Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ کتاب السير والجهاد وإذا وقع الخلاف لم يصح الاحتجاج بقول بعضهم إلا بدلالة من غيره. [أدلة مَن قال بأن السواد في العراق كان موقوفاً] واستدل من قال إنها موقوفة على ملك المسلمين: بما روى قيس بن مسلم عن طارق ابن شهاب قال: ((أسلمت امرأة من أهل نهر الملك(١)، فقال عمر: إن اختارت أرضها؛ وأدَّت ما على أرضها، فخلّوا بينها وبين أرضها، وإلا فخلَّوا بين المسلمين وبين أرضهم)»(٢). وبما روى المسعودي عن أبي عون الثقفي قال: أسلم دهقان(٣) على عهد علي رضي الله عنه، فقال له علي: أما أنتَ، فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا (٤). وبما روى جماعة من السلف من كراهة شراء أرض الخراج، وادَّعَوا أنَّ كراهتهم لذلك كانت من جهة أن أهلها غير مالكين لها، وأنها موقوفة على ملك مَن فتحها(٥). ص٧٢. (١) نهر الملك: كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى، يقال: إنه يشتمل على ثلاثمائة وستين قرية على عدد أيام السنة. معجم البلدان ٣٢٤/٥. (٢) الخراج ليحيى بن آدم رقم (١٨١) ص٥٩. وانظر الأموال لأبي عبيد، ص٩١، مصنف ابن أبي شيبة رقم (٣٢٩٤٣) ٤٦٣/٦، شرح السير ٢١٣٨/٥. (٣) الدِّهقان: بكسر الدال: رئيس القرية. النهاية لابن الأثير ١٤٥/٢. (٤) الأموال لأبي عبيد (١٢٤)، ص ٦٠، الخراج ليحيى بن آدم (١٨٩) ص٦١، مصنف ابن أبي شيبة رقم (٣٢٩٤١)، وكذا عن عمر وعلي، رقم (٣٢٩٤٢) ٦/ ٤٦٢. (٥) مصنف ابن أبي شيبة برقم (٢٠٧٩٤، ٢٠٧٩٥، ٢٠٧٩٦) ٣٣٧/٤، = ٨٢ کتاب السير والجهاد قالوا: والأجرة تسمى خراجاً (١)، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الخراج بالضمان))(٢)، يعني الغلة، ((وأن النبي عليه الصلاة والسلام لما حَجَمه أبو طيبة، سأل أهله أن يضعوا من خراجه))(٣). * قال أحمد: وأما قولهم إن السواد في أيدي أهله على وجه الإجارة، وأنها باقية على ملك المسلمين موقوفة عليهم: فإنه قول بيِّن الاستحالة، ظاهرُ الفساد، ومع ذلك، فدلالته قائمة على صحة قولنا وإن سلَّمنا لهم دعواهم هذه، وسنبيِّن ذلك بعد إيضاحنا لفساد دعواهم هذه، فنقول: [أولاً: إبطال القول بأن السواد كان إجارة] إن الإجارة لها شرائط لا تصح إلا بها باتفاق من الفقهاء، وأنها متى عدمت شرائطها: لم تصح، منها: أنها تحتاج إلى مدة معلومة فيما تتعلق به الإجارة بالوقت (٤)، ومعلوم أنه لم يكن في توظيف عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدة لا معلومة، ولا مجهولة. الأموال لأبي عبيد، ص٩٩. (١) الأموال لأبي عبيد ص٩٣، ١٠١-١٠٢. (٢) سنن أبي داود ٢٥٤/٢، سنن ابن ماجه (٢٢٦٢) ٦٣/٢، سنن النسائي ٢٥٤/٧. (٣) الفتح الرباني رقم (٣٩٧) ١٢٤/١٥، قال في مجمع الزوائد ٩٧/٤: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. (٤) تحفة الفقهاء ٣٤٧/٢. ٨٣ کتاب السير والجهاد وأيضاً: الإجارة لا تنعقد إلا برضا المتعاقدين، وعمر رضي الله عنه فإنما بعث عثمان بن حنيف وحذيفة، فوضعا على أراضيهم شيئاً، وعلى رؤوسهم شيئاً، ولم يناظروهم، ولم يعاقدوهم عليها، فكيف يكون ذلك إجارة (١)؟. وأيضاً: فإجارة المولى على عبده لا تصح، ولا يثبت له عليه دين، فإن كانت الأرضون مبقاة على حكم الفيء، وكذلك الرقاب، ينبغي أن يكونوا عبيداً، فلا يصح حينئذ بيعهم؛ لأن مالك الأرضين هو مالك الرقاب. وأيضاً: وَضَعَ الجزية على رؤوسهم، فدل على أنهم أحرار؛ لأن العبد لا جزیة علیه. وأيضاً: فإن سبيل ما يؤخذ من الأرضين سبيل الجزية المأخوذة من الرقاب، ومعلوم أن مَن أسلم منهم: سقطت عنه الجزية، ولو كان بمنزلة الأجرة، وكان هو باقياً على حكم الفيء: لم يسقط ذلك عنه بإسلامه؛ لأن الإسلام لا يُسقط الأجرة، ولا يزيل الرِّقَّ، فكذلك ما يؤخذ من الأرضين، ليس على وجه الأجرة. وأيضاً: فلا خلاف في بطلان إجارة النخل والشجر، فدل على أنها لم تكن إجارة. وأيضاً: لو كانت إجارة، لوجب أن تكون أجرتها للغانمين، ولم يختلف الناس أن عمر رضي الله عنه لم يصرف خراج السواد إلى الغانمين خاصة دون غيرهم من المسلمين، بل كان حكمه حكم سائر الفيء الذي لم يفتتحه المقاتلة. (١) بدائع الصنائع ١٧٩٩/٤. ٨٤ کتاب السير والجهاد وأيضاً: لو كان المأخوذ من أهل السواد على جهة الأجرة، لما اختلف الرجال والنساء، ولا الصغار ولا الكبار فيما يؤخذ من جزية الرأس؛ لأنهم لا يختلفون في أجرة ما ينتفعون به، فلمَّا لم يجب على النساء والصغار جزية الرؤوس، علمنا أنها ليست بمنزلة الأجرة. وأيضاً: فإذا وضح ما احتج به عمر على مَن خالفه من الصحابة، فَسَدَ إجماعهم على ذلك، أنه خرج إليهم يوماً بعد طول المنازعة، فقال فيما روى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: ((قد قرأتُ الآيات من كتاب الله تعالى عز وجل، واستغنيتُ بهن، قال الله تعالى: ﴿مَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... ﴾ (١) الآية، والله ما لهؤلاء وحدهم، ثم قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ .. ﴾ (٢) الآية، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ ... ﴾ (٣) الآية، فوالله ما لهؤلاء وحدهم، ولئن بقيتُ إلى قابل لأُلحقنَّ آخر الناس بأولهم، ولأجعلنَّهم بَبَّاناً، يعني: باباً واحداً. قال أسلم: فجاءه ابنٌ له، وهو يُقسم، يقال له: عبد الرحمن، قال: أُكسني خاتماً، قال: الحق بأمك تسقيك شربةً من سويق، وما أعطاه شيئاً)) (٤). (١) الحشر: ٧. (٢) الحشر: ١٠. (٣) الحشر: ٨. (٤) الجزء الأول من الحديث، سبق ذكره، وانظر السنن الكبرى ٣٥١/٦، = ٨٥ کتاب السير والجهاد فعمر رضي الله عنه تلا عليهم الآية، واحتج بها عليهم استغناء بها، وبدلالتها عن موافقتهم إياه، وأخبر أنّ الجميع متساوون في هذا الحق، مَن باشر الحرب والفتح، ومَن جاء مِن بعدهم ممن لم يباشر ذلك، فكيف يجوز أن يُتوهّم عليه أنه قصد إلى وقفها على الغانمين، وإجارتها عليهم، وهو يقول لهم: إني إنما فعلتُ ذلك ليشارككم مَن بعدكم فيها، فهذا يوضح بطلان دعوى مَن ذکرنا قوله. وعلى أنَّ القوم لم ينازعوه في الإجارة لو تركها، وإنما نازعوه في قسمتها، وإزالة ملك أهلها، فاتفق معه جُلَّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مثل علي رضي الله عنه، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، والأكابرِ ذوي الفقه والعقول والعلم منهم(١)، فثبت باتفاقهم على ذلك مع ما أُورَد من الآثار صحةُ ما قلنا. [ثانياً: إبطال القول بأن السواد موقوف] وأما ما احتجوا به من أمر الدِّهقان الذي أسلم على عهد عمر، والذي أسلم على عهد علي، فقالا له: ((إن تركتَ أرضك فهي لنا)) (٢): فإن معناه عندنا: أنَّ لنا أن نزرعها، ونؤديَ خراجها، ونؤاجرها، وكذلك نقول في الذي يعجز عن زراعة أرض الخراج(٣). مصنف ابن أبي شيبة (٧٧٩٢٣)، و(٨٩٢٣) ٤٦٦/٦، شرح معاني الآثار ٢٤٧/٣، الأموال لأبي عبيد ص ٧٥، الخراج لأبي يوسف ص٢٣، حاشية رد المحتار ٤ /١٧٧. (١) الخراج لأبي يوسف، ص٣٥. (٢) ابن أبي شيبة بمعناه رقم ٢٤٩٢٣، ٤٦٣/٦. (٣) الخراج لأبي يوسف ص٦١. ٨٦ کتاب السير والجهاد ويدل عليه: ما روى هشام قال: حدثنا شيبان عن الزبير بن عدي ((أن دِهقاناً أسلم على عهد علي رضي الله عنه، فقال له علي: إن أقمتَ في أرضك رفعنا الجزية عن رأسك، وأخذناها من أرضك، وإن تحولتَ عنها، فنحن أحق بها))(١). يعني أنّا أحقُّ بزراعتها أو إجارتها. * وعلى أنه لو ثبت أنَّ عمر إنما جعل الأرضين في أيديهم موقوفة على المسلمين، لا على أنها ملك لهم، لكانت دلالة فعله على صحة ما ذكرنا قائمة، وذلك لأن الغانمين في هذه الحال ممنوعون من ملكها، والتصرف فيها حسب تصرف المالكين في أموالهم، وإذا صح ذلك، وجاز للإمام فعله، عَلِمْنا أنَّ صحة ملك الغانمين في الأرضين موقوفة على اختيار الإمام، فكان للإمام حينئذ تبقيتها على ملك أهلها، إذ لا ملك لأهلها الذين أقرَّهم الإمام فيها، ولا حقَّ لهم يومئذ في كونها موقوفة دون أن تكون ملكاً لأهلها الذين أقرَّهم الإمام فيها(٢). وأيضاً: فلما ثبت أنَّ الغانمين وغيرهم سواء فيما يؤدونه من خراج هذه الأرضين، علمنا أنه ليس للغانمين مزية على غيرهم فيما يتعلق بحكم الأرضين، وإذا كان كذلك، فمعلوم أنَّ حق الجميع إنما هو في الخراج الموظّف عليهم، وأنهم لا يستحقون في حالٍ من الأحوال تمليك رقبة الأرضين، وقسمتها بينهم. (١) مصنف ابن أبي شيبة (٣٢٩٤١) ٤٦٣/٦، الخراج ليحيى بن آدم بمعناه، رقم ١٨٩ ص٦١، السنن الكبرى ١٤٢/٩، وقد سبق. (٢) ينظر فتح القدير ٢٨٢/٥، الأموال لأبي عبيد ص ٨٩، ١٠٣. ٨٧ کتاب السير والجهاد وإذا لم يستحق المسلمون ملك رقبة الأرضين، فلا حقَّ لهم في أن تكون موقوفة، دون أن تكون ملكاً لأهلها، لما (١) كان الحق الذي يستحقه المسلمون قائماً، سواء كانت ملكاً لأهلها، أو كانت موقوفة، فثبت أنَّ الذي فعل عمر في أرض السواد كان على جهة تبقية ملك أهلها عليها. فإن قيل: فائدة كونها موقوفة دون أن تكون مملوكة، لفائدة وقوف الأرضين من جهة مُلاَّكها. قيل له: إنما صح أن تكون أَرَضُو الملاك موقوفة على وجوه القُرَب، فيمنع ذلك من انتقال الأملاك فيها، من قِبَل أنَّ وجوب تلك الحقوق كانت من جهة الملاك، وانتقال الملك إلى غيره يمنع نفاد شرطه، وما أوجبه من الحق فيها، وحق الخراج لم يتعلق بإيجاب آدمي، فيكون حكمه مقصوراً على ملكه، دون ملك غيره، فلا يمنع انتقال الملك فيه من بقاء الحق، كالزكاة والعشر وسائر الحقوق التي تجب لله تعالى في الأموال، فلا يمنع انتقال الملك. [ثالثاً: إبطال قول المخالفين بأن كراهة شراء السواد دليل الملكية] وأما كراهة مَن كره شراء أرض السواد من السلف: فلم يكن ذلك لأنهم يرونها ملكاً لأهلها، لكن لأن الخراج قد يوضع موضع الجزية، فكرهوا أن يُدخل المسلم نفسه فيما يلزمه فيما له حكم الفيء. وأما مَن زعم منهم أن فِعْل عمر رضي الله عنه في ذلك لا تقوم به حجة، لمخالفة بعض الصحابة إياه فيه، وذكر في ذلك ما روي عن بلال (١) في (ر.حـ): إذ. ٨٨ كتاب السير والجهاد ونفر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم سألوه قسمة السواد (١)، وأن عمر رضي الله عنه كان أعطى بُجيلةَ ربع السواد ثلاث سنين، ثم قال عمر لجرير بن عبد الله رضي الله عنهم: لولا أني قاسم مسؤول، لكنت على ما قسم لكم، فأرى أن ترده على المسلمين، ففعل، فأجازه عمر بثمانين ديناراً(٢). ((وأن امرأة من بُجيلة قالت لعمر: إني لا أرضى حتى تملأ كفي ذهباً، وتحملني على جَمَلٍ ذلول، وتعطيني قَطيفة حمراء، ففعل))(٣)، قالوا: فدلَّ ذلك على وجهين : أحدهما: وجود الخلاف من بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم عليه فيما فعله. والثاني: أنه فعل ذلك برضا مَن له فيها الحق من الغانمين. وبما روي ((أن عمرو بن العاص لما فتح مصر، استشار مَن كان معه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قسمة أرضها، كما قسم غنائمهم، وكما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خیبر بین مَن شهدها. فقال الزبير: ما ذاك إليك، ولا إلى عمر، هي أرض أوجَفْنا عليها بخیلنا، وحوینا ما فيها. فكتبوا إلى عمر رضي الله عنه، فكتب عمر: إني إن قسمتُها بينكم، لم (١) الأموال لأبي عبيد بمعناه رقم ١٤٧ ص٧٣. (٢) شرح معاني الآثار ٢٤٩/٣. الأموال لأبي عبيد (١٥٤) ص ٧٨. (٣) شرح معاني الآثار ٢٤٩/٣، الأموال لأبي عبيد (١٥٥) ص٧٨، الخراج لأبي یوسف ص٣٢. ٨٩ كتاب السير والجهاد يكن بعدكم مادة، فأوقفوها فيئاً على مَن بقي من المسلمين، حتى ينقرض آخر عصابة من يغزو من المؤمنين)»(١). فهذا زبير قد خالف عمر رضي الله عنهما في جواز قسمة الأرضين. وبما روى حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال: قال علي رضي الله عنه ((لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض، لقسمت السواد (٢) بینکم)) (٢). [الجواب عما تقدم من الآثار التي أوردها المخالفون] فإنا نقول في ذلك: إن بلالاً ومَن خالف من الصحابة في قسمة السواد، فإنهم قد وافقوه بعد ذلك على رأيه حين احتج عليهم بدلالة الآيات التي تلاها عليهم، ولم يثبت عن أحد منهم أنه نازعه فيها بعد ذلك، فحصل منهم إجماع بعد الاختلاف، فارتفع الاختلاف المتقدم(٣). وكذلك الزبير قد كان خالفه بدءاً، ثم لم يظهر منه خلاف بعد ما عرف صحة رأي عمر رضي الله تعالى عنه، وجِهَة وَجْه المصلحة فيه (٤). وأيضاً: فلو كان خلافهم إياه باقياً على الجهة التي ذكرتَ، لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف بيننا وبينهم؛ لأنا نقول إنه تجوز القسمة، ويجوز تبقية أهلها على أملاكهم فيها، إلا أن ذلك موقوف على اجتهاد الإمام، وما يرى من المصلحة فيه، فجائز أن يكون خلافهم إياه كان في (١) شرح معاني الآثار ٢٥٠/٣، فتح القدير ٢٧٩/٥. (٢) الأموال لأبي عبيد (٨٠٢) ص١٠٣، الخراج ليحيى بن آدم (١١٤) ص٤٦. (٣) فتح القدير ٢١٧/٥، الخراج لأبي يوسف ص ٣٥. (٤) شرح معاني الآثار ٢٥٠/٣. ٩٠ كتاب السير والجهاد جهة المصلحة: أهي القسمة أو التبقية على ملك أهلها؟ فرأى هؤلاء أن المصلحة في القسمة، ورأى هؤلاء أن المصلحة في تبقيتها على ملك أهلها، فلا يكون في هذا الخلاف دلالة على أنهم لم يكونوا يرون ما فعله عمر رضي الله عنه صواباً، بل جائز أن يكون ذلك من رأيهم جميعاً، وأنهم خالفوه في جهة المصلحة في الحال. وأيضاً: لو ثبت إقامتهم على الخلاف على الوجه الذي ادعاه المخالف، لم يمتنع أن يقال: إن خلاف مَن خالفه من الصحابة في ذلك لا يكون خلافاً، بل يكون شذوذاً، لاتفاق الأئمة الراشدين عليه، وهم عمر وعثمان وعلي، وكبراء الصحابة معهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين مِن بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ))(١)، فلا يكون غيرهم إذا اتفقوا خلافاً عليهم. * وأما ما روي عن ثعلبة بن يزيد الحماني أنَّ علياً رضي الله عنه قال: ((لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف لقسمت السواد بينكم)) (٢). فإنه قولٌ لا يصح عن علي من جهة السند، وكيف يصح ذلك عن علي وهو أول مَن أشار على عمر بأن لا يقسم السواد بينهم، وأن يُقِرَّ أهلها عليها، ليؤدوا الخراج (٣). وعلىُ أنَّ قسمته لو كانت عنده واجبة، لَمَا ترك الحق عنده خشية أن (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم. (٣) الخراج لأبي يوسف ص ٢٥، الخراج ليحيى بن آدم، رقم (٣٠) ص٢٣، الأموال لأبي عبيد، رقم ١٥١ ص٧٤، وقد سبق. ٩١ كتاب السير والجهاد يضرب بعضهم وجوه بعض، ولم يأخذه في الله لومة لائم، فلما لم يقسمها، وأمضاها على ما كان عمر أمضاها عليه، ثبت أنَّ رأيه كان موافقاً لرأي عمر(١). ومما يدل على صحة رأي عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك: ما احتج به علیھم من الآيات. ويدل عليه أيضاً: ما روى زهير قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنَعت العراقُ قَفِيزها، ودرهمها، ومَنَعت الشام مُدْيَها(٢) ودينارها، ومَنَعت مصر أُرْدُبَها(٣) ودينارها، وعُدْتم كما بدأتم، قالها ثلاثاً، شَهدَ على ذلك لَحْمُ أبي هريرة ودَمُه))(٤). (١) قال أبو عبيد: فلم يقل علي للدهقان: ((وأما أرضك فلنا، ثم يرى قسم السواد إلا وهو عنده فيء للمسلمين، دون الآخرين)). الأموال لأبي عبيد ص١٠٣. (٢) المُدْي: بضم الميم على وزن قُفْل. وهو مكيال معروف لأهل الشام، قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكاً، والمكوك صاع ونصف، والمدي: یسع ٤٥ رطلاً، وهو يساوي ١٨,٣٦٠ كجم، شرح مسلم للنووي ٢٠/١٨، شرح السنة للبغوي ١٧٨/١١، الإيضاح والتبيان تحقيق الدكتور الخاروف ص٧٢. (٣) الأردب: مكيال معروف لأهل مصر، يسع أربعة وعشرين صاعاً، يعادل ٦٦ لتراً، أي إنه يزن ٥٢,١٤٠كجم. شرح صحيح مسلم للنووي ٢٠/١٨. الإيضاح والتبیین ص٧٣. (٤) صحيح مسلم ٢٠/١٨، سنن أبي داود ١٤٨/٢، السنن الكبرى ١٣٩/٩، الأموال لأبى عبيد (١٨٢) ص٩. ٩٢ كتاب السير والجهاد فهذا يدل على صحة فعل عمر رضي الله عنه في السواد؛ لأنه لو قسمها بين الغانمين، لم يجب فيها درهم ولا قفيز، وإنما كان يجب العُشْر أو نصف العشر(١). فقول النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أن يكون الدرهم والقفيز هما الواجبان؛ لأنه أخبر عن فساد الزمان في ذلك الوقت، ومَنْعِ حقوق الله تعالى، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((وعُدْتم كما بدأتم)». * وأما قولهم: إنه جائز أن يكون فَعَل ذلك برضا مَن له الحق فيها من الغانمين: فإنه قولُ جاهلٍ بما جرى عليه أمر القوم، وذلك أنهم لما نازعوه، لم يلتفت إلى قولهم، وامتنع من القسمة، حتى لما ظهرت له دلالة الآيات التي ذكرها قال: إني قد قرأتُ الآيات من كتاب الله تعالى، فاستغنيت بهن، فتلا عليهم الآيات، ثم أمضى الحكم على ما رأى، ولم يلتفت إلى رضاهم أو كراهتهم (٢). وأيضاً لو كان فِعْلُه في السواد برضاهم؛ لوجب أن يعزل الخمس الذي لا يعمل رضاهم فيه، فلما لم يخمِّسْها، دلَّ على سقوط هذا القول(٣). (١) شرح معاني الآثار ٢٤٩/٣. (٢) فتح القدير ٢٧٣/٥، الأموال لأبي عبيد ص٧٦، الخراج لأبي يوسف ص٢٥. (٣) ينظر شرح معاني الآثار ٢٤٨/٣. ٩٣ كتاب السير والجهاد فتح مكة شرفها الله تعالى(١) : قال أحمد: لم يختلف أهل السير ونَقَلةُ المغازي والآثار أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة بالسيف قهراً(٢). ولا يُنكر فتح مكة على هذا الوجه الذي قلنا إلا أحد رجلين: إما رجلٌ جاهلٌ بالأخبار، إذ كان طريق ما ذكرنا العلم بالأخبار، وسماع الآثار، أو رجلٌ مكابرٌ مباهِتٌ بعد سماعه للأخبار الواردة في فتح مكة. وذلك لأن الأخبار التي بها علمنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَتَحَ مكة بها، علمنا يقيناً أنه فَتَحَها عَنوة بالسيف، وأنه قاتل فيها، وقَتَل فيها رجالاً، فمن جحد القتال، وادعى الصلح، فهو كجاحد الفتح رأساً، لا فرق بينهما، ونحن قائلون في ذلك بما نبيِّن به عن بطلان قول من ادعى أنها فتحت صلحاً، ومبتدؤون فيه بما دل عليه ظاهر كتاب الله تعالى، ثم الآثار الصحيحة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما ورد به النقل من جهة نَقَلة المغازي، ورواةِ السير، ثم اتفاق الأمة ودلائل النظر، فنقول وبالله التوفيق: [الأدلة على أنَّ مكة فُتحت عَنوة] إنه لم تختلف الأمة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صالَحَ أهل مكة يوم الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم، وفي أكثر الأخبار أن مدته (١) هكذا في هامش (د)، وأما بقية النسخ، فوضع عنوان: (فتح مكة): في صلب الصفحة. (٢) شرح معاني الآثار ٣١١/٣. ٩٤ کتاب السير والجهاد كانت عشر سنين(١)، وذلك كان قبل الفتح. ثم روي في أخبار متواترة من جهة أهل المغازي، أنَّ أهل مكة نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام، بقتالهم خُزَاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم مع بني بكر، وهم حلفاء قريش، ثم سألوا أبا سفيان أن يأتيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ويجدِّد الحلف. فجاء أبو سفيان إلى أبي بكر رضي الله عنه، فسأله أن يصلح بين الناس، فقال أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. فأتى عمرَ، فسأله، فقال له عمر: أَنَفَضْتُم ما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً، فقطعه الله. فأتى فاطمةَ رضي الله عنها، فلم تُجبه (٢). فأتى علياً رضي الله عنه، فقال له علي: أصلح أنت بين الناس؟ فضرب أبو سفيان بإحدى يديه على الأخرى، وقال: قد أخذت الناس بعضهم من بعض، فذهب(٣) وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضياً بغير حاجة. (١) ينظر صحيح البخاري ٤٠٩/٧، السنن الكبرى ٢٢١/٩، السيرة النبوية لابن هشام ٣١٧/٢، وفي مجمع الزوائد: أن الهدنة أربع سنوات، وفيه: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات ١٤٩/٦. (٢) وفي معاني الآثار ٣١٣/٣: أنها قالت: ((ليس إلا إلى الله وإلى رسوله))، وكذا في ابن أبي شيبة ٧ /٤٠٠. (٣) شرح معاني الآثار ٣١٣/٣ قال: وقد أخذت بين الناس بعضهم من بعض، وفي سيرة ابن هشام ٣٩٧/٢، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، لذا فالعبارة في نسخ المخطوط تتردد بين أخذت، وأجرت. ٩٥ کتاب السير والجهاد ثم قدم أبو سفيان مكة، فأخبرهم بما صنع، فقالوا: والله ما رأينا اليوم كوافد قوم، ما أتيتنا بحرب فنحذر، ولا أتيتنا بصلح فنأمن، ارجع. قالوا: وقَدِم بعد ذلك وافد خُزَاعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: حِلفَ أبينا وأبيه الأتلدا(١) اللهم إني ناشدٌ محمداً ونقضوا ميثاقك المؤكدا إن قريشاً أخلفوك الموعِدا فقتلونا رُكَّعاً وسُجَّدًا(٣) وهم أتونا بالوتير(٢) هُجَّدا قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نُصرت يا عمرو بن سالم. قال: ورأى سحابة، فقال: إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب (٤)، وأنشد في ذلك شعراً لحسان يقول فيه: أتاني ولم أشهد ببطحاء مكة رجالُ بني كعب تُحَزُّ رقابها(٥) (١) الأتلدا: القديم. الصحاح للجوهري (تلدا). (٢) الوتير: ماء لخزاعة. ينظر تاريخ الطبري ١٥٢/٢. (٣) ينظر: شرح معاني الآثار ٣١٣/٣، مصنف ابن أبي شيبة ٤٠١/٧، السيرة النبوية لابن هشام ٣٩٤/٢. (٤) بنو كعب من خزاعة ٣٩٨/٧: فمرت سحابة فرعدت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن هذه لترعد بنصر بني كعب)). (٥) ينظر شرح معاني الآثار للقصة جميعها ٣١٢/٣، مصنف ابن أبي شيبة ٤٠٠/٧، السيرة النبوية لابن هشام ٣٨٩/٢. ٩٦ کتاب السير والجهاد وقيل: إن النبي لما بلغه ذلك قال: ((والله لأمنعنَّهم مما أمنع منه (١) نفسي)»(١). وإن أبا سفيان لما استقبل النبي عليه الصلاة والسلام في مَرِّ الظهران (٢)، وأجازه العباس، جاء عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: هذا أبو سفيان قد جاءك يا رسول الله بلا عهد ولا عقد، فدَعْني أضرب عنقه (٣). فثبت بما ذُكر في هذه الأخبار أنَّ قريشاً نقضت العهد الذي كان بينها وبين النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم عادوا حرباً، ثم غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. فإن قيل: فلو كان الصلح منتقضاً لقَتَل أبا سفيان. قيل له: لم يقتله لأنه كان رسولاً لقريش، والرُّسُلُ لا تُقتل، كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لرسول مسيلمة عبد الله بن النواحة: ((لولا أنك رسولٌ: قتلتُك))(٤). وإذا ثبت ما ذكرنا من انتقاض الصلح، كان ظاهر كتاب الله تعالى (١) مصنف عبد الرزاق (٩٧٣٩) ٣٧٤/٥. (٢) مرُّ الظهران: موضع على مرحلة من مكة، معجم البلدان ١٠٤/٥، ويسمى الآن: وادي فاطمة، على بعد ٢٢ كم. (٣) مجمع الزوائد ١٦٧/٦ وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، شرح معاني الآثار ٣٢٠/٣، مصنف ابن أبي شيبة رقم (٣٦٩٠٢) ١٧ /٤٠٢، تاريخ الطبري سنة ٨هـ، وذكر الخبر عن فتح مكة ١٥٨/٢. (٤) مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٩٠٠) ٣٩٨/٧، شرح معاني الآثار ٣١٦/٣. ٩٧ كتاب السير والجهاد موجباً لقتالهم(١)، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِن نُّكَثُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِىِ دِينِكُمْ فَقَئِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا نَّكَنُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ ینْتھُونَ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ® قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾(٢) عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ الآية. فأفادتنا هذه الآية معاني: أحدها: أنهم لما نكثوا أيمانهم، وَجَبَ على المسلمين قتالهم. وأفادتنا أيضاً (٣): أنهم نكثوها بقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا ١٠٠٦ وأفادت أيضاً: أنهم إذا قاتلوهم، نصرهم الله تعالى عليهم، وشفى صدورهم، ويُعذّب عدوًّهم، ویخزیهم بأيديهم. فروي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا تَكَنُواْ (١) تفسير الطبري ١٥٣/١٤، تفسير ابن كثير ٣٥٢/٢. (٢) التوبة: ١٢-١٤. (٣) هكذا في النسخ، وكان الأَوْلى أن يقول: ثانيها. ٩٨ كتاب السير والجهاد أَيْمَنَهُمْ ﴾: قال: عهدهم (١). ﴿وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍ﴾. قال: قريش (٢) إلى قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، قال: خزاعة حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم(٣). وقال عكرمة: نزلت في خزاعة(٤): ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال الحسن في قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: قال: خزاعة. وقد علمنا لا محالة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم من أشد الناس مسارعة إلى أمر الله تعالى، فلا جائز أن يكون الله قد أخبره بنَكْث القوم أيمانهم، وأَمَرَه بقتالهم، ووَعَدَه النصر عليهم، فيتخلف عن ذلك بإيقاع عقد صلحٍ بينه وبينهم. وإذا لم يجز ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان من النبي (١) تفسير الطبري ١٤/ ١٥٦. (٢) تفسير الطبري ١٥٩/١٤، تفسير ابن كثير ٣٥٢/٢. يعني فعلهم ذلك يوم بدر، وقيل: قتالهم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة. (٣) تفسير الطبري ١٦٠/١٤، شرح معاني الآثار ٣١٥/٣، تفسير ابن كثير ٣٥٣/٢. (٤) تفسير ابن كثير ٣٥٣/٢، الدر المنثور ١٣٨/٤. ٩٩ کتاب السير والجهاد صلى الله عليه وسلم من القتال ما يوجب تنجيز موعود الله تعالى له، من النصرة، وشفاء صدور المؤمنين، وإذهاب غيظ قلوبهم. ومَن ادعى الصلح، فهو مخالف لمضمون هذه الآيات؛ لأن الصلح ينفي القتال والعذاب الذي وَعَدَ الله تعالى إيقاعه بالكفار، ويمنع النصر الذي وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ لأن الفريقين يكونان متساويين في عقد الصلح، ولا ينال أحدهما فيه غضاضةً، ولا عارَ ولا نصرَ على أصحابه، ولا شفاء صدور واحدٍ منهما من صاحبه، والصلح إنما هو تَرْكٌ لما كانوا عليه من القتال، وهُدْنة فيما يستقبل، ليس فيه مزية لأحد الفريقين على الآخر. * وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَّدْعُوْ إِلَى السَّمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّهُ مَعَكُمْ﴾(١): فنهى الله تعالى عن الصلح إذا كانوا مستعلِين عليهم بالقوة .(٢) والعزة(٢). وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كذلك في فتح مكة، فلا جائز أن يكون قد صالح مع نهي الله تعالى عن الصلح لمن كان بالوصف الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. * ويحتمل أن يكون قول الله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ : إخباراً منه عن حالهم، ونهاهم عن الصلح من أجل ذلك، فيكون النهي (١) محمد: ٣٥. (٢) تفسير ابن كثير ١٩٤/٤، الخراج لأبي يوسف ص٢٠٧، شرح السير الكبير ٠١٦٨٩/٥ ١٠٠ كتاب السير والجهاد حينئذ بياناً غيرَ معلَّق بالشرط. والوجه الأول على أن يكون النهي معلّقاً بشرط أن يكونوا هم الأعلون، فيصير تقدير الكلام: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم إذا كنتم الأعلون. وكلا الوجهين دالٌّ على أنَّ الحال التي كان النبي عليه الصلاة والسلام عليها عند قصده مكة مانعة من الصلح. * وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيَدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾(١): يوجب أن يكون دخلها عَنوة؛ لأنه أخبره أنه أظفره عليهم، ولو كان صلحاً، ما كان النبي عليه الصلاة والسلام ظافراً بهم، ولم يكن هو أَوْلى بأن يوصف بذلك منهم؛ لأن عقد الصلح يتم بهم جميعاً. فإن قيل: المراد به القوم الذين نزلوا عليه بالحُدَيبية من جبل التنعيم من قريش، فظفر بهم وأطلقهم(٢). قيل له: ما قلناه أوْلى بظاهر الآية؛ لأنه قال: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، والحديبية ليست ببطن مكة، بل هي خارج الحرم. * وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾(٣): يوجب ذلك، (١) الفتح: ٢٤. (٢) مصنف ابن شيبة (٣٦٩١٦) ٤٠٥/٧)، جامع البيان ٥٨/٢٦. (٣) النصر: ١.