Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب السرقة
عنه، فتلقيناه بالحجارة حتى قتلناه))(١).
ورواه يزيد بن سنان قال: حدثني هشام بن عروة عن محمد بن
المنكدر عن جابر قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق، فقَطَعَ
يده، ثم أُتي به قد سرق، فقطع رِجْله، ثم أُتي به قد سرق، فأمر بقتله)).
وروى حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد عن الحارث بن حاطب
((أنَّ رجلاً سرق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: اقتلوه، فقال القوم: إنما سرق. قال: اقطعوه، فقطعوه.
ثم سرق على عهد أبي بكر فقطعه، ثم سرق فقطعه، حتى قُطعت
قوائمه كلها، ثم سرق الخامسة، فقال أبو بكر: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم أعلم به حين أمر بقتله، فأمر به فقُتِل))(٢).
فالذي ذكرناه من حديث مصعب بن ثابت هو أصل الحديث الذي
رواه حماد بن أبي حميد، وفيه الأمر بقتله بدءاً، ومعلوم أنَّ السرقة لا
يستحق بها القتل، فثبت أنّ قطع هذه الأعضاء لم يكن على جهة الحد
المستحق بالسرقة، وإنما كان على جهة تغليظ العقوبة والمثلة، كما روي
عن النبي صلى الله عليه وسلم في ((قصة العُرنيين: أنه قطع أيديهم
وأرجلهم وسَمَلهم)) (٣)، وليس السمل حداً في قُطَّع الطريق، فلما نُسخت
(١) سنن أبي داود ٥٦٥/٤ ح ٤٤١٠، الدارقطني ١٨١/٣، السنن الكبرى
٢٧٢/٨، نصب الراية ٣٧١/٣ وقال النسائي: حديث منكر، ومصعب بن ثابت: ليس
بالقوي.
(٢) السنن الكبرى ٢٧٣/٨.
(٣) صحيح البخاري ١٩/٨، صحيح مسلم ١٢٩٦/٢ ح ١٦٧١، سنن أبي داود
٥٣٥/٤ ح ٤٣٦٩.

٣٢٢
كتاب السرقة
المثلة، نُسخ بها هذا الضرب من العقوبة، فوجب الاقتصار على اليد
والرِّجْل لا غير.
ويدل على أنَّ قطع الأربع كان على وجه المُثلة، لا على وجه الحد:
أنَّ في حديث جابر: ((أنهم حَمَلوا عليه النَّعَم، ثم قتلوه بالحجارة))، وذلك
لا يكون حداً في السرقة بوجه.
مسألة : [إذا كان السارق أشل اليمنى]
قال أبو جعفر: (وإن كان أشل اليد اليمنى، صحيح اليسرى: قُطْعت
يمينه الشلاّء)(١).
قال أبو بكر: وذلك لأن نقصان اليمنى لا يمنع قطعها، إذ لو كانت
صحيحة مستحقة للإتلاف بالقطع، فيقطع ما بقي.
مسألة : [إذا كانت شماله شلاء]
قال : (وإن كانت يمينه صحيحة، وشماله شلاء: لم يقطع).
قال أبو بكر: وذلك لما بينا أنه لا يجوز أن يستحق بالسرقة قطعاً
يوجب عليه إتلاف منافعه، كما لا تقطع اليسرى عندنا بعد قطع اليمنى،
لهذه العلة بعينها.
ووجهة أخرى: وهي أنَّ المستحق عليه بالسرقة قطع اليمنى فحسب،
فإذا كانت شماله شلاء، لَحِقَه من الضرر بقطع اليمنى أكثر مما هو مستَحَقٌّ
عليه بالسرقة، فلم يقطع.
والأصل فيه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه أمر بقطع
(١) المبسوط ١٧٥/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٩٨/٥.

٣٢٣
كتاب السرقة
السارق، ثم حَسَمَه))(١)، لئلا يلحقه من الضرر أكثر مما هو مستحق
بالسرقة.
وحديث علي رضي الله عنه حين ((أمره النبي صلى الله عليه وسلم
بإقامة الحد على جارية زنت، فلما رآها نُفَساء، وخشي عليها من إقامة
الحد عليها، تركها، ثم ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فرضيه))(٢).
ولاتفاق الجميع على أنَّ المريض، ومَن يُخشى عليه الحَرُّ والبرد أنه
لا يقطع، لئلا يلحقه من الضرر أكثر مما هو مستحق بالسرقة.
كذلك إذا كانت اليسرى شلاء أو مقطوعة: لا يقطع لما وصفنا.
* قال: (وكذلك إذا كانت الرِّجْل اليمنىُ شلاء: لم تقطع)؛ للعلة
التي وصفناها.
مسألة : [لو قطعت يد السارق قبل حكم الحاكم]
قال: (ومَن وجب عليه القطع في السرقة، فلم يُقطع، حتىُ قَطَع قاطعٌ
يمينَه: كان له القصاص على القاطع، ولم يُقطع بعد ذلك في تلك
السرقة)(٣).
وذلك لأن سرقته لم تُبح قطع يمينه مالم يأمر الحاكم بقطعه؛ لأن
إقامة الحدود إلى الأئمة، ومَن أمروه بإقامتها، فإذا لم تكن السرقة مبيحة
لقطع يمينه لسائر الناس، وكانت محظورة بعد السرقة كهي قبلها، وجب
(١) المستدرك ٣٨١/٤، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم
يخرجاه، نصب الراية ٣٧١/٣، التلخيص الحبير ٦٦/٤.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) العناية مع شرح فتح القدير ٣٩٩/٥.

٣٢٤
كتاب السرقة
على قاطعها القصاص، كوجوبه عليه لو لم يكن سرق، ألا ترى أنَّ مَن
زنى وهو محصَن، ثم قتله رجل: وجب عليه القصاص؛ لأن حَظْر دمه لم
یزُل بوقوع الزنى منه.
* وإنما لم يقطع بعد ذلك في السرقة؛ لأن وجوب القطع كان متعيناً
في اليمنى بالسرقة، فلا يُنتقل إلى غيرِها، كما أنَّ مَن وجب له قصاص في
یمنیُ رَجُلٍ، لم ينتقل إلى الیسری بتعذّر استيفائه من الیمنیُ.
مسألة :
(ومَن سرق وإبهامه اليسرى أو أصبعان غيرها مقطوعة منها: لم تقطع
يده)(١).
قال أبو بكر : قد بينًا أنَّ عدم اليد اليسرى يمنع قطع اليمنى في
السرقة، فما أتى على عموم منافع اليسرى يمنع أيضاً القطع في اليمنى،
ومعلوم أنَّ النقص اليسير في اليسرى لا يمنع قطع اليمنى، مثل أن يكون
أنملة من أصابع اليسرى مقطوعة، أو تكون فيها أصبع زائدة، وإذا ثبت أنَّ
قليل النقص لا يمنع، والكثير يمنع، جعلوا ذهاب الإبهام نقصاناً كثيراً؛
لأن بها قوة الید.
ألا ترى أنها تشارك سائر الأصابع في القبض والبسط، وتقوِّيها
وتُعينها على أعمالها، فكان بذهابها ذهاب عامة منافع اليد، فصارت
اليسرى كأنها معدومة، وكذلك إذا كانت أصبعان من اليسرى مقطوعة (٢)،
ضعفت قُوَى باقي الأصابع، فكان نقصاناً كثيراً مانعاً من قطع اليمنى.
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٩٨/٥.
(٢) وفي (ق.ج): ((مقطوعين)).

٣٢٥
كتاب السرقة
فإن قيل: فقد جعلت الإبهام مساوية لغيرها في الأرش، فهلا كانت
مساوية لغيرها فيما وصفت؟
قيل له: كما كانت العين مساوية لليد في أرشها، ولم يجز أن تقوم
عنها في استيفاء حق السرقة فيها، وكما لا يمنع ذهاب العين من القطع في
السرقة، ویمنع ذهاب الید الیسری.
وأما إذا كانت أصبع واحدة مقطوعة من اليسرى سوى الإبهام، فإنهم
جعلوا ذلك نقصاناً يسيراً، بمنزلة قطع الأنملة والأصبع الزائدة؛ لأن
ذهابها لا يأتي على عامة منافع اليد.
مسألة : [سرقة الخمر من نصراني]
قال: (ومَن سرق من نصراني خمراً: لم يُقطع فيها)(١).
وذلك لأنها ليست بمال لنا، وإنما أُقِرَّ هؤلاء على أن تُترك مالاً لهم
بالعهد والذمة التي أعطوها، فلمٍ يقطع سارقها؛ لأن ما كان مالاً من وجه،
غير مال من وجه آخر، كان أقلّ أحواله أن يكون ذلك شبهة في درء القطع
عن سارقه.
كما أنَّ من وطىء جارية بينه وبين غيره: لم یجب عليه الحد وإن كان
واطئاً لملك غيره؛ لأن له فيها ملكاً من وجه، كذلك الخمر لما لم تكن
مالاً لنا: لم يقطع فيها وإن كانت مالاً لهم.
مسألة : [إذا قطع منفَّذُ الحدِّ اليدَ اليسرى خطأ أو عمداً]
قال: (ومَن سرق، فأمر الإمامُ بقطع يده اليمنى، فقطع المأمورُ يدَه
(١) المبسوط ١٨٩/٩.

٣٢٦
كتاب السرقة
اليسرى عمداً أو خطأ، فإن أبا حنيفة قال: لا ضمان عليه، وقال أبو
يوسف، ومحمد: إن كان فَعَلَ ذلك خطأ: فلا شيء عليه، وإن كان عمداً:
ضمن)(١).
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله في العمد: أنه قد حصل للمقطوع
عوض اليسار، وهي اليمين؛ لأنها قد كانت مستحقة بالسرقة، فلما قَطَعَ
اليسار، سقط القطع به عن اليمين، وحصل ما هو خير له من المقطوعة،
فلم يضمنها: عمداً كان أو خطأ.
ومن جهة أخرى: وهي أنَّ حكم الحاكم بذلك يبيح قطع اليمنى،
واستيفاء الحد منها، واستيفاؤه يوجب إسقاطه عنها، فلما كان
مسقِطاً للحد عن اليمنى بقطع اليسرى، وجب أن يكون مستوفياً
للحد الواجب فيها، فكان كقطع اليمنى، إذ كان مستوفياً للحد في
الحالين.
فإن قيل: كيف يكون مستوفياً للحدِّ به، وهو منهي عن ذلك؟
قيل له: كونه منهياً عنه لا يمنع وقوع استيفاء الحدِّ به على الوجه الذي
ذكرنا، والدليل عليه: أنَّ الإمام لو حَكَمَ عليه بالرجم، فضَرَبَ رجل عنقه:
لم يكن عليه شيء، وكان مستوفياً للحدِّ من حيث كان مسقطاً له، فكذلك
ما وصفنا.
* ووجه قول أبي يوسف ومحمد: أنَّ قطع السارق واقع له، لما فيه
من زجره عن العود إلى مثل هذا الفعل، قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ
(١) المبسوط ١٧٥/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٩٨/٥.

٣٢٧
كتاب السرقة
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَهُوَ اْأَيْدِ يَهُمَا جَزَاءُبِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ الَّهِ﴾(١)، فإذا أخطأ فيه،
لم يلزمه الضمان؛ لأنا لو ضمَّنَاه، لوجب له الرجوع به على السارق،
ومن أجل ذلك لم يضمن النفس إذا تولدت من القطع، إذ لو ضمنها ،
لكان حاصل الضمان على مَن قطع له، وهو السارق، فمن حيث يجب
فيسقط.
وأما إذا قطعها عمداً، فلم يأخذها السارق، لأن اليسرى لا تستحق
بالسرقة، فلزمه الضمان عندهما، إذ كان متعمداً في أخذها.
مسألة : [إقرار العبد المأذون له بالسرقة]
قال أبو جعفر: (وما أقرَّ به العبد من سرقة مال، أو قَتْل عمد، أو
قَذْف محصنة: صُدِّق عليه، وأقيم عليه الواجب فيه، والمال للمقَرِّ له إذا
كان العبد مأذوناً له، والمال قائمٌ بعينه)(٢).
قال أبو بكر : الأصل في ذلك: أنَّ كل ما لا يملكه المولى من عبده،
فإن العبد يملكه من نفسه، ويكون فيه بمنزلة الحرِّ؛ لأن العبد مكلّف جائز
القول على نفسه، إلا فيما يملكه المولى، فلا ينفذ عليه في حال الرق،
لأنه إقرار على الغير، ولا يجوز إقرار الإنسان على غيره.
فقلنا من أجل ذلك: إن المولى لما لم يجز إقراره على عبده بما يوجب
عليه الحد، أو القصاص باتفاق المسلمين: علمنا أنَّ المولى لا يملك ذلك
من عبده، ألا ترى أنَّ المولى لما ملك رق العبد، وكان جائز التصرف،
جاز إقراره على العبد بالدَّيْن الذي استحق به رِقَّه.
(١) المائدة: ٣٨.
(٢) المبسوط ١٨٣/٩، بدائع الصنائع ٨١/٧.

٣٢٨
كتاب السرقة
وإذا ثبت ما وصفنا، وجب أن يجوز إقرار العبد على نفسه بما يوجب
الحد أو القصاص، إذ لم یملکه المولی منه.
وليس ذلك كإقراره بالمال وهو محجور عليه، فلا يجوز في حق
المولى؛ لأن المولى يملك ذلك من عبده، وكذلك لا يجوز إقراره برقبة
نفسه لغيره، لأن المولى يملك الإقرار به لغيره.
فإن قيل: لما كان في إقراره بما يوجب الحد أو القصاص إدخال ضرر
على المولى بالحد، واستحقاق رقبته بالقصاص، وهي ملك لغيره، وجب
أن لا يجوز إقراره.
قيل له: لا يمتنع ذلك إذا كان مالكاً لما أقرَّ به، ولم يملكه المولى
منه، فيستحق حينئذٍ رقبته بالقصاص من جهة الحكم، ألا ترى أنه لو ارتدَّ
عن الإسلام: قتلناه، وفي ذلك استحقاق رقبته على المولى بقوله، وإذا
كان العبد مأذوناً له في التجارة، فأقرَّ بمالٍ بعينه في يده أنه سرقه من هذا
الرجل: فإنه يقطع، وتدفع الدراهم إلى المقَرِّ له، وذلك لما وصفنا من
جواز إقراره بالقطع، وإقرارُه جائز بالمال أيضاً في قول أصحابنا جميعاً،
لأن إقرار المأذون جائز بما في يده لغيره، سواء أقرَّ من جهته السرقة أو
غيرها.
فصل : [إقرار العبد المحجور عليه بالسرقة]
(وأما إذا كان محجوراً عليه، فأقر بسرقة عشرة دراهم في يده من
رجل، وصدَّقه الرجل، وكذَّبه مولاه، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال:
أقطعُه، وأدفعُ الدراهم إلى المقَرِّ له.
وقال أبو يوسف: أقطعه، وأدفع الدراهم إلى مولاه.

٣٢٩
كتاب السرقة
وقال محمد: أدفع الدراهم إلى مولاه، ولا أقطعه)(١).
وجه قول أبي حنيفة: ما قدَّمنا من جواز إقرار العبد بما يوجب الحد
إذا كان المولى لا يملك ذلك من عبده، ولا يلتفت إلى ما يلحق المولى به
من الضرر، ألا ترى أنه لو أقر أنه سرق دراهم، وقد استهلكها: أنه يقطع
في قولهم جميعاً، فلما وجب عليه القطع لصحة إقراره، وجب أن يحكم
بأن الدراهم للمقَرِّ له بها، إذ لا جائز أن يكون مقطوعاً في دراهم محكوم
بها ملكاً للمولى.
فإن قيل: فإذا كان إقراره بالمال الذي في يده على الانفراد غير جائز
إذا لم يكن من جهة السرقة، وإقراره بالقطع جائز إذا انفرد عن مال بعينه
في يده، فلِمَ غلّبتَ جَنَبة (٢) وجوب القطع على إسقاطه، وهلاّ غلَّبتَّ جَنَبة
المال، فيحكم به للمولى، ويسقط القطع؟
قيل له: لأن جَنَبة القطع آكد في هذا الوجه من جَنَبة المال، والدليل
على ذلك: أنَّ إقرار المولى عليه بما يوجب القطع لا يجوز في حالٍ،
ويجوز إقراره على نفسه بذلك إذا لم يتعلق بمالٍ في يده باتفاقٍ، فصار في
باب ما يوجب القطع بمنزلة الحر، ولا تأثير لتصديق المولى، ولا لتكذيبه
فیه.
وأما المال، فقد يجوز إقرار العبد فيه بحال إذا كان مأذوناً له في
التجارة، فيستحقه المقَرُّ له، فلما كان لجهة المال حالان: أحدهما: يجوز
إقراره فيه، والآخر: لا يجوز، ويكون لإذن المولى تأثير في جوازه مرة،
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٠٩/٥.
(٢) جَنَبَة: أي ناحية. ينظر مختار الصحاح (جنب).

٣٣٠
كتاب السرقة
وفي إبطاله أخرى، ولم يكن لإقراره بما يوجب الحد إلا جهة واحدة، ولا
تأثير لقول المولى فيه: فجاز في كل حال كان جَنَبة القطع من هذا الوجه
آكد، فلذلك كانت جنبة القطع في باب ثبوته آکد.
ألا ترى أنه لا توجد له حال لا يجوز إقراره فيها بما يوجب الحد،
وقد توجد حال يجوز إقراره فيها بالمال لغيره.
فإن قيل: هلا كانت جنبة سقوط الحد أوْلى من إثباته، لأن الحدود
تسقط بالشبهة.
قيل له: لا شبهة هاهنا، وليس كون المسألة مشبهة الأصلين: أحدهما
يوجب الحد، والآخر يسقطه، شبهة في سقوطه، وإنما يحتاج أن نتبع
حينئذٍ ما يوجبه النظر، ولا يلتفت إلى جهة سقوط الحد إن كان النظر
یو جبه.
ألا ترى أنهم قد أجروا الحد على جماعة سرقوا، وولي بعضهم أَخْذ
المتاع، وهو استحسان من قولهم، فتركوا القياس في إسقاطه عمن لا يلي
أخذه إذا كان النظر يوجب خلافه، وليست الشبهة المسقطة للحد هي أن
تكون للمسألة شَبَه من أصل يوجب سقوط الحد.
* وأما أبو يوسف: فإنه ذهب إلى أنَّ إقراره قد انطوى على معنيين:
القطع، والمال، فهو مصدَّق على نفسه في وجوب قطعه، غير مصدَّق
على مولاه في استحقاق ما في يده، كإقرار أحد الابنين بأخ، أنه مقر
بشيئين: النسب، والمال، فيعطيه المال، ولا يثبت النسب، وكإقراره أنَّ
امرأته أختَه من أبيه وأمه، وهو مجهول النسب، فيفرَّق بينهما، ويبطل
النكاح، ولا يثبت النسب.
قال أبو بكر : وهذا قول واهٍ، وذلك لأنه لا يخلو من أن يقطعه في

٣٣١
كتاب السرقة
هذا المال، أو في غيره، فإن قطعه في هذا المال بعينه، فهذا المال بعينه
محكوم به لمولاه، ولا يجوز قطعه في مال مولاه، وإن قطعه في غيره،
فهو لم يقر بمال غيره، فكيف يجوز قطعه فيما لم يقر به؟ وإنما هو مقطوع
من جهة إقراره.
ولا يشبه هذا ما ذكرناه من الإقرار بالنسب في صحة استحقاق المال،
وفساد النكاح، مع عدم ثبوت النسب، من قِبَل أنّ المقر هناك يملك بدل
المال من غير جهة الإقرار، ويملك الفرقة من غير جهة النسب الذي أقر
به، ألا ترى أنه يملك إبطال نكاحها بالطلاق، وسائر ما يملك من وجوه
الفُرَق، ويملك هبة المال وبدله وإن لم يكن هناك نسب، ولا يملك بدل
يده للحد في السرقة، فلا يصح إقراره به إلا من الوجه الموجب
لاستحقاقه.
* وأما محمد: فإنه ذهب إلى أنه لمَّا لم يجز إقراره بالمال على
الانفراد، وصار المال محكوماً به للمولى، فإذا حكمنا به للمولى، سقط
القطع، فأتبع القطع المال، ولم يتبع المال القطع.

٣٣٢
باب حد قطع الطريق
باب حد قطع الطريق
مسألة : [حكم قطاع الطريق إذا لم يأخذوا مالاً، ولم يقتلوا أحداً]
قال أبو جعفر : (وإذا قَطَعَ قومٌ من أهل الإسلام، أو من أهل الذمة
الطريقَ على قومٍ من أهل الذمة، أو من أهل الإسلام، فلم يأخذوا مالاً،
ولم يقتلوا أحداً، ثم ظَهَر عليهم الإمام: نفاهم، والنفيُ حَبْسُهم حتى
يُحْدِثوا توبة)(١).
قال أبو بكر : لا خلاف بين فقهاء الأمصار أنَّ قُطّاع الطريق قد
يكونون من أهل الإسلام، وأهل الذمة، وأن حكم الآية المذكورة في
المحارِبين جارٍ عليهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾(٢) إلى آخر القصة.
وقال بعض المتأخرين ممن لا يُعتدُّ بخلافهم: إن ذلك مخصوصٌ في
المرتدین.
وقد اختلف في قصة العرنيين الذين أسلموا واجتَوَوُا المدينة، فأمرهم
النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الإبل، فيشربوا من ألبانها، ثم
(١) أحكام القرآن ٤٠٦/٢، المبسوط ١٩٥/٩، الهداية مع شرح فتح القدير
٤٢٢/٥، بدائع الصنائع ٩١/٧، المغني والشرح الكبير ٣٠٠/١٠.
(٢) المائدة: ٣٣.

٣٣٣
باب حد قطع الطريق
قتلوا الراعي، وساقوا الإبل.
فروي عن أنس رضي الله عنه: أنهم ارتدوا، وأن ذلك كان سبب نزول
الآية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قَطَعَ أيديهم وأرجلهم، وسَمَل
أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا (١).
وروي عن عكرمة عن ابن عباس: أنها نزلت في المشركين، ولم يذكر
هذه القصة.
وروى ابن عمر أنها نزلت في العُرنيين، ولم يذكر رِدَّةً(٢).
وكيفما جرت الحال في ثبوت ردتهم أو عدمها، فلا دلالة فيه أنَّ
حكم الآية مقصور على المرتدين؛ لأن نزولها على سبب لا يوجب أن
يكون حكمها مقصوراً عليه، بل يجب اتباع لفظ الآية عندنا، دون السبب
الذي نزل عليه.
فإذا كان عمومها يوجب إجراء الحكم في الجميع، لم يكن لنا
تخصيصه بغیر دلالة.
وعلىُ أنَّ ظاهر حالهم، وما استحقوه من التنكيل والحدِّ، يدل على
أنَّ الآية لم تنزل فيهم؛ لأن فيها ذِكْر القتل والصلب، وليس فيها ذكر سَمْل
الأعين، وغيرُ جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وكانوا
مرادين بها؛ لأنه لو كان كذلك، لأجرى النبي صلى الله عليه وسلمٍ
حكمها عليهم، فلما لم يَصلبهم النبي صلى الله عليه وسلم وسَمَلَهم، دلَّ
على أنَّ حكم الآية لم يكن ثابتاً في وقت ما حكم فيهم بما حكم به، فلا
(١) سبق تخريجه.
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤٨/٦، فتح الباري ١٠٩/١٢.

٣٣٤
باب حد قطع الطريق
محالة أنَّ الآية نزلت بعد ما أجرى هذا الحكم عليهم.
ولا يجوز أن يكون ذلك نازلاً فيهم، لاستحالة إمكان إجرائه عليهم،
فثبت أنَّ الذي في الآية حكم مبتدأ، غير متعلق بسبب، فأوجب ظاهرُها
إجراء الحكم على كل مَن تضمنته الآية، من مسلم أو كافر.
فإن قال قائل: لفظ الآية يوجب أن يكون الحكم خاصاً في المشركين،
لأن المحارب لله ولرسوله لا يكون إلا كافراً.
قيل له: قد يصح إطلاق هذا اللفظ علىُ مَن كان من أهل الملة،
والدليل على ذلك: ما روى زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر رضي الله عنه
رأى معاذاً يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((إن اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله عز وجل
فقد بارز الله بالمحاربة))(١).
فأطلق عليه اسم المحاربة، ولم يذكر الردة، ومَن قتل مسلماً وحاربه
على أخذ ماله، فهو معادٍ لأولياء الله تعالى، ومحارِبٌ لله سبحانه.
وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم
((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي
الله عنهم: أنا حربٌ لمن حاربتم، وسِلْمٌ لمن سالمتم))(٢).
فاستحق مَن حاربهم اسمَ المحارِب لله ورسوله وإن لم يكن مشركاً.
(١) سنن ابن ماجه ١٣٢/١. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٦٨/١: رواه
ابن ماجه والبيهقي في الزهد، وقال الحاكم: صحيح ولا علة فيه.
(٢) سنن الترمذي ٦٩٩/٥، قال الترمذي: هذا حديث غريب، سنن ابن ماجه
٥٢/١.

٣٣٥
باب حد قطع الطريق
ويدل على أنَّ المراد بالآية أهل الإسلام: أنه تعالى قال: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُ واْ عَلَّهِمْ﴾(١)، ومعلوم أنَّ المرتدين وأهل الحرب
إذا تابوا: سقط عنهم ما لزمهم بالكفر وإن كان بعد القدرة.
وأيضاً: الإسلام لا يُسقط الحدَّ عمن وجب عليه، فوجب أن يكون
من حيث لزم الكفار، أن يلزم المسلمين مثله.
وأيضاً: فإن المرتد يستحق القتل بنفس الردة، دون المحاربة،
والمذكور في الآية مَن استحق القتل بالمحاربة، فعلمنا أنه لم يُرِد المرتد.
وأيضاً: ذكر في الآية النفي قبل التوبة، والمرتدُّ لا يُنفى، فعلمنا أنَّ
حكم الآية ليس في المرتد خاصة.
فصل : [العقوبة المذكورة في الآية على الترتيب بحسب الفعل]
واتفق فقهاء الأمصار على أنَّ في الآية وما يستحق من حكمها ضميراً
يتعلق حكمها به، فروي عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عباس، وسعيد
بن جبير، وإبراهيم والضحاك رضي الله عنهم أجمعين (٢) أنها على
الترتیب، كأنه قال:
أن يُقَتَّلوا: إن قتلوا.
أو يُصلَّبوا: إن قتلوا وأخذوا المال.
أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف: إن أخذوا المال، ولم يقتلوا.
(١) المائدة: ٣٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٥١/٦، مصنف ابن أبي شيبة ١٤٧/١٠،
مصنف عبد الرزاق ١٠٩/١٠، السنن الكبرى ٢٨٣/٨، نيل الأوطار ٣٣٦/٧.

٣٣٦
باب حد قطع الطريق
أو يُنْفَوا من الأرض: إن خرجوا ولم يُحْدِثوا شيئاً من ذلك حتى
أُخذوا.
وهو قول أصحابنا رضي الله عنهم، على اختلاف بينهم فيما نبدأ
بذکره فيما بعد.
* ويروى عن الحسن وعطاء ومجاهد أنَّ الإمام مخيّر إذا ظهر عليهم
قبل التوبة: بين أن يقتل، أو يصلب، أو يقطع، أو ينفي.
* وقال مالك بن أنس: هو على قدر اجتهاد الإمام(١)، فإن كان قد
صار لهم شوكة: فله أن يفعل بهم أي ذلك شاء، وإن كان وحده وأخذه
في الفور: نفاه وحبسه، وقد شرط فيه مالك اجتهاد رأي الإمام، ويُجري
المصلحة فيما يأتيه فيهم، فأثبتَ في هذه الآية ضميراً لا يقتضيه ظاهر
لفظها.
والدليل على أنها على الترتيب على النحو الذي شرطه مَن ذَكرْنا قولَه
بدءاً: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا
بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير
نفس»(٢).
فنفى عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث قتل مَن لم يَقْتُّل، ولم
يخصص قاطع الطريق من غيره، وإذا انتفى قتل مَن لم يقتل، وجب قطع
یده ورجله إذا أخذ المال، وهذا لا خلاف فيه.
فإن قيل: روى إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن
(١) المصادر السابقة.
(٢) سبق تخريجه.

٣٣٧
باب حد قطع الطريق
عمير عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
يحل قتل امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: زان بعد إحصانه، ورجل قَتَل
فقَتِل به، ورجل خرج محارباً لله ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفى من
الأرض)) (١).
قيل له: قد روي هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها من وجوهٍ
صحاح، فلم يُذكر فيها قتل المحارب.
ورواه عثمان وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما عن النبي صلى الله
عليه وسلم، ولم يذكرا قَتْل المحارب(٢).
والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه، إذ المرتد لا محالة مستحق للقتل
بالاتفاق، وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر هؤلاء، فلم يبق من الثلاثة
غيرهم، ويكون المحارب إذا لم يقتل خارجاً منهم، وإن صحٍ ذكر
المحارب فيه، فالمعنى فيه: إذا قتل، حتى يكون موافقاً للأخبار الأُخر،
فتكون فائدته أنه يجوز قتله على وجه الصلب.
فإن قيل: فقد ذكر فيه: ((أو يُنْفَىُ من الأرض)).
قيل له: لا يمتنع أن يكون مبتدأ قد أضمر فيه: إن لم يقتل.
فإن قيل: فأنتَ تقتل الباغي وإن لم يقتل، وهو خارج من الثلاثة
المذكورين في الخبر.
قيل له: ظاهر الخبر ينفي قتله، وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق، وبقي
حكم الخبر في نفي قتل المحارب، إلا أن يقتل على العموم.
(١) السنن الكبرى ٢٨٣/٨.
(٢) سبق تخريجه.

٣٣٨
باب حد قطع الطريق
وأيضاً: فإن الخبر إنما ورد فيمن استحق القتل بفعل سبق منه، واستقر
حكمه عليه، كالزاني، والمرتد، والقاتل، والباغي لا يستحق القتل على
هذا الوجه، وإنما يُقتل على وجه الدفع، ألا ترى أنه لو قعد في بيته، فلم
يقتل: لم يُقْتَل وإن لم يكن تابعاً من البغي.
فثبت بما وصفنا أنَّ حكم الآية على الترتيب على الوجه الذي بيَّنًا،
وليس على التخيير.
* وأما الذي روي في خبر العرنيين، من سَمْل العيون، فهو منسوخ
عندنا (١)، ودلالة ذلك من وجهين:
أحدهما: أنا قد بينا أنَّ الآية نزلت بعده، وليس فيها السمل، وجميع
ما في الآية هو حد المحاربين، فصارت ناسخة لما في حديث أنس في
قصة العرنیین.
والوجه الآخر: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن
المثلة)).
روى الحسن عن سمرة قال: ((ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلا أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المثلة))(٢).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((لا تتخذوا شيئاً من الروح غَرَضاً))(٣).
(١) أحكام القرآن للجصاص ٤٠٨/٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
١٤٩/٦.
(٢) صحيح البخاري ٧١/٥، سنن أبي داود ١٢٠/٣.
(٣) صحيح مسلم ١٥٤٩/٢ ح١٩٥٧.

٣٣٩
باب حد قطع الطريق
فكان النهي عن المثلة متأخراً عن قصة العرنيين، فصار ناسخاً لما فيها
من سَمْل العيون.
فصل : [المراد من النفي المذكور في آية قطاع الطريق]
وقد اختلف في النفي المذكور في الآية:
فروى مجاهد وغيره أن يطلبه الإمام أبداً لإقامة الحد عليه حتى يخرج
عن دار الإسلام.
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: نفيه حبسه، وهو قول أصحابنا.
وقال مالك: يُنفى إلى بلد آخر غير البلد الذي استحق فيه العقوبة،
فيحبس هناك(١).
فأما قول مجاهد في طلبه ليقام عليه الحد: فليس مما يقتضيه ظاهر
الآية؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أن يكون الحبس إحدى العقوبات التي
استحقها كالقتل، لقوله عز وجل: ﴿أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، ولو كان
طلبه لإقامة الحد، لقال والله أعلم: ((وينفوا من الأرض))، يعني: يُطلَبوا
لقيام الحد علیھم.
وأما نفيه عن بلده بغير حبس: فلا معنى له؛ لأنه معلوم أنَّ المراد بما
ذكره زجره عن إخافة السبيل، وكفُّ أذاه عن المسلمين، وهو إذا صار إلى
بلد آخر وكان مطلقاً هناك، كانت مَعَرَّته قائمة على المسلمين، إذ كان
تصرفه هناك کتصرفه في بلده، فلا معنى لذلك.
(١) ينظر لهذه الأقوال: أحكام القرآن للجصاص ٤١٢/٢، الجامع لأحكام
القرآن للقرطبي ١٥٢/٦، المبسوط ١٩٩/٩، المغني والشرح الكبير ٣٠٧/١٠.

٣٤٠
باب حد قطع الطريق
وأما قول من قال: إنه يُنفى إلى بلد آخر، ويحبس فيه: فلا معنى له
أيضاً؛ لأن الحبس يستوي في بلده وغير بلده، وإنما معنى النفي هو نفيه
عن سائر الأرض، إلا موضع الحبس الذي لا يمكنه فيه العبث والفساد،
فصح بذلك ما قال أصحابنا.
فصل : [حكم قطاع الطريق إذا خرجوا فأخذوا المال ... ]
ولم يختلف أصحابنا أنهم إذا خرجوا، فأخذوا المال: قطّعت أيديهم
وأرجلهم فحَسْب، وذلك لما وصفنا أنَّ القتل لا يُستحق بغير ما ذكر في
الخبر من الأشياء الثلاثة، فوجب قطع اليد والرِّجْل حينئذٍ بقوله سبحانه:
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يِهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ ﴾
ولأن في الأصول: أنَّ أَخْذ المال لا يُستحق به القتل، وقد يُستحق به
قطع اليد والرِّجْل، ألا ترى أنَّ السارق تقطع يده، فإن سرق ثانية: قطعت
رِجْله.
وإن قَتلوا ولم يأخذوا المال: قُتلوا، لقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ﴾:
معناه: إن قَتَلوا، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا
بإحدى ثلاث))، وذكر فيه: ((أو قَتْل نفس بغير نفس)).
وهذان الفعلان(١) لا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله فيهما.
* وإن قتلوا وأخذوا المال: فإن أبا حنيفة رحمه الله قال في الجامع
الصغير (٢): الإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم، وقتلهم(١).
(١) وفي (ق.ج): ((الفصلان)).
(٢) الجامع الصغير ص ٥١٣.