Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب قتال أهل البغي
حاجَّهم، ورجع منهم نحو ستة آلاف، فما زال علي رضي الله عنه
يحاجُّهم ويستصلحهم، حتى بقيت منهم البقية التي خرجت إلى النهروان،
فخرج إليهم، ولم يبدأهم بالقتال، حتى أرسل إليهم، ودعاهم طمعاً في
صلاحهم ورجوعهم، إلى أن قتلوا عبد الله بن خَبَّاب(١)، فبعث إليهم: أن
أقيدونا من قاتِل عبد الله بن خباب، فقالوا: كيف نقيدك وكلُّنا قَتَلَه(٢)،
فقال علي رضي الله عنه: الله أكبر، انهضوا إليهم على بركة الله، فسار
إليهم وأبادهم(٣).
وروي أنَّ علياً رضي الله عنه كان يخطب يوماً في المسجد على
المنبر، فنادى الخوارج بالتحكيم في نواحي المسجد يقولون: لا حُكْم إلا
الله ، فقطع علي رضي الله عنه خطبته، ثم قال: كلمةُ حقٌّ يراد بها باطل،
أما إن لهم عندنا ثلاثاً: أن لا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه،
وأن لا نمنعهم الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نبدأهم بالقتال
حتى يبدؤونا، ثم مضى في خطبته (٤).
فكانت هذه السيرة موافقة لِمَا دلَّ عليه ظاهر الكتاب، وسنة الرسول
صلى الله عليه وسلم، ثم كان ذلك منه بحضرة الصحابة من غير نكير من
(١) عبد الله بن خباب بن الأرت التميمي، ذكره الطبراني وغيره في الصحابة، وقال:
عبد الرحمن الخراش، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وروى ابن مندة أنَّ أول
مولود في الإسلام عبد الله بن الزبير وعبد الله بن خباب، وقد سماه النبي صلى الله
عليه وسلم عبد الله، وكنَّاه أبا عبد الله، قتله الخوارج هو وامرأته، الإصابة: ٢٩٤/٢.
(٢) السنن الكبرى ١٨٥/٨.
(٣) وفي الأصل: ((قتله، فناجزهم حينئذٍ واصطلحهم)).
(٤) السنن الكبرى ١٨٤/٨، أحكام القرآن ٤٠١/٣.

١٠٢
كتاب قتال أهل البغي
أحد منهم، فدل على موافقتهم إياه.
وأيضاً: لمَّا كان من السنة في قتال أهل الشرك تقدمة الدعاء إليهم قبل
القتال، كانت البغاة أَوْلى بذلك، لأن تقدمة الدعاء أبلغ في استصلاحهم
واستجابتهم.
* قال أبو جعفر: (فإن رجعت إلى الجماعة والدخول في طاعة
الإمام، وإلا: قوتلت)، وقد بينًا وجه ذلك.
[مسألة :]
قال أبو جعفر: (ولا يُقتل منها مُدْبِرٌ، ولا أسيرٌ، ولا يُجْهَز على
جريحهم، ولا يُغْنَم لها مال، ولا تُسبى لها ذرية)(١).
قوله في المُدْبِر والأسير والجريح هو على وجهين: إن كان لهم
فئة يرجعون إليها، فإن محمد بن الحسن قال في ((السير الصغير)): إنه
يقتل أسيرهم ما دامت الحرب قائمة بينهم وبين الإمام، ولم يذكر فيه
خلافاً.
وإذا لم يبق لهم فئة: لم يقتل أسيرهم، ولا يُتبع مُدْبِرهم، ولا يُجْهَز
على جريحهم.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: إن الإمام مخيَّر في الأسير ما دامت
الحرب قائمة: إن شاء قتله، وإن شاء حبسه حتى تضع الحرب أوزارها،
وإن شاء أطلقه.
فأما وجه ما ذكره محمد بن الحسن: فهو أنّ علي بن أبي طالب رضي
(١) أحكام القرآن ٤٠٢/٣، المبسوط ١٢٦/١٠.

١٠٣
كتاب قتال أهل البغي
الله عنه أسر (١) ابن يثربي يوم الجَمَل، فأمر بضرب عنقه(٢)، وذلك قبل
انقضاء الحرب، فدلّ ذلك على صحة ما قاله محمد بن الحسن رحمه الله
تعالى.
* ولا فَرْق أيضاً بين قَتْله بعد الأسر وقبله، فلما كان واجباً قتله قبل
الأسر ما دامت الحرب قائمة، وجب مثله بعد الأسر.
وكذلك حكم المُدْبِر والجريح؛ لأن إدباره غير دال على تركه
المحاربة؛ لأنه يجوز أن یکون أراد الرجوع إلى فئته.
وأيضاً: فلما كان المُدْبر عن المشركين إلى فئة المسلمين غير مستحق
لوعيد الفارِّ من الزحف بقوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًّا إِلَى فِئَةٍ﴾(٣)، فكان
بمنزلة مَن هو قائم على حال القتال.
وفارق المولِّي إلى غير فئة، كذلك المولّي من البغاة، لا ينبغي أن
يكون بمنزلة تارك القتال، مادام لهم فئة، حتى إذا لم يَبْق لهم فئة، كانت
هزيمة على جهة ترك الحرب، فلا يُتَّبع، كما لم نقتله في الابتداء قبل
خروجه إلى القتال.
وأما وجه رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: فهو ما روي أنَّ علي
بن أبي طالب كان إذا أُتي بالأسير، أَخَذَ سلاحه، واستحلفه أن لا يعين
عليه، ولا يمالىء عدوه، ثم أطلقه(٤).
(١) وفي (ق.ج): ((أمر يوم الجمل بضرب عنق بعضهم ممن أُخذ أسيراً)).
(٢) أحكام القرآن ٤٠٣/٣، المحلى لابن حزم ١١ /١٠٠.
(٣) الأنفال: ١٦.
(٤) كتاب الخراج ص٢٣٣، مصنف ابن أبي شيبة ٢٩٥/١٥، إعلاء السنن
=

١٠٤
كتاب قتال أهل البغي
قال أبو بكر : وهذا غير مخالف لما ذكره محمد، لاحتمال أن يكون
بعد انقضاء الحرب، وفي الحال التي لم يبق للعدو فيها فئة.
فإن قيل: يدل على أنَّ فئة العدو كانت باقية: أنه قال: ولا يعين عليه،
ولا يمالیء عدوه.
قيل له: يجوز أن يكون المراد عدواً إن خرج، فليس إذاً فيه دلالة على
أنَّ الحرب كانت قائمة.
* وإنما لم يُغْنَم لها مال، ولا تسبى لها ذرية: من قِبَل أنَّ علي بن أبي
طالب رضي الله عنه لم يغنم مال البغاة والخوارج، وقد كانوا سألوه في
حرب الجَمَل أن يغنموا المال والذرية، فقال: ((مَن يأخذ أُمَّكم عائشة
بسهمه))(١).
وأيضاً: فإن هؤلاء لم يستحقوا القتل باعتقادهم، وإنما قاتلناهم على
جهة الدفع عن قتالنا، وإلا فهم في حكم سائر أهل ملتنا، وكانوا بمنزلة
مَن استحق الرجم للزنى، أو القتل والصلب لقطع الطريق، أو استحق
القتل قَوَداً، فلم يستحق بذلك غنيمة المال، وسبي الذرية، ولم يخرج
بذلك من حكم أهل الملة في سائر أحكامه، كذلك الخوارج.
مسألة : [صلاة الجنازة على المحاربين]
(ولا يُصَلَّىُ على مَن قُتِل منها)(٢).
٦٣٢/١٢.
(١) المحلى لابن حزم ١٠٣/١١، نصب الراية ٤٦٤/٣، إعلاء السنن
١١ / ٦٣١.
(٢) المبسوط ١٣١/١٠، بدائع الصنائع ٤٤٠١/٩، وذهب جمهور الفقهاء إلى

١٠٥
كتاب قتال أهل البغي
قال أبو بكر: وذلك لأن علياً رضي الله عنه لم يصلّ على مَن قُتِل
م(١) .
منهم
وأيضاً: فإنهم لما قُتلوا على وجه المباينة لأهل العدل بالمَنَعَة التي
حصلت لهم، أشبهوا في هذا الوجه أهلَ الحرب، إذ كانوا قد صاروا
حرباً لنا بالمنعة والخروج، فوجب أن لا نصلَيَ عليهم كما لا نصلي على
أهل الحرب.
وأيضاً: قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَصَلّ عَلَيَّهِمَّإِنَّ
صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَّهُمْ﴾ (٢)، وهؤلاء قُتِلوا على حال لا يجوز أن يعطوا الأمان
عليها، فلا يجوز أن نصليَ عليهم؛ لأن ذلك كالأمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَُّمْ﴾.
مسألة : [مَن أخذ منه المحاربون الزكاة]
قال أبو جعفر: (وما أخذوه من زكاة في حال امتناعهم ممن غلبوا
عليه: لم يُعَدْ على أحدٍ منهم)(٣).
ذلك لأن التفريط في أمرهم جاء من قِبَل الإمام، إذ كان عليه دفعهم،
وحكم أخذهم حكم الأخذ الصحيح في باب سقوط الضمان عنهم، فلم
أنَّ قتيل البغاة يُغسَّل ويكفن ويصلى عليه، لأنه لم يخرج بالبغي عن الإيمان، انظر
المغني والشرح الكبير ٦٦/١٠.
(١) لم أعثر على هذا الأثر في كتب الآثار، ولكن ذكره صاحب المبسوط وغيره.
(٢) التوبة: ١٠٣.
(٣) شرح فتح القدير ١٠٥/٦.

١٠٦
كتاب قتال أهل البغي
يجز أن يثنَّى على المأخوذين منهم الصدقة.
وليس ذلك بمنزلة مَن مَرَّ على عاشرهم، فأخذوا منه نقداً: قلنا (١) تُثَّى
عليه الصدقة؛ لأن صاحبه هو الذي عرَّضه للتلف بمروره عليهم، ولم يكن
من قِبَل الإمام تفريط في ذلك.
* قال : (والأفضل لصاحب الصدقة أن يعيدها فيما بينه وبين الله عز
وجل).
وذلك لأن البغاة مأمورون بعد التوبة بردِّها على أربابها فيما بينهم
وبين الله عز وجل، وكذلك أرباب الأموال.
مسألة : [ما فعله المحاربون مما يوجب القصاص ونحوه]
قال أبو جعفر رحمه الله: (وما أصابوه في حربهم من جراحٍ أو نفسٍ أو
مال: لم يُؤخذوا به، إلا أن يوجد مالُ رجلٍ بعينه، فيُرَدُّ عليه)(٢).
قال أبو بكر : وذلك لما روي عن الزهري قال: وقعت الفتنة
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا أنَّ كل دم
أريق على وجه التأويل، أو مالٍ أُتلف على وجه التأويل: أنه هَدَر(٣).
وأيضاً: فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يضمِّن مَن تاب منهم
ما أتلفه في حربه(٤).
(١) وفي ((ق)): ((قلنا عليه الصدقة، لأن .. )).
(٢) المبسوط ١٢٧/١٠ وما بعده ١٠٨/٢٤.
(٣) مصنف عبد الرزاق ١٢١/١٠، السنن الكبرى ١٧٥/٨، المحلى لابن حزم
١٠٥/١١.
(٤) المراجع السابقة.

١٠٧
كتاب قتال أهل البغي
* وأما ما كان قائماً بعينه: فإنه يؤخذ منه، ولا خلاف في ذلك، وكما
يردَّ عليهم ما صار في أيدينا من أموالهم.
مسألة : [توريث المحارب]
قال أبو جعفر : (ومَن قتلناه منهم ورَّثناه)(١).
وذلك لأنا قتلناه بحق، والقتل إذا وقع بحق: لا يمنع الميراث، ألا
ترى أنه لو قُتِل رجلٌ بقصاصٍ وَجَبَ له قتله: لم يُحرَم الميراث بقتله.
* (وأما قتلهم إيانا، فإن قالوا: قتلناه ونحن نرى أنا على حق: فإنه لا
يُحرم الميراث في قول أبي حنيفة ومحمد)(٢).
لأن قتله إياه على وجه التأويل قد صار في حكم القتل المستحق في
باب سقوط حکمه عنه.
وإن قالوا: قتلناه ونحن نعلم أنا على باطل: فهذا قد اعترف أنه قُتِل
بغير تأويل، فيحرم الميراث.
* (وقال أبو يوسف: لا يرث الباغي من العادل إذا قتله)؛ لأنه قَتَله
بغير حق.
مسألة: (مَن شَهَر سلاحاً على مسلم فقتله المشهور عليه]
قال: (ومَن شَهَرَ من الأصحاء على رجل سلاحاً ليقتله به، فقتله
المشهورُ عليه: فلا شيء عليه)(٣).
(١) بدائع الصنائع ٩ / ٤٤٠٠.
(٢) المبسوط ١٣١/١٠، بدائع الصنائع ٤٤٠٠/٩.
(٣) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٣٢/١٠.

١٠٨
كتاب قتال أهل البغي
قال أبو بكر: وذلك لأنه قد أباح دمه، والأصل فيه: ما روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن قُتِل دون نفسه فهو شهيد))(١)،
وهو لا يكون شهيداً في قتاله دون نفسه إلا وذلك مباحٌ له، بل قد استحق
علیه الثواب من الله تعالى.
وروى سليمان بن بلال عن علقمة عن أمه عن عائشة قالت: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن أشار بحديدٍ إلى رجل
المسلمين يريد قتله، فقد وجب قتله))(٢).
وأيضاً: فلو قتله استحق القود، فكذلك له قتله بدءاً، لئلا يقتله.
* قال : (ولو كان الذي شَهَرَ السلاح مجنوناً، فقتله المشهور عليه
وهو صحيح عمداً: فعليه الدية في ماله) (٣).
قال أبو بكر: لأن المجنون لا يملك إباحة دمه، لأن قَصْده كلا
قصد، ألا ترى أنه لو قَتَله: لم يُقْتَل به، وليس كذلك الصحيح؛ لأنه يملك
إباحة دمه، بحیث لو قتله قُتِل به.
وأيضاً: فإن الصحيح يملك إباحة دمه بالردة ونحوها، والمجنون لا
يملك ذلك، فكان حكم الحظر قائماً في المجنون في باب ضمان النفس.
وعلى القاتل الدية في ماله؛ لأنه قتل عمداً لا شبهة فيه في نفس
الفعل، کمن قتله ابنه.
(١) صحيح البخاري ٨٨/٥، صحيح مسلم ١٢٤/١١ ح ١٤١، سنن أبي داود
٤٧٧٢، سنن الترمذي ٢٢/٤ ح ١٤٢١.
(٢) المستدرك للحاكم ١٥٨/٢، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٣) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٣٢/١٠.

١٠٩
كتاب قتال أهل البغي
مسألة :
قال: (ومَن شَهَرَ على رجل سلاحاً، فضربه به، فقتله الآخر بعد
ذلك، ثم برىء المضروب الأول: فعلى القاتل القصاص)(١).
وذلك لأن الأول لما انصرف عنه بعد الضرب: لم يجز قتله، وإنما
كان له المطالبة بحكم جراحته، وقد علمنا أنه لم يستحق القتل بما فعله،
فعلى قاتله القصاص.
مسألة : [صيال البعير على الإنسان وضمانه لو قتله]
قال: (ومَن صال عليه بعير لرَجُل، فقتله: فعليه قيمته لمالكه في قول
أبي حنيفة ومحمد)(٢).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أنَّ صحة الإباحة إنما تتعلق بمن إليه
الحَظْر في باب سقوط ضمان التلف، فإذا كان حَظْر إتلاف البعير من جهة
مالكه، بدلالة أنه لو أباحه له: صحَّت إباحته، وكان له إتلافه، علمنا أنَّ
حكم حَظْره في باب الضمان متعلق به دون غيره، وحَظْر الله إياه، إنما هو
لحقِّ الآدمي، لا من طريق حقِّ الله تعالى؛ لأن ما كان حَظْره من جهة حق
الله، لم تُبِحه إباحة الآدمي، نحو الخمر والميتة.
وإذا كان هذا على ما وصفنا، وكان الحظر قائماً من جهة الآدمي، مع
جواز استباحة قتله من قِبَل الله تعالى: وجب أن يكون حق الآدمي قائماً في
ضمانه عند إتلافه بغير إذنه.
(١) الهداية ١٠/ ٢٣٣.
(٢) الهداية ١٠/ ٢٣٣.

١١٠
كتاب قتال أهل البغي
ويدل على صحة ذلك: ما اتفق عليه الجميع، أنَّ مَن اضطر إلى أكل
مال غيره: كان له أكله لدفع الضرر عن نفسه، ومع ذلك يضمنه لصاحبه،
لبقاء الحظر من جهته، ولم تكن إباحة الله تعالى إياه مزيلة لحكم الضمان،
من أجل بقاء حق الآدمي في حظر أكله.
وقال أصحابنا في المحرم إذا ابتدأه السبع: إنه يقتله ولا شيء عليه (١)؛
لأن حَظْر ذلك كان حقاً لله تعالى لا غير، فلما زال الحظر من جهة مَن إليه
الحظر، زال ذلك الضمان.
وقالوا فيمن شَهَرَ عليه عبدُ رجلٍ سلاحاً، فقتله المشهور عليه: أنه لا
ضمان علیه.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنَّ حَظْر قتله لم يتعلق بحق المولى، والدليل على ذلك: أنه
لو أباحه له: لم يكن له قتله؛ لأن المولى لا يملك ذلك منه، فلا يجوز له
أن يبيحه لغيره، فلما لم تصح الإباحة من جهته، لم يُعتبر بقاء الحظر من
جهته في إيجاب ضمانه إذا فعل العبد ما أباح به دمه، ألا ترى أنَّ الحر إذا
فعل مثل ذلك: أباح دمه، كذلك العبد.
والوجه الآخر: أنَّ العبد ممن يملك إباحة دمه، ألا ترى أنه لو ارتدَّ
عن الإسلام: قُتِل، وكذلك لو قتل رجلاً عمداً: قُتِل، فلما كان مالكاً
لإباحة دمه من هذه الوجوه، كان كذلك في حمله على غيره بالسلاح.
فإن قال قائل: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل مال امرىء
(١) المبسوط ٤ /٩٠.

١١١
كتاب قتال أهل البغي
مسلم إلا بطيبةٍ من نفسه))(١)، فلا يجوز إثبات الضمان على قاتل الجمل،
ولا أَخْذ ماله بغير طيبة من نفسه، لعموم اللفظ.
قيل له: قد صح باتفاق الجميع أنَّ مراده: فيمن لم يفعل شيئاً مما
يوجب عليه استحقاق ماله، فإذا فعل السبب الذي به استحق عليه، فذلك
مستحقٌّ عليه بطيبةٍ من نفسه، كالبيع والغصب وسائر أسباب الضمان.
وأيضاً: فإن هذا لنا؛ لأنا نقول: لا يحل له الإقدام على إتلاف بعير
غيره إلا بشريطة ضمانه إذا أتلفه، ومتى لم يعتقد ضمانه، لم يكن له
إتلافه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا
بطيبة من نفسه)).
: قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف: أستقبح في هذا أن أضمِّنْه
قيمته)، وذهب فيه إلى أنه مباح القتل في هذه الحال.
(١) سبق تخريجه.

١١٣
کتاب المرتدِ
كتاب المرتدِ
مسألة : [حكم المرتد]
قال أبو جعفر (١): (ومَن كفر بعد إيمانه من الرجال الأحرار البالغين
العقلاء: استتيب، فإن تاب، وإلا: قُتِل)(٢).
قال أحمد(٣): والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾(٤)، والمرتدُّ مشركٌ.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى
ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقَتْلُ نفس بغير نفس))(٥).
(١) مختصر الطحاوي ص٢٥٨.
(٢) كتاب الخراج ص١٩٤، كتاب السير الكبير ١٩٤١/٥، أحكام القرآن
٢٨٦/٢، المبسوط ٩٨/١٠، الهداية مع شرح فتح القدير ٦٨/٦، بدائع الصنائع
٩/ ٤٣٨٢، حاشية ابن عابدين ٢٢١/٤، المغني والشرح الكبير ١٠/ ٧٤.
(٣) وفي الأصل قبل هذا دائماً كان يقول: ((قال أبو بكر))، ولكن من هنا بدأ
يقول: ((قال الشيخ))، وفي (ق.ج): ((قال أحمد))، ولا أعرف سبب تغير هذا اللفظ،
لعله تغيير من الناسخ، وقد أثبت ما في (ق.ج) لعدم شهرة: (قال الشيخ).
(٤) التوبة : ٥.
(٥) سنن أبي داود ٦٤٠/٤ ح ٤٥٠٢، سنن الترمذي ٤٦٠/٤ ح ٢١٥٨، وقال:
هذا حديث حسن.

١١٤
كتاب المرتدِّ
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن بدَّل دينه فاقتلوه))(١).
* وأما استتابته قبل قتله: فمن جهة دعاء المشركين إلى الإسلام قبل
قتالهم، وروي عن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم: ((أنه يستتاب ثلاثة
أیام، ویحیس))(٢).
وعن علي رضي الله عنه: أنه صوَّب قول ابن عباس في ذلك(٣).
وروى عن معاذ: ((أنه قتل مرتداً قبل أن يستتيبه)) (٤)، والمعنى فيه
عندنا: أنه قد کان استتابه غیرُه، فاکتفی بها.
ويدل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُمْ مَاقَدْ سَلَفَ﴾(٥)، ثم قال: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾،
فاستفدنا من ذلك معنيين :
أحدهما: الاستتابة؛ لأن قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن
يَنْتَهُوا﴾: دعاؤهم إلى الإسلام.
وقال: ﴿وَقَائِلُوهُمْ﴾: يعني إن لم يجيبوا إلى الإسلام، فاستفدنا
بذلك وجوب القتل إذا لم يسلموا.
(١) صحيح البخاري ٥٠/٨، المستدرك للحاكم ٥٣٨/٣.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢٧٣/١٢، السنن الكبرى ٢٠٧/٨.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٢ / ٢٠٧.
(٤) مصنف عبد الرزاق ١٦٨/١٠.
(٥) الأنفال: ٣٨-٣٩.

١١٥
كتاب المرتدِ
مسألة : [حكم مال المرتد إن قُتِل]
قال أبو جعفر : (وإذا قُتِل: كان ماله لورثته من المسلمين على فرائض
الله تعالى)(١).
قال أحمد: وذلك لقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ عُمٌّ لِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾(٢)، ولم يفرِّق بين أن يكون الميت مرتداً أو مسلماً.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يرث كافر
من مسلم)»(٣).
قيل له: نورِّته في آخر أجزاء الإسلام؛ لأن من مذهب أبي حنيفة أنَّ
الردة لا تزيل ملكه، فليس فيه توريث المسلم من كافر، بل من مسلم.
وأيضاً: إنما قال: ((لا يتوارث أهل ملتين)) (٤)، و((لا يرث المسلم
الكافر))، فهذا في الكافر الذي له ملة يُقَرُّ عليها، لأن ما لا يُقَرُّ عليه من
الأديان، فليس بملة يتعلق بها حكم.
فإن قيل: روي: ((لا يرث المسلم الكافر)): مطلقاً، ولم يذكر فيه: لا
يتوارث أهل ملتين.
(١) المبسوط ١٠٠/١٠، الهداية مع شرح فتح القدير ٧٥/٦.
(٢) النساء: ١١.
(٣) صحيح البخاري ١١/٨، صحيح مسلم ٢٣٣/١ ح ١٦١٤، سنن الترمذي
٤٢٣/٤ ح ٢١٠٧.
(٤) أبو داود ٣٢٨/٣ ح ٢٩١١، سنن الترمذي ٤٢٤/٤ ح ٢١٠٨، قال
الترمذي: هذا حديث لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى.

١١٦
كتاب المرتدِ
قيل له: الخبران واحد، اختصره بعضهم، وساقه بعضهم على وجهه.
وأيضاً: سائر المسلمين يأخذونه بالإسلام، والورثة لهم إسلام
وقرب، فهم أَوْلىُ؛ لأن ذا السببين أَوْلى من ذي السبب الواحد، بدلالة
أنَّ الأخ من الأب والأم: أحق بالميراث من الأخ من الأب، لاجتماع
السببين له.
وأيضاً: روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس (١)، من غير
خلاف من أحد من نظرائهم عليه، فصار إجماعاً.
مسألة : [عدم حِلَّ ذبيحة المرتد، وكذا نكاحه]
قال: (ولا تؤكل ذبيحة المرتد، ولا يجوز نكاحه)(٢).
وذلك لأنه كافر، غير كتابي(٣)؛ لأنه لا يُقرُّ على دينه الذي انتقل إليه،
وذبيحة الكافر غير الكتابي محرَّمة، ولا يجوز نكاحه بلا خلاف نعلمه بين
الفقهاء(٤).
مسألة : [ارتداد الزوجين]
قال: (وإذا ارتد الزوجان معاً: كانا على النكاح)(٥).
قال أحمد : وهذا استحسان من قولهم، وكان القياس عندهم أن تقع
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٧٦/١٢، مصنف عبد الرزاق ٣٤٠/١٠.
(٢) المبسوط ١٠٤/١٠، الهداية مع شرح فتح القدير ٨٢/٦، المغني مع
الشرح الكبير ١٠/ ٨٣-٠٨٧
(٣) وفي (ق.ج): ((غير كفوء)).
(٤) المغني والشرح الكبير ٨٣/١٠.
(٥) بدائع الصنائع ١٥٥٩/٣.

١١٧
كتاب المرتدِ
الفرقة؛ لأن المعنى الموجب للتحريم، وهو الردة حادِث على النكاح،
فصار كردة أحدهما، وكالطلاق الثلاث، وسائر الأسباب الموجبة
للتحريم، إلا أنهم تركوا القياس، فلم يوقعوا الفرقة بردتهما معاً.
والأصل فيه: شأنُ أهل الردة في زمن الصحابة رضي الله عنهم، لمّا
ارتدوا، ثم أسلم منهم قوم، ولم يقل أحد من الصحابة بإيجاب التفريق
بينهم وبين نسائهم، ولا أمروهم باستئناف العقد.
فإن قيل: فمن أين لك أنَّ ردتهم وإسلامهم كان معاً، مع امتناع وقوع
ذلك في العادة؟
قيل له: هو كما قلت، إلا أنَّ مِن حُكْم الشيئين(١) إذا وقعا ولم يُعلم
تقدُّم أحدهما على الآخر، أن يُحكم بوقوعهما معاً، مثل الغرقى، والذين
يموتون تحت الهَدْم يحكم بموت جميعهم معاً في باب المواريث، كذلك
حكم هؤلاء المرتدين مع نسائهم.
وإذا صح ذلك، فإنما خص من القياس بأنهما لم يختلفا (٢) في الدين،
ففارق من أجل ذلك ردة أحدهما قبل الآخر، وإسلام أحدهما قبل الآخر.
مسألة : [ارتداد أحد الزوجين قبل الآخر]
قال: (وأيهما ارتد قبل صاحبه: وقعت الفرقة بينهما)(٣).
وذلك لأن الردة سبب يوجب التحريم، ويمنع العقد ابتداء بلا
خلاف، فلما حدث ذلك من جهة أحدهما، صار كسائر الأسباب الموجبة
(١) وفي (ق.ج): ((السببين)).
(٢) وفي (ق.ج): ((باتفاقهما)).
(٣) المبسوط ١٠٣/١٠، بدائع الصنائع ١٥٥٩/٣.

١١٨
كتاب المرتدِّ
للتحريم الحادثة على نكاح من جهة أحدهما دون الآخر، نحو الطلاق
الثلاث، ووطء أم المرأة، ونحوهما من الأسباب الموجبة للتحريم الطارئة
على العقد في إفسادها النكاح عقيب حدوثها.
* قال : (فإن كانت المرأة هي المرتدة: فالفرقة واقعة بغير طلاق).
وذلك لأن المرأة لا تملك الطلاق، فكل فرقة من قِبَلها: فليست بطلاق.
وفرقة امرأة العنِّين وإن كانت باختيارها، فهي طلاق(١)؛ لأن سببها من
جهة الزوج، وهو مَنَعَها حقها من الوطء المستحق عليه بعقد النكاح،
فصار كقوله لها: اختاري نفسك، فإن الفرقة وإن لم تقع إلا باختيارها،
فإنها طلاق، إذ كان سببها من جهة الزوج.
* قال: (وإن كان الرجل هو المرتد، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا:
ليست بطلاق، وقال محمد: هو فرقة بطلاق)(٢).
قال أحمد : والأصل في ذلك أنَّ كل سبب يتعلق به فرقة من جهة
الزوج، فما كان حكمه مقصوراً على النكاح: فهو طلاق، وما لم يكن
حكمه مقصوراً على النكاح، بل يثبت حكمه في النكاح وفي غيره: فليست
الفرقة الحادثة عنه طلاقاً.
وفرقة اللعان طلاق؛ لأن حكم اللعان مقصور على النكاح، وسببه من
جهة الزوج، ألا ترى أنَّ اللعان لا يثبت حكمه في غير النكاح.
* (وإباء الزوج الإسلام طلاقٌ عند أبي حنيفة أيضاً)(٣)؛ لأن حكم
(١) بدائع الصنائع ١٥٥٦/٣.
(٢) بدائع الصنائع ١٥٥٦/٣.
(٣) المصدر السابق ١٥٥٧/٣.

١١٩
كتاب المرتدِ
الإباء إنما يتعلق بالنكاح؛ لأنه لولا عقد النكاح ما عرضنا عليه الإسلام،
لأجل إسلام المرأة، وإنما كان كذلك من قِبَل أنَّ الطلاق حكمه مقصور
على النكاح، وهي فرقة من قِبَل الزوج، فكل ما كان بهذه المثابة، فحكمه
حکمه.
وأما الردة فليس حكمها مقصوراً على النكاح؛ لأن حكمها ثابت،
سواء كان هناك نكاح أو لم يكن، وكذلك وطء أم المرأة، ونظائره من
الأسباب الموجبة للتحريم بما يثبت حكمه في النكاح وغيره.
وأما محمد: فإنه قال: ردة الزوج طلاق؛ لأنها سبب من قِبَل الزوج،
لا يوجد تحريماً مؤبداً، وهذه صفة الطلاق.
وأما أبو يوسف: فإنه قال في إباء الزوج الإسلام: إنه ليس بطلاق،
كما أنَّ الردة ليس بطلاق، والمعنى الجامع بينهما: أنّ الفرقة وقعت من
جهة الكفر.
مسألة : [لحوق المرتد بدار الحرب وسبيه]
قال أبو جعفر: (وإن لحق الزوجان المرتدَّان بدار الحرب، ثم سُبيا:
فإن الزوج يستتاب، فإن تاب، وإلا: قُتِل، ولا يُسترق، والمرأة تُسترق
وتجبر على الإسلام)(١).
أما الزوج فلا يُقَرُّ على الردة ويقتل، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن
بدَّل دينه فاقتلوه))(٢).
ولا يسترق؛ لأنه لمَّا لم يُقبل منه إلا الإسلام أو السيف، أشبه مشركي
(١) بدائع الصنائع ٤٣٨٦/٩.
(٢) سبق تخريجه.

١٢٠
١٤
كتاب المرتد
العرب الذين لم يقبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلا الإسلام أو السيف،
ولم يَسترق مَن لم يسلم منهم من الرجال.
وأما المرأة فإنها تسترق: من قِبَل أنها لا تُقتل، بمنزلة نساء مشركي
العرب استرقهنَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وأجبرهنُّ على الإسلام.
فصل :
والحجة في أنَّ المرتدة لا تقتل: ما روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم ((أنه نهى عن قتل النساء والولدان))(١)، وهو عام في جميعهن.
فإن قيل: إنما نهى عن قتلهن في الحرب، أو إذا كنَّ حربيات؛ لأن
الكلام علیه خرج.
قيل له: قد روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم ((أنّ
13
النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بعض أسفاره امرأة مقتولة، فنهى عن
قتل النساء والصبيان))(٢).
وروي في بعض الأخبار: ((أنه نهى عن قتل النساء والصبيان))، من غير
ذكر سبب، فنستعملهما جميعاً، ولا نقتلها إذا كانت حربية، ولا إذا
ارتدت بالخبر الآخر.
وعلى أنَّ خروج الكلام على سببٍ، لا يوجب اعتبار السبب عندنا إذا
كان اللفظ أعم من السبب.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن بدَّل دينه
(١) صحيح مسلم ١٣٦٤/٢ ح ١٧٤٤، وسنن الترمذي ١٣٦/٤ ح ١٥٦٩.
(٢) ينظر الحاشية السابقة، وهو متفق عليه. ينظر التلخيص الحبير ١٠٢/٤.