Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب السير والجهاد
الحرب مع ملكه: يزيل صحة ملكه؛ لأن ملكه هناك ملك مباح، ولا جائز
أن يكون الملك المباح موجباً بالعقد الذي كان في دار الإسلام، فلما زال
ملكه بدخوله دار الحرب لا إلى مالك: عَتَق.
فإن قيل: ورود الإباحة على الملك الصحيح، لا ينفي صحته، ولا
يزيله، كمن أباح طعامه لغيره، لا يزول عنه ملكه بنفس الإباحة.
قيل له: لأن لمبيح الطعام حَظْرَه بعد إباحته، ولا يمكن للحربي أن
يحظر ملكه وهو في دار الحرب؛ لأن الإباحة ليست من جهته فيكون
الحظر إليه.
فإن قيل: فهلا بقيت ملکه عليه بالغلبة، وثبوت يده عليه بعد دخوله
دار الحرب كسائر أمواله، وكعبيده الذين أدخلهم إلينا من دار الحرب، ثم
ردهم إلیھا.
قيل له: قد بيَّنَا أنّ الملك المباح لا يجوز أن يكون مستحقاً بالعقد
الذي عقده في دار الإسلام؛ لأن العقد في دار الإسلام إنما يوجب ملكاً
صحيحاً غير مباح، وبدخوله دار الحرب يزول ذلك الملك، وزوال الملك
إلى غير مالك: يوجب العتق، وثبوت يده عليه بالغلبة بعد اللَّحاق بدار
الحرب: لا يمنع العتق؛ لأن ثبوت اليد بالغلبة معنى يجوز أن يلحقه
الفسخ، والعتق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، ومتى اجتمع ما يلحقه
الفسخ، مع ما لا يلحقه الفسخ: كان الذي يلحقه الفسخ أوْلى بالبطلان،
وما لا يلحقه الفسخ أَوْلى بالثبوت.
وقد بيًّّا هذا المعنى في مواضع، فلذلك وجب أن يكون العتق
المستَحق به زوال ملكه لا إلى مالك: أَوْلى من الملك المباح الذي يستحقه
باليد والغلبة.

١٨٢
کتاب السير والجهاد
ومن أجل ذلك قال أبو حنيفة في الحربي في دار الحرب إذا أسلم
عبده، ثم باعه وسلَّمه: أنه يعتق بالتسليم، ولا يعتق بنفس العقد؛ لأن
الحربي يملك بالغلبة، فإذا زالت يده عن العبد، وقد أسلم: لم يملكه
المشتري، لأن المسلم لا يملك بالغلبة، وبيعه إياه لا يوجب للمشتري
ملكاً صحيحاً، فلذلك اعتبرنا التسليم الذي به حصلت اليد (١) التي هي
سبب إيجاب الملك في دار الحرب.
* وأما سائر أمواله، والعبد الحربي الذي أدخله معه: فإنما جاز ثبوت
ملكه عليه بعد زوال ملكه الذي كان له في دار الإسلام، من جهة بقاء یده
عليه بالغلبة، وذلك معنى يوجب الملك في إحراز أهل الحرب وأموالهم،
فکیف به في عبيدهم؟
ألا ترى أنا لو غلبناهم: ملكناهم وأموالهم، ولو كان لهم هناك عبد
مسلم، فغلبنا على الدار: صار حراً، ولم يجز لنا أن نسترقّه.
فإن قيل: ولم قلتَ: إن خروج العبد من ملك مالكه لا إلى مالك
يوجب العتق، ونحن قد وجدنا مَن يخرج من ملكِ مالكه لا إلى مالك لا
يعتق، وهو العبد يشتريه الإمام لخدمة الكعبة، والميت إذا كان عليه دَيْن
و له عبد.
قيل له: لأنه خرج من ملك مالكه في هذه الوجوه، فحصل موقوفاً،
والعبد المسلم إذا أدخله الحربي دار الحرب، زال ملكه عنه، ولم يصر
موقوفاً؛ لأن الناس فيه على قولين:
فمِن قائلٍ يقول: هو ملكه على ما كان عليه، وآخر يقول: قد عتق.
(١) في (ر.حـ): ((الذي قد تحصل له اليد)).

١٨٣
کتاب السير والجهاد
فأما أن يكون موقوفاً: فليس هو قول أحد، وخروج العبد من ملك
مالكه لا إلى مالك، ولا إلى حال الوقوف: يوجب عتقه؛ لأن ذلك حقيقة
العتق(١).
فإن قيل: لو أنَّ مسلماً دخل دار الحرب بأمان، ثم ارتد هناك، وله
عبد مسلم: لم يعتق عليه، مع زوال الحظر عن ملكه بردته، وحصول
الإباحة فيه، فدل ذلك على انتقاض اعتلالك.
قيل له: الفرق بينهما: أنَّ ملك المرتد يثبت فيه حق الورثة، وهم
مسلمون، وثبوت حق المسلم في رقبته، يمنع زوال ملكه لا إلى مالك،
كالمسلم إذا دخل دار الحرب مستأمَناً بعبد له مسلم: فلا يعتق عليه،
لثبوت حقه وصحة ملكه، كذلك حق الورثة في ملك المرتد، لما كان
ثابتاً بعد الردة، مَنَعَ ثبوت ذلك من عتقه بزوال ملك المرتد.
فإن قيل: لو كان حق الورثة ثابتاً في المال الذي معه في دار الحرب،
لمنع ذلك من أن یکون فیئاً إذا غلبت على الدار.
قيل له: هذا لا يمنع ثبوت حق الورثة فيه بدءاً بنفس الردة، إلا أنَّ
ذلك الحق لا يتأكد إلا بالموت، أو ما يقوم مقامه، ألا ترى أنَّ مَن ارتد
في دار الإسلام: ثبت الحق للورثة في ماله بنفس الردة، ومن أجل ذلك لم
يجز عند أبي حنيفة تصرفه فيه إذا لم يسلم (٢).
ومع ذلك، فلو كان لَحِقَ بما لَه معه إلى دار الحرب، ثم ظهرنا
(١) السير الكبير ١٩٩٥/٤، المبسوط ٦١/١٠، الفتاوى الهندية ٢٣١/٢،
بدائع الصنائع ١٣٠/٧، الهداية وفتح القدير ٢٦٣/٥، البحر الرائق ٩٨/٥.
(٢) بدائع الصنائع ١٣٦/٧.

١٨٤
كتاب السير والجهاد
عليه: كان فيئاً.
ووجه آخر في الفرق بينهما: وهو أنَّ ملك الحربي لما زال بحصوله
في دار الحرب من الوجه الذي ذكرنا، ثبت للعبد الحق أيضاً في استرقاق
المولى، لأنه لو غَلَبه، مَلَكَه، ولا جائز أن يثبت هذا الحق إلا لحرٍّ، وأما
عبد المرتد، فإنه لم يثبت له حق استرقاق المولى، فلم يحصل له معنى
يوجب العتق.
فإن قيل: فيجب على هذا أن يكون عبد الحربي إذا أسلم في دار
الحرب، أن يَعْتِقِ بنفس الإسلام لوجود العلة.
قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن إسلامه لم يوجب زوال ملك المولى،
ولم يتعلق ثبوت هذا الحق للعبد بزوال الملك، فمن أجله لم يعتق، وأما
رجوع الحربي إلى دار الحرب، فإنه يوجب زوال الملك الذي كان له في
دار الإسلام، وأوجب ذلك للعبد حق استرقاقه لو قهره، فلذلك افترقا.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين العبد المسلم إذا أسره المشركون،
فملكوه، فلم يكن زوال ملك مولاه الأول موجباً لعتقه، ولم يمنع وقوع
الملك المباح لأهل الحرب فيه بعد زوال ملك المسلم، كذلك عبد الحربي؟
قيل له: لأنه لو امتنع وقوع ملك أهل الحرب عليه، لم يوجب ذلك
عتقه؛ لأنه يبقى على ملك مولاه المسلم حينئذ، وكان يكون بمنزلة العبد
الآبق، وعبد الحربي إذا رجع به إلى دار الحرب، فزوال ملكه لم يمنع
حصول عتقه من الوجه الذي وصفنا.
وأيضاً: لأن حق المولى المسلم، لم ينقطع بأسر المشركين إياه، ألا
ترى أنه إذا غنمه المسلمون: كان له أن يأخذه قبل القسمة بغير شيء،
وبعد القسمة بالقيمة، وكان ثبوت حق المولى فيه من هذا الوجه مانعاً من

١٨٥
كتاب السير والجهاد
عتقه، وأما الحربي فإن ملكه الأول قد زال بدخوله دار الحرب، ولم يبق
هناك حق في رقبة العبد يمنع عتقه.
ووجه آخر لأصل المسألة: وهو أنَّ الحربي لما لَحِقَ بعبده المسلم إلى
دار الحرب، وزال الحظر عن رقبته وماله: جاز للمسلمين أن يتملكوه،
فكذلك العبد ملك رقبة نفسه بإحرازه لها، ومصيره في يد نفسه وهو
مسلم، فملك مِن رقبته ما كان المولى مالكاً منه، كما ملك المسلمون ما
غلبوا عليه من ماله بعد لَحاقه، وكما لو قهر العبد مولاه: ملکه، وليس
كذلك عبد الحربي إذا أسلم في دار الحرب، لأن إسلامه هناك لا يوجب
له إحراز رقبته، ولا یصیر به في حکم أهل دارنا.
ألا ترى أنَّ مَن قتله، أو أخذ ماله قبل هجرته إلينا: لم نُغَرِّمه، كما لا
نضمِّن نفس الحربي ومالِه، فهو باق مع الإسلام على ما كان عليه، وأما
مَن كان مسلماً في دارنا، فقد أحرز رقبته بدارنا، وصار في مَنَعَتَنا،
كالحربي المسلم بعد خروجه إلينا، فلذلك اختلفا.
* ووجه قول أبي يوسف ومحمد: أنَّ الحربي له ضرب من الملك،
فلا يمتنع بقاء ملكه على العبد المسلم إذا أدخله دار الحرب، كما لو أسلم
عبده هناك: لم يَعْتِق.
مسألة : [حكم بقاء الحربي بأرض الإسلام بعد انتهاء مدة أمانه]
قال أبو جعفر: (ومَن دخل إلينا من دار الحرب بأمانٍ، فتجاوز المدة
التي يقيمها مثلُه: تقدَّم إليه الإمام في الخروج أو الإقامة، فإن خرج بعد
ذلك قبل أن يمضيَ عليه حول: رجع إلى حربيته، وإن أقام حتى يمضيَ
عليه حول: جعله الإمام ذمةً، وجعل عليه الخراج، ومَنَعَه من الرجوع إلى
دار الحرب إن حاول ذلك).

١٨٦
کتاب السير والجهاد
قال أحمد : الأصل في ذلك أنَّ الكافر لا يجوز إقراره في دار الإسلام
أبداً بغير جزية ولا رقِّ، لقول الله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾(١)، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾
وقال: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾(٢)، إلى قوله: ﴿فَخَلُّواْ
سَبِیلَهُمْ﴾.
إلا أنه مع ذلك قد يجوز إقراره بأمان في دار الإسلام وقتاً يسيراً؛
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ
ثُمَّ أَبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ﴾(٣)، فأباح لنا إقراره في دارنا هذه المدة.
وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا﴾(٤)،
إلى قوله: ﴿فَتِّمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَ هُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾.
(١) التوبة: ٢٩، قال تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَلَا
يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ
الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾.
(٢) التوبة: ٥، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدتُّعُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ
الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾.
(٣) التوبة: ٦.
(٤) التوبة: ٤.

١٨٧
كتاب السير والجهاد
وقد كانت رسل المشركين ووفودهم تَرِدُ على النبي عليه الصلاة
والسلام المدينةَ فيتركهم والمقامَ فيها إلى وقت رجوعهم، فثبت بذلك
جواز إقرارهم في دارنا مدة.
فإذا دخل إلينا حربي بأمان، وأقام في دارنا مدةً لم تَجْر العادة بمثله أن
يقيم فيها: تقدَّم إليه الإمام بالرجوع إلى داره، أو اختيار الذمة؛ لأنه لا
يجوز ترکه أبداً في دارنا.
* فإن بقيَ بعد التقدم إليه سنة: صار ذمياً من قِبَل أنَّ حكم لزوم
الجزية متعلق بمرور الحول، فصار مختاراً لها، كما أنَّ المشتري إذا
اشترى على أنه بالخيار ثلاثاً، يكون بسكوته في الثلاث مختاراً لإتمام
البيع، وبوطئه للجارية في الثلاث، وكما يصير المتصرف في السلعة بعد
رؤية العيب، راضياً بالعيب، ونظائر هذا كثيرة في الأصول.
* وأما إقامته بعد التقدم أقل من سنة: فإنه لا يجعله مختاراً للذمة،
ولزوم الجزية؛ لأنه لا يتعلق به حكم فيما وصفنا، فصار كسكوت
المشتري على أنه بالخيار ثلاثاً بعضَ الثلاث: فلا يدل على اختياره لإجازة
البیع(١).
مسألة : [ما يترتب على شراء الحربي لأرض الخراج]
قال: (ومَن دخل إلينا من الحربيين، فابتاع أرضَ خراج، فإنه إذا
وُضِع عليه الخراج: صار ذمياً).
قال أحمد: وذلك لأن الخراج لا يلزم أهل الحرب، كما لا تلزمهم
(١) شرح السير الكبير ١٨٦٧/٥، الهداية ٢٧٠/٥، بدائع الصنائع ١١٠/٧،
البحر الرائق ٥/ ١٠١.

١٨٨
کتاب السير والجهاد
جزية الرؤوس، فلما لزمه الخراج: صار من أهل الذمة، إذ كان لزوم ذلك
في الأصل من أحكام الذمة.
وأيضاً: فقد جرى عليه حكم أهل الدار بوضع الخراج عليه، فصار
من أهلها؛ لأن حكم الدار لا يتعلق إلا بأهلها، وإذا كان من أهلها صار
ء
ذمياً.
وأيضاً: فلا يجوز تسليم منافع هذه الأرضين إلى أهل الحرب، إذ لا
حقَّ لهم في دارنا، بدلالة أنهم لا يُعطون من الغنيمة شيئاً؛ لأنهم لو
أخذوها، لكان فيه إبطالُ الغنيمة، وإخراجٌ لها من أن تكون غنيمة،
لعودها إلى ما كان عليه حاله قبل أن یغنمه.
وإذا ثبت أنهم لا يجوز لهم ثبوت الحق في دارنا، ثم سلمنا إليه منافع
الأرض، وجب أن يكون في ذلك إلحاقه بحكم أهل الدار، وإذا صار من
أهل الدار وهو كافر، لزمته الجزية، وصار ذمياً.
ويجوز أن يُرَدَّ حكم الخراج إلى حكم الجزية في إلزامه إياه به حكم
الذمة، لأن الخراج والجزية جميعاً مأخوذان من أهل الذمة بحصول
حمايتنا لهم، فلما كان وضع الجزية عليه مُكْسِبة حكم الذمة، كان كذلك
حكم الخراج.
وأيضاً: فليس في الأصول ثبوت الخراج على أرض كافر، مع خلو
رقبته من الجزية، فلما امتنع وجود ذلك في الأصول، لم يصح إثباته،
ووجب إلزام رقبته الجزية، كما أُلزم أرضه الخراج (١).
(١) شرح السير الكبير ١٨٦٨/٥، بدائع الصنائع ١١٠/٧، البحر الرائق
١٠١/٥.

١٨٩
کتاب السير والجهاد
مسألة : (ما يترتب على زواج المستأمن بذمية أو العكس]
(وإذا تزوج الحربي المستأمَن ذميةً: لم يصر ذمياً، وإن كانت حربيةً
فتزوجت ذمياً: صارت ذمية).
وذلك لأن الزوج لا يلزمه المقام في دارها، فلم يتعلق بتزويجه حكم
الذمة، وأما المرأة فإنه يلزمها المقام في دار الزوج بعقد النكاح، فلما
فعلت ما يلزمها الكون في دارنا: صارت ذمية(١).
مسألة : [أثر اختلاف الدارين في الميراث]
قال : (ولا يتوارث أهل الذمة وأهل الحرب).
قال أحمد : وذلك لأن اختلاف الدارين يوجب قطع الحقوق فيما
بينهما(٢)، لدلائل قد ذكرناها فيما سلف من هذا الكتاب.
ألا ترى أنَّ اختلاف الدارين يوجب قطع العصمة في النكاح، ويمنع
ثبوت(٣) النكاح فيما بينهما.
مسألة : [حكم ابتداء المسلم أباه الكافر بالقتال]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للمسلم أن يبتدئ أباه الحربي بالقتل، وإن
أراده الأب: امتنع عليه، وكان له قَتْله على ذلك).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ،
(١) شرح السير الكبير ١٨٦٤/٥، بدائع الصنائع ١١٠/٧، فتح القدير
٢٧٢/٣، البحر الرائق ١٠٢/٥.
(٢) شرح السير الكبير ١٩٠٠/٥، البحر الرائق ١٠٣/٥.
(٣) في (د، م): ((حقوق)).

١٩٠
كتاب السير والجهاد
عِلَّمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(١).
وليس من الصحبة بالمعروف قَتْله.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر عن قَتْل أبيه،
وكان مشركاً (٢).
* فإذا أراده الأب: جاز له قتله على جهة الدفع عن نفسه، كما يجوز
له قتل أبيه المسلم على وجه الدفع عن نفسه إذا قصده بالقتل (٣).
مسألة : [حكم الخروج إلى أرض العدو بالمصحف والنساء]
قال: (ولا بأس على المسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وقال
محمد في السِّير: إذا كان في عسكر عظيم مأمون عليه، فإن كان على ما
سوی ذلك: لم ینبغ له أن يسافر به إلى دار الحرب.
قال: وكذلك حكم النساء في السفر بهنَّ إلى دار الحرب).
قال أحمد: لا خلاف أنه يجوز إمساك المصحف في الثغور العِظام
التي يُؤْمَن فيها عليه العدوُّ في غالب الحال، فكذلك العساكر العِظام هي
بمنزلة الأمصار؛ لأن غالب حالها السلامة.
* وأما إذا كانت سرية أو نحوها: فإنه يكره أن يسافر به (٤).
(١) لقمان: ١٥.
(٢) شرح السير الكبير ١٤٣٣/٤، الإصابة في تمييز الصحابة ٤٥/٢.
(٣) شرح السير الكبير ١٤٣٣/٤، تبيين الحقائق ٢٤٥/٣، البحر الرائق ٧٨/٥.
(٤) شرح السير الكبير ٢٠٥/١، البحر الرائق ٧٦/٥، بدائع الصنائع ١٠٢/٧،
شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ٢ / لوحة ١٤٢أ.

١٩١
کتاب السير والجهاد
لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ((نهى أن يُسافَر بالقرآن إلى
أرض العرب، مخافة أن يناله العدو))(١).
وذلك في السرايا والعدة(٢) القليلة، وقد بيَّن المعنى المانع من ذلك
بقوله: (مخافة أن یناله العدو)).
ويدل على اعتبار غلبة الرأي فيما وصفنا: أنَّ السرية إذا لقيت عدواً،
فإن كان في غالب ظنها مقاومته: لم يجز لهم أن ينصرفوا عنه، وإن كان في
غالب ظنها أنها لا تقاومه: جاز لها أن تنحاز عنه(٣).
وكذلك لو أنَّ رجلاً رأى رجلاً قد شهر عليه سيفاً حمل عليه، فإنه
يستعمل غالب ظنه، فإن غلب فيه أنه مازح غير جادٍّ، أو أنه لا يقصد
ضربه: لم يجز له قَتْله، وإن غلب في ظنه أنه قاصدٌ لقتله: حلَّ له قتله(٤)،
فكذلك ما وصفنا من اعتبار غالب الظن في حفظ المصحف، وصيانته عن
العدو.
* والنساء بهذه المنزلة؛ لأنهن ليس فيهن دَفْعٌ عن أنفسهن، فيجوز
إخراجهن في الجيوش العِظام؛ لأن غالب أمرها السلامة، وقد كان النبي
(١) صحيح البخاري ١٠٠/٦، صحيح مسلم ١٣/١٣. وفي فتح الباري:
الاختلاف في عبارة: ((مخافة أن يناله العدو)): أهي مرفوعة، أم مدرجة، وصوب ابن
حجر الرفع للشواهد المختلفة.
(٢) في (د، م): والعدد القليل.
(٣) انظر بدائع الصنائع ٩٨/٧.
(٤) عمدة القاري ٢١٢/١.

١٩٢
كتاب السير والجهاد
عليه الصلاة والسلام يُخرج بعضَ نسائه في كثيرٍ من الغزوات(١).
مسألة : [استعانة المسلمين بالمشركين في الحرب]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للمسلمين الاستعانة بالكفار على قتال
الكفار، إلا أن يكون حكم الإسلام هو الغالب، فإن كان كذلك واحتيج
إليهم: فلا بأس بذلك).
وذلك لأن حكم الكفر إذا كان هو الغالب، فالقهر والغلبة إذا حصلا،
كان حكم الكفر هو الظاهر، فصار ذلك قتالاً لإظهار حكم الكفر، ولا
يجوز للمسلم القتال على إظهار حكم الكفر، وإنما يجوز للمسلمين القتال
لإظهار دين الإسلام، ولتكون كلمة الله العليا، فلذلك لم يجز للمسلمين
أن يقاتلوا مع الكفار.
وأما إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر، فإنما جازت الاستعانة
بالكفار (٢)، لما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه مجيء أبي
سفيان مع الأحزاب، خرج إلى يهود بني قريظة، وقال لهم: ((إما قاتلتم
معنا، وإما أعرتمونا سلاحكم)) (٣).
(١) صحيح البخاري ٥٩/٦.
(٢) شرح السير الكبير ١٤٢٢/٤، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ٢/
لوحة ١٤٢ أ.
(٣) ذكر هذا أيضاً ابن عبد البر في التمهيد ٣٦/١٢ بدون سند كالجصاص، ولم
يعزه لأحد، ولكن فيه بدل: (بني قريظة): (بني النضير).
وذكره الجمال المَلَطي يوسف بن موسى (ت٨٠٣) في معتصر المختصر
٢٢٩/١، وهو معتصر لمختصر مشكل الآثار للطحاوي، حيث اختصره ابن رشد
الجد، ثم جاء الملطي واعتصره، وأجاب فيه عما أورده ابن رشد.

١٩٣
کتاب السير والجهاد
وقد ((كان عيينة بن حصن في آخرين من مشركي العرب يقاتلون مع
النبي عليه الصلاة والسلام، ويعطيهم النبي عطايا جزيلة، تأليفاً لهم على
الإسلام)»(١).
ويدل على أنَّ عيينة قد كان يقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو
كافر، أنه قال يوم الطائف: ((ما جئت لأنصر محمداً، وإنما جئتُ لأصيب
جارية من ثقيف، فأستولدها، فإنهم قوم نُكْر))(٢).
وقد كان المنافقون يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في
غزواته، منهم عبد الله بن أُبيِّ وأصحابه، وهم كفار، وعلم النبي عليه
الصلاة والسلام نفاقهم وكفرهم، ولم يمنعهم القتال معه، إذ كانت غلبتهم
حينئذ توجب إظهار حكم الإسلام.
وقد حُدِّثنا عن أبي مسلم الكجي حدثنا حجاج حدثنا حماد عن
محمد ابن إسحاق عن الزهري أنَّ ناساً من اليهود غزوا مع النبي صلى الله
عليه وسلم، فقَسَم لهم كما قَسَم للمسلمين (٣).
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٤٩٣/٢، تاريخ الطبري ١٧٥/٢.
(٢) والعبارة في كتب السيرة: ((فإن ثقيفاً قوم مناكير)). السيرة النبوية لابن هشام
٤٨٥/٢. البداية والنهاية ٣٥٠/٤، تاريخ الطبري ١٧٣/٢.
وقوم نُكْر، ومناكير: أي ذو دهاء وفطنة. ينظر النهاية لابن الأثير ١١٥/٥.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٣١٦٤) ٤٨٨/٦، السنن الكبرى ٣٧/٩، ٥٣،
وفيه: إسناده ضعيف ومنقطع، وكان ذلك بيهود قينقاع، فرضخ لهم، ولم يسهم لهم.
نصب الراية ٤٢٢/٣. قال الزيلعي: ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم
لهم، وأورد الزيلعي روايات مدارها على الزهري من طرق مختلفة، وذكر تعليق
البيهقي، ثم نقل عن صاحب التنقيح: مراسيل الزهري ضعيفة.

١٩٤
کتاب السير والجهاد
وأما ما روي عن عبد الله بن دينار عن عروة عن عائشة أنَّ النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((لا تستعينوا بمشرك))(١):
فإنه يحتمل أن يكون في حال قلة المسلمين، بحيث لم يأمن غدرهم
(٢)
و کیدهم(٢).
مسألة : [حكم إعطاء الأمان للعدو، ومَن يصح منه ذلك]
قال أبو جعفر: (وأمان الرجال والنساء من المسلمين لأهل الحرب
جائز، غير العبد المسلم ، فإن أبا حنيفة قال: إن كان يقاتل: فأمانه جائز،
وإن كان لا يقاتل: فأمانه باطل)(٣).
وأما أمان الرجل الحرِّ: فالأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((ويسعى بذمتهم أدناهم))(٤): يعني أقلهم عدداً، وهو واحد (٥).
ويقتضي أيضاً جواز أمان المرأة؛ لأنها مِن أدناهم(٦).
(١) صحيح مسلم ١٩٨/١٢ بلفظ: ((لا أستعين بمشرك))، مصنف ابن أبي شيبة
(٣٣١٥٩) ٤٨٧/٦، السنن الكبرى ٣٧/٩.
(٢) ينظر نصب الراية ٤٢٤/٣، آثار الحرب للزحيلي ص٧٣٤، نيل الأوطار
٨ /٤٤.
(٣) وكذلك في قول أبي يوسف، وعند محمد يجوز أمانه، يعني المحجور
عليه، ينظر شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ٢ / لوحة ١٤٢ أ، بدائع الصنائع
١٠٦/٣، الهداية وفتح القدير ٢١٣/٥.
(٤) سبق عزوه.
(٥) البحر الرائق ٨٠/٥، تبيين الحقائق ٢٤٧/٣.
(٦) شرح السير الكبير ٢٥٣/١٢، بدائع الصنائع ١٠٦/٧، تبيين الحقائق
٢٤٧/٣، البحر الرائق ٨٠/٥.

١٩٥
کتاب السير والجهاد
والأصل أيضاً في جواز أمان المرأة: ((أنَّ زينب بنت النبي عليه الصلاة
والسلام أجارت زوجَها أبا العاص بن الربيع، فأجاز النبي صلى الله عليه
وسلم أمانها))(١).
((وأجارت أم هانئ حَمَوين لها يوم فتح مكة، وقد كان علي رضي الله
عنه أراد أن يقتلهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أمَّنَّا مَن أمَّنت،
وأَجَرْنا مَن أَجَرَت))(٢).
* وأما وجه قول أبي حنيفة في إبطاله أمان العبد، إلا أن يكون مأذوناً
له في القتال، فالذي يدل عليه من جهة العموم: قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ
اَللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾(٣).
ومعلوم أنه لم يُرِد به نفي القدرة؛ لأن الرق لا تأثير له في حقيقة
القدرة، فثبت أنه أراد نفي الملك، فوجب بحق العموم أن لا يملك
الأمان (٤).
وأيضاً: فإن الأمان تصرُّفٌ على المسلمين بالولاية، والعبد لا ولاية
له، فلا يملك الأمان.
والدليل على صحة ذلك: أنَّ المجنون والصبي والكافر لا يجوز
(١) السنن الكبرى، ذكره من ثلاث طرق، وقال عن الثاني: إنه منقطع، وعن
الثالث: بأنه مرسل، ٩٥/٩، البداية والنهاية ١٨٠/٤.
(٢) سبق عزوه.
(٣) النحل: ٧٥.
(٤) التفسير الكبير ٨٤/١٠، الدر المنثور ١٥١/٥.

١٩٦
كتاب السير والجهاد
أمانهم، لعدم الولاية(١)، فكذلك العبد لما لم يملك الولاية على الغير، لم
يجز أمانه.
وأما المرأة فلها ولاية على الغير، ألا ترى أنها يجوز تزويجها للصغير
بحق الولاية، ويجوز تصرفها في سائر العقود، كما يجوز تصرف الرجل،
والعبد لا يملك شيئاً من ذلك، كالصغير والمجنون.
وأيضاً: فالأمان يمنع القتال، والعبد لا يملك القتال بنفسه، فلا يملك
المنع منه (٢)، ألا ترى أنَّ العبد لما لم يملك الشراء بنفسه، لم يملك
البيع(٣)، وأما إن أُذِن له في القتال: جاز أمانه، لأن الإذن في القتال: إذن
في الأمان، كما أنَّ الإذن للعبد في الشراء: إذنٌ له في البيع.
ولأن مَن يملك القتال، يملك تركه، وفي الأمان ترك للقتال.
فإن قيل: لو كان حكم الأمان متعلقاً بالقتال، لوجب أن لا يجوز أمان
المرأة، لأنها لا تملك القتال.
قيل له: ليس كذلك، هي تملك القتال، ولها أن تقاتل إذا
قدرت عليه، والعبد لا يملك القتال؛ لأن المولىُ أَوْلى باستخدامه،
والزوج لا يملك استخدام المرأة، فيمنعها بذلك أن تكون ممن
(١) الهداية وفتح القدير ٢١٥/٥، بدائع الصنائع ١٠٦/٦، البحر الرائق
٨١/٥، شرح السير الكبير ٢٥٥/١، نيل الأوطار ١٨١/٨ وفيه: أنَّ الجمهور أجازوا
أمان العبد، قاتل أو لم يقاتل.
(٢) فتح القدير ٢١٣/٥، تحفة الفقهاء ١٥١/٢، اللباب شرح الكتاب ١١/٣،
١٢٦/٤-١٢٧.
(٣) الدر المحتار ١٤٤/٦.

١٩٧
کتاب السير والجهاد
يملك القتال، فلذلك اختلفا.
وأيضاً: فإن المرأة ممن يملك في الأصل العقود والتصرف، فتملك
القتال، وإن كانت ممنوعة منه في بعض الأحوال، فملكت الأمان، والعبدُ
ليس ممن يملك شيئاً، وعقودُه وتصرفه موقوفة على إذن غيره، فكذلك
الأمان.
مسألة : [حكم الأمان من الأسير]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز أمان الأسير المسلم، ولا التاجر المسلم
اللذَيْن في دار الحرب).
وذلك لأنهما مقهوران في دار الحرب في أيدي أهلها، وأحكام أهل
الحرب جارية عليهما، فلم يجز عقدهما على المسلمين، ألا ترى أنهما لا
يملكان القتال في هذه الحال، لكونهما مغلوبين هناك(١).
مسألة : [دخول حربي إلى دار الإسلام بغير أمان، وأخذ مسلم له]
قال أبو جعفر: (ومَن دخل من أهل الحرب دار الإسلام، فأخَذَه
رجلٌ من المسلمين، فإن أبا حنيفة كان يقول: هو فيء لجميع المسلمين.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو فيءٌ لمن أخذه خاصة، ولا خُمُس عليه
فيه، وروي عنهما: أنَّ فيه الخُمُس)(٢).
قال أحمد : روي عن أبي حنيفة أيضاً روايتان في وجوب الخمس
(١) البحر الرائق ٨١/٥، بدائع الصنائع ١٠٧/٧، تبيين الحقائق ٢٤٧/٣.
(٢) مجمع الأنهر ٦٥٧/١، المختلف لأبي الليث (خ)، لوحة ١٣٢ أ، البحر
الرائق ٨٨/٥، ١٠١، بدائع الصنائع ١١٦/٧.

١٩٨
کتاب السير والجهاد
فيه، فأوجبه في إحداهما، ولم يوجبه في الأخرى.
وكان أبو الحسن الكرخي رضي الله عنه يقول: إن الصحيح من مذهب
أبي حنيفة: أن لا خمس فيه، والصحيح من مذهب أبي يوسف ومحمد:
أنّ فیه الخمس.
فأما وجه قول أبي حنيفة أنه فيء لكافة المسلمين: فهو أنه قد صار
مظهوراً عليه بدخوله دارنا، كما يصير مظهوراً عليه لو غلبنا على دار
الحرب، فکما یکون فیئاً إذا ظهرنا على دار الحرب، كذلك بدخوله دارنا.
وليس يقتضي صحة الظهور عليه أن يكون في يد إنسانٍ بعينه، ألا ترى
أنَّ الظهور على دار الحرب يوجب أن يكون جميع ما فيها فيئاً وإن لم
تحصل عليه يد، فكذلك هذا الحربي ينبغي أن يصير فيئاً، بكونه مظهوراً
عليه بدخوله دارنا وإن لم يحصل في يد.
وعند أبي يوسف ومحمد: لا يصير مظهوراً عليه بحصوله في دارنا
حتى تحصل عليه يدٌ، فيكون صاحب اليد أولى به، كالركاز غير مظهور
عليه بكونه في دارنا، حتى إذا حصلت عليه يدٌ الإنسان بعينه: كان أَوْلى
به، وفيه الخُمُس، کذلك حكم هذا الحربي.
* وأما وجه قول أبي حنيفة في إسقاطه الخمس عنه: فهو أنَّ الخمس
إنما يجب فيما تثبت فيه سهام المقاتلة، فيكون لهم فيه أربعة أخماسه،
فإذا لم يجب فيه ذلك: لم یجب فيه الخمس.
يدل على ذلك: الجزية وخراج الأرضين، أنه فيء ولا خُمُس فيه؛
لأن الأربعة الأخماس لم يستحقها المقاتلة.

١٩٩
کتاب السير والجهاد
* ووجه الرواية الأخرى في إيجابه: أنه مظهورٌ عليه، كما أنا إذا
ظهرنا على دارهم: وجب فيه الخمس(١).
مسألة: [ما غَنِمَه فردٌ مسلمٌ خرج إلى دار الحرب بغير إذن الإمام]
قال أبو جعفر: (ومَن دخل دار الحرب وحده بغير إذن الإمام، فغنم
غنيمة: فهي له، ولا خُمُس فيه).
قال أحمد: الأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿ وَمَآ أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولهِ،
مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَارِكَادٍ﴾(٢).
فلم يجعل للجيش حقاً فيما لم يغنم بظهورهم وقوتهم، وجعل الحكم
فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما غنمه الرجل الداخل دار الحرب،
مُغِيراً بغير إذن الإمام: فلا حقَّ لسائر الناس فيه، ولا خُمُس فيه أيضاً، لأنه
غَنمَه بغير قوة الإمام والمسلمين، فلا يستحقون منه شيئاً، ويكون هو أولى
به، وذلك لأن الحق في الغنيمة إنما يجب بأحد وجهين:
أحدهما: مباشرة القتال.
والآخر: بأن يكون ردءاً للمقاتلة، وكذلك حكم حق الخمس إنما
يتعلق بذلك.
* والواحد والاثنان إذا دخلا دار الحرب بغير إذن الإمام: فإنهما
خارجان عن نصرة الإمام، فلم يستحق الخمس فيما غنماه.
(١) بدائع الصنائع ١١٦/٧، تبيين الحقائق ٢٤٧/٣.
(٢) الحشر: ٦، وتمام نص الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ, عَلَى مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.

٢٠٠
كتاب السير والجهاد
فإن قيل: يجب بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
مُسَهُ﴾().
قيل له: ما يؤخذ على وجه التلصص ليس بغنيمة، إنما الغنيمة ما
أُوجف عليه بالمنعة، وما أُخذ على غير هذا الوجه، فهو بمنزلة أَخْذ
المباحات من الصيد وغيره.
* وليس كذلك إذا دخلها بإذن الإمام: فإنه يخمَّس ما غنمه، والباقي
فهو له، لأن الإمام في هذه الحال ردء له، فهو بمنزلة السرية، لأنه إذا
أمره بذلك فعليه نصرته، وإذا خرج بغير إذنه فهو عاصٍ، خارجٌ عن نصرة
الإمام له، ومعونتِه إياه.
وقد روى محمد بن الحسن في السِّير عن سفيان الثوري عن عمار
الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: ((أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم
رجلٌ، فشكا إليه الحاجة فقال: اصبر، فرجع إلى قومه، فقال: قال: اِصْبِر.
قال: فذهب، فأصاب من العدو غنيمة، فأتى بها النبيَّ عليه الصلاة
والسلام فأخبره، فطيَّيها له (٢)، فأنزل الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجً ))
(١) الأنفال: ٤١.
(٢) أورد المؤلف سبب النزول للآية مختصراً، وسبب نزولها مفصلاً، أنها
نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنَّ المشركين أسروا ابناً له، فأتى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه الفاقة، وقال إن العدو أسر ابني، وجزعت الأم
فما تأمرني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله واصبر، وآمرك وإياها أن
تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فعاد إلى بيته، وقال لا مرأته: إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أمرني وإياكِ أن نستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله،
=