Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كتاب الحدود من ذلك كان صحيحاً معتبراً به في جملة الأربعة. * وإنما احتجنا إلى ذلك؛ لأن من المخالفين مَن يقول: عسى أن لا يكون إقرارُه المتقدِّم بصريح الزنى، أو عسى أن يكون أخبرَه؛ لأنه لم يكن ثبت عنده إحصانه أو صحة عقله، فقلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صحَّح حكم إقراره أربع مرات، ولو كان كما زعمتم، لما كان ما تقدم إقراراً بالزنى، ولو كان لأجل ما ظن به من الجنون، وتغيُّرِ العقل، لسأل عنه في أول مرة. وعلى أنه قد روي إقراره أربع مرات بالزنى مصرِّحاً؛ لأنه قال في كل مرة: ((زنيتُ)). وقال أبو بكر رضي الله عنه: ((إنك إن اعترفتَ الرابعة رَجَمَك رسولُ الله صلی الله علیه وسلم)). وقول بريدة: ((إنا كنا نتحدث أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام أنه لو رجع بعد الثالثة، لما طلبه، وأنه إنما رجمه عند الرابعة)). فدل على أنَّ ذلك قد كان مشهوراً متعارفاً بينهم، قد عرفوه من حكم الإقرار بالزنى قبل مجيء ماعز. وقد استعمل ذلك علي رضي الله عنه في شُرَاحة الهمدانية، ولا نعلم عن أحدٍ من الصحابة خلاف ذلك. ويدل على ذلك: أنَّ في حديث بريدة: ((أنَّ الغامدية قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما ردَّها: لعلَّكَ تردُّني كما رددتَ ماعزا) (١). (١) سنن أبي داود ٥٨٨/٤ ح٤٤٤٢. ١٨٢ كتاب الحدود فإن قيل: في حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد في قصة العسيف: ((واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)) (١)، ولم يذكر فيه عدد الإقرار. قيل له: ويحتمل أن يكون متقدماً لخبر ماعز، فيكون خبر ماعز ناسخاً له، وإن كان بعده: فهو محمولٌ على ما في خبر ماعز، كما هو محمول في الإحصان وإن لم يبيِّنه في الحال، اكتفاءً منه بعلم أُنيس بذلك. وأيضاً: فينبغي أن تُثبتَ أنَّ الإقرار مرة واحدة يكون اعترافاً حتى يصح لك ما تدعيه في معنی الخبر. وأيضاً: فخبر ماعز مفسَّر، وخبر أنيس مُجْمَل، فيلزم مخالفنا أن يثبته على ما فُسِّر في خبر ماعز. * وإنما شرطنا أن يكون الإقرار في مجالس مختلفة، لما ذُكر في قصة ماعز: ((أنه أتاه من الغد، ثم أتاه من الغد))، فذكر الإقرار في مجالس مختلفة. مسألة : [الذي يبدأ برجم المحدود] (وإذا ثبت الحد بالشهود: بدأ الشهودُ، ثم الإمامُ، ثم الناس)(٢). وذلك لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((إذا كان الحد بشهادة: بدأ الشهودُ، ثم الإمام، ثم الناس، وإذا كان بإقرارِ: بدأ الإمامُ، ثم الناس))(٣). (١) صحيح البخاري ٢٤/٨، صحيح مسلم ١٣٢٤/٢ ح ١٦٩٧، ١٦٩٨. (٢) المبسوط ٥١/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٢٥/٥. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٠ / ٩٠. ١٨٣ كتاب الحدود ووجه ذلك: أنا قد أُمرنا بدرء الحدود بالشبهات، والاستظهار فيها، فيكون أمرهم بالرجم بدءاً امتحاناً لهم، وتحقيقاً لشهادتهم، ولأنه عسى أن يَعرض فيها ما يوجب إسقاط الحد. وقد قال عمر حين شهد عنده ثلاثة على المغيرة بن شعبة، وجاء زياد فشهد: أني أرى وجه رجل: أرجو أن لا يُخزيَ الله رجلاً من أصحاب محمد على يديه، طمعاً في أن لا تتم الشهادة عليه بالزنا، فيُرجم(١). * (وأما إذا كان بإقرار: فإن الإمام هو الذي يبدأ)(٢). وذلك لما حُدِّثنا عن أبي داود عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا زكريا بن سليمان قال: سمعت شيخاً يحدث عن أبي بكرة عن أبيه ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة، فحَفَر لها إلى الثَّنْدُوة، ثم رماها بحصاة مثل الحِمِّصة، ثم قال: ارموا، واتقوا الوجه، فلما طُفِئت: أخرجها وصلی عليها))(٣). ولأنه هو الحاكم عليه بالرجم، والأمر به، فالاستظهار فيه أن يبدأ الإمام به إذا كان حاضراً. مسألة : [كيفية الرجم] قال: (ويَصُفُون صفوفاً كصفوف الصلاة إذا رجموه). وذلك أنهم إن أحاطوا به: لم يؤمن أن يصيب بعضُهم بعضاً. (١) مصنف ابن أبي شيبة ٩١/١٠، مصنف عبد الرزاق ٣٨٤/٧، نصب الراية ٣٤٥/٣. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٢٨/٥. (٣) سنن أبي داود ٥٩٠/٤ ح ٤٤٤٣، ٤٤٤٤، نصب الراية ٣٢٠/٣. ١٨٤ كتاب الحدود [مسألة : الحفر للمرجوم] قال: (وإن رأى الإمامُ أن يُحفر للمرجوم: فَعَل، وإن رأى أن لا يُحفر له عند الرجم: فَعَل، وأما المرجومة فإنه يُحْفر لها إلى صدرها)(١). قال أحمد : المشهور من قولهم: أنَّ المرجوم لا يُحفر له ولا يُربط، وذلك لما حُدِّثناه عن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن منيع عن يحيى بن زكريا، وهذا لفظه عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: ((لما أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم برَجْم ماعز بن مالك، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه، ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا فرميناه)) (٢). وفي سائر الأخبار: ((إنه لما أصابته الحجارة: اشتدَّ)(٣). وهذا يدل على أنه لم يكن قد أُوثق، ولا حُقِر له. وقد روى عبد الله بن المقدام عن ابن شداد عن أبي ذر قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقرَّ رجل عنده بالزنى، فردَّه أربعاً، ثم أمر فحُفِر له حفرة، ليست بالطويلة، فرُجم)) (٤). وفي حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أَمَرَ بَرَجْم الرجل الذي أقرَّ عنده بالزنى، خرجنا فحفرنا له))(٥). والذي رُوي في قصة ماعز أولى، لصحة سنده، وتواتر الأخبار به. (١) المبسوط ٥١/٩ وما بعده، شرح فتح القدير ٢٢٥/٥. (٢) صحيح مسلم ١٣٢٠/٢ ح١٦٩٦. (٣) اشتد: أي خرج هارباً، وينظر للرواية نصب الراية ٣٢٠/٣. (٤) صحيح مسلم ١٣٢٣/٢ ح ١٦٩٥، ٢٣، مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٧٥. (٥) سنن أبي داود ٥٨٤/٤ ح ٤٤٣٥. ١٨٥ كتاب الحدود وسندُ هذَيْن الحديثين ليس مما تثبت به حجة، ولا يعارض به أحاديث ماعز. * والذي قال أبو جعفر: ((إن المرأة يُحفر لها)): فإن محمداً قال في الأصل: ((إن شاء حفر لها، وإن شاء لم يحفر لها)) (١). أما الحفر: فلما روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر فحُفِر الغامدية حين أَمَر برجمها))(٢). وحُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا زكريا بن سليمان قال: سمعت شيخاً يحدث عن ابن أبي بكرة عن أبيه ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة، فحفر لها إلى الثّندُوة، ثم رماها بحصاة مثل الحِمِّصة، ثم قال: ارموها واتقوا الوجه، فلما طُفِئت: أخرجها وصلى عليها))(٣). قال أحمد : هذا الحديث يشتمل على عدة معان: منها أنَّ المرجومة يحفر لها. وأن الإمام هو الذي يبدأ بالرجم إذا كان بإقرار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجم أحداً من المسلمين إلا بإقرار، منهم ماعز والجهنية. ومنها أنَّ الوجه لا يضرب في الحدود. وأن المرجومة يُصلى عليها. (١) المبسوط ٥٢/٩. (٢) صحيح مسلم ١٣٢٣/٢. (٣) سنن أبي داود ٤ /٥٩٠ ح ٤٤٤٤. ١٨٦ كتاب الحدود * وأما وجه قوله: ((وإن شاء لم يحفر لها)): فلما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في رجم اليهوديين من الدلالة على أنه لم يحفر لهما، وذلك أنه قال: «فرأيتُ رجلاً يَحْني عليها عند الرجم، ويقيها الحجارة))(١). فهذا يدل على معنيين: أحدهما: أنهما لم يكونا في حفرة؛ لأنه لو حفر، لكان ينبغي أن يكون لكل واحد منهما حفيرة على حيالها، فلم يكن یمکنه حينئذٍ أن يقيها الحجارة، ویحني علیھا. ويدل أيضاً: على أنَّ الرجل كان قائماً؛ لأنه لو كان قاعداً، لما أمكنه أن يحني عليها. * والفرق بين الرجل والمرأة من طريق النظر: أنَّ المرأة مخصوصة بالستر، دون الرجل في سائر الأحوال؛ لأنها عورة، منها: حال الإحرام على الصلاة، والجنازة، وعند وضعها في القبر. وكما يُضرب الرجل عرياناً عليه سراويل، والمرأة عليها ثيابها، كذلك في حال الرجم. ثم يجوز حينئذٍ الاكتفاء بسترها بالثياب في حال الرجم، وتَرْك الحفر. مسألة: [الرجوع عن الإقرار في الزنى] قال أبو جعفر: (وإذا رجع عن إقراره بالزنى، أو هرب قبل رجوعه: لم يُتَّبَع)(٢). (١) سنن أبي داود ٥٩٤/٤ ح ٤٤٤٦، نصب الراية ٣٢٦/٣. ومعنى يحني: أي يكبُّ عليها ليقيها الحجارة. (٢) المبسوط ٩٤/٩. ١٨٧ كتاب الحدود أما صحة رجوعه عن الإقرار، فلما روى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بلص قد اعترف اعترافاً، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما إخالك سرقت))، قال: بلىُ، وأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً، وأَمَرَ به، فقَطَع يده))(١). فدل هذا الحديث على صحة رجوعه عن الإقرار، لولا ذلك لما لقَّنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرجوعَ عنه بعد اعترافه. ويدل عليه: ما روي في قصة ماعز، أنه لما وَجَدَ مسَّ الحجارة جَزِعَ، فاشتدَّ، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد أعجز أصحابه، فرماه بوظيف بعير، فقتله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله علیه))(٢). رواه هشام بن سعد عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه، وذكر القصة على وجهها. فلما مَنَعَ نفسه مما بذلها له بدءاً، أمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بترکه، فإذا كان هربه یوجب تركه، فرجوعه عن الإقرار أولى بذلك. فإن قال قائل: كيف يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((هلا تركتموه))، وهم لو تركوه بعد أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه كانوا عصاة، لترکهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم. (١) سنن أبي داود ٥٤٣/٤ ح ٤٣٨٠. (٢) صحيح مسلم ١٣٢١/٢ ح١٦٩٤، سنن أبي داود ٥٧٣/٤ ح ٤٤١٩، سنن الترمذي ٣٦/٤ ح١٤٢٨-١٤٣٩. ١٨٨ كتاب الحدود قيل له: أراد أن يفيدهم الحكم في مثله إن عرض في المستأنف. فإن قيل: ليس في قوله: ((هلا تركتموه)): دلالة على ما ذكرتَ؛ لأن جابر بن عبد الله سئل عن ذلك، فقال إنما معناه: هلا تركتموه من الرجم، وجئتموني به، ليستثبت(١) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما لترك حدٍّ فلا. قيل له: هذا ظن من جابر، ولم يعزه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحُمْلَ علیه. فإن قيل: قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما بلغني من حدٍّ فقد وجب))(٢) ينفي ما ذكرتَ في هذا الحديث. قيل له: ليس كذلك؛ لأن الحدَّ بعد وجوبه يجوز أن يسقط، وإذا سقط لشبهة تعرض فيه، لم تجز إقامته، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: ما وجب من حدٍّ فلا يسقط، فيكون كما قلت. فقد دلَّت قصة ماعز على الوجه الذي ذكرنا على جواز الرجوع عن الإقرار، وعلى أنه إذا هرب بعد الإقرار لم يُتَّبع. وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه أمر بضرب عبدٍ أقر بالزنى، وقال: اضرب حتى يقول لك: أمسك(٣). وليس الإقرار فيه كالشهادة إذا هرب(٤) وقد ثبت الزنى عليه بشهادة (١) وفي (ق.ج): ((ليستتيبه)). (٢) سنن أبي داود ٤ /٥٤٠ ح ٤٣٧٦. (٣) السنن الكبرى ٢٤٣/٨. (٤) المبسوط ٦٩/٩. ١٨٩ كتاب الحدود الشهود: أُتّبع، ولم يُخَلَّ وإن هرب، وذلك لأنه لو وجب ذلك، لوجب أن يكون إنكاره بدءاً مانعاً من صحة الشهادة عليه والخصومة، لأنه لا تصح الشهادة إلا وهو منکِر لها، ممتنعٌ مما يقتضيه حكمها. مسألة : [تأجيل رجم المرأة الحامل] قال أبو جعفر: (ولا تُرجم المرأة إذا كانت حاملاً)(١). لما روي في قصة الجهنية أنها أقرَّت بالزنىُ وهي حُبْلى، فلم يرجمها النبي صلى الله عليه وسلم حتى وضعت، فلما وضعت رجمها (٢). وروي أنَّ عمر رضي الله عنه أراد أن يرجم حبلى، فقال له معاذ بن جبل: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال: لولا معاذ لهَلَك عمر(٣). مسألة : [المرض لا يمنع الرجم] قال أبو جعفر : (ومرض الزاني لا يمنع رَجْمه)(٤). وذلك لأن الرجم يأتي عليه صحيحاً كان أو مريضاً، فلا معنى الانتظار البرء فيه. مسألة : [عدم الجلد أثناء المرض] قال : (وإن كان حدُّه الجلد: لم يُجلَد حتى يبرأ). (١) المبسوط ٧٣/٩، شرح فتح القدير ٢٤٥/٥، المغني ١٣٨/١٠. (٢) صحيح مسلم ١٣٢٢/٢. (٣) فتح الباري ١٤٦/١٢، مصنف ابن أبي شيبة ٨٨/١٠. (٤) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٤٥/٥. ١٩٠ كتاب الحدود والأصل فيه: ما روى إسرائيل عن عبد الأعلى عن أبي جميلة عن علي رضي الله عنه قال: ((فَجَرَت جارية لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا علي! انطلق فأقِم عليها الحد، قال: فانطلقتُ، فإذا بها دم يسيل لم ينقطع، فأتيته فأخبرته، فقال: دعها حتى ينقطع دمها، ثم أقم عليها الحد))(١). فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتأخير الحدِّ؛ لِمَا يُخاف من ضرره عليها لأجل النفاس. فإن قيل: روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ((أنَّ رجلاً مريضاً زنى، وخِيف عليه من الجلد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شِمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة))(٢). قيل له: هذا يدل على ما قلنا؛ لأنه ضرب ضرباً لا يُخاف منه. ويدل عليه أيضاً: ما روى فضالة بن عبيد وغيره ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر (٣) بسارق، فقطع يده، ثم حسمه)) (٤)، والمعنى فيه عندنا: لئلا يلحقه من الضرر أكثر مما هو مستحق علیه بالحد. ومن جهة النظر: إن المستحق عليه من العقوبة إنما هو الجلد، فإذا (١) صحيح مسلم ٢/ ١٣٣٠ ح١٧٠٥، أبو داود ٦١٧/٤ ح ٤٤٧٣. (٢) سنن أبي داود ٦١٥/٤ ح٤٤٧٢. (٣) وفي (ق.ج): ((أُتي)). (٤) المستدرك ٣٨١/٤، نصب الراية ٣٧١/٣. ١٩١ كتاب الحدود كان مريضاً أو كان حرٌّ، أو بردٌ يُخاف منه، فلو أقمنا عليه الحد كنا قد ألحقنا به من الضرر في بدنه أكثر من المستَحق بالحد، فلذلك لم نُقم عليه الحد في هذه الحال. مسألة : [ضرب الزاني قائماً] قال أبو جعفر : (ويُضرب الزاني قائماً غير ممدود مجرّداً)(١). أما ضربه قائماً، فلما روي في حديث أبي نضرة عن أبي سعيد أنه قال: ((لما أَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم(٢) ماعز، خرجنا إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا فرميناه))(٣). وفي حديث ابن عمر في رجم اليهوديين قال: ((رأيت الرجل يحني عليها يقيها الحجارة))(٤). وهذا يدل على أنه كان قائماً. وروى عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي ((أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب رجلاً حدًّاً، فأُتي بسوط فكره شدته، فأُتي بسوط ليِّن فكره لينه، فأُتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ولا تُرينَّ إبطك، وأعط كل عضو حقه))(٥). (١) المبسوط ٥١/٩-٧٢، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٣٢/٥. (٢) وفي (ق.ج): ((بضرب)). (٣) صحيح مسلم ١٣٢٠/٢، سنن أبي داود ٤ /٥٨٢ ح ٤٤٣١. (٤) صحيح مسلم ١٣٢٦/٣، سنن أبي داود ٤ /٥٩٤ ح ٤٤٤٦. (٥) مصنف عبد الرزاق ٣٧٠/٧. ١٩٢ كتاب الحدود فهذا يدل على أنه كان قائماً، ويدل أيضاً على تفريق الضرب. وروي ((عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه جلد رجلاً قائماً في القذف))(١). * وأما قوله: ((غير ممدود)): فلأن فيه زيادة في إيلامه، وذلك غير مستَحق بالفعل. * وأما قوله: ((مجرَّدًا)): ليصل إليه الألم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ اْللَّهِ﴾ (٢). مسألة : [عدم ضرب الرأس والوجه والفرج في الحدود] قال أبو جعفر: (ولا يُضرب الرأس والوجه والفرج، في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يضرب الرأس) (٣). وحكى ابن أبي عمران عن أصحاب أبي يوسف أنه قال: يضرب الرأس سوطاً واحداً. وأما الوجه، فلِمَا في حديث ابن أبي بكرة عن أبيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر برجم المرأة قال لهم: ((اتقوا الوجه)) (٤)، وقد ذكرناه فیما سلف. وروى ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (١) السنن الكبرى ٢٥١/٨. (٢) النور: ٢. (٣) المبسوط ٧٢/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٣١/٥. (٤) أبو داود ٦٣١/٤ ح ٤٤٩٣، نصب الراية ٣٢٤/٣. ١٩٣ كتاب الحدود صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه))(١). وروي أنَّ علياً رضي الله عنه قال لرجل أمره بجلد رجل في الخمر: «اتق وجهه ومذاکیره))(٢). وأما الرأس، فلأنه مَقْتَل، فلا يُضرب، كما لا يُضرب الفرج. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله لهلال بن أمية حين قذف امرأته: ((اتيني بأربعة يشهدون، وإلا فحَدٌّ في ظهرك))(٣): فلأن معظمه يقع في الظهر، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ وَالذَّمُ وَهُمُ الْخِنِزِيرِ﴾(٤)، وليس الحكم مقصوراً على اللحم، بل الشحم مثله في التحريم، ولكن ذکر اللحم لأنه أعظم ما يبتغى فيه. ولأن عُظْم ما يُحمل، إنما يُحمل على الظهر، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾(٥). مسألة : [كيفية ضرب المرأة في الحد] قال أبو جعفر : (وتُضرب المرأة قاعدة عليها ثيابها، ويُنزَع عنها الجلد والفَرْو والحشو)(٦). (١) أبو داود ٦٣١/٤ ح ٤٤٩٣، نصب الراية ٣٢٤/٣. (٢) مصنف عبد الرزاق ٣٧٠/٧. (٣) فتح الباري ٤٤٩/٨. (٤) المائدة: ٣. (٥) الأنعام: ٣١. (٦) المبسوط ٧٣/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٣٣/٥. ١٩٤ كتاب الحدود فأما ضربها قاعدة في ثيابها، فلأن ذلك أستر لها، وكما روي في رجم الجهنية ((أنه حُقِر لها، وشُدَّت عليها ثيابها))(١). * ونُزِع الحشو والجلد، ليصل الألم إليها. مسألة : [أثر التقادم على الإقرار] قال أبو جعفر: (ومَن أقر بزنى بعد حين: أُقيم عليه الحد)(٢). لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَجَمَ ماعزاً لما أقرَّ بالزنى أربع مرات، ولم يسأله عن الوقت، ولو كان تراخي المدة يمنع من صحة الإقرار، لبحث عنه، ورَجَمَ الجهنية بعد سنتين في بعض الأخبار (٣). وكما يصح الإقرار بسائر الحقوق بعد حين. مسألة : [أثر التقادم على الشهادة] قال: (ولو شهدت عليه بينة بعد حين: لم يُقم عليه)(٤). وذلك لأن الشهود كان عليهم حين علموا منه أحد شيئين: إما الستر، وإما إقامة الشهادة في الحال، فإذا لم يقيموها في الوقت، لم يخل من أحد شیئین : إما أن يكونوا لم يقيموها تضييعاً(٥) للشهادة، واستخفافاً بأمر الحد، (١) صحيح مسلم ١٣٢٤/٢، سنن أبي داود ٤٤٤٣. (٢) المبسوط ٩٧/٩، شرح فتح القدير ٢٧٨/٥. (٣) لم أقف عليه. (٤) المصدر السابق. (٥) وفي (ق.ج): ((إسقاطاً)). ١٩٥ كتاب الحدود أو لأنهم اختاروا الستر. فإن لم يقيموها للوجه الأول، فذلك يُسقط شهادتهم، وإن اختاروا الستر بدءاً - ولهم ذلك ــ فلم يقيموها في الثاني إلا لشيء هاجهم عليه، من ضَغْن أو عداوة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((أيما شهود شهدوا بحدٍّ، فلم يشهدوا بحضرته، فإنما هم شهود ضغن))(١). * قال: (وكان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يؤقت في ذلك، ويقول: هو على ما يرى الإمام). وذلك لأن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس، وإنما تؤخذ من أحد وجهين: إما الاجتهاد، أو التوقيف، فإذا عدمنا التوقيف: فبالاجتهاد. * (وأبو يوسف ومحمد يؤقتان شهراً) اجتهاداً، كما قالوا فيمن حلف: ليقضينَّ فلاناً مالَه عاجلاً، ولا نية له: أنه على أقل من شهر. وقال محمد في كتاب الشفعة: إذا سكت عن المطالبة بها بعد الطلب شهراً، بطلت شفعته(٢)، وذلك كله اجتهاد. مسألة : [تعمد النظر في الزنى لأجل الشهادة] قال أبو جعفر: (ومَن شهد عليه أربعة بالزنى، وقالوا: تعمَّدنا النظر، لم يضرَّ ذلك بشهادتهم)(٣). (١) مصنف عبد الرزاق ٤٣٢/٧، شرح فتح القدير ٢٧٩/٥، المغني والشرح الكبير ١٨٧/٩، المحلى لابن حزم ١١/ ١٤٤. (٢) بدائع الصنائع ٢٧١٤/٦. (٣) المبسوط ٧٧/٩، رد المختار ٣٥/٤. ١٩٦ كتاب الحدود وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾(١)، والاستشهاد على الزنى لا يكون إلا مع تعمُّد النظر. فإن قيل: إنما المراد إقامة الشهادة عند الحاكم، لا على حضور الفعل. قيل له: اللفظ ينطوي على الأمرين جميعاً، فهو عليهما. وروى مالك بن أنس عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله! أرأيت لو وجدتُ مع امرأتي رجلاً أُمهله حتى آتيَ بأربعة شهداء؟ قال: نعم(٢). فقد أباح له استشهاد أربعة على معاينة ذلك. وأيضاً: الذين شهدوا على المغيرة، قد كانوا قبل ذلك اتهموا المغيرة، فاجتمعوا بعد ذلك، وتعمدوا النظر، ثم أقاموا الشهادة عند عمر بحضرة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فلم يبطل أحد منهم شهادتهم لأجل أنهم تعمدوا النظر، وإنما حدَّهم لأن زياداً لم يصرِّح بالزنى في الشهادةُ" وأيضاً: فإنه إذا لم يصل إلى إقامة حق الله إلا بتعمد النظر، جاز له ذلك، كما يجوز للطبيب والقابلة النظر إلى العورة. (١) النساء: ١٥. (٢) صحيح مسلم ١١٣٥/٢ ح ١٤٩٨، الموطأ ٨٢٣/٢. (٣) المستدرك ٤٤٨/٣، مصنف عبد الرزاق ٣٨٤/٧، نصب الراية ٣٤٥/٣. ١٩٧ كتاب الحدود مسألة : [جهل الشهود بالمزنيُّ بها] قال: (ومَن شهد عليه أربعة أنه زنى بامرأة لا يعرفونها: لم يُحَدَّ)(١). وذلك لأن هذه ليست بشهادة على الزنى؛ لأنه غير جائزٍ لهم أن يقولوا هو زانٍ إلا أن يعرفوا أنَّ المرأة أجنبية، مع خُلُوِّ الفعل من الشبهة، فإذا لم يفعلوا ذلك، لم يسعهم إقامة الشهادة على الزنى. فإذا قالوا: نعم نعرف المرأة: فقد نقضوا قولهم بدءاً أنه زنى. وليس هذا كالإقرار إذا أقرَّ أنه زنى بامرأة، ولا نعرفها نحن؛ لأن جهلنا بأنها امرأته لا ينفي (٢) صحة إقراره، وهو قد أخبر عن نفسه حين أقرَّ بالزنى بها أنه عالمٌ بأنها ليست بامرأته. وأيضاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الجهنية عمن زنى بها، وحكم عليها بصحة إقرارها. مسألة : [أثر موت الشاهد أو غيابه أو امتناعه على إقامة الحد] قال أبو جعفر: (وإذا غاب الشهود، أو ماتوا: لم يُرجم) (٣). وذلك لأن مِن حُكم الرجم أن يبدأ به الشهود، ولو كانوا حضوراً، فامتنعوا من رجمه: لم يُرجم، وكان ذلك تهمة في الشهادة، كذلك إذا غابوا، أو ماتوا. (١) المبسوط ٨٩/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٤/٥. (٢) وفي (ق.ج): ((لا يقدح في)). (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٢٨/٥. ١٩٨ كتاب الحدود قال: (وقال أبو يوسف: يُرجم وإن غابوا)(١)؛ لأن أَمْرنا للشهود بالابتداء بالرجم، إنما هو على وجه الاستظهار، لا على أنَّ ذلك شرطٌ في صحة الرجم. مسألة : [الإقرار بعد الإشهاد] قال: (ومَن شهد عليه أربعة بالزنى، فقُضي عليه بذلك، ولم يُقَم عليه الحد حتى أقرَّ بالزنى، فإن أبا يوسف قال: قد بطلت الشهادة عليه بذلك، فلا يُحَدُّ حتى يقرَّ أربع مرات في مجالس مختلفة. وأما محمد فكان يقول: الشهادة على حالها، ويُحدُّ بها بعد إقراره، كما يُحدُّ بها قبل إقراره، إلا أن يقرَّ بتتمة أربع مرات في مجالس مختلفة، فيُحدُّ بالإقرار حينئذٍ، وتبطل الشهادة)(٢). وجه قول أبي يوسف: أنَّ الشهادة على الزنى موقوفةُ الحكم على استيفاء الحد، فمتى عرض فيها قبل استيفائها ما يمنع قبولها ابتداء، فإنه يبطلها، والدليل على صحة ذلك: أنَّ الشهود لو رجعوا بعد حكم الحاكم بالحد بشهادتهم، لبطل الحد، كذلك إذا أقرَّ، وجب أن يبطل حكم الشهادة مع الإقرار، كما أنه لو أقر بدءاً: لم يصح للشهادة حكم مع الإقرار. ووجه قول محمد: إن الإقرار بالزنى مرة واحدة لا حكم له، والدليل عليه: أنه لا يجب به حدٍّ، ومن حيث سقط الحد، لم يجب المهر أيضاً، فصار وجوده وعدمه سواء. ألا ترى أنه لو أقرَّ أربع مرات، ثم سقط الحد بضرب من الشبهة، (١) المبسوط ٥١/٩. (٢) المبسوط ٩٥/٩. ١٩٩ كتاب الحدود وجب المهر بصحة الإقرار، فإذا أقرَّ أربع مرات، ثبت حكم الإقرار، وانتفى حكم الشهادة، لاستحالة أن يكون محكوماً عليه بالإقرار وبالشهادة جميعاً، لأنهما يتنافيان، ولا يصح اجتماعهما، ألا ترى أنّ حكم الشهادة مما لا يصح مع الإقرار. * * ٢٠٠ كتاب الحدود باب الحَدُّ في القذف مسألة: [شروط حد القذف] قال أبو جعفر(١): (وإذا قذف رجل رجلاً لم يُحدَّ القاذف حتى تثبت حرية المقذوف)(٢). قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾(٣)، فأوجب سبحانه الحد على قاذف المحصنة، والرقُّ يمنع الإحصان، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤)، فجعلها عزَّ وجلَّ غيرَ محصَنة. ولا خلاف بين الفقهاء أيضاً في أن لا حدَّ على قاذف الرقيق(٥)، فإذا اختلفا في الرق والحرية، فالقول قول مَن يدَّعي الرق؛ لأن الله تعالىُ علَّق (١) ينظر: مختصر الطحاوي ص ٢٦٥، المبسوط ١١٩/٩، العناية مع شرح فتح القدير ٣١٦/٥، تبيين الحقائق ١٩٩/٣، بدائع الصنائع ٤١٦٥/٩، حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٣. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٢٦٧/٣، المبسوط ١٠٧/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٣١٩/٥، بدائع الصنائع ٤١٦٦/٩. (٣) التوبة: ٤. (٤) النساء: ٢٥. (٥) المغني والشرح الكبير ٢٠٢/١٠-٢١١.