الهداية ٢٩٧/٥.
(٢) الهداية وفتح القدير ٢٩٥/٥، وفيه: أنَّ هذا قول الإمام الشافعي.
(٣) التوبة: ٢٩.
(٤) في خ (د، م): فإذا ثبت أن أخذها وموضوعها .. إلخ.
(٥) أي موضوع الجزية.

٢١١
کتاب السير والجهاد
مضى إن لم يكن قد أدَّاه، لأن أَخْذها في هذه الحال لا يجوز على جهة
الذل والصَّغَار، لأنه مسلم، فإذاً الجزية الواجبة على وجه الذل والصَّغَار
قد سقطت، والإسلام لا يُلزمه جزية أخرى(١).
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا جزية على
مسلم))(٢)، وذلك يقتضي سقوط ما كان وجب عليه في الكفر بالإسلام(٣).
ولهذا المعنى قالوا فيمن وجبت عليه زكاة ماله ثم مات: إنها تسقط
بالموت، ولا تؤخذ من ماله، إلا أن يوصيَ بها، فتؤخذ من جهة الوصية،
لأن الزكاة عبادة، فيجب إخراجها على هذا الوجه، وذلك معنى يمنع
إخراجها عنه بعد الموت، لأن الميت لا يجوز أن تبقى عليه عبادة، ولو
أخذناها بعد الموت، لم تكن زكاة، إذ موضوع الزكاة أنها عبادة، فلا
يصح أخذها إلا على هذا الوجه.
وكذلك قال أبو حنيفة فيمن لزمته نفقة امرأته، ثم مات قبل أن
يعطيها، أو ماتت هي: إنها تسقط.
وكذلك لو أسلفها نفقة سنة، ثم مات أحدهما في الحال: لم يرجع في
شيء مما أعطاها، وذلك لأن النفقة موضوعها موضوع الصِّلات، لأنها
ليست ببدل عن شيء، لأن الاستمتاع وحَبْسها في بيته معنى مستَحق عليها
(١) الخراج لأبي يوسف ص١٢٢، فتح القدير ٢٩٥/٥، مجمع الأنهر
٦٧٢/١.
(٢) سنن أبي داود ١٥٢/٢، جامع الترمذي بشرحه تحفة الأحوذي ٩/٢. قال
مؤلف تحفة الأحوذي: في سنده: قابوس بن ظبيان، وفيه لین.
(٣) بدائع الصنائع ١١٢/٧، فتح القدير ٢٩٦/٥.

٢١٢
كتاب السير والجهاد
بعقد النكاح، فهو واقع في ملكه، وتصرف الإنسان في ملك نفسه لا
يوجب عليه البدل، فدل أنّ النفقة ليست ببدل عن شيء، وأن حكمها
حكم الصلة والهبة، وذلك معنى يمتنع وقوعه بعد الموت، فلهذا سقط
الماضي، ولم يرجع فيما أسلف، لأن الموت يقطع صحة الرجوع في
الصلة، ولأنه لا يرجع فيما وهبه لامرأته (١).
مسألة : [بيان قدر الخراج الذي فُرض على السواد]
قال أبو جعفر: (وفي أرض السواد على كل جَرِيبٍ (٢) يصلح للزرع
درهم وقَفِيز، وعلى كل جَرِيب الكَرْم(٣) عشرة دراهم، وعلىُ جريب
الرطبة(٤) خمسة دراهم) (٥).
قال أحمد : الأصل فيه: ما فعله عمر في أرض السواد، حين بعث
حذيفة وعثمان بن حنيف لمساحتها، ووَضْع الخراج عليها، فلما رجعا
أخبراه بذلك، وذكرا أنهما قد وضعا عليها الخراج على الوجه الذي
ذكرنا، فقال: لعلكما حمَّلْتُما أهل الأرض ما لا يطيقون؟
(١) اللباب شرح الكتاب ٩٧/٣، وفيه: وبقول أبي حنيفة قال أبو يوسف، وأما
محمد فقال: يحتسب لها نفقة ما مضى، وما بقي يسترد للزوج.
(٢) الجريب: ستون ذراعاً في ستين ذراعاً، ينظر تعليقات الشيخ أبو الوفا
الأفغاني على مختصر الطحاوي ص٢٩٤.
(٣) الكرم: بفتح ثم سكون: العنب.
(٤) الرطبة: المعروف بالبرسيم. ينظر تعليقات مختصر الطحاوي للأفغاني
ص٢٩٤.
(٥) الهداية وفتح القدير ٢٨١/٥، مجمع الأنهر ٦٦٦/١.

٢١٣
كتاب السير والجهاد
فقالا: تركنا لهم فضلاً(١).
فأقرَّ ذلك عمر بحضرة الصحابة، فثبتت حجته من جهة ما هو
إجماع، ومن جهة أنّ الخلفاء بعده لم يغيروه، وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي))(٢)، وقد مضى
حکم الخلفاء الراشدين بذلك، فأوجب ذلك صحته.
ومن جهة قوله صلى الله عليه وسلم: ((ويعقد عليهم أولهم))(٣).
ويدل على صحة فعل عمر ذلك في السواد: ما روى سهيل بن أبي
صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَنَعت
العراق قفيزها ودرهمها، ومَنَعت الشام مُدْيَها ودينارها، ومَنَعت مصر
أُرْدُبَها ودينارها، وعُدْتُم كما بدأتم)) (٤).
فأخبر عليه الصلاة والسلام عن مجيء الزمان الذي يمنع الناس فيه
حقوقَ الله الواجبة، وأخبر أنَّ الحق الممنوع من أهل العراق الدرهم
والقفيز، ألا ترى إلى قوله: ((وعُدْتم كما بدأتم))، فثبت وجوب الدرهم
والقفيز اللذين وضعهما عمر على أرض السواد، فإنه كان حقاً
وصواباً، وإذا ثبت ذلك في الدرهم والقفيز، ثبت أيضاً في وضعه
(١) الخراج ليحيى بن آدم بمعناه (٢٤٠) ص٧٦، مصنف ابن أبي شيبة
(٣٢٧١٨) ٤٣٦/٦، صحيح البخاري ٤٨/٧، نصب الراية ٤٤١/٣.
(٢) سبق عزوه.
(٣) سبق عزوه، وذكرت أني لم أقف على هذه اللفظة.
(٤) سبق.

٢١٤
کتاب السير والجهاد
على الكرم والرطبة(١).
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (وما كان من أرض السواد قد صُنع للزعفران
والفواكه، لا يصلح للزرع: وُضِع عليه من الخراج بقدر ما يطيق)(٢).
وذلك لما روي عن عمر حين قال لعثمان بن حنيف وحذيفة: ((لعلكما
حمَّلتما أهلَ الأرض ما لا يطيقون؟ فقالا: بل تركنا لهم فضلاً))(٣)، فأخبرا
أن هذا الحق موضوع على قدر الطاقة.
مسألة : [وضع الجزية على العبد النصراني إذا عتق]
قال: (ومَن أعتق من المسلمين عبداً نصرانياً: وُضِع عليه الخراج كما
يوضع على النصراني النبطي (٤)).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ
اُلْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ
(١) معالم السنن للخطابي ٣٥/٣، شرح السنة ١٧٨/١١، شرح صحيح مسلم
للنووي ٢٠/١٨.
(٢) الهدية وفتح القدير ٢٨٣/٥.
(٣) سبق.
(٤) نبطي: جبل معروف كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين، وإنما سموا نبطاً
لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين. النهاية في غريب الحديث والأثر ٩/٥، لسان
العرب ٤١١/٧.

٢١٥
كتاب السير والجهاد
عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾(١).
فعمَّ جميعَ أهل الكتاب بأخذ الجزية، ولم يفرِّق بين مولى المسلم
(٢)
وغيره(٢).
فإن قيل: روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مولى القوم
(٣)
منهم))(٣).
قيل له: معلوم أنه لم يُرِد به أنه منهم في حكم الإسلام والكفر، لأن
مولى المسلم لا يكون مسلماً بإسلام مُعْتِقه، وكذلك مولى الكافر لا يكون
كافراً بكفر معتِقه، وإذا لم يلحق به في حكم الإسلام والكفر، وكانت
الجزية من أحكام الكفار: لم تسقط عنه لأجل إسلام مولاه المعتِق.
مسألة : [بيان المراد بدار الحرب ودار الإسلام]
قال: (وإذا ارتدَّ أهلُ بلد وقد جرى فيه حكمهم: فإنه يصير دار
حرب، اتصلت بدار الحرب أم لم تتصل، في قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد : ولا تصير دار حرب عند أبي حنيفة حتى يجتمع فيها ثلاثة
أشياء:
أن تكون متاخمة لأرض الحرب، لا يكون بينها وبين دار الحرب
شيء من دار الإسلام.
والثاني: أن يجريَ حكم أهل الكفر فيها.
(١) التوبة: ٢٩.
(٢) الهداية وفتح القدير ٣٠٥/٥.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٣٩/١٢، السنن الكبرى ١٥١/٢.

٢١٦
كتاب السير والجهاد
والثالث: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمناً.
فإذا اجتمع فيها هذه الخلال الثلاث: صارت أرض حرب، ومتى قصر
عن شيء منها: لم تكن دار حرب(١).
قال أحمد : وذلك في نحو بلد القِرْمِطي (٢)، أنه دار حرب وإن كان
حواليه دار الإسلام في قولهما؛ لأن حكم الكفر قد ظهر فيه، لِمَا أظهروا
فيه من دين المجوس، وعبادة النيران، وشَتْم الرسول محمد صلى الله
عليه وسلم، فلو أنَّ إماماً عادلاً ظهر عليهم: جاز له استغراق(٣) أهله
بالقتل، وسَبْي النساء والذرية، بمنزلة سائر دور الحرب (٤).
ووجه هذا القول: أنَّ حكم الدار إنما يتعلق بالظهور والغلبة، وإجراء
حكم الدِّين بها، والدليل على صحة ذلك: أنا متى غلبنا على دار الحرب،
(١) مجمع الأنهر ٦٥٩/١، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢، لوحة
١٤٣ أ، بدائع الصنائع ١٣٠/٧، الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ /١٧٤.
(٢) يريد به: سليمان بن بهرام الجنَّابي الهَجَري أبو طاهر القَرْمَطي، زعيم
القرامطة، خارجي طاغية جبار، وكان أبوه قد استولى على هَجَر والأحساء
والبحرين، وهلك أبوه سنة ٣٠١ هـ، واستولى على الأمر ابنه هذا سليمان، فأخذ
البصرة، وسطا على الكوفة، وانتصر على الخليفة العباسي المقتدر، وأغار على مكة،
واقتلع الحجر الأسود وأخذوه إلى هجر، وقَتَل في مكة حوالي ثلاثين ألفاً، وردم
زمزم بالقتلى، ثم هلك سنة ٣٣٢. ينظر الأعلام ١٢٣/٣، الموسوعة الميسرة في
الأديان ص ٣٩٥، وفيه نبذة عن معتقدات القرامطة الضالة، وكتب هذه الحاشية
المعتني بطباعة الكتاب: د/سائد.
(٣) في (ر.حـ): استعراض.
(٤) الخراج لأبي يوسف ص ٦٧، السير الكبير ١٩٤١/٥.

٢١٧
كتاب السير والجهاد
وأجرينا أحكامنا فيها: صارت دار إسلام، سواء كانت متاخمة لدار
الإسلام أو لم تكن، فكذلك البلد من دار الإسلام، إذا غلب عليه أهل
الكفر، وجرى فيه حكمهم: وجب أن يكون من دار الحرب، ولا معنى
لاعتبار بقاء ذمي أو مسلم آمناً على نفسه؛ لأن المسلم قد يأمن في دار
الحرب، ولا یسلبه ذلك حكم دار الحرب، ولا یوجب أن یکون من دار
(١)
الإسلام(١).
* وأما وجه قول أبي حنيفة في اعتباره ما وصفنا من الخلال الثلاث:
فهو أنها إذا لم تكن متاخمة لأرض الحرب، وحواليها دار الإسلام، فلا
حكم لتلك الغلبة، لأنها بعدُ في مَنَعة المسلمين، فهو بمنزلة سرية من أهل
الحرب، لو التجؤوا إلى حصن من حصون المسلمين، وأحاط به جيش
المسلمين، فلا يوجب حصولهم في الحصن، أن يصير الحصن من دار
الحرب مع إحاطة جيوش الإسلام، فكذلك المدينة العظيمة إذا ارتدَّ
أهلها، أو غلب عليها أهلها، وحواليها مدن الإسلام، فمعلوم أنَّ منعة
الإسلام باقية هناك، لإحاطتهم بها.
* واعتبر أيضاً جريان الحكم، لأن الموضع الذي تحصل فيه السرية
من بقاع دار الإسلام وإن كانت متصلة بأرض الحرب، لا تصير من دار
الحرب، لأنهم غير متمكَّنين لإجراء الحكم، وكذلك سرية المسلمين إذا
دخلت دار الحرب، لا تصير البقاع التي حصلوا فيها من دار الإسلام، ما
لم يتمكنوا فيها لإجراء أحكامهم.
* واعتبر أيضاً: أن لا يكون هناك مسلم أو ذمي آمناً على نفسه، لأن
(١) حاشية ابن عابدين ١٧٥/٤، وينظر آثار الحرب للدكتور الزحيلي ص١٦٩.

٢١٨
کتاب السير والجهاد
كونه آمناً على نفسه، يُبقي الموضع في حكم دار الإسلام على ما كان
عليه، وذلك يمنع من انتقاله إلى حكم دار الحرب.
قال أحمد : والذي أظن أنَّ أبا حنيفة إنما قال ذلك على حسب الحال
التي كانت في زمانه من جهاد المسلمين أهل الشرك، فامتنع عنده أن تكون
دار حرب في وسط دار المسلمين، يرتد أهلها فيبقون ممتنعين دون إحاطة
الجيوش بهم من جهة السلطان، ومطوِّعة الرعية.
فأما لو شاهد ما قد حدث في هذا الزمان، من تقاعد الناس عن
الجهاد، وتخاذلهم، وفساد مَن يتولى أمورهم، وعداوته للإسلام وأهله،
واستهانته بأمر الجهاد، وما يجب فيه، لقال في مثل بلد القِرْمِطي بمثل
قول أبي يوسف ومحمد، بل في كثيرٍ من البلدان التي هذه سبيلها، مما
نكره ذكره في هذا الموضع.
مسألة : [حكم ديار المسلمين التي استعادها المسلمون بعد أن ارتدت
وصارت دار حرب]
قال أبو جعفر: (وإن افتتح المسلمون ما قد صار من دور أهل
الإسلام دارَ حرب، فجاء أهله قبل أن يُقْسَم: ردَّه عليهم، وعاد على
حكمه الأول من الخراج والعشر، وإن جاؤوا بعد ما قُسِم: لم يأخذوه إلا
بالقيمة، فإذا أخذوه بها، عاد إلى حكمه الأول أيضاً، إلا أن يكون الإمام
قد جعل عليه الخراج قبل ذلك، فإنه إن كان ذلك، فإنه لا يزول عنه
الخراج بعد ذلك).
قال أحمد : من أصلهم: أنَّ المالك الأول إذا أخذ ما غلب عليه أهل
الحرب نحو ملكه المتقدم، أنه يعود إليه على حكم الملك الأول، ويفسخ
صك الذي أخذه منه، كأنه لم يكن، وإذا عاد إليه على حكم الملك

٢١٩
کتاب السير والجهاد
المتقدم، عادت الأرض إلى حكمها بدءاً، فإن كانت من أرض الخراج أو
العشر، عادت إليه على ما كانت عليه، ويسقط حكم ما يثبت عليها في
الملك الثاني(١).
وهو بمنزلة ذمي اشترى أرض عُشْر شراء فاسداً، فجُعِل عليه
الخراج، ثم إن البائع فَسَخ البيع فيها، فتعود إليه على ما كانت عليه من
العُشْر، ويسقط حکم ملك المشتري، کأنه لم یکن.
وكذلك قالوا: لو اشتراها الذمي شراء صحيحاً، فجُعِل عليه فيها
الخراج، ثم أخذها مسلم بالشفعة: أنها تعود إلى العُشْر، ويسقط ما كان
جُعِل عليها من الخراج، والمعنى في ذلك: أنَّ المالك الأول إنما يثبت له
الحق في فسخ ملك المشتري، وإعادته إلى ملكه على ما كانت عليه، كما
ثبت ذلك للبائع بيعاً فاسداً، فإذا عادت إليه على الملك الأول، عادت
إليه بحقوقها، وسقط الحق الذي يتعلق بها في ملك الثاني.
والشفيع أيضاً بهذه المنزلة، لأن حقه سابق لحقِّ المشتري، لأن حقه
يجب بخروج الشيء من ملك البائع قبل دخوله في ملك المشتري، لأن
حقه يجب بخروج الشيء من ملك البائع قبل دخوله في ملك المشتري،
ألا ترى أنَّ حقه يجب مع شرط الخيار للمشتري وإن لم يدخل في ملكه
بخروجه من ملك البائع.
قال أحمد : وذكر أبو جعفر أنَّ الإمام إذا كان قد جعل عليها الخراج
قبل مجيء المالك الأول، ثم جاء الأول فأخذها، أنّ الخراج لا يزول
(١) شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ)، لوحة ١٤٣ أ، شرح السير الكبير
١٢٩٧/٤، بدائع الصنائع ١٣١/٧، حاشية رد المحتار ١٧٥/٤.

٢٢٠
کتاب السير والجهاد
عنها، ولا أدري من أين وقعت إليه هذه الرواية؟
وقد قال محمد في الزيادات: إنها إذا كانت عشرية في الأصل، فغلب
عليها العدو، ثم ظهر عليها الإمام، وأقر أهلها عليها، وجعلها أرض
خراج، ثم جاء المالك الأول: أنه يأخذها بالقيمة، وتعود إلى ما كانت
عليه من العشر، ويبطل الخراج الذي وضعه عليها الإمام.
مسألة : [إذا عجز شخص عن عمارة أرضه الخراجية]
قال: (ومَن كانت له من المسلمين أرض خراج، فعجز عن عمارتها:
أجّرها الإمام عليه، وأخذ من أجرتها الواجب عليه من خراجها، ثم دفع
باقي فَضْلها إليه).
قال أحمد : وهذا ينبغي أن يكون قول أبي يوسف ومحمد، دون قول
أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة لا يرى جواز الحَجْر على الحر البالغ، ولا بيعه
وإجارته عليه، ولكنه يأمره بذلك من غير أن يعقد الإمام عليه عقد إجارة
بغير أمره.
وفي قولهما قد يجوز الحَجْر علىُ الحُرِّ لأسباب توجبه، وحقوقُ
المسلمين ثابتة في الأرض، إذا أمكن الإمام أن يتوصل إليها بالإجارة: فَعَل
ذلك (١).
وقد روي ((عن علي رضي الله عنه في رجل أسلم من أهل السواد: أنه
(١) شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢، لوحة ١٤٣ أ، فتح القدير
٢٨٥/٥، الفتاوى الهندية ٢٤٠/٢، مجمع الأنهر ٦٦٨/١: وإذا لم يتمكن من
زراعتها ... إلخ فإن للإمام دفعها مزارعة وبيعها وإجارتها، وأنه قول الكل وهو
الصحيح، لأن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يرى الحجر في موضع يعود نفعه إلى العامة.