Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ کتاب الدیات ((وُجد قتيل بين قريتين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فذَرَعَ ما بينهما، فوجدت إحداهما أقرب، فألقاه على أقربهما))(١). فهذا الخبر يوجب الدية على أهل المحلة، وأوجبنا اليمين بالأخبار الأُخر. وقد رُوي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، من قولهما(٢). * وأما حديث القسامة في حديث قتيل خيبر(٣): فإن أحدَ مَن يرويه سهل بن أبي حَثْمة، ويدل اضطرابُ ألفاظه، واختلاف الرواة في متنه، على أنَّ الذي روي فيه غير مضبوط في الأصل. هذا مع ظهور النكير من السلف لما روي فيه من الألفاظ، التي يردُّها ظاهر الكتاب والسنة الثابتة، واتفاق الأمة، ويحيلها حجة العقل، ويمنع مجيء العبارة بمثلها. فأما اضطراب (٤) ألفاظه: فمن جهة أنَّ بعضهم يروي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالأنصار، فعرض عليهم اليمين، وقال لهم: أتحلفون، (١) السنن الكبرى ١٢٦/٨. وقال البيهقي: تفرّد به أبو إسرائيل عن عطية، ولا يحتج بهما، نصب الراية ٣٩٦/٤، نيل الأوطار ٤١/٧، ونقل ابن حجر في التلخيص الحبير ٣٩/٤ عن العقیلي أنه حديث ليس له أصل. (٢) السنن الكبرى ١٢٤/٨، مصنف عبد الرزاق ٣٦/١٠. (٣) الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ٢٢٩/١٢، صحيح مسلم ١٢٩١/٢، سنن الترمذي ٢٢/٤، أبو داود ٤ /٦٥٥ ح ٤٥١٠. (٤) انظر اختلاف ألفاظ الحديث في المراجع السابقة، وفي سنن النسائي ٧/٨. ٤٢ کتاب الدیات وتستحقون دم صاحبكم؟. فقالوا: كيف نحلف على ما لم نشاهد، ولم نحضر؟ قال: فتحلف لكم يهود؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود)). وفي بعضها: ((أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: يُقسم خمسون منكم على رجل، فيدفع بديته، وهم قد كانوا قالوا حين ادعوا القتل: إن اليهود قتلوه، ولم يكن يخبر منهم أحد غير عبد الرحمن بن سهل وأخيه المقتول عبد الله بن سهل)). ثم روي في بعض ألفاظ هذا الحديث: ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بدأ فعَرَضَ الأيمان على اليهود أنهم يحلفون خمسين يميناً: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وكتبوا إليه: إنا نحلف. فقالت الأنصار: لا نرضى بأيمان اليهود. فقال للأنصار: أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟ وذلك كله بعد مطالبة النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار بالبينة على ما ادعوا. فقالوا: ومن أين نصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم، ولم يكن بخيبر غير أخيه عبد الرحمن بن سهل. فقد أعلموا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بدءاً، أنه لم يحضر هناك مَن شهد على قتله، ثم قالوا مع ذلك: إنهم قتلوه، مع إخبارهم بأنهم لم یشهدوا ذلك. فكيف يجوز أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد ذلك: ٤٣ كتاب الديات ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم))(١)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَانَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾(٢) وقال: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(٣) وقال: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤). * ففي هذا الفصل معنيان تردهما الأصول: أحدهما: أنهم قد قالوا: لم يشهد هناك منا أحد، ثم قالوا: هم قتلوه، ظناً منهم بأنهم القاتلون. ولو كان هذا الخبر صحيحاً(٥) لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم النكيرَ عليهم، وقال لهم: ((لا تدَّعوا عليهم القتل بالظن والحسبان))(٦). والثاني: وهو أشنعهما، أنه عَرَض عليهم الأيمان على أنهم قتلوه، مع علمه بأنهم لم يشهدوا ذلك، ولم يعلموه، فكيف يجوز أن يبيح لهم الإخبار عن الشيء بما لا يؤمن أن يكونوا كاذبين فيه، ثم الحلف عليه؟ (١) شرح معاني الآثار ٢٠١/٣، المبسوط ١٠٩/٢٦. (٢) الإسراء: ٣٦. (٣) الزخرف: ٨٦. (٤) يونس: ٣٦. (٥) ورد هذا الخبر في كتب الصحاح الستة، ولكن مع ذلك هو مضطرب إسناداً ومتناً، وفيه تضاد شديد، ومنهم من قال هو مرسل، لأن سهلاً كان صغيراً في ذلك الوقت، ينظر نصب الراية ٣٩١/٤، عمدة القاري ٦٠/٢٤، النكت الطريفة ص٢٠٦-٢١١، إعلاء السنن ٢٦٤/١٨-٢٧٥، الجوهر النقي ١٢٨/٨، الجواهر المنيفة، للزبيدي ١٤٠/٢. (٦) لم أقف على هذا الأثر. ٤٤ كتاب الدیات وعلى أنَّ الأنصار قد استنكرت ذلك لأنفسها، بأن تحلف على ما لا تعلم، والنبي صلى الله عليه وسلم أشدُّ نُكرةً له. وهذان المعنيان يردُّهما ظاهر الكتاب، ويحيلهما العقل، ويمنع جوازهما على النبي صلى الله عليه وسلم، فانتفى بذلك أن يكون ذلك حكماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وشريعةً له. وقد ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد قال محمد بن إبراهيم: وايم الله. ما كان سهل بأكثر علماً منه، ولكنه كان أسنَّ منه، إنه قال له: والله ما هكذا كان الشأن. ولكن سهلاً أوهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(١): ((احلفوا (٢) على ما لا علم لكم به، ولكنه كتب إلى اليهود حين كلمه الأنصار، أنه وُجد فيكم قتيل بين أبياتكم فدُوْه، فكتبوا إليه يحلفون بالله: ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلاً، فوَدَاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده)(٣). قال محمد بن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب - وحلف بالله - أنَّ ما قال سهل لباطل، مثل حديث عبد الرحمن بن بجید. فبطل ما روي عن سهل على ما ذهب إليه مخالفنا (٤)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأنصار بالأيمان على الوجه الأول الذي ادعوه، (١) سنن أبي داود ٦٦٢/٤ ح ٤٥٢٥. (٢) وفي (ق.ج): ((أتحلفون)). (٣) المرجع السابق. (٤) وهو مذهب الأئمة الثلاثة. ينظر فتح الباري ١٢٢٣٥، بداية المجتهد ٢٤٢٧. ٤٥ كتاب الديات لمخالفته لهذه الأصول التي وصفنا. * ووجه آخر مما خالف فيه الأصول: وهو أنَّ الأنصار ادعوا القتل على جماعتهم، لا على رجل بعينه منهم، فكيف يجوز أن يستحقوا الدم بأيمانهم على غير معروف؟ وروي فيه: ((أنهم قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، قال: فيقسم منكم خمسون رجلاً أنهم قتلوه))(١). فردَّ اليمينَ عليهم حين لم يرضوا بأيمان المدعى عليهم. ولا تأثير في الأصول لرضا المدعي بيمين المدعى عليه، ولا لعدم رضاه بها، وأنه لا فرق بين اليهود والمسلمين في الأيمان(٢). وفيه: أنَّ اليهود بذلوا الأيمان، فردَّها النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار مع بذلهم لها، فإن كانت اليمين عليهم بدءاً، فلا خلاف أنه لا يرد على المدعي مع بَذْل المدعى عليه لها وإن كانت على المدعين، فكيف عَرَضَها على المدعى عليهم؟ وفي بعض ألفاظه: أنه بدأ بالمدعين، ثم باليهود. وفي بعضها: أنه بدأ باليهود ثم بالمدعين. وأحد هذين اللفظين خطأ لا محالة: إن كان بدأ بالأنصار ثم باليهود، فغير جائز أن يكون عاد إلى الأنصار، فعرض عليهم الأيمان بعد إخبارهم أنهم لا يحلفون على ذلك، وأنه لا علم لهم به. (١) المراجع السابقة. (٢) المغني والشرح الكبير ١١٣/١٢. ٤٦ كتاب الديات وإن كان بدأ باليهود ثم بالأنصار، فغير جائز أن يكون عاد إلى اليهود بعد إباء الأنصار اليمين، لأن ذلك يوجب أن تكون اليمين كانت على اليهود ابتداء دون الأنصار، وبذلهم إياهم يمنع ردها على الأنصار. فدل جميع ما وصفنا على اضطراب حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة ، وأنه غير مضبوط في الأصل على نحو الذي روی فیه. * وقد روى ذلك غير سهل بن أبي حَثْمة، فلم يذكر فيه: رد اليمين على الأنصار. فمنه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عمر القريعي قال: حدثنا الحسن بن علي بن راشد قال: حدثنا هشيم عن أبي حيان التيمي عن عباية بن رافع بن خديج قال: ((أصبح رجل من الأنصار مقتولاً بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي صلی الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له. فقال: ألكم شاهدان یشهدان على قتل صاحبكم؟ فقالوا: يا رسول الله، لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترئون على ما هو أعظم من هذا. قال: فاختاروا منهم خمسين رجلاً، فأستحلفهم، فأبوا، ووداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده)(١). فلم يذكر في هذا الحديث شيئاً من التخليط الذي في حديث سهل بن أبي حثمة؛ لأنه ليس فيه أنَّ الأنصار قالوا: إن اليهود قتلوه، تظناً منهم (١) أبو داود ٦٦/٤ ح٤٥٢٤ قال صاحب ((الجوهر النقي)): سنده حسن، انظر السنن الكبرى ١٢٠/٨. ٤٧ كتاب الديات وحسباناً، وإنما فيه: أنهم قد يجترئون على ما هو أعظم من هذا. وليس فيه: أنه قال: ((أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم))، وإنما طالبهم بالبينة، فلما لم يكن لهم بينة، ذَكَرَ لهم يمين اليهود، وهو موافق للأصول، ليس فيه لفظ منكر، ولا معنى ممتنع. * ولو صح اللفظ المذكور في حديث سهل من قوله: ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم))؟، كان ذلك القول منه على وجه النكير عليهم، حين قالوا: ((لا نرضى بأيمان اليهود))، قال: ((أفتريدون أن تحلفوا أنتم إذ لم ترضوا بأيمانهم؟))(١). كما قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾(٢). وكقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي شَكَتْ أنَّ زوجها لا يصل إليها. فقال: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك))(٣). وكان ذلك منه على جهة الإنكار عليها في إرادتها الرجوع إلى زوجها الأول قبل دخول الثاني بها. وقد حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قتيلٍ وُجد بين قريتين، فألقاه على أقربهم، وألزم أهل القرية القسامة والدية(٤). (١) انظر المراجع السابقة. (٢) المائدة: ٥٠. (٣) صحيح مسلم ١٠٥٥/٢ ح ١٤٣٣. (٤) مصنف عبد الرزاق ٣٥/١٠، المحلى لابن حزم ١١ /٦٦. ٤٨ كتاب الديات وقال الحارث بن الأرفع: يا أمير المؤمنين أنعطي أيماننا وأموالنا، فقال: نعم، فبِمَ نُبطل دم هذا (١). وكان ذلك منه بمحضر من الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه، ولا مخالف له. ولو كان ما رواه سهل بن أبي حثمة إحلاف أولياء الدم خمسين يميناً صحيحاً، لما خفي مثله على عمر ومَن حضره من الصحابة، حتى يقضيَ بخلافه بین أظهرهم. ولو کان محفوظاً عند واحد منهم قصة قتیل خیبر على ما رواه سهل، لذكره لعمر ونبّه عليه، ولم يكن ليقرَّه على ما أمضى الحكم بخلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: القسامة على المدعى عليهم (٢). ورواه محمد بن شجاع عن موسى بن داود عن معتمر بن سليمان عن حصيف عن زياد بن أبي مريم قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني وجدت أخي قتيلاً في بني فلان، فقال: اجمع منهم خمسين، فيحلفون بالله ما قتلوه، ولا علموا قاتلاً. قال: يا رسول الله ما لي من أخي إلا هذا؟ قال: بلى، لك مائة من الإبل))(٣). (١) شرح معاني الآثار ٢٠١/٣، مصنف عبد الرزاق ٣٥/١٠، الجوهر النقي مع السنن الكبرى ١٢٤/٨. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٨٤/٩. (٣) نصب الراية ٣٩٤/٤، وينظر البناية للعيني ٣٣٦/١٠. ٤٩ کتاب الدیات وهذا الحديث قد أفادنا معنيين: أحدهما: وجوب القسامة على أهل المحلة دون المدعي، والآخر: غرامة الدية مع الأيمان(١). * ويدل على أنَّ الدية تلزم أهل المحلة بوجود القتيل: ما روي في حديث قتيل خيبر، ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كَتَبَ إلى اليهود: إما أن تَدُوا صاحبكم، وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله)). وفي بعضه: ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: ((وُجد قتيل بين أظهركم: فدُوه))(٢). وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فَرَّق ديته عليهم، يعني اليهود، وأعانهم بنصفها))(٣). فصل : [إذا لم يتم العدد في القسامة خمسين] قال أبو جعفر: (فإن لم يكمل العدد خمسين رجلاً: كُرِّرت عليهم الأَيمان حتى تكمل خمسين يميناً)(٤). وذلك لأن هذه الأيمان حقٌّ للولي، كالمال، فله أن يستوفي ممن يمكنه استيفاؤها منهم، وفي حديث رافع بن خديج الذي قدَّمنا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اختاروا منهم خمسين رجلاً، فاستحلفهم))(٥)، فجعل الخيار إليهم فيمن يُستحلف، وإذا لم يكمل عدد الرجال خمسين، (١) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٧٣٥. (٢) شرح السنة ٢١٥/١٠. (٣) انظر المراجع السابقة في تخريج هذا الحديث: وسنن النسائي ٢١٦/٨. (٤) كتاب الأصل ٤٧٦/٤، بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٤٧. (٥) سبق تخريجه. ٥٠ كتاب الدیات كُرِّرت عليهم الأيمان، ليستوفي عددها ممن أمكن منهم. مسألة : [إذا وجد قتيل بين قريتين] قال: (وإذا وجد قتيل بين قريتين: كان على أقربهما إليه القسامة والدية)(١). لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمحضرٍ من الصحابة(٢). مسألة : [وجوب الحبس عند النكول عن اليمين] قال أبو جعفر: (وإن نكلوا عن اليمين: حُبسوا حتى يحلفوا)(٣). وذلك لأن اليمين لما كانت حقاً للأولياء، أُجبروا عليها كما يجبرون على أداء المال إذا امتنعوا منه. وليست اليمين في القسامة كهي في غيرها من الحقوق؛ لأن اليمين على الانفراد لا تكون حقاً للمدعى في سائر الحقوق إلا في القسامة، ألا ترى أنهم إذا حلفوا: لم يبرأوا من الدية، وفي سائر الحقوق إذا حلف المدعى عليه: لم يغرم شيئاً. مسألة: [الكافر والمسلم في القسامة سواء] قال: (والمسلم والكافر في ذلك سواء)(٤). (١) المراجع السابقة. (٢) ينظر نصب الراية ٤٩٦/٤. (٣) المراجع السابقة الفقهية. (٤) كتاب الأصل ٤ / ٤٧٧. ٥١ كتاب الدیات وذلك لأن هذا من حقوق العباد، فلا يختلفان فيه، كما لا يختلفان في الأيمان في سائر الدعاوى. مسألة : [القسامة على أهل الخِطة] قال: (والقسامة على أهل الخِطَّة(١)، دون السكان والمشترين، إلا أن لا يبقى أحد من أهل الخِطة، فيكون على المشترين). وذلك لأن أهل الخِطة قد ثبت لهم اختصاص وولاية في الموضع دون الناس كلهم، بإحيائهم إياه، وإخطاطهم له، فكانوا أَوْلى بالعَقْل قبل ملك المشترين، فلا ينتقل هذا الحق عنهم ما بقيَ منهم أحد. كما أنَّ أهل المسجد هم أَوْلى بعمارته والإمامة فيه من غيرهم، مع اشتراكهم جميعاً في إباحة الصلاة فيه، إلا أنَّ أهله لما كان لهم هذا الضرب من الاختصاص، كانوا أَوْلى به، كذلك أهل الخطة أولى من المشترين. وأيضاً: فإن أهل الخطة صاروا عاقلةً للموضع، لما لزمهم بدءاً من نصرة الموضع، فلا ينتقل ذلك عنهم ما بقيَ منهم أحد، كالعاقلة من جهة الأب، ومن جهة الأم، ما دام هناك عاقلة من جهة الأب: لم تعقل عنه عاقلة الأم، حتى إذا انقرضوا: صار العقل على عاقلة الأم، كذلك ما وصفنا. ولا يجب اعتبار الملك في ذلك فحسب، دون ما وصفنا؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب إسقاط الدية رأساً؛ لأنه لا ملك لأحد منهم في طرق (١) الخطة: المكان المختط لبناء دار وغير ذلك من العمارات، ومسجد الخطة: ما خطه الإمام حين فتح البلدة وقسمها بين الغانمين. المغرب (خطط) ٢٦٠/١. ٥٢ كتاب الديات المحلة وشوارعها، ولا في مساجدها، ومع ذلك تلزم به الدية. * ولو وُجد في ملك رجل: لم تلزم أهل المحلة القسامة، وإنما تلزم مالك الموضع وعاقلته، فدل على سقوط اعتبار الملك فيه. * (فإذا لم يبق أحدٌ من أهل الخطة، فهي على المشترين). لأن حق أهل الخطة قد بطل عن المحلة، فهو كعدم العاقلة من جهة الأب، فينتقل العقل إلى عاقلة الأم. * (وروي عن أبي يوسف: أنَّ القسامة على المُلاك والسكان، لتساويهم جميعاً في اليد في الموضع)(١). مسألة : قال: (ومَن وُجد ميتاً في قبيلة لا أثر به: لم يكن فيه قسامة، ولا دية)(٢). وذلك لأن هذا ميت، وليس بقتيل، والقسامة في الأصل إنما وجبت في القتيل، ولو وجبت في الموتى، لما خَلَت المحالّ من القسامة، ومن ـو الدية، لوجود الموتى فيه. * قال أبو جعفر: (والمسجد في جميع ما ذكرنا كالمحلة)(٣). وذلك لأن أهل المحلة لهم اختصاص بالمسجد، كاختصاصهم في المحلة نفسها، فوجب أن يكون بمنزلة المحلة. (١) المبسوط ١١٢/٢٦، بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٤٧. (٢) كتاب الأصل ٤٧٨/٤، بدائع الصنائع ٤٧٣٩/١٠. (٣) المبسوط ١١٨/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٨٦/١٠. ٥٣ كتاب الديات مسألة: [إذا وجد قتيلاً في داره] قال: (ومن وَجَد قتيلاً في دار نفسه: فديته على عاقلته في قول أبي حنيفة)(١). وذلك لأن الدية الواجبة في هذه الحال لغيره وهم الورثة، وهو قد كان أخص بالموضع إلى أن قُتِل، فصار بمنزلة غيره لو وجد قتيلاً في داره. * وقال أبو يوسف ومحمد: لو وجبت الدية على عاقلته: لكانت له، تُقضى منه ديونه، وتنفذ فيه وصاياه، فكيف يجوز أن تعقل عنه عاقلته له؟ والدليل على أنّ وجود القتيل في داره بمنزلة مباشرته للقتل: أنَّ المكاتب إذا وُجد في داره قتيل: غرمه كأنه باشر قتله، ولو قَتَلَ رجلٌ نفسَه خطأ: لم تغرم عاقلته ديته، كذلك إذا وَجَد قتيلاً في دار نفسه. مسألة : [إذا وُجد قتيل في السوق أو في المسجد] قال: (ومَن وجد قتيلاً في سوق من أسواق المسلمين، أو في مسجد جماعتهم: فديته على بيت المال، وليس فيه قسامة)(٢). وذلك لأنه ليس أحد أخص بالموضع من غيره، والجماعة متساوون في ثبوت الحق فيه، فكانت الدية على جماعتهم، والذي يلزم كافة المسلمين يؤخذ من بيت مالهم. (١) المبسوط ١١٣/٢٦. (٢) المبسوط ١١٨/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٨٦/١٠، بدائع الصنائع ٤٧٤٤. ٥٤ كتاب الديات مسألة : [إذا وُجد قتيل في القبيلة] قال: (ومَن وجد قتيلاً في قبيلة، فادعى الأولياء على رجل من غير القبيلة، وشهد له رجلان من القبيلة: لم تجز شهادتهما، ولا شيء عليهم في قول أبي حنيفة)(١). وذلك لأن وجود القتيل فيما بينهم، قد ألزمهم القسامة والدية، لمَّا بينًا فيما سلف، ولزوم ذلك يمنع قبول شهادتهم على غيرهم في إسقاط ذلك عنهم. ويجوز أن يكون الولي إنما ادعى على غيرهم، لتجوز شهادتهم، والشهادة متى دخلت فيها التهمة: منعت قبولها. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: شهادتهم جائزة). وذلك لأنهم قد أبرؤوا من القسامة والدية بدعوى الولي القتل على غيرهم، فلا نَفْع لهم في هذه الشهادة، فجازت. مسألة : [وجود نصف القتيل ومعه الرأس] قال: (وإذا وُجد من القتيل نصفه ومعه الرأس: ففيه القسامة والدية، وإن لم يكن معه رأس: فلا قسامة ولا دية، وإن وُجد نصف البدن مشقوقاً بالطول: فلا شيء فيه، وكذلك إن وُجد عضو من أعضائه: رأسٌ، أو يدٌ أو نحوها: فلا شيء فيه)(٢). قال أبو بكر: الأصل في ذلك اتفاق المسلمين على أنَّ قتيلاً واحداً لا (١) كتاب الأصل ٤٧٩/٤، بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٥٧. (٢) كتاب الأصل ٤ /٤٨٠، تكملة شرح فتح القدير ٣٨٠/١٠. ٥٥ كتاب الديات يجب فيه قسامتان و دیتان. : فإذا وجدنا الأكثر من البدن: وجبت الدية والقسامة، كما لو وجدوا أصبعاً مقطوعةً: لم يكن فَقْد الأصبع مانعاً من القسامة والدية، كذلك وجود الأقل من البدن. * وإذا وُجد النصف، ومعه الرأس: فهذا مع الرأس أكثر من نصفه. * وإن لم يكن معه رأس: فليس يخلو من أن يكون المفقود منه النصف سواء، أو أكثر من النصف: فإن كان النصف سواء: فغير جائز إيجاب القسامة والدية؛ لأنه لو وجب ذلك، لوجب في النصف الآخر مثله، فكان يكون فيه إيجاب قسامتين وديتين في قتيل واحد، وذلك خلاف الاتفاق. أو أن يكون المفقود هو الأكثر، والموجود هو الأقل، وقد قلنا إن الأقل لا حكم له، ولو وجب ذلك، لوجب في اليد والرجل، فكان يجب في قتيل واحد عشر قسامات، وعشر ديات، وهذا خطأ بالاتفاق. * وإن كان مشقوقاً بالطول، فوجد أحد النصفين: لم يجب فيه شيء، لما وصفنا. مسألة : [إذا وُجد بهيمة مذبوحة في المحلة] قال: (ولا قسامة في بهيمة، ولا غرم إذا وجدت في محلة)(١). ولا نعلم فيه خلافاً، وهو بمنزلة الثوب وسائر الأموال. (١) المبسوط ١١٦/٢٦، بدائع الصنائع ٤٧٤١/١٠. ٥٦ كتاب الدیات مسألة : [حكم العبد في القسامة] قال: (وفي العبد القسامة والقيمة)(١). قال أبو بكر : وذلك لأن العاقلة تغرمها، ويجب فيه القصاص في العمد، والكفارة في الخطأ. قال أبو جعفر : (ولا قسامة فيه في قول أبي يوسف). قال أبو بكر : لأنه جعله بمنزلة البهيمة، وهو سديدٌ على ما روي عنه في أنَّ العاقلة لا تحمله، ويجاوز به الدية. مسألة : [إذا وُجد قتيل في دار مكاتَب] قال: (وإذا وُجد قتيل في دار مكاتَب: فعليه أن يسعى في الأقل من قيمته، ومن دية القتيل، إلا عشرة دراهم)(٢). وذلك لأن وجود القتيل في الدار بمنزلة مباشرة القتل من صاحب الدار، فكأن المكاتب باشر قتله، فيلزم الأقل من قيمته، ومن الدية إلا عشرة دراهم؛ لأن قيمة العبد لا تكون في الجناية أكثر من ذلك، ألا ترى أنه لو قُتِل وقيمته عشرون ألفاً، غرم قاتله عشرة آلاف إلا عشرة دراهم. وإنما كان وجود القتيل في الدار بمنزلة مباشرة القتل؛ لأنه هو المالك لها، ولا حقَّ لأحدٍ من أهل المحلة فيها، فلا يلزم أهل المحلة منه شيء، إذ ليس لهم حقٌّ في داره بوجه، فلما اختص هو بلزوم ذلك، أشبه قتل المباشرة من هذا الوجه. (١) كتاب الأصل ٤٨٠/٤، بدائع الصنائع ٤٧٤١/١٠. (٢) المبسوط ١٢١/٢٦، بدائع الصنائع ٤٧٥٥/١٠. ٥٧ كتاب الدیات وليس كذلك للقتيل الموجود في المحلة، لأن حقَّ جماعتهم في المحلة سواء، وهم أخص بها من سائر الناس، فلزمت أهلها. مسألة : [إذا وُجد قتيل في دار عبدٍ مأذون] قال: (وإذا وُجد في دارِ عبدٍ مأذون له، وعليه دَيْن أو لا دَيْن عليه: فالدية والقسامة على عاقلة مولاه)(١). وذلك لأن المولى هو المالك للدار، والعبد لا يملكها بوجه، وليس العبد كالمكاتَب؛ لأن ملك المكاتب له دون مولاه، وملك العبد للمولى. فإن قيل: فإذا كان على العبد دَيْن يحيط بقيمته وما في يده، لم يملك المولى الدار في قول أبي حنيفة، فينبغي أن يكون عليه كالمكاتب. قيل له: إنه وإن كان كذلك، فإن ذلك من أجل حق الغرماء، لا لأجل أنَّ العبد أحق به من مولاه، ولا يستحق به ملكاً حقيقة أبداً، والغرماء أيضاً لا يستحقون ملك الدار، لأجل دَيْنهم، أما المكاتب فإن له ضرباً من الملك، ومتىُ عَتَقَ تمّ ملكه، كملك الحر، فلذلك اختلفا. * قال: (وقال أبو يوسف في الإملاء: إذا كان عليه دَيْن: دفعه المولى أو فداه). قال أبو بكر : جَعَله بمنزلة جنايته بيده، كالقتيل الموجود في دار المکاتب. (١) المصادر السابقة. ٥٨ كتاب الدیات مسألة : [لا يدخل في القسامة امرأة ولا صبي ولا عبد] قال أبو جعفر: (ولا يدخل فيمن يُقْسِم امرأة، ولا صبي، ولا عبد)(١). يعني في المحلة، وذلك لأن القسامة تلزم بوجود القتيل على وجه النصرة والولاية، كما تلزم الدية، وليس هؤلاء من أهل النصرة والعَقْل والولاية. مسألة : [إذا وُجد قتيل في دار امرأة] قال: (وإن وُجد قتيل في دار امرأة في مصر لا عشيرة لها فيه: فالأيمان تكرر عليها في هذا الموضع في قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول(٢)، ثم رجع أبو يوسف فقال: يضم إليها أقرب القبائل منها، فُيُقْسِمون ويَغْرمون الدية لهم). وإنما لزمها الأيمان كما يلزمها في سائر الدعاوى(٣)، والفرق بينها وبين الأيمان في الدعاوى، أنَّ سائر الدعاوى فيها يمين واحدة، وهذه خمسون يميناً، ولا يُخرجها ذلك من أن تكون بمثابة الأيمان في الدعاوى، وليس لزومها متعلقاً بالعقل والولاية، فلذلك لم يمتنع لزومها المرأة، ألا ترى أنَّ المكاتَب لا يدخل في قسامة أهل المحلة وغَرْمهم، وتلزمه القسامة إذا وُجد قتيل في داره، فكذلك المرأة. (١) كتاب الأصل ٤٧٦/٤، المبسوط ١١١/٢٦. (٢) كتاب الأصل ٤٨٢/٤، المبسوط ١٢٠/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٩٣/١٠، بدائع الصنائع ٤٧٥٤/١٠. (٣) وفي (ق.ج): ((فكذلك في القتيل في دارها)). ٥٩ کتاب الدیات * ولأبي يوسف: أنها لو كانت بمنزلة الأيمان في الدعاوى، لاكتُفي فيها بيمين واحدة، فلما استُحلفت فيها خمسين يميناً، دل على أنها من جهة العقل والولاية دون الدعاوى. مسألة : [حكم الذمي في القسامة] قال: (وعلى الذمي القسامة والدية في القتيل الموجود في داره، تُكرَّر عليه الأيمان)(١). لأنه أخص بملك الدار من غيره، ولأن الذمي والمسلم لا يختلفان في حقوق الآدمیین. مسألة : [وجود القتيل في دار اليتامى] قال : (ومَن وَجد قتيلاً في قريةٍ ليتامى، ولا عشيرة لهم فيها: فعلى عاقلتهم القسامة والدية)(٢). قال أبو بكر : أما الصغار فلا قسامة عليهم؛ لأن قولهم كلا قول، وكما لا يُستحلَفون في سائر الدعاوى، لكن القسامة والدية على عواقلهم؛ لأنهم أهل نصرتهم والولاية عليهم. قال أبو بكر : قد ذكر محمد مسائل في القتيل الموجود في الدار، فقال في بعضها: الدية والقسامة على صاحب الدار وعاقلته. وقال في بعضها: القسامة على صاحب الدار خاصة، والدية على العاقلة. (١) كتاب الأصل ٤/ ٤٨٢. (٢) كتاب الأصل ٤ /٤٨٣، المبسوط ١٢١/٢٦، بدائع الصنائع ٤٧٥٤/١٠. ٦٠ كتاب الديات وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول(١): المسائل التي أوجب فيها القسامة والدية جميعاً على العاقلة: هي إذا كانت العاقلة معهم في المصر. والمسائل التي أوجب فيها القسامة على صاحب الدار خاصة، والدية على العاقلة: هي إذا كانت في غير المصر الذي وُجد فيه القتيل في الدار، لأنها إذا كانت غائبة عن الموضع، لم يصلح إحلافهم مع العلم بغيبتهم، إذا كان صاحب الدار والقرية ممن يصح إحلافه. فأما إذا كان صاحب الدار ممن لا يصح إحلافه ، نحو الصبي والمجنون: فإن القسامة والدية على العاقلة في الوجهين جميعاً، أقرب القبائل منه؛ لأنهم يستحقون ولايته ونصرته، وليس هو ممن يُحلَّف، فقاموا عنه فيها. مسألة : [سراية الجراحة] قال: (ومَن أصابه حجر أو جراحة في قبيلة، فلم يزل صاحبَ فراش حتى مات: فعلى أهل القبيلة الذين أصابه ذلك فيهم القسامة والدية)(٢). وذلك لأن السبب الذي حدث عنه القتل، كان هناك، فصار كالقتل الموجود فیه، ألا ترى أنَّ رجلاً لو جرح رجلاً، فمات منه: کان قاتلاً، لوجود السبب من جهته. مسألة : [وجود القتيل في السفينة] قال: (وإذا وُجد قتيل في سفينة: فالقسامة والدية على مَن فيها من (١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٥١. (٢) كتاب الأصل ٤ /٤٨١، المبسوط ١١٨/٢٦.