Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الديات
وإنما تصير جنايته بالإشهاد والتقدم، والإشهاد إنما يتعلق حكمه ببقاء
الملك، بدلالة أنه لو أشهد عليه بعد خروجه من ملكه: لم يكن
للإشهاد حكم، ووجب أن يكون زوال الملك بعد الإشهاد مسقِطاً
لحكم الجناية.
وليس ذلك مثل ساجة(١) وضعها رجل في الطريق، ثم باعها، فعطب
بها إنسان قبل النقل: فيضمن الواضع(٢)؛ لأن تلك كانت جناية صحيحة
قبل البيع بغير الإشهاد، فلا يرتفع حكمها إلا بزوالها عن الموضع.
مسألة : [وقوع الحائط المائل بعد الإشهاد عليه]
قال: (وإذا وقع الحائط المائل بعد الإشهاد، فعطب إنسان بترابه،
فإن أبا يوسف قال في الإملاء: لا يضمن)(٣).
لأنه قد زال عن المكان الذي كان فيه وقت الإشهاد، كرجل وضع
حجراً في الطريق، فنقله آخر عن موضعه.
(وقال محمد: يضمن).
لأن الإشهاد إنما صح حكمه بما يخاف من سقوطه، ولولا ذلك لم
يكن للإشهاد معنى، ألا ترى أنه إذا وقع على إنسان: ضمن وإن كان زائلا
عن الموضع، كذلك إذا عطب بترابه.
قال أبو بكر أيده الله: وكلّ ما ذُكر فيه الإشهاد، فإن المعنى فيه وقوع
(١) الساجة: هي الخشبة المنحوتة المهيأة للأساس ليقام عليها الحائط الذي مال
مثلاً، ينظر المغرب (سوج).
(٢) كتاب الأصل ٤ /٥٦٨ - ٥٦٦.
(٣) انظر حاشية تبيين الحقائق ١٤٨/٦.

٨٢
كتاب الديات
العلم بالتقدم إليه في الرفع؛ لأنه إذا كان جاحداً: لا يثبت عندنا التقدم إلا
بشاهدین.
ولو اعترف صاحب الحائط أنه قد تقدم إليه في رَفْعه: ضمنه وإن لم
يكن هناك إشهاد؛ لأن المعنى فيه أن يتقدم إليه، ويأمره بإزالة الخلل الذي
صار في هواء داره، أو في الطريق، فيصير حينئذٍ جانياً بترك النقض.

٨٣
كتاب الديات
باب جنايات العبيد والمُدَّرين
مسألة : [جناية العبد]
قال أبو جعفر رحمه الله(١): (وإذا قَتَلَ العبدُ رجلاً خطأ، قيل لمولاه:
إِدْفعه إلى وليُّ الجناية، أو افْدِه بالدية)(٢).
قال أبو بكر : الأصل في ذلك عندنا: أنَّ جناية العبد في رقبته ورقّه،
فيقال للمولى: إن فديتَه بالدية، فليس لولي الجناية من الحق أكثر من
استيفاء أرش الجناية في الرقبة، فليس له مطالبتك بتسليم العبد إليه، وإن
أبيتَ الفداء: فسلِّم العبد إليه.
وإنما قلنا إن جنايته في رِقُّه ورقبته: من قِبَل أن من شأن الجنايات أن
تُستحق بها الرقاب، والدليل عليه أنها لو كانت عمداً: لاستحقَّ بها رقبته
بالعمد ، فإذا كانت خطأ ثبت في الموضع الذي ثبت فيه العمد؛ لأن القود
والدية جميعاً بدل من النفس، فينبغي أن يكون ثبوتها في موضع واحد من
رقبة القاتل، وأن لا يختلف في ذلك العمد والخطأ في باب ثبوتها في
الرقبة؛ لأن رقبة العبد مال يجوز أن يستحق بالجناية الخطأ.
فإن قيل: فجناية الحر إذا كان عمداً تستحق بها رقبته، ولو كانت خطأ
(١) مختصر الطحاوي ص٢٥٤.
(٢) كتاب الأصل ٥٩١/٤، المبسوط ٢٦/٢٧، الهداية مع تكملة شرح فتح
القدير ٣٣٨/١٠، بدائع الصنائع ١٠ / ٤٦٧٤.

٨٤
كتاب الديات
لم يكن ثبوتها في الموضع الذي ثبت فيه العمد، ولم تستحق بها رقبته.
قيل له: من قِبَل أنَّ رقبة الحر لا يجوز أن تُستحق بالمال، فلذلك لم
يثبت فيها الخطأ، ورقبة العبد يجوز استحقاقها بالمال، فلذلك ثبت الخطأ
في الرقبة.
وقد قيل فيه: إنه لما كان من شأن جناية الخطأ أنها تلزم العاقلة، وكان
عاقلة العبد مولاه، لأنه أَوْلى الناس به وبنصرته: وجب أن يلزمه حكم
جنايته، إما أن يفديه، أو يدفعه فيبرأ من ضمان الجناية، ويكون ذلك عليه
حالاً، كما يستحق عليه دفع العبد حالاً، والمعنى الذي قدمناه أصح
عندنا، وعلیه کان یعتمد أبو الحسن رحمه الله.
* قال: (فإن اختار فِداه بالدية: لزمته، فإن ثبت إعساره بعد ذلك،
فإن أبا حنيفة قال: لا سبيل على العبد، والدية دَيْنٌ على المولىُ)(١).
وذلك لأن المولى لما كان مخيَّراً بين الدفع والفِداء، كان له أن يسقط
الجناية عن رقبة عبده، ويجعلها في ذمة نفسه، لولا ذلك لما كان للتخيير
معنى، ألا ترى أنه لو أعتقه: نَفَذَ عتقه، وثبتت الدية في ذمته.
* (وقال أبو يوسف: إذا لم يكن للمولى مال مقدار الدية وقت
الاختيار، كان اختياره باطلاً، وكان حق ولي الجناية في رقبة العبد)(٢).
لأنه إنما جُعل له إسقاط الجناية من رقبة العبد، على شريطة تسليم
الدية إلى ولي الجناية بدلاً من الرقبة، ولا يجوز له أن ينقل الجناية عن
الرقبة التي استحقها ولي الجناية حالَّة، إلى دية ثاوية في ذمته إذا كان
(١) كتاب الأصل ٤ / ٥٩٥.
(٢) المبسوط ٣٦/٢٧.

٨٥
كتاب الديات
معسراً غير قادرٍ على الأداء.
* قال: (وقال محمد: الاختيار جائز: معسراً كان المولى أو موسراً،
وتكون الدية في عنق العبد دَيْناً لولي الجناية، فيباع فيها لولي الجناية)(١).
وذهب في ذلك إلى أنَّ المولىُ مخيّرٌ في إسقاط الجناية من رقبة
العبد، إلا أنه إذا أسقطها من الرقبة، صارت في ذمة العبد، فيصير بمنزلة
العبد إذا استهلك مالاً، فيباع فيه، إذ لا سبيل للمولى إلى إسقاط حق ولي
الجناية من العبد رأساً، وجعله إياه في ذمة نفسه وهو معسر، لما يدخل به
من الضرر على ولي الجناية.
مسألة : [حكم العتق بعد الجناية]
قال أبو جعفر رحمه الله: (ولو أعتقه وهو يعلم بالجناية: كان مختاراً
للدية)(٢).
وذلك لأن مَنْع الدفع مع العلم بالجناية، هو آكد في بابه من قوله: قد
اخترتُ الفداء؛ لأن العتق الذي أوقع لا يلحقه الفسخ.
* قال: (وإن لم يعلم بالجناية: كان عليه الأقل من قيمته ومن أرش
الجناية).
لأنه لمَّا لم يعلم بالجناية: لم يكن مختاراً للفداء، إلا أنه مع ذلك
قد استهلك رقبةً قد تعلق بها حقُّ ولي الجناية في استحقاق دفعها إن
لم يفده، فيغرم القيمة، إلا أن يكون الأرش أقل، فلا يكون لولي
الجناية أكثر من الأرش، ألا ترى أنَّ غير المولى لو استهلكه: لم يلزمه
(١) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٦٨٥.
(٢) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٤٣/١٠.

٨٦
كتاب الدیات
إلا القيمة، كذلك هو.
* قال أبو جعفر: (وكذلك لو دبّره، أو باعه، أو كاتبه، أو آجره، أو
رهنه، أو كانت أمه فزوجها).
قال أبو بكر : الأصل فيه: أنه متىُ مَنَعَ الدفع بفعله، فإنه يُنظر: فإن
عَلِم بالجناية: كان مختاراً للدية، وإن لم يعلم: فعليه الأقل من قيمته ومن
أرش الجناية، فالبيع والتدبير والكتابة كل ذلك يمنع الدفع.
قال أبو بكر : وأما قوله في الرهن والإجارة والتزويج، وجمْعه بينها
وبين البيع والتدبير ونحوها: فليس هو المشهور من قولهم، بل المشهور
من قولهم في هذه الأشياء الثلاثة: أنه لا يكون بها مختاراً. ذكره محمد في
کتاب الدیات(١).
وإنما كان كذلك: من قِبَل أنَّ الرهن لا يمنع الدفع؛ لأنه يفكّه
ءِ
ويدفعه، وأما الإجارة فإنها تُنقض؛ لأن من شأنها أن تنقض بالأعذار،
وهذا عذر متى أراد الدفع، وأما التزويج فغير مانع من الدفع، وما حدث
فيها من العيب بالتزويج، لا يكون بمنزلة جراحته إياها؛ لأن ذلك عيب
من جهة الحكم، لم يُتلف به شيء من أجزائها، والتزويج بمنزلة الوطء
والاستخدام.
وليس ذلك بمنزلة المشتري أو البائع إذا كان بالخيار في المبيع، ففَعَلَ
شيئاً من ذلك: فيكون اختياراً للبيع، أو لفسخه إن كان الخيار للبائع ففعل
ذلك، من قِبَل أنَّ العبد في هذه الحال باق على ملكه، لم يستحقه غيره،
وإنما ثبت لولي الجناية حق في دفعه إليه، فإذا كان الدفع ممكناً: لم يكن
(١) كتاب الأصل ٤ / ٥٩٣.

٨٧
كتاب الديات
فعله لشيء من ذلك اختياراً للفداء.
وأما خيار البيع، فإنه خيار في إجازة عقد أو فسخه، فإذا فعل ما لا
يصح بقاء العقد معه، أو ما لا يصح إلا مع الإجازة: تعلق به الحكم على
هذا الوجه.
* قال: (ولو استخدمه: لم يكن مختاراً)(١).
وذلك لما بينا من أنَّ الاستخدام لا يمنع الدفع.
* قال : (ولو جرحه: كان مختاراً إذا علم بالجناية).
وذلك لأنه قد منع الجزء المتلف، فصار مانعاً للجميع؛ لأنه لا يمكنه
دفع بعضه دون بعض، ألا ترى أنه لو كان قائماً فأراد دفع(٢) بعضه وفداء
البعض: لم يكن له ذلك؛ لأن الجناية أوجبت أحد شيئين: إما دفع
الجميع، أو فداء الجميع.
مسألة :
قال: (ولو جرح العبدُ رجلاً، فأعتقه المولى، وهو يعلم بها قبل
البرء، ثم انتقضت الجراحة، فمات منها: كان هذا اختياراً، وكانت عليه
الدية).
وذلك لأنه أعتقه مع وجود سبب التلف، فمنع الدفع بالعتق، مع
العلم بالجناية، والعتق لا يلحقه الفسخ، فيخاطب فيه بالدفع.
قال: (ولو لم يعتقه، ولكن المجنيَّ عليه برىء، فاختار المولى أن
(١) المبسوط ٣٣/٢٧.
(٢) وفي (ق.ج): ((أن يدفع نصفه ويفدي النصف)).

٨٨
كتاب الديات
يعطيَ الأرش، ويمسك العبد، ثم انتقضت الجناية، فمات المجني عليه،
والعبد على حاله عند مولاه، فإن أبا حنيفة قال: ينبغي في القياس أن يكون
هذا منه اختياراً، ولكن أدع القياس، وأخيِّره الآن خياراً مستقبلاً(١).
وقال أبو يوسف بعد ذلك: آخذ بالقياس، فإن شاء دفعه، وأخذ ما
أعطى، وإن شاء فداه بتمام الدية).
قال أبو بكر: الصحيح من قول أبي يوسف: أنَّ عليه الدية، ولا خيار
له، والذي ذكره أبو جعفر من قول أبي يوسف أنه قال: آخذ بالقياس، فإن
شاء دفعه: غلط، ويشبه أن يكون من غلط الكاتب؛ لأن قول أبي يوسف
الآخر: أنه يلزمه الدية بلا خيار.
والذي ذكره من قول أبي حنيفة: غير مذكور في كتبهم، وإنما قال
محمد في كتاب الديات(٢): كأنه ينبغي في القياس أن يكون هذا منه
اختياراً، لكنا ندع القياس، ونخيِّره الآن خياراً مستقبلاً، فإن شاء دفعه
وأخذ ما أعطاه، وإن شاء فداه بتمام الدية، وهذا قول أبي يوسف الأول
ومحمد.
* قال : (وقال أبو يوسف بعد ذلك: عليه الدية).
فحصل ما ذكر محمد أنَّ الاستحسان قول أبي يوسف الأول، وقول
محمد القياس هو قول أبي يوسف الآخر ، ولم يَعْزُ محمد شيئاً من هذين
القولين إلى أبي حنيفة.
وجه القياس، وهو قول أبي يوسف الآخر: أنه لما اختار الأرش:
(١) المبسوط ٣٥/٢٧، بدائع الصنائع ٤٦٩٠/١٠.
(٢) كتاب الأصل ٤ /٥٩٥.

٨٩
كتاب الديات
سقطت الجناية من رقبة العبد، وصار الأرش في ضمان المولى، فلا يعود
بعد ذلك في الرقبة، وجاز أن يكون مختاراً للدية قبل وجوبها؛ لأنه
اختارها بعد وجود السبب، كما يجوز عفوه عن النفس بعد وجود
السبب، وهو الجراحة.
ووجه الاستحسان، وهو قول محمد في تخييره إياه خياراً مستقبلاً:
هو أنَّ العبد مما يمكن دفعه في الحال، وجائز أن يكون إنما اختار الأرش
بدءاً؛ لأنه أقل من قيمة العبد، فلما صارت نفساً، وكَثُر الأرش: لم يكن
اختياره الأول اختياراً للدية.
ولا يلزمه ما قال أبو يوسف، من سقوط الجناية من رقبة العبد
بالاختيار الأول؛ لأن أمر الجنايات مراعى بما تؤول إليه، فيكون الحكم
لنهاياتها، لا لابتدائها، فكذلك أمر الاختيار فيها مراعى بما تؤول إليه،
وليس كذلك العتق؛ لأنه يمنع الدفع، ولا يلحقه الفسخ.
مسألة : [ضمان جناية العبد الجاني]
قال: (وإن قَتَلَ العبدُ الجاني عبداً لرجُلٍ، فدُفع به: قيل للمولى:
إِدْفَعه أو افْدِه؛ لأنه قام مقام الأول، فإن غرم قيمته دراهم، دفعها إلى ولي
الجناية، ولم يقل له: افْدِها، ولا يكون مختاراً لو أنفق الدراهم؛ لأن
الدراهم لا تفدئ.
ولو قتله عبد آخر للمولى: قيل له: ادفع هذا العبد الثاني إلى ولي
الجناية التي جناها العبد الأول، وافده منه بقيمة الأول).
وذلك لأن حق ولي الجناية كان متعلقاً برقبة الأول، فإذا قتله عبد آخر
للمولى: قيل له: إن شئتَ أقمت الثاني مقام الأول فدفعتَه، وإن شئتَ
فديتَه بقيمة الأول، فأقمت القيمة مقامه، كما لو قتله عبدٌ لأجنبي: قيل

٩٠
كتاب الديات
لمولاه: ادفعه أو افده بقيمة المقتول.
مسألة :
(وإذا قتل العبد رجلاً عمداً، فأعتقه مولاه: كان لولي الجناية قَتْله)(١).
وذلك لأن وجوب القصاص لا تتعلق صحته بالرق، والدليل عليه: أنَّ
المولى لا يملك (٢) الإقرار عليه بقتل العمد، فالقصاص عليه بعد العتق
کھو قبله.
وليس ذلك مثل قتل الخطأ، فيسقط عن رقبته بالعتق، من قِبَل أنَّ
المولى فيه مخيّر بين الدفع والفداء، فإذا أعتقه: فقد اختار الفداء، وأما
العمد فلا سبیل له إلى إسقاطه عنه بحال.
مسألة :
قال أبو جعفر: (وإن كان للمقتول وليَّان، فعفا أحدهما بعد العتق:
كان للآخر أن يستسعيَ العبد المعتَق في نصف قيمته عبداً).
قال أبو بكر: وذلك لأن الدم كان بينهما نصفان، فلما عفا أحدهما:
سقط حقه، وهو النصف من نصف الرقبة، وثبت للآخر نصف الدم في
رقبته، فيغرمه من قيمته؛ لأن الجناية كانت في حال الرق، وجناية الرقيق
إذا تحولت مالاً: استحق بها القيمة ما لم يكن المولى فيها مختاراً للفداء.
مسألة : [جناية العبد في القتل والمال]
قال أبو جعفر: (وإذا قَتَلَ العبد رجلاً خطأ، واستهلك لآخر مالاً:
(١) كتاب الأصل ٤ / ٥٩٤.
(٢) وفي (ق.ج): ((منه)).

٩١
كتاب الديات
دُفع إلى ولي الجناية، واتَّبعه الدَّيْنُ، فيباع فيه)(١).
قال أبو بكر أيده الله: الأصل في ذلك: أنَّ الجناية تثبت في الرق،
وتُستحق بها الرقبة، والدَّيْن يثبت في الذمة، ويستحق به الثمن والكسب،
ويبيِّن لك الفصل بينهما: أنَّ المولى لو أعتقه وفي رقبته جناية: بطلت
الجناية من رقبته، ولم يلزمه منها شيء، وكانت على المولى؛ لأنها كانت
ثابتة في الرق، وقد بطل الرق.
ولو كان عليه دين، فأعتقه المولى: كان الدين باقياً عليه في ذمته،
وذلك لأن الديون لا تستحق بها الرقاب في الأصول، وإنما تثبت في
الذمم، وتستوفى من الاكتساب، والجنايات تُستحق بها الرقاب على النحو
الذي بيناه فيما سلف.
وإذا كان الأصل في الدين والجناية ما وصفنا، ثم اجتمع في عنقه دَیْن
وجناية قيل للمولىُ: إِذْفَعْه إلى ولي الجناية، فإذا دفعه: اتَّبعه الدين؛ لأن
ولي الجناية لم يستحق إلا عبداً معيباً بالدين، فيتبعه الدين، ولو لم يتبعه
الدين، لكان قد استحق عبداً غير معيب بالدين.
وأيضاً: فلما لم يجز سقوط حق الغرماء رأساً، إذ ليس ولي
الجناية بأولى بالعبد من الغريم، ولم يجز أن يقع بينهما مزاحمة في
استحقاقه، لِمَا وصفنا من أنَّ الدين في الذمة، والجناية في الرقبة:
وجب أن يكون ثبوت حق الغرماء غير مانع لوليّ الجناية من
استحقاقه، ولا يكون حق ولي الجناية أيضاً مسقِطاً للدين من ذمته،
فوجب أن يباع فيه.
(١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٦٧٦.

٩٢
كتاب الديات
[مسألة : ]
* قال أبو جعفر : (ولو حضر صاحب الدين أولاً: باعه القاضي له في
دَیْنه).
لأنه لا يجوز لنا تأخير دينه لأجل الجناية، إذ كان هو يستحق ذلك
على ولي الجناية لو صار في يده، كذلك ثبوت حقه فيه ليس بآكد من
حصول ملكه فيه في باب المنع من استحقاقه بالدين.
* قال: (فإن حضر بعد ذلك ولي الجناية: لم يكن له شيء)(١).
وذلك لأنا لو فسخنا البيع، ودفعناه إليه، لاحتجنا إلى بيعه ثانياً
للغرماء، ولا معنی لفسخ بیع یحتاج بعد فسخه إلى إعادته.
ولأن الدين الموجب لبيعه، قائم مع الفسخ، فلا يجوز فسخ البيع مع
وجود ما يوجبه.
مسألة: [قتل المدبّر رجلاً خطأ]
قال أبو جعفر: (وإذا قتل المدبّرُ رجُلاً خطأ: فعلى مولاه الأقلّ من
قيمته، ومن الدية إلا عشرة دراهم)(٢).
ءِ
قال أبو بكر : وذلك لأن رق المدبّر باقٍ، فثبتت الجناية فيه في
الحكم، لما بينًا من أنَّ شأن جنايات الرقيق ثبوتها في الرق، فلما ثبت فيه
وامتنع تسليمه إليه بفعل المولى للتدبير، وهو مع ذلك في يده وتصرفه:
وجبت عليه قيمته لمنعه تسليم الرقبة، ولم يكن مختاراً للفداء؛ لأن حكم
(١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٦٧٧.
(٢) المبسوط ٧٠/٢٧، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٦٣/١٠.

٩٣
كتاب الديات
الاختيار لا يلزم إلا مع العلم بالجناية، وهو لم يكن عالماً بها وقت
التدبير؛ لأنه لم يكن هناك جناية منه، فلذلك لزمته القيمة دون الدية، إلا
أن تبلغ الدية، فينقص منها عشرة دراهم، وذلك لأن ضمان الرقيق من
جهة الجناية لا يجوز أن يُبلغ به الدية، لما بينًّا فيما سلف.
* قال : (وكذلك لو قتل جماعة: لم يكن على المولى غير ما ذكرنا).
لأن حكم المنع لما استند إلى حال التدبير، وهي قبل الجنايات،
صار كأنه جنى جنايات كثيرة، ثم دبّره مولاه، وهو لا يعلم بالجنايات،
فيلزمه قيمة واحدة يشتركون جميعاً فيها.
[مسألة : ]
قال: (ولو دفع القيمة إلى وليّ الجناية الأولى بغير قضاء قاض، ثم
قتل آخر: كان ولي الجناية الثانية بالخيار: إن شاء اتّبع المولى بنصف
القيمة، وإن شاء اتَّبع ولي الجناية الأولى في قول أبي حنيفة)(١).
وذلك لأن حق الثاني لمَّا تعلَّق بالقيمة المدفوعة بالسبب المتقدم،
وهو التدبير، صار في هذا الوجه بمنزلة لو قَتَل قتيلين، ودَفَعَ المولى جميع
القيمة إلى أحدهما، فللآخر أن يضمِّن المولى نصيبه.
(وقال أبو يوسف ومحمد: دَفْعُه القيمة بقضاء القاضي وغير قضائه
سواء، ولا ضمان للثاني على المولى، ولكن يتّبع الأول).
وذلك لأنه دَفَعَ القيمة، ولا حقَّ لأحدٍ غيره فيها، وإنما حدث حق
الثاني بعد ذلك، فلا يوجب ذلك ضماناً على المولى.
(١) المصدر السابق.

٩٤
كتاب الدیات
قالا: وليس ذلك بمنزلة أن يقتل قتيلين، فيدفع المولى القيمة إلى
أحدهما: فهاهنا له أن يضمِّن المولىُ نصيبه).
لأنه دفع القيمة وهي بينهما بمنزلة دَيْن بين رجلين دَفَعه إلى أحدهما،
فإذا دفعها بغير قضاء في مسألة الخلاف، ففي قول أبي حنيفة: وليّ الثاني
بالخيار: إن شاء ضمَّن المولى لما وصفنا، وإن شاء ضمَّن وليّ الجناية
الأولى؛ لأن حق الثاني ثبت في تلك القيمة بعينها، كما لو أنّ ألف درهم
بين رجلين مودَعة عند رجل، أو غصباً، فسلَّمها الذي في يديه كلها إلى
أحدهما، فاستهلكه: فللشريك إذا جاء أن يضمِّن الذي كان عنده المال إن
شاء، وإن شاء ضمَّن القابض؛ لأنه قبض مالاً هو شریکه فیه بغير إذنه.
* قال: (فإن ضمن المولى: رجع على القابض، وإن ضمّن القابض:
لم يرجع على المولى).
وذلك لأنه لما كان لولي الثاني الخيار في تضمين أيهما شاء، فضمَّن
المولى، قام المولى مقامه فيما كان ثبت له من الضمان على ولي الأول،
وأشبه هذا الغاصب وغاصب الغاصب إذا ضمَّن المغصوب منه الغاصب
الأول: رجع على الثاني، وإن ضمَّن الثاني: لم يرجع على الأول.
مسألة : [جناية المدبّر في غير بني آدم]
(وما جناه المدبّر في غير بني آدم: فعليه أن يسعى في قيمته لمالكه،
بالغة ما بلغت، ولا شيء على مولاه فيها، وكذلك أمُّ الولد)(١).
قال أبو بكر : قوله: يسعىُ في قيمته: لا معنى له؛ لأنه يسعى في
الدَّين بالغاً ما بلغ، ولا تعتبر القيمة، وإنما كان كذلك من قِبَل أنَّ الدين
(١) كتاب الأصل ٦٣٦/٤، المبسوط ٧٢/٢٧.

٩٥
كتاب الديات
في ذمته، ويستحق به كسبه، وذلك لأن المولى إنما يملك كسب العبد من
جهة العبد، كما يملك الوارث الميراث من جهة الميت، فإذا كان هناك
دين، كان الغريم أحق بالميراث من الوارث، حتى يستوفي دينَه، كذلك
الغرماء في مسألتنا أحق بكسبه من المولى حتى يستوفوا ديونهم.
مسألة : [جناية المكانَب]
قال أبو جعفر: (وإذا جنى المكاتَب على رجُلٍ، فقتله خطأ: فعلى
المكاتب أن يسعى في الأقل من قيمته، ومن الدية، إلا عشرة دراهم)(١).
وذلك لأن المكاتب رقيق، فثبتت جنايته في رِقُّه، على ما بينًا فيما
سلف، وهو في يد نفسه، بدلالة أنَّ کسبه له دون المولى، وأنه لو جنى
عليه: كان هو المستحق لأرشه دون مولاه، فلما كانت جنايته في رقبته،
وتعذَّر دفعها لأجل الكتابة، وجب أن يُقضى عليه بقيمة الرقبة التي هي في
يده، كما يُقضى على المولى بقيمة المدبَّر إذا جنى، إذ كان في يده،
والمولى مالك لتصرفه.
ووجب الأقل؛ لأنه رقيق، والرقيق لا يضمن في الجناية بأكثر من
ذلك.
مسألة : [قتل المكاتب جماعة]
قال أبو جعفر رحمه الله: (فإن قَتَلَ المكاتَب جماعةً، ثم اختصموا إلى
القاضي: قضى عليه بقيمة واحدة).
وذلك لأن الجنايات كلها كانت ثابتة في الرق، ولو عجز المكاتب
(١) المبسوط ٦١/٢٧.

٩٦
كتاب الديات
قبل القضاء عليه بالقيمة: لم يستحقوا إلا رقبة واحدة، فكذلك لما تعذّر
دَفْع الرقبة، وكان في يد نفسه، لم يكن عليه إلا قيمة واحدة، ألا ترى أنَّ
جنايات المدبَّر وإن كثرت: لم يلزم المولى إلا قيمة واحدة؛ لأنه لو كان
عبداً لم يستحق أولياء الجناية إلا دَفْع رقبة واحدة.
* قال: (فإن قضى عليه بالقيمة لولي الجناية، ثم قتل آخر خطأ:
قضى عليه القاضي بقيمة أخرى)(١).
وذلك لأن القاضي قد نقل الجناية التي كانت في رقبته إلى ذمته،
فصارت ديناً، وفرغت الرقبة منها، فصادفت الجناية الثانية رقبة فارغةً من
الجناية، فثبتت في جميعها.
وليست جنايته بمنزلة جنايات المدبّر من هذا الوجه، من قِبَل أنَّ جناية
المدبَّر إنما يلزم المولى فيها قيمة واحدة في ذمته لجميع أولياء الجناية،
وجناية المكاتب ثبتت في رقبته، فإذا قضى بها، تحولت من الرقبة إلى
الذمة.
مسألة : [جناية المكاتب في المال]
قال أبو جعفر: (وما جناه المكاتب على رَجُل في ماله: سعى في
قيمته بالغةً ما بلغت)(٢).
قال أبو بكر : قوله: يسعى في قيمته: عبارة فيها خَلَل، من قِبَل أنه لا
اعتبار بالقيمة فيما يلزمه من الدين، بل يسعى في الدين بالغاً ما بلغ.
(١) المصدر السابق.
(٢) كتاب الأصل ٤ /٦٢٣ - ٦٥٢.

٩٧
کتاب الدیات
مسألة : [قتل المكاتب خطأ]
قال: (وإذا قتل المكاتب رجلاً خطأ، فلم يقض عليه القاضي بشيء
حتى عجز: خوطب المولى فيه بالدفع أو الفداء)(١).
وذلك لما وصفنا من أنَّ جنايته كانت ثابتة في رِقَّه، إلا أنهم إذا
اختصموا وهو مكاتب، تعذّر دفع الرقبة، فقضينا عليه بالقيمة، فإذا عجز
قبل القضاء: لم تبطل الجناية التي هي ثابتة في الرق، والدفع ممكن،
فخوطب المولى فيه بالدفع أو الفداء.
* قال : (وإن كان القاضي قضى عليه بالعجز بالواجب عليه، ثم
عجز: كان ديْناً في عنقه يباع فيه).
قال أبو بكر : وذلك لأنها لما قضى بها، صارت ديناً في الذمة،
وبطلت من الرقبة، فاستحق ولي الجناية بيعه، إذ كان ذلك ممكناً بعد
العجز.
(١) كتاب الأصل ٦٢٣/٤ - ٦٥٢.

٩٩
كتاب قتال أهل البغي
كتاب قتال أهل البغي
مسألة : [تعريف أهل البغي(١)]
قال أبو جعفر رحمه الله: (وإذا أظهرت جماعةٌ من أهل القبلة رأياً،
وقاتلت عليه، وصار لها مَنَعة: سئلت عما دعاها إلى الخروج، فإن ذكرت
ظُلماً: أُنصفت من ظالمها، وإلا: دُعيت إلى الرجوع إلى الجماعة)(٢).
قال أبو بكر أيده الله: وإنما سئلت عن ذلك: لجواز أن يكون خروجها
للامتناع من ظلمٍ جرى عليها أو على غيرها، فإن كانوا ممتنعين من الظلم:
فهم مُحِقّون لا يجب قتالهم؛ لأنهم حينئذٍ خرجوا للأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
فإذا عُلِم أنَّ خروجهم لم يكن لظلمٍ لَحِقَهم، أو لَحِقَ غيرهم، وأنه
للقتال على رأيهم الفاسد الذي اعتقدوه: دُعوا إلى الجماعة، والدخول
(١) البغي: من بغى يبغي، بغياً، فهو باغ، والجمع بغاة، وبغى: سعى بالفساد،
وأصله: من بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد، ومنه: الفئة الباغية، لأنها عدلت عن
القصد، المصباح المنير (بغى).
واصطلاحاً: هو الخروج على الإمام العادل بغير حق. ينظر: الخراج: لأبي
يوسف ص٢٣٢، أحكام القرآن للجصاص ٣٩٩/٣.
(٢) الخراج لأبي يوسف ص٢٣٢، أحكام القرآن ٣٣٩/٣، المبسوط
١٢٨/١٠، الهداية مع شرح فتح القدير ١٠١/٦، بدائع الصنائع ٤٣٩٦/٩، حاشية
ابن عابدين ٢٦١/٤.

١٠٠
كتاب قتال أهل البغي
في طاعة الإمام.
والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَهُمَّأَ فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَ مَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىَِّ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾(١)،
فاستفدنا من هذه الآية حكمين:
أحدهما: أنه ما كان لنا طمعٌ في استصلاحهم ورجوعهم، فعلينا أن
ندعوَهم ونستصلحهم لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً﴾.
والثاني: أنهم إذا لم يجيبوا إلى الصلح والرجوع، وأظهروا البغي،
وجب علينا قتالهم، وقد روي عن عبد الله بن عمرو أنّ النبي صلى الله
عليه وسلم كان يَقْسِم تِبْراً يوم حنين، فقال رجل: اِعْدِل يا محمد، فقال:
((ويحك مَن يَعْدِل إذا لم أعدل))(٢).
ثم قال: ((يوشك أن يأتيَ مثل هذا يَشْكُون كتابَ الله وهم أعداؤه، فإذا
خرجوا فاضربوا رقابهم))(٣).
فهذا يدل على أنَّ قتالهم يجب بعد الخروج، وبهذا النحو سار علي
بن أبي طالب في البغاة من الخوارج وغيرهم(٤)، وذلك أنه لم يبدأهم
بالقتال أول ما خرجوا وتحزَّبوا، وبعث إليهم عبد الله بن عباس، حتى
(١) الحجرات: ٩.
(٢) بمعناه صحيح البخاري ١٧٩/٤، صحيح مسلم ١ /٧٤٠ ح ١٠٦٣.
(٣) السنن الكبرى ١٧١/٨.
(٤) مصنف عبد الرزاق ١٥٧/١٠، المبسوط ١٢٨/١٠، المغني والشرح الكبير
١٠ / ٥٣.