Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب القصاص والديات في الجراحات
النفس: وجب عليه القصاص في النفس، فتعلق الحكم بما انتهت إليه
الجناية.
وكذلك لو قطع يده من المفصل، فتآكلت إلى نصف الذراع: لم
يجب القصاص، فإن مات منها: قُتِل به، فصار حكم الجناية موقوفاً
على ما تؤول إليه.
فلما كانت الجناية في مسألتنا مضمونة في الابتداء، وكانت نهايتها في
حال يجوز أن تكون النفس مضمونة فيها، سقط حكم ما بينهما من الردة
الحادثة.
* (وقال محمد: لا شيء عليه غير دية اليد)، وجعل الردة بمنزلة
البراءة من الجناية.
والانفصال في ذلك لأبي حنيفة: أنَّ الردة لا تكون بمنزلة البراءة حتى
يموت عليها؛ لأن حكم الردة موقوف على الإسلام والموت، وقد كانت
الجناية مضمونة، فوقف حكم السراية أيضاً على حكم الردة.
مسألة :
قال أبو جعفر: (ولو کان ارتدً، ولَحِقَ بدار الحرب، ثم رجع إلى دار
الإسلام مسلماً، ثم مات من القطع: فلا شيء على القاطع غير دية يده في
قولهم جميعاً).
وذلك لأن لَحَاقه بدار الحرب مرتداً، يقطع حقوقه، ألا ترى أنا نقسم
ماله بين ورثته بعد لَحَاقه، ولا نفعل ذلك قبل اللحاق، فصار كالبراءة من
السراية.

٤٤٢
كتاب القصاص والديات في الجراحات
مسألة :
قال أبو جعفر : (ومَن قَطَعَ يد عبدٍ خطأً، فأعتقه مولاه، ثم مات منها:
فلا شيء على القاطع غير أرش اليد).
وذلك لأن حكم السراية تابع للجناية، ولا يجوز أن ينفرد بحكم
دونها، والدليل عليه: أنَّ مَن قطع يد حربي، ثم أسلم، ثم مات: لم يكن
على القاطع شيء، من قِبَل أنَّ ابتداء الجناية لمّا لم يكن مضموناً، لم يجز
أن تكون سرايتها مضمونة، فقلنا على هذا: إن الجناية كانت مضمونة على
الجاني للمولى، فلما أعتقه لم تخل السراية لو كانت مضمونة من أن تكون
مضمونةً للمولى أو للعبد، ولا يجوز أن تكون مضمونة للمولى؛ لأنه غير
مالك له بعد العتق.
وكما أنه لو ابتدأ الجناية عليه في هذه الحال، لم يستحقّها المولى،
كذلك لا يجوز أن يستحق ضمان السراية.
ولا يجوز أن تكون مضمونة للعبد، لأنا قد بيََّّا أنَّ حكم السراية أن
يكون تابعاً للجناية، فلما لم تكن الجناية مضمونة للعبد، لم يجز أن تكون
سرایتها مضمونة له.
فلما لم يصح ضمانها للمولى، ولا للعبد لما وصفنا، لم يبق هناك
وجه آخر للضمان، فبطل.
ولهذه العلة بعينها قالوا: إذا باعه المولى بعد القطع، سقط حكم
السراية.
وليس قطع اليد في هذا، مثل الرمي في قول أبي حنيفة حين أوجب
عليه بالرمي جميع القيمة وإن أعتقه المولى، ثم وقع به السهم، فمات،
ولم يوجب في القطع إلا أرش اليد: من قِبَل أنّ الرمي سبب يوجب الوقوع

٤٤٣
كتاب القصاص والديات في الجراحات
لا محالة، لاستحالة وجود رمي لا يحصل عنه الوقوع، فمتى حصل
الوقوع في شخص تلفت به نفسه: صار جانياً به يوم الرمي، إذ كان موجبه
من الوقوع متولداً من فعله، لأن ما تولد من رميه من فعله.
وأما القطع فليس بموجب للسراية لا محالة، إذ ليس يمتنع وجود
القطع مع عدم السراية.
مسألة :
قال أبو جعفر: (ولو كان قطع يد العبد عمداً، فأعتقه مولاه، ثم
مات، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: إن كان المولى هو وارثه، لا وارث
له غيره: فله أن يقتل الجاني، وإن كان له وارث غيره يحجبه عن ميراثه،
أو يدخل معه في ميراثه: فلا قصاص على الجاني، وعليه أرش اليد
للمولى، ولا شيء له (١) غيره)(٢).
قال أبو بكر أيده الله: وذلك لأنه لم يكن له وارث غير المولىُ، فإن
الجناية ابتداؤها كان مضموناً للمولى، وكذلك انتهاؤها؛ لأن المولى هو
المستحق في هذه الحال لضمان السراية، فلما كان المستحق لضمان
الجناية والسراية جميعاً هو المولى، كان له القصاص في النفس، كأنه مات
في ملك المولى قبل أن يعتقه.
فإن قال قائل: السبب الذي به استحق الجناية كان الملك، وقد زال،
فينبغي أن يبطل حكم السراية، كما يسقط لو كان وارثه غير المولى.
(١) وفي (ق.ج): ((عليه)).
(٢) تكملة شرح فتح القدير ٢٢٣/١٠.

٤٤٤
كتاب القصاص والديات في الجراحات
قيل له: لا يجب ذلك، من قِبَل أنه لا اعتبار بزوال ملكه، إذ كان هو
المستحق له في الحالين(١)، فلا يجوز أن نبطله، ثم نوجبه له، لأنه لا
يجوز أن يستحق ذلك على نفسه، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن لزوال
ملكه حكم في سقوط حكم الجناية.
* (وقال محمد لا قصاص عليه في الوجهين جميعاً، وعليه أرش اليد
للمولى، ولا شيء عليه (٢) غير ذلك).
وذهب في ذلك إلى أنَّ المولى لم يستحق السراية (٣) بالسبب الذي كان
به يستحق الجناية؛ لأنه استحق ضمان الجناية بدءاً بالملك، وقد زال،
والعبد لم يستحق لنفسه ضمان السراية بعد العتق، فتنتقل منه إلى المولى
بالميراث، فلا يجوز أن يثبت حكم السراية للمولى، إذ لو ثبت ذلك له،
لكان ثبوته من جهة الميراث، والعبد لم يستحق ذلك فيورث عنه، ألا ترى
أنَّ سائر ورثته لا يستحقون ضمان السراية، فكذلك المولى.
مسألة : [لا قصاص في الأعضاء إلا بعد البرء]
قال: (وإذا قطع يدَ رَجُلٍ أو غيرها من الأعضاء: لم يُقتص منه حتى
يبرأ) (٤).
(١) في (ق): ((إذا كان الحق له في الحالين، لأنه لا يجوز أن يستحق ذلك على
نفسه فنبطل حقه، ثم نوجبه له، وإذا كان كذلك)).
(٢) وفي الأصل: ((له)).
(٣) وفي (ق.ج): ((ميراث العبد))، وهكذا إلى آخر قول محمد هناك اختلاف في
الألفاظ بين النسخ، والمثبت من الأصل.
(٤) الهداية مع البناية ١٠ / ١٨٣.

٤٤٥
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وذلك لما روى أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أنّ
النبي عليه الصلاة والسلام: ((نهى أن يستقاد من الجراح حتى تبرأ))(١).
ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة بن یزید
بن ركانة عن النبي عليه الصلاة والسلام(٢)، ويجوز أن يكونا قد روياه.
ولأنه لا يُؤمن أن يؤول إلى النفس، أو إلى موضع يسقط معه
القصاص، فيسقط حكم القطع، ويتعلق حكم الجناية بما يؤول إليه.
مسألة : [القطع من نصف الذراع عمداً]
قال: (ومن قطع يدَ رَجُلٍ من نصف ذراعه عمداً: فلا قصاص عليه
فيه، وعليه دية والحكومة)(٣).
وذلك لأن الذراع عضو غير اليد، فينفرد بحكمه في إيجاب
الحكومة، ألا ترى أنّ القطع في السرقة يتعلق باليد دون الذراع، فقد أتلف
بذلك عضواً، ونقص آخر، فيجب في اليد الدية، وفي بعض الذراع
الحكومة؛ لأنه ليس له أرش مقدّر.
* (وقال أبو يوسف في الإملاء: عليه دية اليد لا غير).
وجعل الذراع تبعاً لليد غير مقدَّر ، كما كانت الكف تابعة للأصابع،
والمعنى فيهما: أنَّ أرش اليد مقدر، وأرش الذراع غير مقدَّر، فتتبعها
(١) السنن الكبرى ٦٦/٨، مصنف ابن أبي شيبة ٣٦٩/٩، المحلى لابن حزم
١٠/ ٣٧٧.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٤٥٢/٩.
(٣) الهداية مع البناية ١٠/ ١٦٣.

٤٤٦
كتاب القصاص والديات في الجراحات
الذراع، كما تبعت الكف الأصابع، إذ كان أرش الأصابع مقدراً، وأرش
الكف غير مقدر.
والانفصال للقول الأول من هذا: أنَّ الذراع عضو على حياله، منفرد
عن اليد، ألا ترى أنها لا تقطع مع اليد في السرقة، وأما الكف فهي من
جملة اليد، غير منفرد عنها بحكم، فكانت تبعاً.
مسألة : [مقدار الدية في قطع الأصابع]
قال : (ولو قطع أصابعَ يدِ رَجُلٍ كلها خطأ، فبرأ منها: فعليه في كل
أصبع منها عُشْر الدية، وفي جميع ذلك نصف الدية على عاقلته، في
السنتين: في السنة الأولى: ثلثان، وفي السنة الثانية: ثلث).
قال أبو بكر: وهذا إذا قطعها قبل البرء من الآخر، فتكون كجناية
واحدة، كأنه قطع يده، فيكون عليه أرشها في سنتين، لما بينا فيما
سلف.
ولو كان قَطَعَ كل أصبع بعد البرء من الأُولى: كان ذلك كله في سنة،
من قِبَل أنّ حكم كل واحدة منفردةٍ بنفسها بها، كأنه لم يقطع غيرها فيما
يتعلق به من التأجیل.
مسألة :
قال: (ولا قصاص في عَظْم ما خلا السن)(١).
وذلك لأن القصاص استيفاء المثل، وذلك غير ممكن في العظم
المكسور؛ لأنه لا يوقف على الموضع بعينه.
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٣٤/١٠.

٤٤٧
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وأما السن فإنما وجب فيها القصاص، لقول الله تعالى: ﴿وَأُلِسِنَّ
بِأَلْسِنِّ﴾(١).
وفي حديث أنس حين كَسَرت الرُّبِّع سنَّ جارية من الأنصار، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((كتابُ الله القصاص))(٢).
ولأنه يمكن استيفاء المثل: إن كان قَلَع جميع السنِّ: قُلعت سِنُّه، وإن
كسر البعض: فإنه يُبْرَد منه بمقداره.
مسألة :
قال: (ولا قصاص في جائفة ولا في آمَّة)(٣).
قال أبو بكر أيَّده الله: الأصل في ذلك كله: أنَّ كل ما لا يوقف على
حدّه إلا من طريق الاجتهاد: لم يجب فيه قصاص، لأن المجتهد يخطىء
ويصيب، والقصاص مما تُسقطه الشبهة، فلا يجوز إثباته إلا مع حصول
اليقين باستيفاء المثل.
قال أبو بكر : وما ذكره أبو جعفر من أروش الشجاج والموضحات
فما فوقها، ففيها كلها نصٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
بعضها في حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه
(١) المائدة: ٤٥.
(٢) صحيح البخاري مع فتح الباري ٣٠٦/٥، ٢٢٣/١٢، أبو داود ٧١٧/٤
ح ٤٥٩٥.
(٣) كتاب الأصل ٤٥٦/٤، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٦/١٠.

٤٤٨
كتاب القصاص والديات في الجراحات
لعَمْرو بن حزم(١)، وبعضها من غير هذا الطريق، وكرهتُ الإطالة بذكر
أسانيدها، ولأنها أخبار مشهورة.
وما دون الموضحة من الشجاج: ففيها حكومة عدل (٢)، ولا تكون
الموضحة إلا في الرأس والوجه، ولا يكون أرشها في سائر البدن إلا
حكومة عَدْل، ولا يكون فيها مثل ما في الوجه والرأس، وذلك لأن اسم
الموضحة في الإطلاق إنما يتناول ما كان منه في الرأس والوجه، وفيها
وردت السنة بإيجاب خَمْسٍ من الإبل(٣).
وما في سائر البدن من الجراحات وإن أوضحت العظم، فإنها لا
تلحق بها من الشَّيْن ما يلحقه بها إذا كانت في الرأس والوجه، فلذلك كان
فيها الحكومة، إذ ليس في مقدار أرشه توقيف.
مسألة: [عدم القصاص بين اليد السليمة والشلاء]
قال أبو جعفر: (ولا قصاص في يدٍ سليمة بيد شلاَء)(٤).
وذلك لما وصفنا من اعتبار المساواة فيما دون النفس.
* قال : (ومَن قطع يمين رَجُلٍ صحيحة، ويمينُ القاطع شلاء:
فالمقطوع بالخيار: إن شاء أخذ يد القاطع الشلاّء، ولا شيء له غيرها،
(١) سبق تخريجه.
(٢) كتاب الأصل ٤ /٤٥٦.
(٣) أبو داود ٤ / ٦٩٥ ح ٤٥٦٦.
(٤) تكملة شرح فتح القدير ١٠/ ٢٣٧.

٤٤٩
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وإن شاء ضمَّن القاطعَ دية يده الصحيحة)(١).
وذلك لأنه لما وجب اعتبار المساواة فيما دون النفس، كان للمقطوع
أن يعدل عن القصاص إلى الدية ليستوفي بدل ما أُخذ منه سواء، إذ لم
يمكنه استيفاء المثل بالقصاص، كرجل اشترى عبداً فاستحق صحة العبد
على البائع، فإن وجده ناقصاً، فلم يمكنه استيفاؤه صحيحاً على حسب ما
اقتضاه العقد: كان له أن يعدل عنه إلى البدل الذي هو الثمن، فيفسخ البيع
ويسترجع الثمن.
* قال : (فإن لم يختر شيئاً من ذلك، حتى ذهبت اليد الشلاء من
السماء، أو قطعها إنسان بغير حق: بَطَلَ حق المقطوع الأول).
وذلك لأن الواجب في الأصل كان القصاص حتى ينقله إلى البدل،
كما أنَّ المشتري إذا وجد العبد معيباً، والذي في ملكه الآن العبد دون
الثمن، فإن هلك العبد، وتعذَّر ردُّه: لم يكن له الرجوع بالثمن، كذلك
ذهاب يده من الوجه الذي ذكرنا يُسقط حق المجنيِّ عليه الأول، إذ لم
یکن قد وجب عليه المال قبل ذلك.
مسألة : [لا قصاص في الشجاج]
قال أبو جعفر: (ولا قصاص في شيءٍ من الشِّجاج غير المُوْضِحة)(٢).
قال أبو بكر أيده الله: قال محمد في الأصل(٣): إن القصاص يجب في
(١) المصدر السابق.
(٢) الهداية مع البناية ١٠/ ١٥٥.
(٣) كتاب الأصل ٤ / ٤٥٦.

٤٥٠
كتاب القصاص والديات في الجراحات
المُوضحة والسِّمحاق والباضعة والدامية.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: لا قصاص في الشجاج
إلا في الموضحة والسمحاق إن أمكن القصاص في السمحاق.
قال أبو بكر : وجملة القول فيها: إن أمكن استيفاء القصاص فيه، بأن
يجرح مثل جراحته سواء، حتى يبلغ الحد الذي بلغت جراحة الجاني:
اُقْتُصَّ منه، وما تعذّر فیه ذلك: لم يُقتص منه.
وإذا كان كذلك، فالصحيح ما روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن
الباضعة والدامية لا يمكن استيفاء القصاص فيها إلا اجتهاداً.
وقد اتفقوا في الآمّة والجائفة والمتلاحمة، أنه لا قصاص فيها، إذ لا
يوصل إلى استيفاء المثل إلا اجتهاداً.
وأما السمحاق، فإنها هي التي بينها وبين العظم جلدة رقيقة، فإن
أمكن بلوغ ذلك الموضع بالقصاص ، لا يُتعدى إلى غيرها: ففيها
القصاص، کالموضحة نفسها.
* قال: (واختلف أبو يوسف ومحمد في المتلاحمة: فقال محمد:
هي التي يلتحم فيها الدم، وبالتحامه فيها سُمِّيت متلاحمة).
قال: (وقال أبو يوسف في الإملاء: إنها هي التي تشق الجلد، ولا
تأخذ من اللحم شيئاً).
قال أبو بكر : هذا ما ذكره أبو جعفر من وصف قولهما، وقد روي
عن أبي يوسف أنّ المتلاحمة دون السمحاق، وفوق الباضعة (١).
(١) الهداية مع البناية ١٠/ ١٥٤.

٤٥١
كتاب القصاص والديات في الجراحات
قال أبو بكر: وهذا اختلاف في العبارة، ولم يختلفوا أنّ الجراحة كلما
كانت أعظم، فحكومتها فيها أكثر.
مسألة : [تعريف الحكومة]
قال أبو جعفر: (والحكومة في كل ما ذكرنا: أن يُقوَّم المجنيُّ عليه
حين وقعت به الجناية لو كان عبداً، ثم يُقوَّم لو كان عبداً ليس به الجناية،
فُيُنظَر: كم بينهما من القيمة؟ فيكون عليه ما يقابله من الدية).
قال أبو بكر : وقد حكى ذلك عن أصحابنا ، وكان أبو الحسن
رحمه الله يأبى هذا الاعتبار في الجنايات على الأحرار، ويقول: إن الاعتبار
فيها: أن يُقرَّب إلى أدنى الشجاج التي فيها أرش معلوم، فينظر كم مقدارها
منها في قلة الجراحة أو كثرتها؟ فيوجب من الأرش بمقداره من أرش
الجراحة المقدَّرة.
مسألة : [حضور أولياء القتيل القصاص]
قال: (ولا يُقتص من القاتل إلا بحضرة جميع أولياء القتيل إذا كانوا
كباراً)(١).
وذلك لأن الغائب لا يولَّى عليه لأجل غيبته، ولا يجوز للحضور
استيفاء حقه، ولا يمكنهم استيفاء حقوقهم دون حضور الغائب، فلذلك
لم يُقتص حتى يحضروا جميعاً.
[مسألة : ]
قال : (فإن قُتِل رجل له وليان: كبير وصغير، فللكبير أن يقتص قبل أن
(١) كتاب الأصل ٥٤٣/٤.

٤٥٢
كتاب القصاص والديات في الجراحات
يكبر الصغير في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يُقتص حتى يكبر الصغير فيقتصا
جميعاً)(١).
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الحسن بن علي رضي الله عنهما اقتَصَّ من
ابن مُلجِمٍ (٢) قاتلٍ علي رضي الله عنه، وله ورثة صغار غيره، وذلك
بحضرة الصحابة من غير نكيرٍ من أحدٍ منهم عليه، فصار إجماعاً من
السلف.
فإن قال قائل: إنما اقتَصَّ؛ لأنه كان إماماً، أو لأنه كان وصيَّ علي
رضي الله عنهما.
قيل له: عند مخالفنا: إن الإمام والوصي لا يقتص للصغير في النفس،
فعلم أنه لم يقتص من حيث هو إمام، وإنما اقتص من جهة أنّ الصغير
(١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٢٧/١٠.
(٢) هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، الحميري، أدرك الجاهلية، وهاجر في
خلافة عمر، وقرأ على معاذ بن جبل، ثم شهد فتح مصر وسكنها، وكان من شيعة
علي بن أبي طالب، وشهد معه صفين، ثم خرج عليه فاتفق مع البُرَك بن عبد الله
التميمي، وعمرو بن بكير التميمي على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص في
ليلة واحدة، سبعة عشر رمضان، وتعهد ابنُ ملجم بقتل علي، فقصد الكوفة،
واستعان برجل يُدعى شبيباً الأشجعي، فلما كانت ليلة سبعة عشر رمضان كَمَن خلف
الباب الذي يخرج منه علي لصلاة الفجر، فلما خرج ضربه شبيب فأخطأه، فضربه ابن
ملجم فأصاب مقدم رأسه، وتوفي علي رضي الله عنه من أثر الجرح، وبعد دَفْن علي
بن أبي طالب رضي الله عنه بعث الحسن بن علي إلى عبد الرحمن بن ملجم فأخرجه
من السجن وقتله. انظر طبقات ابن سعد ٣٦/٣، الأعلام ٣٩/٣.

٤٥٣
كتاب القصاص والديات في الجراحات
ممن يولَّى عليه، والنفس لا تتبعض في الإتلاف.
وأيضاً من جهة النظر: إن الصغير لما كان ممن يولَّى عليه، وكانت
النفس لا تتبعَّض في الإطلاق، صار الكبير مستحِقاً للقصاص من حيث لم
يتبعَّض القصاص، وكان الصغير ممن يولَّى عليه، فصار ولياً عليه في
استيفاء القصاص، ألا ترى أنَّ النكاح لما لم يتبعَّض، كان لأحد الوليين
تزويج الصغير بحق الولاية، ولأن هذا مما لا يتبعَّض، وليس كذلك الكبير
الغائب، لأن الغائب لا تُستحق الولاية عليه لغيبته، والصغير تُستحق عليه
الولاية لصغره.
مسألة : [عفو بعض الورثة عن القصاص]
قال: (ومَن عفا من ورثة المقتول عن القصاص، من رجل أو امرأة:
بَطَلَ القصاص، وكان للآخرين حصتهم من الدية)(١).
وذلك لأن الدم موروثٌ عن الميت كسائر ماله، والدليل عليه قول الله
تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾(٢)، والدم مما تَرَكَ الميتُ؛
لأن الميت قد يترك ما هو مال، ويترك أيضاً حقاً ليس بمال.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ،
سُلْطَانًا﴾(٣)، والمرأة ليست بولي، فلا ترث الدم.
(١) المبسوط ١٥٨/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٤٠/١٠.
(٢) النساء: ١٢.
(٣) الإسراء: ٣٣.

٤٥٤
كتاب القصاص والديات في الجراحات
قيل له: بل هي ولي للدم ولغيره، قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضِ﴾(١)، ولم يفرِّق بين الرجال والنساء، ألا ترى أنه لو قُتِلَ عبدُ
لها: كان لها أن تقتل القاتل، ولو قطعت امرأةٌ يدَها: كان لها أن تقتص،
فعلمنا أنَّ الولاية في القصاص لا يختص بها الذكور دون الإناث.
ءِ
فإذا كان لها نصيبٌ من الدم: جاز عفوها، وسقط القصاص، لتعذّر
استيفائه للباقين، إذ لا يمكنهم استيفاؤه في بعض النفس، وانتقل حقهم
إلى الدية، كالعمد إذا دخلت فيه شبهة، فتجب الدية.
وهو معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
وَأَدَاءُإِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾(٢)، يعني والله أعلم: إن عفا بعضُ أولياء الدم.
وقد رُوي فيه حدیث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدثنا
عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن يسار الخياط قال: حدثنا داود
بن أبي سيد قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي أنَّ حصيناً حدَّته أنه سمع أبا
سلمة بن عبد الرحمن يخبر عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول، وإن كانت امرأة))(٣).
قال الوليد: وتفسير هذا: أنَّ لكل ذي سهم عفواً.
(١) الأنفال: ٧٥.
(٢) البقرة: ١٧٨.
(٣) السنن الكبرى ٥٩/٨.

٤٥٥
كتاب القصاص والديات في الجراحات
مسألة : [حكم السراية في الجنايات بعد العفو]
قال: (ومن قطع يد رَجُلٍ عمداً، فعَفَا له عن اليد، ثم مات منها:
فعليه الدية في قول أبي حنيفة)(١).
لأنا قد بيَّنَّا أنه قد عفا عما ليس بحقه؛ لأن حكم الجناية يتعلق بما
تؤول إليه، فإذا آلت إلى النفس، علمنا أنَّ حقه كان النفس، فعفا هو عن
غير حقه.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: لما عفا عن اليد: سقط ضمان اليد، فلم
يضمن السراية).
ألا ترى أنه لو أمره بقطع يده ابتداء، فقطعها: لم يضمن ما تولد عنها
من السراية؛ لأن اليد لم تكن مضمونة، فكذلك ما تولد منها.
ولأبي حنيفة: أنه إذا أمره بقطعها ابتداء: لم تكن اليد مضمونة قط،
فلم يضمن السراية، كمن قطع يد حربي أو مرتدٍّ، وفي مسألتنا قد كانت
اليد مضمونة، ثم اختلفا في سقوط الضمان بعفوه عن اليد، فلم يسقط
الضمان، لأنه عفا عن غير حقه، فلم يسقط ضمان السراية، وكان القياس
أن يجب القصاص في النفس، إلا أنه أسقطه للشبهة، وأوجب الدية.
مسألة : [حكم العفو عن الجناية وما يحدث منها]
قال: (ولو عفا عن اليد وما يحدث منها، أو عن الجناية، ثم مات
المقطوع: لم يكن على القاطع شيء في قولهم جميعاً)(٢).
(١) الأصل ٥٢٠/٤، المبسوط ١٥٤/٢٦، الهداية مع فتح القدير ٢٥١/١٠.
(٢) المصادر السابقة.

٤٥٦
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وذلك لأنه قد أبرأ من النفس، وتصح براءته، لوجود سبب الإتلاف،
كما يجوز تعجيل الزكاة لوجود سبب الإيجاب، وهو النصاب، وكما جاز
تعجيل الأجرة لوجود العقد الذي هو سبب لاستحقاقها عند استيفاء
المنافع.
وإنما كان عفوه عن الجناية عفواً عن النفس، من قِبَل أنَّ الجناية اسم
لليد ولما يحدث منها بالقطع، فإذا مات منه: كانت الجناية هي النفس،
فصحت البراءة منها.
مسألة : [الصلح في الجنايات]
قال: (وإذا صالحه عن قطع اليد عمداً وما يحدث منها، على قليل أو
كثير: جاز وإن كان صاحبَ فراش، فإذا مات أو برىء: فالصلح ماضٍ؛
لأن الدم ليس بمال)(١).
والدليل عليه: أنه يُستوفىُ من رقبة الحرِّ، وليست بمال.
ويدل عليه أيضاً: أنَّ الموصى له لا يثبت له فيه حق، ولا يثبت فيه
حق الغرماء(٢).
ولو كان مالاً، لثبت حق هؤلاء فيه، وإذا لم يكن مالاً، فأخرجه:
جازت براءته في المرض من جميع المال، ألا ترى أنَّ البُضْعِ لما لم يكن
مالاً، فأخرجه عن ملكه بالطلاق في المرض، لم يتقوَّم عليها، وكان من
جميع المال، فجازت براءته، وإذا صح أنه ليس بمال: جاز ما أُخذ عنه
(١) المبسوط ١٥٤/٢٦.
(٢) بدائع الصنائع ١٠ /٤٦٤٠.

٤٥٧
كتاب القصاص والديات في الجراحات
من بدل قليل أو كثير، كما جاز له إسقاطه بغير بدل.
مسألة : [موت المقتَصِّ منه بقطع يد بعد إيفاء القصاص]
قال: (ومَن قطع يد رَجُلِ عمداً، فاقتَص له منه الإمام، ثم مات
المقتَصُّ منه من القصاص، فإن أبا حنيفة قال: دية نفس المقتَصِّ منه على
المقتَصِّ له.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه)(١).
قال أبو بكر أيده الله: قد روي فيه حديثٌ عن النبي صلى الله عليه
وسلم، رواه أبو زرعة(٢) في كتابه عن إبراهيم بن موسى الرازي قال:
حدثنا أبو ثور عن معمر عن عمرو بن شعيب يرفع الحديث إلى النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((مَن استقاد من آخر، ثم مات المستقاد منه، غَرِمِ
المستقاد ديته))(٣).
فإن ثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم سَقَطَ معه قول
(١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٥٩/١٠، بدائع الصنائع ٤٧٧٩/١٠.
(٢) أبو زرعة: هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد المخزومي مولى عياش بن
مطرف، أبو زرعة الرازي أحد الأئمة الحفاظ، روى عن أبي عاصم وأبي نعيم
وغيرهم، روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وله مؤلفات كثيرة
توفي سنة ٢٦٤ هـ انظر تهذيب التهذيب ٣٠/٧. انظر كتاب أبو زرعة الرازي وجهوده
في السنة مع تحقيق كتابه الضعفاء للدكتور سعدي الهاشمي.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٤٥٦/٩، مصنف ابن أبي شيبة ٣٣٩/٩، مجمع الزوائد
٢٩٥/٦، وقال: رواه الطبراني، وإسناده منقطع، وفيه أبو معشر، وهو ضعيف، وهو
قول ابن مسعود لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ. ولم أعثر على هذا الأثر
بهذا السند.

٤٥٨
كتاب القصاص والديات في الجراحات
کل قائل.
وأيضاً لأبي حنيفة: أنَّ الجنايات معتبرة بما يؤول إليه، ويسقط معها
حكم الابتداء، ألا ترى أنه لو قطع يده من نصف الساعد، فمات: كان
عليه القصاص في النفس، وصار قاتلاً، وبطل حكم الجراحة، فلما تناول
المقتَصُّ له اليد على أنها حقه، ثم سرت إلى النفس: علمنا أنه تناول غير
حقه، فلزمه ضمانه.
ولا يشبه هذا الرجل يأذن للرجل في قطع يده، فيقطعها، ثم يموت
المقطوع، فلا ضمان على القاطع؛ لأن هذه الجناية لما كانت بأمره، كان
كأنه هو الفاعل لها، فلا يتعلق ضمان سرايتها على القاطع.
ولا يشبه أيضاً القطع في السرقة؛ لأن القطع هناك يقع للسارق، ولأنه
رَدْعٌ له، وزَجْرٌ عن العود إلى مثله بقوله تعالى: ﴿جَزَاءُ بِمَا كَسَبَا﴾(١)،
فأشبه الإذن في قطع الید.
فإن قيل: فهل يختلف عندكم حكم ضمان النفس في إذن المقتَصِّ منه
في القطع، أو عدم إذنه.
قيل له: لا يختلف؛ لأنه لم يستحق القصاص من جهة إذنه، ووجود
إذنه وعدمه فيه سواء.
و کذلك کان یحکي أبو الحسن رحمه الله.
ودليل آخر: وهو أنَّ المقتَصَّ له، أَخَذَ اليد على وجه البدل عن یده،
وفي الأصول: أنَّ الأشياء المأخوذة على وجه الأبدال، تكون مضمونة
(١) المائدة: ٣٨.

٤٥٩
كتاب القصاص والديات في الجراحات
على آخذيها، كالمقبوض على وجه البيع والقرض ونحوهما.
وإذا كانت اليد مضمونة على المقتص له، وجب أن يضمن ما تولَّد
منها من السراية، كما أنّ قاطع يد غيره بغير حق، لما أخذها مضمونة:
ضمن ما سرى إليه القطع.
وأيضاً: فكل ما تناولها، وجب أن يكون ما سرت إليه اليد مضموناً،
ألا ترى أنَّ مَن ضرب امرأته للتأديب، كان ما تولد منه مضموناً عليه وإن
كان الضرب مباحاً؛ لأنه تناول ذلك لنفسه(١).
ووجه قولهما: أنه قطعها، وله القطع، فلا يضمن ما تولد منه، إذ لم
یکن متعدياً فيه.
مسألة :
قال: (ومَن قتل رَجُلاً عمداً، وللمقتول ولي، فقَطَعَ الوليُّ يدَ القاتل،
ثم عفا عنه: فعلى الوليُّ دية يده في ماله في قول أبي حنيفة)(٢).
وذلك لأنه قد استوفى حقه بالعفو؛ لأن حقه كان النفس لا غير،
فحصلت اليد مقطوعة بغير حق، ولها قيمة مع العفو، فإذا أتلف مالَه قيمة
من جهة التعدي: ضمن.
وأما إذا قطع اليد، ثم قتله: فلا شيء عليه؛ لأن اليد لا قيمة لها مع
إتلاف النفس بالقصاص، فإذا أتلف ما لا قيمة له: لم يضمن، وإن تعدى
فيه، ألا ترى أنه لو قطع يد مرتد: كان مسيئاً، ولا يضمنها مع ذلك.
(١) بدائع الصنائع ٤٧٧٩/١٠.
(٢) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٥٨/١٠.

٤٦٠
كتاب القصاص والديات في الجراحات
(وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه).
لأنه قد كان مستحقاً لإتلاف النفس، فتتلف به اليد، فلما استحق إتلاف
اليد بوجه، لم يضمنها، وصار كمن أخذ بعض حقه، وعفا عن الباقي.
ولأبي حنيفة: أنَّ إتلاف اليد ليس بحقِّ له بوجه، وله قيمة مع العفو،
فيضمنها.
ومعنى آخر لأبي حنيفة: وهو أنه لا يخلو من أن يكون عافياً عن بعض
حقه، أو عن جميعه، فإن كان عافياً عن جميعه: صارت اليد مضمونة،
لأنه أخذها مع سقوط حقه، وإن كان عافياً عن بعض حقه: فالعفو عن
بعض الدم عفوٌ عن الجميع، فتحصُل اليد مضمونة أيضاً.