Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب الحدود عاشوراء نُسخ بصوم شهر رمضان، وأن سائر الصدقات نُسخت بالزكاة، وقد یصح اجتماع جمیع ذلك في خطاب واحد. وعلى أنا لو سلمنا ذلك، أنَّ النسخ إنما يقع في الشيئين اللذين لا يصح اجتماعهما، كان سؤالك عنا ساقطاً فيما وصفنا، من قِبَل أنَّ الآية إذا كانت موجبة لكون الجلد حداً، امتنع انضمام النفي إليه في كونه معه حداً؛ لأن الجلد إذا انفرد كان حدّاً بكماله، وإذا ضُمَّ إليه النفي كان الجلد بعض الحد، وغير جائز أن يكون هو كمال الحد، وهو بعض الحد في حال واحدة. وأما الفرضان المختلفان، فليس كذلك، من أجل أنَّ وجوب أحدهما وعدمه لا تأثير له في حكم الفرض الآخر، لا في الجواز ولا في البطلان؛ لأن ترك الزكاة لا يؤثر في صحة الصلاة وكمالها، وعدم بعض الحد يمنع كون الباقي حداً، كما أنَّ ترك بعض أعضاء الوضوء في الطهارة يمنع الباقي أن تكون طهارة، وكما أنَّ مَن ترك ركعة من الصلاة يمنع الباقي أن يكون فرضاً. وأيضاً: فإن الزيادة في هذا الباب تجري مجرى النقصان، لا فرق بينهما، فلو قال قائل: إن حَدَّ الزاني ثمانون، كان مخالفاً للنص، كذلك إذا قال: إن جلد المائة هو بعض الحد، فهو مخالف للنص. ألا ترى أنَّ عدة الوفاة لما جُعلت أربعة أشهر وعشراً بعد أن كانت حولاً: كان ذلك نسخاً، كذلك إذا قيل بعد إيجاب العدة أربعة أشهر وعشراً: إن العدة حول: كان نسخاً للعدة الأولى، وإنما كانت الزيادة في معنى النقصان، من قِبَل أنَّ الزيادة تُخرج الأول من أن يكون حداً، وتجعله بعض الحد، كما أنّ النقصان يجعل ما كان بعض الحد جميعه، فلا فرق ١٦٢ كتاب الحدود بين ما يجعل البعض كلاً أو الكل بعضاً. ووجه آخر في حديث عبادة: وهو قوله: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)): وهو أنّ حديث عبادة كان قبل نزول آية الجلد، لأنا قد بينا أنه لم يكن بين الحبس والأذى، وبين خبر عبادة واسطة حكم، فإذا كانت الآية بعده، وقد وردت مطلقة، فهي إذاً ناسخة للنفي المذكور فيه، لأنها تقتضي أن يكون ما فيها من الجلد هو الحد لا غير، وينفي أن يكون هو بعض الحد. فإن احتجوا بما في حديث أبي هريرة في قصة العسيف، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأقضين بينكما بكتاب الله: على ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))(١). قيل له: قد بينًا أنه لا يجوز الزيادة في نص القرآن بخبر الواحد، وهذا من أخبار الآحاد. [النفي مع الجلد راجع لما يراه الإمام] وأيضاً: فإنا نوجب النفي مع الجلد، لا على معنى أنه حدٍّ، بل على ما يرى الإمام من المصلحة فيه، وما يؤديه إليه اجتهاده، وإنما المستنكر منه عندنا أن يكون حداً مع الجلد. وقد روي ((أنَّ عمر ضرب رجلاً ونفاه، فارتدَّ ولَحِق بدار الحرب، فقال عمر: لا أنفي بعده أحداً أبداً))(٢). (١) سبق تخريجه. (٢) مصنف عبد الرزاق ٣١٤/٧. ١٦٣ كتاب الحدود وقال علي رضي الله عنه: ((كفى بالنفي فتنة))(١). فلم يروا النفي حداً مع الجلد، وإنما رأوه على جهة الاجتهاد والمصلحة، ولو كان النفي حداً مع الجلد، لما خفي على هؤلاء، كما لم يَخْف عليهم أمر الجلد، ولكانت شهرته عندهم كشهرة الجلد. وقد ثبت النفي في الأصول على جهة الاجتهاد. وقد روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نفى مُختَّثَا)(٢). ((ونفى عمر رجلاً بالتهمة))(٣). وليس يمتنع أن يكون حديث عبادة وأبي هريرة في العَسيف على هذا المعنى. فإن قيل: لو كان على طريق المصلحة، وموكَلاً إلى رأي الإمام، لما أُطلق اللفظ بإيجابه في هذين الخبرين، كإيجاب الجلد. قيل له: ليس يمتنع أن تكون المصلحة في ذلك الوقت نفي جميع الزناة مع الجلد، تغليظاً وزجراً، لقُرْب عهدهم باستباحتهم، ولقطعهم عن العادة فيه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشق الراوية حين حُرِّم الخمر(٤)، وليس شق الراوية واجباً الآن، وكما كُسرت الأنصاب الأواني والدّان حین بلغهم تحريمها. ومما يدل على أنَّ النفي ليس بحدّ: أنَّ الحدود معلومة المقادير، (١) المصدر السابق، المحلى لابن حزم ١١/ ٢٣٢. (٢) فتح الباري ١٥٩/١٢، السنن الكبرى ٢٢٤/٨، التلخيص الحبير ٦١/٤. (٣) المصادر السابقة. (٤) صحيح البخاري ٦/ ٢٤٣. ١٦٤ كتاب الحدود وليس للنفي مقدار معلوم في المسافة والبلدان، وقد يكون النفي إلى بعضها أشق، وإلى بعضها أيسر، ولو كان حداً، لكان مقداره معلوماً كسائر الحدود. فإن قيل: هو معلومٌ؛ لأنه نفيُ سنة. قيل له: الوقت لعمري معلوم، وكان يجب أن تكون المسافة إلى الموضع الذي يُنفى إليه معلومة، ويكون البلد أيضاً معروفاً؛ لأن ذلك يختلف في المسافة بالبلدان، كما يختلف في المُدَد. وقد روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نفى أحد الزانيين إلىُ خَيْبر، والآخر إلى فَدَك، ونفى عمرُ إلى هَجَر، ونفى عثمانُ إلى مصر(١)، وهذه مسافات مختلفة، مثلها لا يكون حداً، وتدل على أنه اجتهادٌ، وأنه على حسب ما رأوا من التغليظ أو التخفيف. وأيضاً: قال الله تعالى في شأن الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْن ◌ِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَفَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(٢)، واتفقت الأمة على استعمال هذا الحكم فيهن في الجلد، فإن كان النفي حداً معه، فلا يخلو من أن يكون واجباً فيها، أو غير واجب. فإن كان غير واجب فيها مع قوله تعالى: ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى اُلْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ثبت أنَّ الذي على المحصنات هو الجلد، لأنه كمال النصف الذي على الأمة. (١) السنن الكبرى ٢٢٢/٨، التلخيص الحبير ٦٠/٤، نصب الراية ٣٣٢/٣. (٢) النساء: ٢٥. ١٦٥ كتاب الحدود وإن أُوجب على الأمة نفي نصف سنة مع الجلد، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها))، حتى ذكر ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة: ((فليبِعْها ولو بضفير))(١). فدل هذا الخبر من وجهين على سقوط النفي : أحدهما: قوله: ((فليجلدها)): من غير ذكر النفي، ولو كان النفي حدّاً لذكره؛ لأن كلامه عليه الصلاة والسلام خرج مخرج تعليم الحكم. والثاني: قوله: ((فليبِعْها))، والنفي يضاد البيع؛ لأنه يمنع التسليم، فدل على أنَّ النفي ليس بحد. * ومما يدل على أنَّ النفي ليس بحدٍّ: ما روى الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام («أنه قضى فيمن زنى ولم يُحْصَن بنفي عامٍ، مع إقامة الحد عليه))(٢). فإن قال قائل: على ما قدَّمنا: قد أوجب الله صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين مطلقاً، غير منوطٍ (٣) بشرط التتابع، ثم لم يمتنع عندك إيجاب التتابع فيه؛ لما في قراءة عبد الله (٤): ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))(٥)، وفي ذلك زيادة في حكم النص على النحو الذي أبيتموه. (١) صحيح البخاري ٢٩/٨، صحيح مسلم ١٣٢٨/٢ ح ١٧٠٣. (٢) صحيح البخاري ٢٤/٢، صحيح مسلم ١٣٢٤/٢ ح ٩٧ - ١٦٩٨. (٣) وفي (ق.ج): ((مرتبط)). (٤) المراد به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٥) أحكام القرآن للجصاص ٤٦١/٢، من سورة المائدة: ٨٩. ١٦٦ كتاب الحدود قيل له: نحن لا نمنع الزيادة في نص القرآن بقرآنٍ مثله، أو بخبر التواتر، وإنما أنكرناها بخبر الواحد والقياس. فإن قيل: فكيف يجوز إثبات القرآن بخبر الواحد، وعلى أنه قد روي في حرف أُبيّ(١): ((فعدة من أيام أخر متابعات))(٢)، ولم تثبتوه. قيل له: أما حرف عبد الله، فقد كان مشهوراً متعالَماً عند أهل الكوفة في عصر أبي حنيفة، يقرؤون به، كما يقرؤون بحرف زيد(٣). وقد كان سعيد بن جبير يصلي بهم في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بحرف زيد، وليلة بحرف عبد الله. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يعلِّموننا في الكتاتيب حرف عبد الله، كما یعلموننا حرف زید. وقال سفيان بن عيينة: كان أبي يقرئني قراءة عبد الله. فدلَّ على أنَّ شهرة حرف عبد الله كانت عندهم كشهرة حروف حمزة والكسائي عندنا، وكان ذلك تواتراً عندنا، فجاز أن يثبت به القرآن. وأما حرف أُبيِّ فكان شاذاً عندهم، غير معروف، فلم يجز من أجل (١) أُبيّ بن كعب الأنصاري المدني رضي الله عنه. (٢) البقرة: ١٨٥. (٣) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمينه على الوحي، أحد الذين جمعوا القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كتبه في الصحف لأبي بكر الصديق، ثم في مصحف عثمان رضي الله عنهما، عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليه من الصحابة أبو هريرة وابن عباس، توفي سنة ٤٥ هـ. انظر الإصابة ٥٤٣/١. ١٦٧ كتاب الحدود ذلك إثبات التتابع به في قضاء شهر رمضان (١). فإن قيل: فإن كان هذا سبيل حرف عبد الله عندكم، فجوِّزوا القراءة به، وأثبتوا في المصحف: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)). قيل له: إنما تكلمنا على مذهب أبي حنيفة، وعلى ما كان عليه حكم هذه القراءة في عصره، ولم يكن يمتنع على ما ذكرنا أن يكونوا قد كانوا يقرؤون بهذه القراءة، فأما نحن فإنا لم نشاهد حرف عبد الله مستفيضاً، ولم يُنقَل إلينا إلا من جهة الآحاد؛ لترك الناس له، وإعراضهم عنه، فلذلك لم تثبت التلاوة. مسألة : [حد العبد والأمة إذا زنيا] قال أبو جعفر : (وإذا زنى العبد أو الأمة: جُلِد خمسين جلدة)(٢). قال أحمد : أما حدُّ الأمة إذا أُحصنت، فمنصوص عليه في الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتِْنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ اْلْعَذَابِ﴾(٣)، ومعلومٌ أنَّ المراد الجلد؛ لأن الرجم لا يتنصَّف. وأما حدُّ العبد وإن لم يكن مذكوراً في اللفظ، فهو معقول من جهة المعنى، لاتفاق الأمة على أنَّ حكمهما واحد. وقد روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في قوله: ﴿فَإِذَا (١) جامع البيان للطبري ٣١٣٠/٧، السنن الكبرى ٦٠/١٠. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٣٣/٥. (٣) النساء: ٢٥. ١٦٨ كتاب الحدود أُحْصِنَّ﴾: إذا تزوجن(١). وقال عبد الله، وإبراهيم: إحصائها: إسلامها(٢). * وجعل ابنُ عباس ومَن تابعه إحصائَها شرطاً في وجوب الحدِّ عليها، وأنها إذا لم تكن محصنة: فلا حدَّ عليها؛ لأن الله تعالى علَّق حدَّها بشرط الإحصان. وليس الأمر فيها على ما ذهبوا إليه، وإنما فائدة شرط الإحصان أنه لما اختلف حكم المحصَن وغير المحصن من الأحرار، فوجب على المحصن الرجم، وعلى غير المحصن الجلد، أخبر أنَّ حدَّها الجلدُ دون الرجم وإن أُحصنت، وذلك لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأخبارٍ متواترة إيجاب الجلد على الأمة من غير شرط الإحصان. وقد روى الحميدي عن سفيان عن الزهري قال: أخبرنا عبيد الله قال: سمعت أبا هريرة وزيد بن خالد - وقد سئلا - يقولون: ((كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسئل عن الأمة تزني قبل أن تُحصن؟ فقال: إذا زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، وقال في الثالثة أو الرابعة: فبیعوها)»(٣). فنصَّ على وجوب الحد على الأمة قبل إحصائها، فثبت أنَّ الإحصان لیس بشرط فيها. ولأن النظر يدل عليه أيضاً: وهو أنه لمَّا لم يكن الرجم عليها بحال، (١) فتح الباري ١٢/ ١٦١. (٢) المصدر السابق. (٣) سبق تخريجه ص٤٨٥. ١٧٠ كتاب الحدود استحقاق الأسماء التي عُلَّقت بها، لا على المأثم. ألا ترى أنَّ الكفر أعظم من الزنى في المأثم، ولا يوجب الحدَّ، وأن شارب الخمر عليه الحد، وأَكْلُ الميتة ولحم الخنزير لا حدَّ عليه، والقاذِف بالزنى عليه الحد، ولا حدَّ على القاذف بالكفر. ومما يدل على أنَّ هذا الفعل ليس بزنى: اتفاق الجميع على أنه لو عَرَضت هناك شبهة، فأُسقط الحدُّ: لم يجب عنه مهر، ومن شأن الزنى أنه متى ما سقط فيه الحد، وجب المهر. وأيضاً: لما لم يصح أن يُستحق به المهر في عقد النكاح، أشبه الجماع فیما دون الفرج، فلا یجب به حدٍّ. وأيضاً: لما لم يجز أن يملك بعقد النكاح، صار كالجماع فيما دون الفرج من الذِّكْران، وأشبه إتيان البهيمة، أنّ ذلك لما لم يجز أن يملك بعقد النكاح لم یجب فيه حد. وأيضاً: فلما لم يصح إطلاق اسم الزنى عليه، فلو أوجبنا الحد فيه أوجبناه قياساً، ولا سبيل إلى إثبات الحدود قياساً. فإن قيل: لما كان حكمه حكم الجماع في الفرج في باب وجوب الغُسل به مع عدم الإنزال، ثبت أنّ حكمه حكم الإيلاج في الفرج. قیل له: هذا إثبات حدٍ بقياس، وليس ذلك من أصلنا. وأيضاً: فليس وجوب الغُسل مقصوراً على حقيقة الجماع، أو ما يكون مثله زنى إذا عري من الشبهة؛ لأن الغُسل قد يجب بالإنزال من غير إيلاج، ولا یجب حد. وأيضاً: فإن الغُسل مما يصح إثباته من طريق القياس، ولا يجوز مثله في الحد. ١٦٩ كتاب الحدود كانت كالحرة التي ليست بمحصنة، فلم يختلف فيها حكم وجود التزويج أو الإسلام أو عدمهما، فالذي ثبت من حد الأمة بالكتاب هو الجلد في حال الإحصان، وغير المحصنة حكمها مأخوذٌ من السنة. مسألة : [شرط ثبوت الزنى] قال أبو جعفر: (والزنى الذي يوجب الحدَّ: هو الزنى في الفرج، كالمِرْود في المُكْحُلة)(١). وذلك لما في قصة ماعز من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم استثبتَه، حتى أقرَّ بالزنى على هذا الوجه، ثم أمر برجمه. مسألة : [عقوبة من عَمِل عَمَلَ قوم لوط] قال أبو جعفر: (فأما مَن عَمِل عَمَلَ قوم لوط، فإن أبا حنيفة قال: يُعزَّر ويُحبس، ولا يُحَدُّ، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه حد الزاني)(٢). الحجة لأبي حنيفة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كُفْر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقَتْل نفسٍ بغير نفس)) (٣). فنفى القتل عن غير الزاني، وفاعل ذلك لا يسمى زانياً في لغة العرب، ولا في الشرع؛ لأن الزنى عندنا اسمٌ معقولُ المعنى، وهو الجماع في فرج المرأة بغير عقد ولا ملك، والحدود موضوعة على (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢١٧/٥. (٢) المبسوط ٧٧/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٢/٥، البناية ٤٠٨/٥، المغني والشرح الكبير ١٦٠/٩، الفقه الإسلامي وأدلته ٣٨/٦. (٣) سبق تخريجه. ١٧١ كتاب الحدود فإن قيل: روى عبد الله بن نافع عن عاصم بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((في الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعاً))(١). وروى سعيد بن منصور عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به))(٢). ورواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً. قيل له: إن عاصم بن عمر، وعَمْرو بن أبي عمرو، وعباد بن منصور، كلهم ضعاف(٣)، لا يُحتج بحديثهم(٤). وعلى أنهم لو كانوا مساوين في الثَّبات لمن روى قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث))(٥)، لم يكن يجوز أن يُعترض به علیه ولا یوجب تخصيصه. وذلك لأن مِن أصلنا: أنَّ الخبرين إذا رُويا ينفي أحدُهما بعضَ ما أثبته (١) سنن الترمذي ٥٧/٤، ابن ماجه ٨٥٦/٢، واللفظ له. (٢) أبو داود ٦٠٧/٤ ح ٤٤٦٢، سنن الترمذي ٥٧/٤ ح١٤٥٦ وقال: هذا حدیث في إسناده مقال. (٣) تهذيب التهذيب ٥ /٤٧، ٩٠، ٨/ ٧٢. (٤) سنن الترمذي ٥٧/٤، نصب الراية ٣٤٠/٣، التلخيص الحبير ٥٤/٤، المحلى لابن حزم ١١/ ٣٨٣. (٥) سبق تخريجه. ١٧٢ كتاب الحدود الآخر: فإنا نعتبر فيه استعمال الفقهاء، فإن استعملوهما على أنَّ أحدهما مرتب على الآخر، استعملناهما على ذلك، وإن اتفقوا على استعمال أحدهما، واختلفوا في استعمال الآخر، كان الذي اتفقوا على استعماله أَوْلى عندنا بالثبات، ويصير قاضياً على المختلَف في استعماله، عاماً كان أو خاصاً. فلما اتفقت الأمة على استعمال قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث))، واختلفوا في استعمال حديث عمرو بن أبي عمرو، كان ما ذكرناه من قوله: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث)»: قاضياً عليه. وعلىُ أنَّ هذا الحديث لم يفصل بين المحصَن وغيره في إيجاب القتل، فعلمنا أنه لم يوجب قتله من طريق حد الزنى؛ لأن العقوبة المستحقة بالزنى يختلف حكمها في المحصن وغير المحصن من الأحرار. فإن قيل: روي في بعض ألفاظ أبي هريرة: ((إن هذا الفعل زنى))، فیجب أن یکون فیه حد الزنى. قيل له: ما يعرف هذا في شيء من الأخبار، ولو ثبت لكان على جهة التشبيه بالزنى في إيجاب التحريم، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما عبد تزوج بغير إذن مولاه، فهو عاهر))(١)، ولم يقل أحدٌ من الفقهاء إن ذلك زنى يوجب الحد، وكما قال: ((زنى العين النظر، وزنىُ الرِّجْل المشي))(٢)، ونحو ذلك من الألفاظ التي يراد بها التشبيه، وكما قال (١) أبو داود ٥٦٣/٢ ح٢٠٧٨، سنن الترمذي ٤١٩/٣ ح١١١١ وقال: حديث حسن. (٢) بمعناه صحيح مسلم ٢٠٤٧/٢، أبو داود ٦١٢/٢ ح٢١٥٣. ١٧٣ كتاب الحدود عليه الصلاة والسلام: ((سباب المؤمن فسق، وقتالُه كفر))(١). فإن قيل: روى داود بن بكر عن محمد بن المنكدر ((أنَّ خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر: إني وجدت رجلاً في بعض ضواحي العرب يُنْكَح كما تُنْكَح المرأة، فجمع أبو بكر أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشدُّهم فيه قولاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فاجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أنه يُحْرَق بالنار، فَأَمَرَ به أبو بكر فأُحرق بالنار))(٢). وعن ابن عباس ((أنه يُلقى من أعلىُ بناء في القرية)) (٣). وعن علي رضي الله عنه: ((أنه يُلقى عليه حائط)) (٤). وهذا يوجب أن يكون ذلك اتفاقاً من السلف. قيل له: أول ما في هذا الحديث أنه مرسل؛ لأن محمد بن المنكدر (٥) لم يشاهد هؤلاء، فلا يصح للمخالف الاحتجاج به. والثاني: أنَّ إحراقه بالنار ليس هو قول أحد من الفقهاء، ولا إلقاءه من البناء، فسقط الاحتجاج به من هذا الوجه. ولأن الفقهاء في حكم هذا الفعل على ثلاثة أقاويل: (١) صحيح مسلم ١ /٨١ ح ٦٤. (٢) السنن الكبرى ٢٣٢/٨ وقال: هذا مرسل، مصنف ابن أبي شيبة ٥٢٩/٩، المحلى لابن حزم ٣٨١/١١. (٣) المصادر السابقة. (٤) المصادر السابقة. (٥) كتاب الجرح والتعديل ٩٨/٨، المحلى لابن حزم ٣٨٣/١١. ١٧٤ كتاب الحدود إما قائل يقول بالتعزير فحسب دون الحد(١). وإما قائل قال فيه بحد الزاني، فيفرَّق بين المحصن وغير المحصن، وهو قول أبي يوسف ومحمد والحسن بن صالح، ويُروى مثله عن الحسن وعطاء(٢). وإما قائل يقول: عليهما الرجم، أُحصِنا أو لم يُحصَنا، وهو قول مالك والليث(٣). وأما الإحراق وإلقاؤه من أعلى البناء، فليس هو قول لأحد. وقد روي عن إبراهيم والحكم مثل قول أبي حنيفة. وقد يحتمل: أنَّ الرجل الذي وجده خالد بن الوليد كان حربياً، أو من أهل الردة، فأحرقوه وزادوا في عقوبته الإحراق، لا لأجل هذا الفعل، وأن استحقاق القتل كان بالكفر فحسب. وليس يمتنع أن يكون معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الفاعل والمفعول به - لو ثبت - أنه إن فعله على وجه الاستحلال فاقتلوه، أو يكون كان في شخصين قد علم النبي صلى الله عليه وسلم منهما استحقاق القتل بغير ذلك، فأمر بقتلهما، فنَقَلَ الراوي قولَ النبي (١) وهذا قول أبي حنيفة: المبسوط ٧٧/٩. (٢) وإليه ذهب فقهاء الشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد من الحنفية، مصنف ابن أبي شيبة ٥٣٠/٩، مصنف عبد الرزاق ٣٦٣/٧، المبسوط ٧٧/٩، شرح فتح القدير ٢٦٢/٥، مغني المحتاج ١٤٤/٤، المغني والشرح الكبير ١٦٠/٩، المحلى لابن حزم ١١/ ٣٨٢. (٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣١٤/٤، والمراجع السابقة. ١٧٥ كتاب الحدود صلى الله عليه وسلم، ولم يأت بالقصة على وجهها، كما روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَمَر بقتل السارق في الخامسة بعد ما قَطَعَ يديه ورجليه))(١)، وكما روي ((أفطر الحاجم والمحجوم)) (٢)، لا على أنَّ الحجامة تفطرهما، وقال في ولد الزنى: ((إنه بشَرِّ الثلاثة))(٣)، لا لأنه ولد الزنى، بل لمعنى غيره، فكذلك ما وصفنا. ووجه آخر للمسألة: وهو أنَّ مِن أصلنا: أنَّ اختلاف الناس في الفعل هل هو زنى أوليس بزنى؟ شبهة في سقوط الحد، كالذي يطأ على وجه المتعة، وعلى نكاح فاسد، ونحو ذلك من الأفعال المختلف فيها، هل هو زنى أو غير زنى؟ فكذلك الإيلاج في غير الفرج، لما كان مختلفاً في كونه زنى أو غير زنى؟، فأقلَّ أحواله أن يكون ذلك شبهة في سقوط الحد، وهذا معنى صحيح تستمر عليه المسائل. مسألة : [لا حدَّ علىُ مَن أتى بهيمة] قال: (ولا حَدَّ على مَن أتى بهيمة)(٤). وذلك لما وصفنا من أنَّ هذا الفعل ليس بزنى، ولا يجوز قياسه على الزنى في إيجاب الحد؛ لأنه لا يجوز إثبات الحدود بالقياس. فإن قيل: روى عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن (١) سنن أي داود ٥٦٥/٤ ح ٤٤١٠. (٢) سنن الترمذي ١٤٤/٣ ح ٧٧٤. (٣) سنن أبي داود ٢٧١/٣ ح ٣٩٦٣. (٤) المبسوط ١٠٢/٩، بدائع الصنائع ٤١٥٢/٩، المغني ١٦٣/٩. ١٧٦ كتاب الحدود النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه))(١). قيل له: روى عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قال: ((ليس على الذي يأتي بهيمة حد))(٢)، وهو أصح إسناداً من الأول. ولو كان ذلك ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن عباس، لَمَا خالفه إلى غيره إلا قد عَلِم نَسْخَه. ويجوز أن يكون منسوخاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امریء مسلم إلا باحدی ثلاث». ويحتمل أن يكون معنى حديث عمرو بن أبي عمرو: إذا أتاها على جهة الاستحلال لذلك. ** قال أبو جعفر : (ويُعزَّر)، يعني مَن أتى بهيمة. * (فإن كانت البهيمة له: ذُبحت ولم تؤكل)(٣). وإنما عُزِّر؛ لأنه قد أتى فعلاً منكراً استحق عليه العقوبة. وتُذبح البهيمة ولا تؤكل إذا كانت له؛ لما في الحديث من الأمر بقَتْلها، قال: ((فقلت: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عُمِل بها ذلك الفعل)) (٤). قال أبو يوسف: أريد أن لا تبقى فيُعيَّر بها، ويجري ذِكْره إذا رآها. (١) سنن أبي داود ٦٠٩/٤ ح ٤٤٦٤، سنن الترمذي ٥٧/٤ ح ١٤٥٥. (٢) سنن أبي داود ٤ /٦١٠ ح ٤٤٦٥، سنن الترمذي ٤ /٥٧. (٣) حاشية ابن عابدين ٢٦/٤. (٤) المراجع السابقة، وشرح السنة ٣٠٩/١٠، نصب الراية ٣٤٢/٤. ١٧٧ كتاب الحدود مسألة : [اشتراط أربعة شهود لإثبات حد الزنا] قال أبو جعفر : (ولا يُقبل في شهادة الزنى إلا أربعة، يشهدون على معاينة ذلك)(١). لقول الله تعالى: ﴿فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾(٢)، وقال: ﴿ وَأَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمََّ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ فَجْلِدُ وهُمْ﴾(٣). وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته: ((ايتني بأربعةٍ يشهدون، وإلا: فحدٍّ في ظهرك)) (٤)، وهذا ما لا خلاف فیه. مسألة : [عدم قبول شهادة النساء في الحدود والقصاص] قال أبو جعفر: (ولا يجوز في ذلك شهادة النساء مع الرجال، ولا شهادة على شهادة)(٥). وذلك لما روى الزهري قال: ((مضت السنَّةُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا تُقبل شهادة النساء في حدود ولا قصاص)) (٦). (١) المبسوط ٨٩/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢١٧/٥. (٢) النساء: ١٥. (٣) النور: ٤. (٤) سنن أبي داود ٦٨٦/٢ ح٢٢٥٤. (٥) المبسوط ٦٦/٩، الهداية مع البناية ٤٤٧/٥-٤٥٩. (٦) مصنف ابن أبي شيبة ٥٨/١٠. ١٧٨ كتاب الحدود ولا خلاف بين فقهاء الأمصار فيه(١). وأما الشهادة على الشهادة، فإنها قائمة مقام شهادة الأصل، ولا يُستحق بها الحدُّ، كما أنَّ شهادة النساء لما قامت مقام شهادة الرجال، لم يَجُز إثبات الحد بها. مسألة: [وَصف الشهود الأمر بالتصريح لا بالكناية، وكذا الإقرار] قال: (ولا تقبل الشهادة حتى يصفوا الأمرَ وَصْفاً مصرِّحاً لا كنايةً فيه، أو يُقرَّ به مَن فعل ذلك عند الحاكم في مجلسِ حُكمه أربع مرات في مجالس مختلفة)(٢). وذلك لما رُوي من استثبات النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً حين أقرَّ به إقراراً مصرِّحاً، لا كنايةَ فيه، ثم حينئذٍ أَمَرَ برجمه، وإذا وجب ذلك في الإقرار، فالشهادة بذلك أحرى؛ لأن الشهادة تسقط بالشبهة، والإقرار لا يسقط بالشبهة في سائر الحقوق. وأيضاً: فإن الحدود لما استُظْهر بدرئها بالشبهة، وبتلقين المقرِّ ما يُسقط إقراره، وجب أن يحتاط فيها، بأن لا يقام الحد فيها بلفظٍ يحتمل المعاني. * وإنما اعتبروا الإقرار أربع مرات: لما حُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: حدثنا وكيع عن هشام بن سعد أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه ذكر قصة ماعز، وأنه جاء، فقال: ((يا رسول الله! إني زنيتُ، فأقِم عليَّ كتاب الله، فأعرَضَ عنه، فعاد حتى (١) المغني والشرح الكبير ١٧٥/٩. (٢) المبسوط ٩١/٩، بدائع الصنائع ٤١٨٨/٩، المغني ١٦٥/٩. ١٧٩ كتاب الحدود قالها أربع مرات، فقال صلى الله عليه وسلم: إنك قد قلتَ أربع مرات، فبمَن؟ قال: بفلانة))(١)، وذكر الحديث. وسمعناه أيضاً في كتاب أبي داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن سِمَاك بن حرب عن جابر بن سمرة ((أنَّ ماعزاً شهد على نفسه أربع مرات أنه قد زنى))(٢). وروى أيضاً سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((جاء ماعز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنى مرتين، فقال: شهدتَ على نفسك أربع مرات، فاذهبوا به فارجموه))(٣). وفي حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن عبد الرحمن بن الصامت عن أبي هريرة ((أنَّ ماعزاً شهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراماً أربع مرات، كل ذلك يُعْرِض عنه))(٤). وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: ((أنَّ الأسلمي شهد على نفسه أربع شهادات، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فقال: أبك جنون؟)) قال: لا، قال: أُحْصِنت؟)) قال: نعم، فأمر به فرُجم)) (٥). (١) ورد هذا الحديث في الصحيحين بألفاظ مختلفة. ينظر: فتح الباري ١٣٣/١٢، صحيح مسلم ١٣١٨/٢، واللفظ لأبي داود ٥٧٣/٤ ح٤٤١٩. (٢) سنن أبي داود ٥٧٧/٤ ح٤٤٢٢، ٤٤٢٦، ٤٤٢٨. (٣) المصدر السابق. (٤) المصدر السابق. (٥) صحيح البخاري، الأحكام (مع الفتح) ١٥٦/١٣ (٧١٦٧). ١٨٠ كتاب الحدود وفي حديث بشير بن المهاجر عن ابن بريدة عن أبيه قال: ((كنا نتحدث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما، لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة))(١). وروي ((أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لماعز: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٢). فلو لم يَرِدْ في ذلك إلا خبرٌ واحدٌ من هذه الأخبار لكان كافياً في اعتبار عدد الإقرار، فكيف بها وقد جاءت مجيء الاستفاضة والتواتر؟ ولو كان الإقرار مرة واحدة يوجب الحد، لما أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((ما ينبغي لوليُّ أَمْرِ أن يؤتى بحدٍّ إلا أقامه)). وقال: ((تعَافُوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب))(٣). رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((شهدتَ على نفسك أربع مرات، فاذهبوا به فارجموه)). وقال: ((إنك قلتَ أربع مرات، فبِمَن؟)). فأخبر أنَّ وجوب الحد إنما تعلق بإقراره أربع مرات، وأن كل إقرار (١) سنن أبي داود ٤ /٥٨١ ح ٤٤٣٠، ٤٤٣٤. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٧٣. (٣) سنن أبي داود ٤ /٥٤٠ ح ٤٣٧٦.