Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ کتاب السير والجهاد الغانمين إلا بالحيازة في دار الإسلام، أو بالقسمة أو البيع؛ فلما كانت هذه المسبية باقيةً على حكم أهل الحرب، لم تِنْ من زوجها، فإذا سُبي زوجها بعد: كانا على النكاح كأنهما سُبيا معاً، وقد بينًا هذه المسألة فيما تقدم من أبواب النكاح. وأما إذا قسم الغنيمة أو باعها: فقد بانت من زوجها، من قِبَل أنَّ ذلك بمنزلة الحيازة والإحراز في دار الإسلام، فتنقطع به العصمة بينها وبين زوجها. فإن قيل: إنما كانت عِلَّتك في وقوع الفرقة بسبي أحد الزوجين اختلافَ الدارين، ومنعتَ أن يكون حدوث الملك موجباً للبينونة، على حسب ما يقوله مخالفوك في إيقاع البينونة بين الزوجين لورود الملك عليها بالسبي، فقد أوقعتَ الفرقة في دار الحرب، لأجل حدوث الملك بالقسمة والبيع من غير اختلاف الدارين، فدلَّ على أنَّ حدوث الملك بالسبي علة في إيجاب الفرقة، لبطلان كون اختلاف الدارين علة في قطع العصمة وإيقاع البينونة. قيل له: علَّنا في قطع العصمة باختلاف الدارين صحيحة، لم يَرِدْ عليها ما ينقضها، وقولك إنا أوقعنا الفرقة بالقسمة والبيع لأجل حدوث الملك عليها بالسبي: فليس كذلك، من قِبَل أنا أوجبنا الفرقة في هذا الوجه من قِبَل أنَّ القسمة والبيع يصيران في معنى حيازتها وإحرازها في دار الإسلام من جهة الحكم. ألا ترى أنها تمنع ثبوت حق جيش آخر فيها لو لَحِقَهم، وأنهم لو كانوا رجالاً لم يجز له بعد ذلك أن يقتلهم، فلما كان ذلك في حكم الحيازة في دار الإسلام، صار الزوجان في هذا الوجه، كأنهما قد اختلفت ١٤٢ کتاب السير والجهاد بهما الداران، فانقطعت العصمة بينهما، وبانت(١). مسألة : [إذا هرب عبد المسلم إلى دار الحرب ثم غنمه المسلمون] قال أبو جعفر: (ومَن لحق بدار الحرب مِن عبيد المسلمين آبقاً إليهم، ثم غنمه المسلمون، فاقتسموه أو لم يقتسموه: فإنه يُردُّ إلى مولاه في قول أبي حنيفة بغير شيء، وقال أبو يوسف ومحمد: يأخذه مولاه قبل القسمة بغير شيء، وبعدها بالقيمة). قال أحمد : من أصل أصحابنا: أنَّ العدو إذا غلبوا على أموالنا التي يصح تمليكها فيما بيننا ملكوها، ثم قال أبو حنيفة في العبد إذا أبق إليهم، فأسروه: لم يملكوه، فمتى وجده مولاه أخذه بغير شيء. ووجه ذلك: أنَّ حصول العبد في دار الحرب، يوجب زوال يد المولى عنه؛ لأن مَن كان في دار الإسلام لا يَدَ له على ما في دار الحرب، لأجل اختلاف الدارين، فلما زالت عنه يد المولى: صار في يد نفسه، لأنه ممن يصح أن يثبت له يد في نفسه، فصار بمنزلة المكاتب، لما كان في يد نفسه، مَنَعَ ذلك من وقوع يد أهل الحرب عليه، وملكِهم إياه بالغلبة (٢)، (١) يشير الشارح هنا إلى اختلاف الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مع الحنفية في سبب وقوع الفرقة بين الزوجين. هل هو تباين الدارين أي اختلافهما أو هو السبي؟ فيقول الحنفية: السبب اختلاف الدارين أو تباينهما، ويقول الشافعي: السبب هو السبي نفسه. شرح السير الكبير ٩١٥/٣، ١٢٥١/٤، الهداية مع فتح القدير ٢٩١/٣، شرح منهاج الطالبين للمحلي ٢٢١/٤، مغني المحتاج ٢٢٩/٤. (٢) شرح السير الكبير ١٢٩٧/٤، اللباب للميداني ١٢٧/٤، بدائع الصنائع ١٢٧/٧-١٢٨. ١٤٣ کتاب السير والجهاد ألا ترى أنه لا يصير مضموناً على الغاصب بالغصب(١). ومما يدل على أنَّ حصوله في دار الحرب يمنع بقاء يد مولاه عليه: أنَّ أهل الحرب لا يملكون علينا ما يغلبون عليه من أموالنا إلا بحيازتها في دار الحرب، وكذلك نحن لا نملك عليهم أموالهم إلا بحيازتها في دارنا، فلو كانت أيديهم وأيدينا باقية بعد حصولها في الدار الأخرى، لما وقع الملك بالحيازة فيها، كما لا يقع قبل الحيازة، لبقاء حكم يد المالك الأول فيها. ويدل عليه أيضاً: أنّ عبيدهم لو خرجوا إلينا مسلمين: عَتَقوا، ولو كان حكم أيديهم باقية لما عَتَقوا، كما لا يعتقون بنفس الإسلام، لأجل بقاء أیدیھم علیھم. وليس العبد عنده (٢) كالبعير إذا ندَّ إليهم وأخذوه، فيملكونه، من قِبَل أن البعير لا يصح أن يثبت له يدٌ في نفسه، فلما زالت يد المالك عنه، ولم تحصل عليه يد غير أيدي أهل الحرب، ملكوه. * ولأبي يوسف ومحمد: أنَّ العبد ممن يصح تمليكه، وانتقال الملك فيه بعد حصوله في دار الحرب، فملكه أهل الحرب بالغلبة، كسائر الأموال إذا غلبوا عليها، ألا ترى أنَّ المولى لو مات، انتقل ملكه إلى الوارث عند أبي حنيفة وإن كان في دار الحرب، وليس كالمكاتب؛ لأنه لا يصح نقل الملك فيه بحال مع بقاء الكتابة (٣). (١) شرح السير الكبير ١٣٣٤/٤. (٢) في هامش ((م): ((عنده: عند أبي حنيفة)). (٣) شرح السير الكبير ٩١٠/٤، ١٢٩٧، ١٣٠٠-١٣٠١، اللباب شرح الكتاب ١٣٠/٣، ١٢١/٤، الهداية وفتح القدير ٢٦٢/٥، بدائع الصنائع ١٢٨/٧. ١٤٤ كتاب السير والجهاد مسألة : [أموال المسلمين التي أخذها العدو، ثم غنمها المسلمون] قال: (وما أوجف(١) العدوُّ عليه من أموال المسلمين، فأحرزوه في دارهم، ثم غنمه المسلمون، فإن وجده صاحبُه قبل القسمة: أخذه بغير شيء، وإن وجده بعد القسم: أخذه بالقيمة إن شاء)(٢). قال أحمد : دليلنا على صحة وقوع ملك أهل الحرب على أموالنا بالغلبة من جهة الكتاب، والسنة، واتفاق السلف، والنظر. فأما دليل الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾(٣). فأخبر أنهم كانوا ذوي أموال، وأطلق اسم الفقر عليهم، لغلبة أهل الحرب عليها، فثبت بذلك أنَّ أملاكهم زالت عنهم بغلبة عدوهم عليها، لولا ذلك لما صحَّ إطلاق اسم الفقر عليهم؛ لأن هذا الاسم على الحقيقة إنما يتناول مَن لا يملك شيئاً، أو يملك شيئاً يسيراً. فإن قيل: إنما أطلق عليهم اسم الفقر لانقطاعهم عن أموالهم. قيل له: انقطاع الإنسان عن ماله، لا يستحق به إطلاق اسم الفقر عليه حقيقة وإن جاز له أخذ الزكاة، وإنما يسمى في هذه الحال ابن سبيل(٤). (١) أي: أعمل خيله أو ركابه في تحصيله. تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٦٠، المغرب ص٤٧٧. (٢) شرح السير الكبير ١٢٩٧/٤، الهداية ٢٥٧/٥، بدائع الصنائع ١٢٧/٧. (٣) الحشر: ٨. (٤) فتح القدير ٢٥٥/٥. ١٤٥ کتاب السير والجهاد والدليل عليه: ما حُدِّثنا عن أبي داود السجستاني قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن عمران البارقي عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحل الصدقة لغني، إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جارٍ فقير يُتُصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك)). قال أبو داود: رواه فراس وابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله(١). فسمى النبيُّ عليه الصلاة والسلام ابنَ السبيل المنقطع عن ماله: غنياً، فانتفى بذلك عنه اسم الفقر على الإطلاق، فثبت أنّ إطلاق اسم الفقر على المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إنما هو من أجل زوال أملاكهم، لغلبة العدو عليها. * وأما جهة السنة: فما حدثنا أبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن الجعابي قال: حدثنا محمد بن الحارث الواسطي حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن سفيان الثوري عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة قال: ((أصاب العدو ناقةَ رجلٍ من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين، فعَرَفها صاحبُها، فأتى النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فأمره أن يأخذها بالثمن الذي اشتراها به من العدو، وإلا خلَّى بينه وبینھا)»(٢). (١) سنن أبي داود ٣٨٠/١، مسند أحمد (١٠٨٧٥) ٤١٧/٣. (٢) المعجم الكبير (٣٣٣٥٤) ٢٥٤/٢، السنن الكبرى ١١١/٩، شرح معاني الآثار ٢٦٣/٣، مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٣٦٤) ٥٠٧/٦ قال البيهقي: لا يحتج ١٤٦ كتاب السير والجهاد وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن محمد حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الدباج حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الرحيم عن شقيق عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي عليه الصلاة والسلام نحوه، رواه سهل بن عثمان موصولاً. ورواه أيضاً ياسين الزيات موصولاً حدثنا أبو بكر حدثنا محمد بن الحارث الواسطي حدثنا عبد الله بن عمر. حدثنا عبد الرحيم عن ياسين الزيات، عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي عليه الصلاة والسلام مثله. وحدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن ياسين الزيات عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي عليه السلام مثله. وروي هذا الحديث عن جابر بن سمرة بإسناد آخر: حدثنا أبو القاسم الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا إبراهيم بن محمد الهمداني عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة عن النبي عليه الصلاة والسلام مثله. وحدثنا أبو بكر الجعابي حدثنا يحيى بن محمد (١) حدثنا أحمد بن بالحديث لأن في طريقه متروكَيْن: إسحاق وياسين. (١) في (د، م): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الدباج، ويرجَّح ما في النسخ الأخرى، وهو المدون في الأعلىُ، وقد سبق ذكر ذلك الطريق في الحديث الثاني من الاستدلال. ١٤٧ كتاب السير والجهاد عبد الله بن زياد الدباج حدثنا سهل بن ثمان حدثنا إبراهيم بن محمد بن مالك الأنباري عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة عن النبي عليه الصلاة والسلام مثله. وروى أبو يوسف وغيره عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال في بعير أحرزه العدو، ثم غَلَب عليه المسلمون: إن وجدتَه قبل القسمة: فأنتَ أحق به بغير شيء، وإن وجدتَه بعد القسمة: فأنتَ أحق بالثمن إن شئتَ))(١). وحدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا علي بن المديني قال: سألت يحيى القطان عن حديث الحسن بن عمارة هذا؟ فقال يحيى: حدثنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة بهذا الحديث، فقال أبو بكر بن الجعابي: رواه أيضاً أحمد بن حنبل عن إسحاق الأزرق عن مسعر بإسناده ومتنه. * وأيضاً: روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن أسلم على مال: فهو له))(٢). (١) السنن الكبرى ١١١/٩. قال البيهقي: فيه متروك، لا يحتج به، وتعقبه ابن التركماني بأن الروايات الخمس التي خرجها ابن أبي شيبة يشد بعضها بعضاً ... إلخ الجوهر النقي لابن التركماني ١١٢/٩، وينظر نصب الراية ٤٣٤/٣. (٢) سنن أبي داود بمعناه ١٥٦/٢، السنن الكبرى للبيهقي ١١٣/٩ بلفظ: ((على شيء)) بدل: ((على مال))، قال البيهقي: وفي إسناده: ياسين بن معاذ الزيات، قال: كوفي جرحه يحيى بن معين والبخاري وغيرهما من الحفاظ اهـ، إرواء الغليل (١٧١٦) ١٥٦/٦، وفيه أخرجه سعيد بن منصور ... هذا الحديث مرسل، ولكنه = ١٤٨ كتاب السير والجهاد وهذا عام فيمن أسلم على مال أخذه من مسلم، أو كان له. : وأيضاً: روي ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل مكة يوم الفتح، قيل له: ألا تنزل دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رَبْعٍ؟))(١). وروي ((أنَّ عقيلاً باع دار النبي صلى الله عليه وسلم ودور أهل بيته لما هاجروا))، فأخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنه لم يبق له ملك فيها، لأجل غلبة عقيل عليها قبل الفتح. فإن قيل: يحتمل أن يكون خربها، فلم يمكن نزولها، فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام ما قال. قيل له: ما ذكر أحدٌ أنه خربها، وقد ذكر أنه باعها، فهذا تأويل خطأ. وأيضاً: لو كان خربها، كيف كان يقال له: ((ألا تنزل دارك))؟. قال أحمد : فهذه أحاديث قد رويت في ذلك من جهات مختلفة، كلها توجب صحة ما ذكرنا. * وأما ما ذكرنا من اتفاق السلف، فإنا لا نعلم أحداً من السلف روي عنه خلاف قولنا، في أنهم يملكون علينا(٢). وقد روي عن أئمة السلف فيه مثل قولنا، منهم عمر بن الخطاب(٣)، صحيح الإسناد، وينظر مجمع الزوائد ٣٣٨/٥ وعزاه لمسند أبي يعلى ٣٢٤/٥، شرح السنة للبغوي ٨/١١. (١) سبق عزوه. (٢) بداية المجتهد مع الهداية في تخريج أحاديث البداية ٧٩/٦. (٣) ينظر لهذه الآثار: مصنف ابن أبي شيبة من رقم (٣٣٣٥١) إلى (٣٣٣٦٠)، شرح معاني الآثار ٢٦٤/٣، شرح السير الكبير ١٢٩٨/٤. ١٤٩ كتاب السير والجهاد وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة بن الجراح، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، والحسن، والزهري رضي الله عنهم، كرهنا ذكر أسانيدها خوف الإطالة، ولأنها أخبارٌ مشهورة مستغنى عن ذكر أسانيدها لاستفاضتها، كلّها يوجب وقوع ملك أهل الحرب فيما يغلبون عليه من أموالنا. * وإنما الخلاف بين السلف من وجه آخر، وهو أنّ بعضهم يقول: لا يُردُّ منه شيء إلى صاحبه الأول، وهو فيء للمسلمين إذا أخذناه بعد ذلك من أهل الحرب، وهو مذهب الحسن، والزهري(١). ويروى عن زيد بن ثابت أنه قال: يأخذه صاحبه قبل القسمة، ولا سبيل له عليه بعد القسمة. ومعنى ذلك عندنا: أنه لا سبيل له عليه في أن يأخذه بغير شيء، ولا دلالة فيه على أنه لا يأخذه بالقيمة. وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: یردُّ على صاحبه، فَسَمَ أو لم يقسم إذا قامت البينة. وهو موافقٌ لقولنا؛ لأنه لم يقل: يردُّ عليه بغير شيء، ونحن نقول: يرد عليه في الوجهين جميعاً: قسم أو لم يقسم، إلا أنه بعد القسمة يأخذ بالقيمة، وأقل أحوال حديث أبي بكر هذا، إذ احتمل ما وصفنا، واحتمل غيره، ولا دلالة لنا في ظاهر لفظه على أحد الوجهين دون الآخر أن(٢) يسقط الاحتجاج به في إثبات الخلاف بين السلف في وقوع ملك أهل (١) شرح معاني الآثار ٢٦٤/٣، فتح الباري ١٣٧/٦، عمدة القاري ٢/١٥. (٢) في (ر.حـ): لم. ١٥٠ کتاب السير والجهاد الحرب على ما غلبوا عليه من أموالنا. * فالذي حصل من الخلاف بين السلف على وجوه ثلاثة بعد اتفاق الجميع منهم على صحة وقوع ملك أهل الحرب فيما غلبوا عليه: أحدها: ما روي عن عمر وعلي وأبي عبيدة: في أنّ صاحبه يأخذه قبل القسمة بغير شيء، وبعد القسمة بالقيمة. والثاني: قول زيد: إنه يأخذه قبل القسمة بغير شيء، ولا سبيل له عليه بعد القسمة. والثالث: قول الحسن والزهري: إنه لا سبيل لصاحبه عليه، لا قبل القسمة ولا بعدها. فإذا حصلت أقاويل السلف على هذه الوجوه الثلاثة، وكانت مع اختلافها موجبة لوقوع ملك أهل الحرب فيما غلبوا عليه من أموالنا، ثبت حجته في إيجاب الملك، ولم يسغ خلافه؛ لأن القول بنفي الملك رأساً خارج عن أقاويلهم، والخروج عن أقاويلهم كالمخالفة لإجماعهم، لأنهم لما اختلفوا في المسألة على هذه الوجوه الثلاثة، فقد اتفقوا على أنَّ ما خرج عنها فهو خطأ، إذ لا جائز أن يخرج الحقُّ عن أقاويلهم جميعاً، لأنه لو جاز ذلك، لجاز أن يُجْمِعوا على خطأ، وهذا فاسدٌ قد عُلم بطلانه بقيام دلالة صحة إجماع السلف، ومثل هذه الأقاويل يثبت بها إجماع عندنا. * وأما وجهه من طريق النظر: فهو أنَّ أهل الحرب إذا غلب بعضهم على مال بعض: ملكوه، والمعنى فيه: حصول الغلبة فيما يجوز أن يملك مع اختلاف الدارين، وذلك موجود في أموالنا إذا أخذوها، فوجب على ذلك أن يملكوا علينا. ١٥١ کتاب السير والجهاد فإن قيل: فهُمْ يملك بعضُهم على بعض رقابهم، ولا يملكون رقابنا إذا أسرونا، فلا يجوز أن يكون ذلك أصلاً في وقوع ملكهم على أموالنا، إذا غلبوا عليها. قيل له: قلنا إنهم يملكون علينا ما يجوز أن نملكه عليهم، ويملكه بعضهم على بعض، ورقابنا مما لا نملكه نحن فيما بيننا، ونملك رقابهم، فملكوا أولئك مثلها، وأما رقابنا، فإنه لا يصح أن يملكها بعضنا على بعض، فلا يملكوها علينا. والأموال لما جاز أن يملكها بعضنا على بعض، جاز أن يملكوها علينا، قياساً على ملك بعضهم على بعض، ويجوز أن نقيس المسألة بهذه العلة بعينها على ملكنا لأموالهم بالغلبة. فإن قيل: إنما جاز أن نملكها نحن عليهم، وأن يملك بعضهم على بعض؛ لأن أموالهم مباحة، وأموالنا لما كانت محظورة، لم يجز أن يملكوها علينا. قيل له: ليست هذه معارضة على اعتلالنا، لأنك نصبتَ في أهل الحرب علة لوقوع الملك لا تعارض اعتلالنا؛ لأنهما جميعاً علة لوقوع الملك، فلا تتنافيان، إلا أنَّ إحداهما أعم من الأخرى، وذلك لا يوجب تضاداً في الاعتلال ولا تعارضاً،. وهو اعتلالٌ فاسدٌ أيضاً، من جهة أنه مقصور الحكم على موضع الاتفاق. فإن قال قائل: أقيسُ غلبتهم على أموالنا على اتفاقنا في الغاصب والباغي إذا غلبا على مالنا، أنَّ ذلك لما كان محظوراً لم يوجب الملك. قيل له: هذا فاسد؛ لأن أموال أهل الحرب ورقابهم محظورة من ١٥٢ کتاب السير والجهاد بعضهم على بعض قبل الإسلام،، ثم قد كانت الغلبة موجبة للملك في الرقاب والأموال. والدليل عليه: أنَّ زيد بن حارثة قد كان ممن سُبي في الجاهلية واستُرق، فاشتراه حكيم بن حزام، وأهداه إلى خديجة بنت خويلد، فوهبته لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فأعتقه(١)، فلو لم يكن قد ثبت ملكه عليه، لما صح عتقه، فدل ذلك على صحة مِلْك أهل الحرب بعضهم على بعض قبل الإسلام أموالهم ورقابهم مع كونها محظورة علیهم، لأن إباحة الغنائم کانت لرسول الله صلی الله عليه وسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أُحلت الغنائم لقوم سودِ الرؤوس غیر کم»(٢). وقال: ((أُعطيت خمساً لم يعطهن نبيٌّ قبلي: منها: أنها أُحلت ليَ الغنائم)»(٣). وأيضاً: فإن أموال أهل الحرب غير مباحة لبعضهم من بعض، من قِبَل أنَّ استباحة الغنائم متعلقة بالدعاء إلى الدِّين، ومَن أخذها على غير هذا الوجه: فهو عاصٍ لا يجوز له أَخْذها، ألا ترى أنَّ قتال بعضهم لبعض معصية؛ لأنه ليس هو للدعاء إلی دین الله تعالی. وأيضاً: الداخل إلى دار الحرب بأمان، محظور عليه أَخْذ أموالهم، (١) السيرة لابن هشام - مع الروض الأنف - إسلام زيد بن حارثة ٢٨٦/١. (٢) مسند الإمام أحمد ٤٩٨/٢، وفي بلوغ الأماني ١٤ /٧٠ والقول المسدد: أخرجه الترمذي وسنده جيد، جامع الترمذي ٣٧٨/٢. (٣) صحيح البخاري ٣٤٦/١. ١٥٣ كتاب السير والجهاد ولو أخَذَها وأخرجها إلى دار الإسلام: ملكها مع كونها محظورة عليه (١). وقد كان المغيرة بن شعبة صَحِبَ رُفقةً قبل أن يسلم، فقتلهم، وأخذ أموالهم، وأسلم، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما الإسلام: فقد قَبْنا، وأما المال: فإنه مالُ غَدْر، لا حاجة لنا فيه))(٢). فأخبره أنه مال غَدْرٌ، ولم يأمره بردِّه إلىُ ورثة المُلاَّك. ولو أنَّ رجلاً قَصَدَ إلى أن يَنْحَل بعضَ ولده دون الباقين، كان ذلك محظوراً عليه، ولو فعل صحَّ التمليك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي النعمان بن بشير حين أراد أن يَنْحَله دون غيره من بنيه: هل نَحَلْتَ سائر ولدك مثل هذا؟ فقال: لا، فقال: أشهدْ على هذا غيري، فإني لا أشهد علىُ جَوْر))(٣). فأخبره أنه جَوْرٌ، ولم يبطله، لأنه قال: ((أشهدْ عليه غيري))، ولو كان باطلاً، ما أمره بأن يُشهد عليه غيره، فسقط بذلك اعتبار جهة الحظر (٤). فإن قيل: لو ملكوه علينا، لم يكن لصاحبه أخذه قبل القسمة بغير شىء. (١) شرح السير الكبير ١٢٧٦/٤. (٢) السنن الكبرى ١١٣/٩، ٢١٨، المراسيل لأبي داود - بمعناه (٣٤٠، ٣٤١)، وفي الهامش - تحقيق شعيب الأرناؤوط - أثنى على الطريقين، ص٢٥١ - ٢٥٢. (٣) صحيح البخاري ١٦٣/٥، صحيح مسلم ٦٥/١١. (٤) شرح معاني الآثار ٢٨٥/٤، عمدة القاري ١٣/ ١٤٤. ١٥٤ کتاب السير والجهاد قيل له: ثبوت حق الآخذ فيه بغير بدل، لا ينفي صحة ملكهم، ألا ترى أنَّ الواهب يرجع في الهبة لغير ذي الرحم المَحْرم عندنا، ويرجع عند مخالفنا الأبُ فیما وهبه لابنه، ولا يدل ذلك على نفي ملکه(١). وللإمام أن يأخذ صدقة المواشي من مال رب المال إذا امتنع من دفعها، ولا يدل ذلك على نفي ملكه بدءاً، وإنما اختلف حكمه قبل القسمة وبعدها، كما اختلف في باب جواز قتل الأسرى قبل القسمة، وامتناع ذلك فيهم بعدها، ولا يجوز لواحدٍ من الغانمين بيع نصيبه قبل القسمة، ويجوز بعدها. * فإن احتجوا بحديث عمران بن حصين ((في العَضْباء(٢)، حين أخذها المشركون في سرح (٣) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعها امرأة من المسلمين، فركبت العضباء، وتوجهت قِبَل المدينة، ونذرت لئن نجَّاها الله عليها لتنحرثَّها، فلما قدمت، عُرِفت الناقة، فأتوا بها رسولَ الله، فأخبرته المرأةُ بنَذْرها فقال: بئس ما جزيتِها، لا وفاء لنذرِ في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم))(٤). قالوا: فلو كان أهل الحرب يملكون علينا بالغلبة، لوجب أن يصح (١) تبيين الحقائق ٩٧/٥، الاختيار لتعليل المختار ٥١/٣. (٢) العضباء: عضبت الشاة عضباً من باب تعب: انكسر قرنها .. وعضبت الشاة، والناقة عضباً: أيضاً إذا شق أذنها ... وكانت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم تلقب العضباء لنجابتها، لا لشق أذنها. المصباح المنير (عضب) ٦٤/٢. (٣) سرح: المسرح، هو الموضع الذي تسرح إليه الماشية بالغداة للرعي، يقال: سرحت الماشية: تسرح، فهي سارحة. النهاية في غريب الحديث والأثر ٢ / ٣٥٧. (٤) صحيح مسلم ٩٩/١١. ١٥٥ كتاب السير والجهاد نذرها، لأنها ملكتها عليهم. قيل له: لا تخلو المرأة في حال ركوبها العضباء من أن تكون في دار الحرب، أو في دار الإسلام، فإن كانت في دار الحرب: فقد نذرت قبل الإحراز، والغنيمة إنما تُملك عندنا بالإحراز. وإن كانت في دار الإسلام: فأهل الحرب لم يملكوها؛ لأنهم لا يملكون علينا إلا بإحراز ما يأخذونه في دارهم، فلا دلالة في هذا الحديث لمخالفنا. بل فيه الدلالة من وجه على صحة قولنا، وذلك أنها لو لم تكن عندها أنهم قد ملكوها، وأنها تملكها عليهم بأخذها، ما كانت نذرت نحرَها(١). * وأما قول من قال: إنه لا سبيل لصاحبه عليه قبل القسمة ولا بعدها: فإنه يبطله ما روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ((أنَّ غلاماً له أَبَقَ إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر، ولم يقسمه))(٢). وذهب فرس له فأخذها العدو، فظهر عليه المسلمون، فردَّ عليه في زمن رسول الله صلی الله علیه وسلم. وقد اختُلِف في لفظ هذا الحديث، إلا أنه قد رُوي على الوجه الذي ذکرنا. (١) شرح معاني الآثار ٢٦٣/٤. (٢) سنن أبي داود ٥٩/٢، وذكره البخاري تعليقاً ٦/ ١٣٧. ١٥٦ کتاب السير والجهاد مسألة : [شراء المسلم في دار الحرب عبداً مأسوراً وتصرفه فيه] قال أبو جعفر: (ولو دخل رجل من المسلمين دار الحرب، فاشترى منهم العبد المأسور، أو وهبوه له، فأعتقه المشتري، والموهوبُ له: فعِتْقه جائز، وما لم يعتقه: فلمولاه الأول أخذه بالثمن في الشراء، وفي الهبة بقیمته). قال أبو بكر: يأخذ في الشراء بالثمن؛ لأنه حصل على المشتري، كما أوجب النبي عليه الصلاة والسلام له أَخْذه بعد القسمة بالقيمة، بحصوله للمقسوم له بالقيمة. وأما في الهبة، فإنه يأخذه بالقيمة، إذ ليس هناك بدل غيرها، ولا يجوز له أخذه بغير شيء، وعِثْق المشتري جائز فيه، لأنه مالك(١). وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم))(٢). فأنفذ عتق المالك، وهذا مالك، فوجب نفاذ عتقه. * قال: (وكذلك لو أسلم أهل الحرب عليه: كان لهم، ولم يكن لمولاه عليه سبيل)(٣). وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن أسلم (١) بدائع الصنائع ١٢٢/٧، تبيين الحقائق ٢٦٢/٣، فتح القدير ٢٦٥/٥. (٢) تقدم تخريجه. (٣) بدائع الصنائع ١٢٢/٧. ١٥٧ كتاب السير والجهاد على مال: فهو له))(١). مسألة : [هبة المسلم للعبد المأسور الذي حصل في ملكه] قال أبو جعفر: (ولو لم يعتقه المشتري منهم، أو الموهوب له، ولكنه وَهَبَه لآخر، أو باعه: فإن محمداً قال ولم يحك خلافاً: إنه ليس للمولى نقض ما صنع، ولكنه في الهبة يأخذه بقيمته من الموهوب له، وفي البيع بثمنه الذي حصل على المشتري الثاني). قال أحمد : ليس للمولى الأول نقض تصرف المشتري، كما لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم للمولى الأول نقض القسمة وأخذه من يدي المقسوم له بغير شيء، لأنه لو كان له نقض القسمة، عاد إلى حاله قبل القسمة، فكان يأخذه بغير شيء، فثبت بذلك جواز تصرف المشتري. * قال أبو جعفر: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنَّ له نقض تصرف المشتري، والموهوب له، وإن شاء أخذه بالعقد الثاني الذي عقده المشتري). قال أحمد : هذا الذي حكاه عن أبي يوسف غير معروف، ويجوز أن يكون من رواية وقعت إليه، وقد روى هذا القول ابنُ سماعة عن محمد وحده في نوادره، وقال: جعله محمد بمنزلة الشفيع، له نقض بيع المشتري، وإن شاء أخذه بالبيع الثاني كذلك هذا. قال أحمد: لو كان كذلك، لكان له نقض القسمة أيضاً، وأَخْذه بغير (١) تقدم تخريجه. ١٥٨ كتاب السير والجهاد شيء، كما له نقض بيع المشتري(١). مسألة : [سبي أهل الحرب مدبّراً ونحوه، ثم ظفر المسلمين به] قال أبو جعفر : (وإن سبى أهل الحرب مدبَّراً أو أمَّ ولد، فأحرزوه في دارهم، ثم ظفر به المسلمون: رُدَّ على مولاه، قسم أو لم يقسم). قال أحمد : إنما يملك أهل الحرب علينا ما يجوز أن يملكه بعضنا على بعض، ألا ترى أنهم لا يملكون علينا رقابنا بالأسر، فكذلك كل ما لا يجوز نَقْل الملك فيه فيما بيننا لم يملكوه علينا، لأن الغلبةَ جهةٌ يُملَك بها، كالعقود والموت هي جهات الملك، فما لا يجوز أن يملك بهذه الأسباب، لم يصح ملكه بالغلبة. مسألة : [مفاداة أسرى المسلمين] قال أبو جعفر: (واختُلف عن أبي حنيفة في الفداء بمَن نَسْبيه من أهل الحرب، بمَن في أيدي الحربيين من المسلمين، فرُوي عنه أنه لا یفادى بهم، ولا يُردُّون إلى حربيتهم؛ لأن فيه قوةً لأهل الحرب، قال: ولكن يفادى بمَن في أيدي أهل الحرب من المسلمين بمالٍ غير السلاح. وقد روي عنه أنه قال: لا بأس بأن يفادئ بالمشركين أسرى المسلمین، وهو قول أبي يوسف ومحمد). قال أحمد : المشهور من قول أبي حنيفة أنَّ أسرى أهل الحرب لا يفادون بشيء، ولا يُردُّون إلى دار الحرب، فإما أن يقتلوا، أو يُسترقُوا إن (١) الهداية مع فتح القدير ٢٥٧/٥، بدائع الصنائع ١٢٩/٧، تبيين الحقائق ٢٦٢/٣، شرح السير الكبير ١٢٩٨/٤. ١٥٩ کتاب السير والجهاد كانوا يُقَرُّون على دينهم، وإن كانوا ممن لا يُقَرُّ على دينه: فليس يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل. والحجة لهذا القول: قول الله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾(١) إلى آخر الآية. فحَكَم فيهم بأحد حُكمين: إما القتل أو الجزية، وفي إثبات ردهم إلى دار الحرب، إسقاطُ حكم الآية. وقال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُهُ لِلَّهِ﴾(٢). يعني حتى لا يكون كفر، ولا جائز أن يردهم إلى بلادهم لتكون فتنة، وهو ضد ما في الآية، ولا يجوز أن نردهم لنستنقذ المسلمين؛ لأن علينا الاجتهاد في قتالهم لاستنقاذ مَن هناك من المسلمين. والأسرى من المسلمين هناك في منزلة شريفة، بصبرهم على احتمال الأذى في حياطة أديانهم، مشاقًين لأعداء الله الكفرة، مراغمين لهم، مستهزئين بما هم في جنب ما يرجون من ثواب الله تعالى، فذلك ضرب من الجهاد، ولما فيه من غيظ الكفار، فلا يجوز لنا ردُّ أسارى الكفار إلى دارهم، لأجل حال أسرانا هناك؛ لأن في ردهم إليها معاونةَ على سائر (١) التوبة: ٢٩. (٢) الأنفال: ٣٩. ١٦٠ کتاب السير والجهاد أهل الإسلام، وتقويةً للكفر وأهله(١). ألا ترى أنهم لو قالوا لنا: اتركوا صلاة واحدة من فروضكم لنُطلق لکم أسراکم، لم يسعْنا إجابتهم إلى ذلك وإن كان فيه حقن دماء الأسرى، ووصولهم إلى دار الإسلام، فكذلك لا يجوز ترك قتل المشركين، وهو فرضٌ علينا لأجل الأسرى. ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْأْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾(٢). فلم يبح تخليتهم إلا بشريطة الإيمان بعد أسرهم، فلا تجوز مفاداتهم؛ لأنها تنفي ما في الآية(٣). فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَّىَ إِذَآَ أَتْخَتُهُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ (٤). (١) السير الكبير وشرحه ١٦٥٠/٤، تبيين الحقائق ٢٤٩/٣، بدائع الصنائع ٧/ ١٢٠، الهداية مع فتح القدير ٢١٩/٥. (٢) التوبة: ٥. (٣) تفسير الطبري ١٣٤/١٤، أحكام القرآن للجصاص ٢٧٠/٤، تفسير ابن کثیر ٣٤٩/٢. (٤) محمد : ٤.