Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب القصاص والديات في الجراحات نعلمه مسلماً، ومع ذلك تجب الكفارة(١)، فعلمنا أنَّ وجوب الكفارة لا يتعلق بالأمر والنهي. فإن قيل: لما وجبت على المخطئ، مع عدم المأثم، فالعامد أَوْلى بها، مع اكتسابه المأثم بالقتل. قيل له: هذا الذي ذكرتَ بعينه، يمنع قياسها على المخطى؛ لأنا قد بينًا أنَّ موضوعها لا لمأثم، إذ لا مأثم على المخطىء، فلو أوجبناها على العامد قياساً على المخطىء، لوجب أن يكون وجوبها متعلقاً بالمأثم، وليس ذلك موضوعها في الأصل. وعلىُ أنَّ سجود السهو وجب في الأصل على الساهي، ولم يجب على العامد وإن كان أغلظ من السهو فيما يتعلق به من الإساءة. وعلى أنَّ قياسهم لو ساغ في إثبات الكفارة، أو سلمناه لهم: كان معارضاً بقياس مثله في نفيها، وهو اتفاق الجميع على أنَّ مَن قتل رجلاً قوداً: لم يكن عليه كفارة، والمعنى فيه: أنه قتله غير مخطىء في قتله، فكل مَن باشر قتلاً هو غير مخطىء فيه، فلا كفارة عليه. ويُستدل على المسألة من جهة العموم: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه))(٢)، فلا يجوز إثبات الكفارة في ماله إلا بطيبةٍ من نفسه بحق العموم. (١) الهداية مع تكملة فتح القدير ٢٣١/١٠. (٢) سبق تخريجه. ٤٠٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات فصل : [قتل الخطأ] قال أبو جعفر (١): (وأما الخطأ(٢) فهو ما أصابه فقَتَله مما لم يُرِده، وإنما أراد غيرَه، ففي ذلك الدية على العاقلة في ثلاث سنين). قال أبو بكر: الخطأ ضربان: أحدهما ما قال، والآخر: أن يقصده بعينه بالضرب والقتل، إلا أنه يظنه ممن يجوز له قتله، كالذي يرمي رجلاً في صفّ الكفار يظنه كافراً، فإذا هو مسلم، فهذا أيضاً خطأ(٣). وقد روي ((أنَّ المسلمين قتلوا يوم أُحُد أبا حذيفة بن اليمان ظنوه مشركاً، فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيه الدية))(٤). ونظيره: ما ذكره أبو جعفر: أن يرميَ صيداً أو كافراً، فيصيبَ مسلماً، (١) مختصر الطحاوي ص ٢٣٢. (٢) قتل الخطأ: هو الذي لا يقصد به القتل أو الضرب، وهو نوعان: ١- خطأ في القصد أو ظن الفاعل، وهو أن يرمي شخصاً يظنه صيداً، فإذا هو إنسان، أو يظنه حربياً فإذا هو مسلم، أي أنَّ الخطأ راجع إلى فعل القلب، وهو القصد. ٢- خطأ في الفعل نفسه، وهو أن يرمي غرضاً، أو صيداً، فيصيب آدمياً، أو يقصد رجلاً، فيصيب غيره، أي أنَّ الخطأ راجع إلى أداة الرمي. انظر بدائع الصنائع ١٠/ ٤٦١٧، رد المختار ٥٣٠/٦. (٣) انظر التفصيل في أحكام القرآن ٢٢٣/٢. (٤) فتح الباري ٣٦١/٧، ٥٤٩/١١، ٢١١/١٢، نصب الراية ٣٤٤/٤، سير أعلام النبلاء ٣٦١/٢. ٤٠٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات فهذا أيضاً خطأ، والدية فيه على العاقلة(١)، لما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية على العاقلة(٢). وهي عليهم في ثلاث سنين، لما بيَّنَّاه فيما سلف، وهو ما روي في ذلك عن عمر بحضرة الصحابة، من غير نكيرٍ من أحدٍ منهم عليه، ولا ظهور خلاف منهم إياه (٣). فصل : [دية الخطأ] (ودية الخطأ أخماساً: عشرون ابن مخاض، وعشرون ابنة مخاض(٤)، وعشرون ابنة لبون(٥)، وعشرون حِقة(٦)، وعشرون جَذَعة)(٧). قال أبو بكر: هي أسنان الإبل في الصدقات، وزادت سن، وهو ابن مخاض، وهذا قول أصحابنا جميعاً (٨)، وهو قول عمر بن الخطاب، (١) بدائع الصنائع ٤٦٦٥/١٠. (٢) سبق تخريجه. (٣) أحكام القرآن ٢٢٥/٢، مصنف عبد الرزاق ٤٢١/٩، التلخيص الحبير ٣٦١/٤. (٤) ابن مخاض أو ابنة مخاض: وهي من الإبل ما كانت في الثانية. مختار الصحاح (مادة مخاض). (٥) ابنة لبون: وهي من الإبل ما كانت في الثالثة، مختار الصحاح مادة ((لبن)). (٦) حِقَّة: ما كانت من الإبل ابنة ثلاث سنين، وقد دخلت في الرابعة، المصدر السابق مادة «حقق)). (٧) جَذَعة: وهي من الإبل ما كانت في السنة الخامسة. المصدر السابق مادة ((جذع)). (٨) كتاب الأصل ٤٤٤/٤، أحكام القرآن ٢٣٣/٢، تكملة شرح فتح القدير = ٤٠٤ كتاب القصاص والديات في الجراحات وعبد الله بن مسعود(١). وروى عاصم بن ضمرة وإبراهيم عن علي في دية الخطأ أرباعاً(٢): خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، أربعة أسنان مثل أسنان الزكاة. وروي عن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت(٣) في الخطأ: ثلاثون جذعة، وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنت مخاض. وروي عنهما مكان الجذع الحقاق (٤). فأما الحجة لقول أصحابنا: فهي ما رواه الحجّاج بن أرطاة عن زيد(٥) بن جبير عن خشف بن مالك الطائي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((في دية الخطأ: عشرون حِقة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بنات مَخَاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو مخاض ذكوراً)) (٦). ١٠ / ٢٧٤. (١) مصنف ابن أبي شيبة ٩ / ١٣٤. (٢) أبو داود ٦٨٦/٤ ح٤٥٥٣، مصنف ابن أبي شيبة ١٣٤/٩، مصنف عبد الرزاق ٢٨٨/٩. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٥. (٤) أبو داود ٤ /٦٨٦ ح٤٥٥٤. (٥) وفي الأصل: يزيد بن جبير، والمثبت من (ق.ج). (٦) أبو داود ٦٨٦/٤ ح٤٥٤٥، سنن الترمذي ١٠/٤ ح ١٣٨٦، مصنف ابن أبي شيبة ١٣٣/٩، نصب الراية ٣٥٧/٤. ٤٠٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات وقال بعض مَن وافق أصحابنا(١) في الأخماس، عشرون ابن لبون مكان بني مخاض، وهذا الحديث قد نص على بني مخاض، وأبان عن خطأ قوله. وأيضاً: في حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده في الكتاب الذي كَتَبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبَعَثَ به مع عمرو بن حزم إلى اليمن ((أنَّ في النفس مائة من الإبل))(٢). وعمومه يقتضي أدنى(٣) ما يقع عليه الاسم، فلما اتفق الجميع على أنّ ما دون الأخماس على الوجه الذي ذكرناه لا يؤخذ(٤) في الدية، ثبت هذا القدر من الأسنان، وما فوقها لم نثبته إلا بدليل، وفي إيجاب ابن لبون مکان بني مخاض، زيادة سن، فلا نثبتها إلا بدليل. وأيضاً: فابن لبون مساوٍ لابنة مخاض، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فإن لم تجد بنت مخاض فابن لبون))(٥). ذُكِرَ في الصدقة، فيصير في معنى إيجاب أربعين بنت مخاض، وهذا(٢) فاسد بالاتفاق. فإن قيل: ابن اللبون له أصل في الوجوب في الزكاة، ولا يؤخذ ابن (١) ومنهم الحنابلة. انظر المغني والشرح الكبير ٤٩٥/٩. (٢) سنن النسائي ٥١/٨، تلخيص الحبير ١٧/٤. (٣) وفي (ق.ج): ((كل)). (٤) وفي (ق.ج): ((لا يجب)). (٥) سنن أبي داود ٢١٤/٢ ح ١٥٦٧. (٦) وفي (ق.ج) ((وهو خلاف)). ٤٠٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات مخاض فيها، فكان ابن اللبون أولى. قيل له: إنما يؤخذ ابن اللبون على وجه البدل، فهو بمنزلة الشاتين لمَّا أخذنا على وجه البدل في الزكاة، لم نوجب في الدية. وأيضاً: لما كانت دية الخطأ في الأصل موضوعة على التخفيف، فجعلت في ثلاث سنين، وعلى العاقلة(١)، وأُلزم كل واحد ثلاثة دراهم أو أربعة، كانت أخف من الزكاة، لأنها تلزم وقت الوجوب، فلما كان في الزكاة أربعة أسنان، وجب تخفيف دية الخطأ عنها، فيزاد فيها سن آخر تخفيفاً. فصل : [مقدار الدية من الفضة] قال أبو جعفر : (ومن الوَرِق: عشرة آلاف درهم، ومن الذهب: ألف دينار ، ولا يؤخذ في الدية شيء غير هذه الأصناف الثلاثة)(٢). فأما الحجة في أنها من الدراهم عشرة آلاف درهم: فهي ما روى الشعبي عن عَبِيدة السلماني ((أنَّ عمر بن الخطاب جَعَلَ الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق عشرة آلاف درهم)»(٣). وذلك بمحضرٍ من الصحابة، فصار ذلك أصلاً كسائر العقود التي عَقَدَها على كافة الأمة، وقد بيَّنَّاها فيما تقدم. (١) انظر المغني والشرح الكبير ٤٩٥/٩. (٢) كتاب الأصل ٤٥٢/٤، وهو قول أبي حنيفة فقط. ينظر التفصيل في أحكام القرآن ٢٣٧/٢، المبسوط ٧٥/٢٦. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧/٩، مصنف عبد الرزاق ٢٩٢/٩، كتاب الأصل ٤٥١/٤، نصب الراية ٤ / ٣٦٢. ٤٠٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات وأيضاً: كما ثبت تقديره للدنانير، ولم تجز الزيادة عليها بالاتفاق، كذلك الدراهم. فإن قيل: في هذا الحديث أنه جعل على أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة الشاة، وعلى أهل الحُلَلِ الحُلَلُ(١). وأبو حنيفة لا يرى أَخْذَ شيء من ذلك في الديات إلا بالتراضي، ولم يكن محجوجاً بقضية عمر، كذلك الزيادة على عشرة آلاف. قيل له: لأن تقديره الدية من الدراهم على جهة تقويم الإبل، كتقديرها من الدنانير، إذ هما أثمان الأشياء، وبهما تُقوَّم المستهلكات. وأما الشاة والبقر والحُلَل، فغير جائز أن يكون على جهة التقدير لقيمة الإبل؛ لأن هذه الأصناف لا تُقوَّم بها المستهلكات، فدل على أنه أَخَذَها برضا العاقلة عن الدراهم والدنانير، كمن له على آخر دراهم فيأخذ عنها عروضاً. فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه جعل الدية اثني عشر ألفاً (٢). قيل له: لم يبين في الخبر من أي الأوزان أوجبها: اثني عشر ألفاً ، وتصحيح الخبر يوجب أن يكون اثني عشر ألفاً وزن ستة، فيكون عشرة آلاف وزن سبعة، لأن (٣) الدراهم كانت مختلفة، بعضها: وزن ستة، (١) المصادر السابقة، والحُلَل: جمع: حُلَّة، وهي إزار ورداء، ولا تُسمى حُلّة حتى تكون ثوبين. ينظر مختار الصحاح (حلّ)، والمراد: وعلى أهل عروض التجارة من الألبسة والحُلَل الزكاة منها. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧/٩، نصب الراية ٣٦٢/٤. (٣) وفي (ق.ج): ((وذلك لأن أوراقهم)). ٤٠٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات وبعضها: وزن سبعة(١). وأيضاً: لما اتفقوا على أنها من الذهب ألف دينار، ثم اختلفوا في تقويم ذلك، كانت العشرة آلاف أوْلى بأن تكون هي القيمة، لأن قيمة الدينار حينئذ كانت عشرة، والدليل على ذلك: أنَّ كل دينار عِدْله عشرة دراهم في الزكاة. وعن علي رضي الله عنه: ((لا قطع في أقل من دينار، أو عشرة (٢) دراهم)) (٢). وعن علي أيضاً: في خطبته حين قال لأصحابه: ((وددت أنَّ لي بكل عشرة منكم رجلاً من بني فِراس بن غَنْم، وصرف الدينار بالدراهم، فجعل العشرة بأداء الدينار(٣). و((ضرب عمر رضي الله عنه الجزية علىُ مَن بلغ الحُلُمَ أربعين درهماً، أو أربعة دنانير))(٤). فثبت بذلك أنَّ قيمة الدينار كانت يومئذٍ عشرة دراهم. وقد اتفق الجميع على أنه لا يجوز أن يُتَعدَّى بالدية القيمة التي كانت في الصدر الأول من أجل زيادة قيمة الإبل، فثبتت العشرة آلاف على ما (١) نصب الراية ٣٦٢/٤. (٢) مصنف عبد الرزاق ١٠/ ٢٣٣. (٣) نقل قريباً من هذا النص الزركلي في الأعلام ٣٣٩/٥، وعزاه لمعجم ما استعجم ص٣٩٩ وغيره، وقال في ترجمته هو: فراس بن غَنْم بن ثعلبة من كنانة جدّ جاهلي عُرِف بنوه بالشجاعة. ينظر الأعلام ٣٩/٥. (٤) كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٥٥، السنن الكبرى ١٩٥/٩. ٤٠٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات قلنا، ولم تثبت الزيادة. وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنَّ الدية كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة بعير، كل بعير أوقية، فذلك أربعة آلاف، فلما كان زمن عمر غَلَت الإبل، ورخص الوَرِق، فجعل عمر أوقية ونصفاً، ثم غلت الإبل، فجعل عمر أوقيتين، ثم لم تزل تغلو ويرخص الوَرِق، حتى جعلها عمر اثني عشر ألفاً، ومن العين ألف دينار(١). فدل ذلك على أنَّ الوَرِق قيمة الإبل، واتفق الجميع على أنَّ تقويمها غير جائز الآن، وأن الدية قد استقرت من الدراهم والدنانير على مقدار معلوم، لا تجوز الزيادة فيه ولا النقصان ، فلما روي عن عمر المقداران جميعاً، وجب التوفيق بينهما، فقلنا: اثنا عشر ألفاً وزن ستة. وأيضاً: لو اختلف الخبران، وتعذر الجمع بينهما، لكان الواجب إثبات ما اتفقوا عليه، وإسقاط ما اختلفوا فيه، فثبت العشرة آلاف، ويسقط ما عداها. وقد روى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ((أنَّ رجلاً قُتِل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفاً))(٢). وهذا حديث واهي السند، لأن محمد بن مسلم الطائفي ضعيف (١) مصنف عبد الرزاق ٢٩١/٩. (٢) أبو داود ٦٨١/٤ ح٤٥٤٦، سنن الترمذي ١٢/٤ ح١٣٨٨ وقال الترمذي: لا نعلم أحداً يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم. ٤١٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات جداً (١)، وقد روى هذا الحديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة ولم يذكر فيه ابن عباس(٢). وعلى أنه لو صح، لم يكن فيه بيان موضع الخلاف، لأنه لم يبين من أي الأوزان كانت، وجائز أن تكون كانت وزن ستة على ما قدمنا. فصل : ولم يجعل أبو حنيفة الدية في شيء من غير هذه الأصناف(٣)، وذلك لأن سبيل إثباتها التوقيف، لاتفاق الفقهاء على أنه لا يجوز إثباتها من سائر العروض والحيوان، ولا توقيف معنا فيما عدا ما وصفنا، ولا اتفاق، فلم نثبته. وأيضاً: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدية مائة من الإبل)) (٤)، ثم نُقِلت عن الإبل إلى غيرها على وجه التقويم، وكان التقويم إنما يقع في الأصول بالدراهم والدنانير، دون ما عداها، وجب أن تكون الدية مقصورة عليها دون غيرها(٥). (١) محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي روى عن إبراهيم بن ميسرة وعمرو بن دينار وابن جريج وغيرهم، وعنه ابن المبارك، قال ابن معين: ثقة لا بأس به، قال الميموني: ضعفه أحمد على كل حال من كتاب أو غير كتاب، انظر تهذيب التهذيب ٩ / ٠٤٤٤ (٢) انظر سنن الترمذي المصدر السابق. (٣) كتاب الأصل ٤٥٢/٤. (٤) أبو داود ٦٧٧/٤ ح ٤٥٤١، سنن الترمذي ١٠/٤، سنن ابن ماجه ٨٧٨/٢. (٥) وفي (ق.ج): ((دون ما عداهما)). ٤١١ كتاب القصاص والديات في الجراحات فإن قيل: إذا لم يكن طريقه الاجتهاد، ثم روي عن عمر أنه جعلها من الحُلَل والشاة والبقر، فهلا ذلك هذا، على أنه قاله توقيفاً، إذ لا يظن به أنه قاله تظنناً وتخميناً. قيل له: لو لم يكن فيه وجه غير ما ذكرت، للزم ما قلتَ، إلا أنه لا يمنع أن يكون فعل ذلك تخفيفاً على مَن لزمه ذلك(١)، لأن تلك كانت من أموال مَن أوجبها عليهم، فتراضى الجميع به. كما روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً أن يأخذ من كل حالِمٍ ديناراً، أو عِدْله معافِرَ في الجزية))(٢). وكما قال معاذ لأهل اليمن: ((ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير، فإنه أيسر عليكم، وخير لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار))(٣). لا على معنى أنَّ ذلك هو الواجب عليهم شاؤوا أو أبَوْا، لكنه أخذه على معنى تحرّي المصلحة للفريقين، فكذلك فَعَلَ عمر في ذلك، فلما احتمل ما وصفناه: لم يجز أن نثبته توقيفاً. * وقال أبو يوسف ومحمد: الدية من الشاة ألفا شاة مسنّة قُنْية (٤)، (١) وفي (ق.ج): ((عن أرباب الأموال)). (٢) أبو داود ٢٣٥/٢ ح١٥٧٦، سنن الترمذي ٢٠/٣ وقال: هذا حديث حسن، والمعافر: ثياب يمنية. (٣) صحيح البخاري ١٢٢/٢. (٤) أي خالصة له ثابتة عليه. ينظر مختصر الطحاوي المطبوع ص٢٣٢، وتعليقات الشيخ أبو الوفا الأفغاني رحمه الله. ٤١٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات ومن البقر مائتا بقرة، ومن الحُلَل مائتا حُلَّة ، ومن الأصناف الثلاثة على ما قال أبو حنيفة، وذهبا فيه إلى ما روي عن عمر بن الخطاب في ذلك، من غير خلافٍ من أحد من الصحابة. فصل : [كفارة قتل الخطأ] قال أبو جعفر (١): (والكفارة: تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد: فصيام شهرین متتابعین)(٢). لقول الله تعالى: ﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ ◌ُلَّمَةُ إِلَ أَهْلِهِ إِلََّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَّحْرِثُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾(٣)، وهذا هو المتفق عليه. مسألة : [تعريف العاقلة] قال أبو جعفر: (والعاقلة هم: أهل الديوان الذين يأخذون الأعطية، ولا يدخل فيهم النساء والصبيان ولا المماليك، ولا مَن لا عطاء له في (٤) ديوان)(٤). (١) مختصر الطحاوي ص٢٣٣. (٢) أحكام القرآن ٢٢٧/٢، بدائع الصنائع ٤٦٥٩/١٠. (٣) النساء: ٩٢. (٤) كتاب الأصل ٦٥٨/٤، تبيين الحقائق ١٧٧/٦ وعند جمهور الفقهاء من = ٤١٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات قال أبو بكر: موضوع الدية في الأصل على العاقلة على التناصر، وقد كانوا يتناصرون بالأنساب والقبائل، فكانت الدية عليهم، ثم لما كان عمر فرض الأعطية، ودوَّن الدواوين(١)، صار التناصرُ بالدواوين، فجعلها على أهل الديوان في أعطياتهم، ولذلك جعلها في ثلاث سنين؛ لأنه جعل في كل عطاءِ الثلث منها، فصارت الدية كلها في ثلاث سنين ، وكان ذلك منه بحضرة الصحابة من غير نكير من أحد منهم عليه، فصار إجماعاً(٢). ومما يدل على أنَّ موضوع الدية على التناصر، لا على النسب فحسب: أنَّ النساء والصبيان لا يدخلان(٣) في العَقْل؛ لأنهم لا نصرة فیھم. ويدل عليه أيضاً: أنها حين كانت على القبائل، كان الحليف يدخل معهم في العَقْل مع عدم النسب؛ لأنه من أهل النصرة. فإن قال قائل: المسلمون كلهم يدٌ واحدة على مَن سواهم، وعلى المالكية والشافعية والحنابلة: العاقلة هم: قرابة القاتل من قبل الأب، وهم العصبة كالإخوة لغير أم والأعمام، دون أهل الديوان، ويدخل عند المالكية والحنابلة: الآباء والأبناء، واستثناهم الشافعية. انظر بداية المجتهد ٤٠٥/٢، مغني المحتاج ٤ /٩٥، المغني والشرح الكبير ٥١٤/٩. (١) الديوان: دفتر يكتب فيه أسماء العطاء والعساكر على القبائل والبطون، وكان عمر رضي الله عنه هو أول مَن دوَّن الديوان للمسلمين ورتَب الناس على سابقتهم في العطاء، وفي الإذن والإكرام. ينظر التراتيب الإدارية للكتاني ٢٢٥/١. وسيأتي بعد قليل في كلام المصنِّف كيف رتبهم على القبائل والبطون (٢) نصب الراية ٣٩٨/٤. (٣) وفي (ق.ج): ((لا يجب عليهم)). ٤١٤ كتاب القصاص والديات في الجراحات بعضهم نصرةُ بعض إذا احتاج إليه، فما معنى قولكم: إن العَقْل علىُ التناصر؟ قيل له: إن عمر لما دوَّن الدواوين، جعل أهل كل ديوان يداً واحداً في نصرة بعضهم لبعض في القتال والغزو، وحَفْظِ الحريم، وسَدِّ الثغر، ونحو ذلك من الأمور التي تَدْهمهم، فيحتاجون فيها إلى التناصر، فكان الرجل من أهل الديوان أخص بنصرة أهل ديوانه ممن لا ديوان له: معه قرابةٌ كان، أو غير قرابة. ألا ترى أنهم تميَّزوا بالدواوين، فقيل: تميم الكوفة، وتميم البصرة، وضبة الكوفة، وضبة البصرة، فكانت تميم قبيلة واحدة في الأصل، ثم تميزوا باختلاف دواوينهم وأعطياتهم، فكان أهل ديوان البصرة بعضهم أوْلى بنصرة بعض من غيرهم، وكذلك أهل سائر الدواوين. مسألة : [اشتراك الجاني مع العاقلة في الدية] قال أبو جعفر: (ويَعْقل الجاني مع عاقلته جناية نفسه إذا كان رجلاً حراً صحيح العقل)(١). قال أبو بكر : وذلك لما روى يحيى بن زكريا عن سعد(٢) بن طارق عن نعيم بن أبي هند عن سلمة بن نعيم قال: ((شهدت مع خالد بن الوليد يوم اليمامة، فضربت رجلاً بالسيف، فقال: إني مسلم بريء مما عليه مسيلمة. (١) المبسوط ١٢٥/٢٧، حاشية ابن عابدين ٦٤٢/٦، وعند جمهور الفقهاء لا يتحمل الجاني الدية مع العاقلة. انظر المراجع السابقة. (٢) وفي (ق.ج) ((سعيد)). ٤١٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات قال: فذكرته لعمر بن الخطاب فقال: عليك وعلى قومك الدية))(١). وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، ولم يُرو عن أحدٍ من السلف خلافهما. وأيضاً: فإن العاقلة إنما تعقل عنه على جهة النصرة، وهذا أوْلى بنصرة نفسه. وأيضاً: فإنها تعقل عنه على جهة المواساة والتخفيف عنه، فينبغي أن يدخل فيها معهم؛ لأنه لا أقل من أن يكون كواحدٍ منهم. مسألة : [دفع الدية حال عدم وجود أهل الديوان] قال أبو جعفر: (فإن لم يكن ديوان: عادت الدية على القبائل، على ما كانت عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ردَّها عمر إلى الدواوين)(٢). قال أبو بكر: وذلك لما بيَّنَّاه أنَّ التناصر كان بالقبائل، ثم صار بالديوان، فانتقل العَقْل إلى أهل الديوان، فإذا ارتفع الديوان: صار التناصر بالقبائل، فصارت الدية عليهم. مسألة : [مقدار الواجب من الدية على كل رجل من العاقلة] قال أبو جعفر: (والذي يَغرمه كل رجل من الدية: ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم، لا أكثر من ذلك، فإن تجاوز ذلك في التقسيط إلى ما هو أكثر، ضُمَّ إلى العاقلة أقربُ القبائل إليها في النسب، حتى يصيب كل (١) أحكام القرآن ٢٢٦/٢، المحلى لابن حزم ٥٥/١١. (٢) تكملة شرح فتح القدير ٣٩٨/١٠، بدائع الصنائع ١٠/ ٤٦٦٧. ٤١٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات رجل ما ذكرنا)(١). وذلك لأنها موضوعة على التخفيف، فلا يلزم كل رجل منهم ما يُجْحِف به، وإنما يلزم كل رجل منها ما يُخفَّف به عليه، ألا ترى أنَّ العاقلة إنما تحملها عن الجاني تخفيفاً عنه، فلأن يُخفّف عنهم، وليسوا جناة أولى. ويُضَمُّ إليهم أقرب القبائل؛ لأنهم أهل نصرته عند عدم الآخرين. مسألة : [دفع الدية حال عدم وجود العاقلة] قال أبو جعفر: (وإن كان الجاني لا عاقلة له، فقد روى محمدٌ عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنَّ الدية عليه في ماله، ولم يحك في ذلك خلافاً، والمشهور عنه ما ذكره في غير موضع من كتبه: أنّ الدية في بيت مال المسلمين)(٢). قال أبو بكر: كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: إن الصحيح من قولهم: إنّ الدية في بيت مال المسلمين، وأن رواية مَن روى في ماله شاذة(٣). ووجه إيجابها في بيت المال: أنَّ جماعة المسلمين هم أهل نُصرته، إلا أنه ليس بعضهم أخص به من بعض، فوجب أن يكون في مالهم، وهو بیت المال. (١) المراجع السابقة. (٢) الهداية مع البناية: ٣٩٩/١٠، بدائع الصنائع ٤٦٦٨/١٠. (٣) المراجع السابقة. ٤١٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات ويدل على ذلك: أنه لو مات، لكان ماله لبيت المال. مسألة : [دية الخطأ إن كان القاتل ذمياً] وقال أصحابنا في الذمي إذا لم يكن له عاقلة: إن الدية عليه في ماله إذا قتل رجلاً خطأ، وليس فيه اختلافُ رواية(١)، وذلك لأنه لا ولاية بينه وبين المسلمين، ولا توارث، ولا يَعْقل عنهم بيت المال؛ لأنه مالُ المسلمین. فإن قيل: فلو مات الذمي، ولا وارث له: كان ماله لبيت المال، فوجب أن يكون عَقْله عليهم. قيل له: لا يستحقه بيت المال من جهة الولاية، وإنما يستحقه من جهة أنه مال في دار الإسلام، لا مالك له، مثل مال المعادن، وكنوز المشركين إذا ظهر عليها الإمام. ولأن مال الكفار مغنوم في الأصل، وإنما تُرِك في أيديهم بالذمة، فإذا زالت الذمة، ولم يكن هناك مستحق له من جهته: عاد إلى حكم الغنيمة. وأما المسلم إذا مات، فإنما كان ماله لبيت المال على جهة الموالاة التي بينهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاُلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْأَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(٢). مسألة : [قتل شبه العمد] قال(٣): (وأما شِبْه العمد: فهو ما تعمَّد ضربَه بغير سلاح، سواء كان (١) العناية مع تكملة شرح فتح القدير ٤٠٣/١٠. (٢) التوبة: ٧١. (٣) مختصر الطحاوي ص٢٣٣. ٤١٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات مما يَقْتُل مثلُه أو لا يقتل، بعد أن لا يكون له حَدٌّ يجرح ويقطع، مثلُ الحجر، والعصا، ونحوهما، ففيه الديةُ مغلّظة في قول أبي حنيفة(١). وقال أبو يوسف ومحمد: ما كان الغالب من ذلك أن يقتل: فهو عمد، وفيه القود). والحجة لقول أبي حنيفة: ما رواه سفيان وشعبة وزهير وقيس عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل شيء خطأ إلا السيف))(٢). وقال زهير وقيس: ((سوى الحديد، وفي كل خطأ أرش)). فإن طعنوا فيه من جابر الجعفي، وأنه قد تُكلم فيه (٣). قيل له: قد وثَّقْه سفيان الثوري، وحَمَل عنه قوم ثقات جلَّةً (٤). وحدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن جابر عن أبي عازب قال: سمعت النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش)). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن محمد العسكري قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يوسف بن (١) كتاب الأصل ٤ /٤٣٧، أحكام القرآن ٢٢٨/٢. (٢) مسند أحمد ٢٧٥/٤، البيهقي ٤٢/٨، سنن الدارقطني ١٠٦/٣، مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ١٤٠، وينظر نصب الراية ٣٣/٤، الفتح الرباني ١٦ / ٥٣. (٣) انظر تهذيب التهذيب ٤٦/٢، كتاب الحجة ٣٩١/٤. (٤) المصادر السابقة. ٤١٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات يعقوب الضبيعي قال: حدثنا سفيان الثوري وشعبة عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش)). وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عقبة بن مكرم قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حسين بن بنت النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل شيء سوى الحديدة خطأ، ولكل خطأ أرش)). ودليل آخر: وهو ما روى سفيان عن علي بن زيد عن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم يوم الفتح: ((ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسَّوْط والعصا مائة من الإبل))(١). وروى أبو معاوية عن حجاج عن قتادة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قتيل السَّوْط والعصا شِبْه عمد))(٢). وروى سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قُتِل في عِمِّيا أو رِمِّيًّا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصا، فعَقْله عَقْل خطأ، ومَن قُتِل عمداً فقَوَد (٣) به))(٣). قال أبو بكر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((قتيل عمد الخطأ قتيل (١) أبو داود ٦٨٢/٤ ح ٤٥٤٧، نصب الراية ٣٣١/٤، الفتح الرباني ٥١/١٦. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٩/٩، نصب الراية ٣٣٢/٤. (٣) أبو داود ٦٧٦/٤ ح ٤٥٤٠، وتقدم. ٤٢٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات الوسط والعصا»: فيه دلالة من وجهين على صحة قولنا: أحدهما: عموم قوله: ((في العصا)): فهو على ما يَقْتل في العادة، وما لا يقتل، بحق العموم. الثاني: جَمْعه بين السوط والعصا، معلوم أنَّ السوط مما لا يقتل في الغالب، والعصا الكبير مما يقتل في الغالب، وفائدة جمعه بينهما إعلامنا بتساوي حكمهما وإن كان أحدهما مما لا يقتل، والآخر مما يقتل. دليل آخر: هو ما روى يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيَّب وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: ((اقتتلت امرأتان من هُذَيل، فقتلت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلَتْها وما في بطنها، فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على العاقلة))(١). وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضلة عن المغيرة بن شعبة ((أنَّ امرأتين ضربت إحداهما الأخرى بعمود الفُسْطاط، فقتلتها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتِلة، وقضى فيما في بطنها بالغُرَّةَ))(٢). ومعلومٌ أنَّ عمود الفُسطاط يقتل في الغالب، ولم يوجب به قَوَداً. وقد روى ابنُ جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أنَّ عمر نَشَدَ الناسَ قضاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: ((إني بين امرأتين، وإن إحداهما ضربت (١) صحيح البخاري ٤٥/٨، صحيح مسلم ١٣٠٩/٢، أبو داود ٤ /٧٠١ ح ٤٥٧٦. (٢) أبو داود ٦٩٦/٤ ح٤٥٦٨، وغيره.