Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب القصاص والديات في الجراحات كتاب القصاص والديات في الجراحات مسألة : [الدية في جناية الصبي والمجنون على العاقلة] قال أبو جعفر(١): (وإذا جنى الصبيُّ الذي لم يبلغ، أو المجنونُ في حال جنونه على رجل، فقَتَلَه: كانت ديتُه على عاقلته(٢)). قال أبو بكر : وذلك لأن قَصْد الصبي لا حُكْم له، فصار عمدُه وخطؤه سواء. والدليل على أنه لا حُكْم لقصده: أنه لا قصاص عليه في جنايته، ولا يستحق المأثم بفعله وإن عَمَد إليه وقَصَده، ولو كان لقصده حُكُمٌ، للزمه القصاص إذا تعمَّد كما يلزم البالغ، وإذا كان كذلك: صارت جنايته وإن قَصَدَها في حُكْم الخطأ، فلزمت العاقلة. فإن قال قائل: لما لم يكن الصبي من أهل التكليف، وجب أن لا يثبت علیه حكم جنایته، کالبهيمة. (١) مختصر الطحاوي ص٢٢٩، كتاب الأصل ٤٩٣/٤، المبسوط ٨٦/٢٦، أحكام القرآن ١٤٦/١. (٢) العاقلة: جمع عاقل، وهو دافع الدية. وفي الشرع: هم أهل الديوان إن وجدوا، وإن لم يوجدوا عَقَل عن الجاني عصبته من النسب إن وجدوا، وإلا مواليه إن وجدوا، وإلا حلفاؤه. ينظر كتاب الحجة ٣٥٩/٤، المبسوط ٨٤/٢٦، بدائع الصنائع ٤٦٦٧/١. ٣٤٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات قيل له: ليس حكم الجناية مقصوراً على صحة التكليف؛ لأن(١) الناسي والمخطىء لا تكليف عليهما فيما نَسِيًا أو أخطاً فيه(٢). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان))(٣). ثم لم يسقط عن المخطىء(٤) حكم جنايته من أجل زوال التكليف عنه. قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَنًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَ أَهْلِهِ﴾(٥)، فالدية حكم جنايته وإن كان مخطئاً غير مكلف لما أخطأه. وكذلك الصبي هو بمنزلة المخطىء؛ لأنه ممن تثبت عليه الحقوق، وله، وليس كالبهيمة، لأنها ليست ممن تثبت عليها الحقوق، ولا لها، فلذلك اختلف حكم الصبي وحكمها(٦). ألا ترى أنَّ الصبي إذا استهلك مالاً لغيره ضَمِنَه، كما يضمن البالغ، وأن البهيمة لا يتعلق عليها ضمان جنايتها في المال، وذلك لما وصفنا أنها (١) وفي (ق.ج): ((والدليل عليه أن)). (٢) أحكام القرآن ١٤٨/١. (٣) سنن ابن ماجه وغيره بلفظ: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). قال ابن حجر: والحديث قد أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان. ينظر سنن ابن ماجه ٦٥٩/١ ح ٢٠٤٣، فتح الباري ٣٩٠/٩، المقاصد الحسنة ص٢٣٨، (٥٢٨). (٤) وفي الأصل: ((الجاني))، والمثبت من (ق.ج). (٥) النساء: ٩٢. (٦) المبسوط ٨٦/٢٦. ٣٤٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات بمنزلة جناية الخطأ. فصل : [جناية الصبي فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (وكذلك كل جناية تكون منه فيما دون النفس: فدِيتُها على العاقلة). وذلك لما وصفنا أنها بمنزلة جناية الخطأ. مسألة : [الدية في الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين] قال : (وما وجب فيه الدية: فهو على عاقلته في ثلاث سنين). قال أبو بكر : الأصل فيه: أنَّ عمر بن الخطاب قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين بحضرة الصحابة من غير نكيرِ من واحدٍ منهم علیه(١)، ولا مخالفله، فصار ذلك أصلاً يجب الرجوع إليه، كسائر العقود التي عقدها لكافة أهل الإسلام بحضرة الصحابة، فلم يختلف عليه منهم أحد، فصارت أصولاً لا يسع خلافها. نحوُ عَقْده مع بني تغلب في مضاعفة العُشْر عليهم في أموالهم (٢)، ووَضْع الخراج (٣) على أهل سواد العراق، وأهل الشام(٤)، وتصنيف (١) أحكام القرآن ٢٢٥/٢، مصنف عبد الرزاق ٤٢٠/٩، السنن الكبرى ١٠٩/٨، التلخيص الحبير ٣٢/٤، كتاب الأصل ٤٧٥/٤، المغني والشرح الكبير ٤٩٣/٩. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٨/١، السنن الكبرى ٢١٨/٩، كتاب الخراج للإمام أبي يوسف ص١٢٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٦٣/٦، المغني والشرح الكبير ١٠/ ٥٩١. (٣) كتاب الخراج ص ٣٠. (٤) المرجع السابق ص٤٢. ٣٤٤ كتاب القصاص والديات في الجراحات طبقات أهل الذمة في الجزية، وتقدير الدية ألف دينار(١)، وقد كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل (٢). فهذه أمور عَقَدها عمرُ بحضرة الصحابة من غير نكيرِ من أحدٍ منهم عليه، فثبت حُكْمها من وجهين: أحدهما: أنَّ مثل هذا إذا استفاض وظهر، ولم يغيِّره أحد من الخلفاء الراشدين بعده فهو اتفاق، واتفاق الصدر الأول حجة لا يجوز(٣) خلافه. والوجه الآخر: أنَّ كل عقد عَقَده إمام من أئمة العدل لكافة الأمة، فهو لازمٌ لأول الأمة وآخرها. والأصل فيه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌّ على مَن سواهم(٤)، ويعقد عليهم أولهم)) (٥). (١) سنن أبي داود ٦٧٩/٤ - ح ٤٥٤٢، السنن الكبرى ٨٠/٨، كتاب الحجة ٢٥٨/٤، المحلى ٣٩٧/١٠. (٢) سنن أبي داود ٦٧٧/٤ - ح ٤٥٤١، سنن الترمذي ١٠/٤- ح١٣٨٦، نصب الراية ٣٥٦/٤. (٣) وفي (ق.ج): ((لا يسع)). (٤) بمعناه سنن أبي داود ٦٦٧/٤ ح ٤٥٣٠، السنن الكبرى ٢٩/٨، شرح السنة للبغوي ١٠/ ١٧٢. (٥) قوله: ((ويعقد عليهم أولهم)): هذه الجملة لم أعثر عليها في كتب الحديث والآثار. ٣٤٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات فمعنى قوله: يعقد عليهم أولهم: أنَّ ما يعقده الإمام للكافة، فهو لازم لمن جاء بعده، وعمومُه يقتضي ذلك، إذ كان هذا أصلاً صحيحاً. ثم جَعْلُ عمر رضي الله عنه الدية على العاقلة في ثلاث سنين، يُثبت أنَّ قيمة دية النفس الواجبة بنفس القتل إنما تجب مؤجلة في ثلاث سنين، الثلث وما دونه في سنة، وما زاد على الثلث إلى الثلثين في سنة أخرى، ثم الثلث الباقي وما دونه في سنة أخرى(١). مسألة : قال أبو جعفر : (وما كان فيه نصف الدية: فهو في سنتين، ثلث الدية في سنة، والسدس الباقي في سنة أخرى)(٢). وإنما كانت هذه الزيادة في سنة أخرى، ولم تكن في نصف سنة: من قِبَل أنَّ الغُرَّة، وهي خمسة مائة درهم على العاقلة في سنة (٣)، وهو ما دون الثلث، فدل ذلك على أنَّ الثلث وما دونه واجب في سنة (2). وما ذكرناه من هذا الأصل الذي قدّمنا أفادنا معنیین: أحدهما: وجوب الدية على العاقلة، والثاني: أنها مؤجلة. وفي إيجاب الدية على العاقلة وإن لم يُذكر فيها التأجيل سنتين، قد رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أخبار، منها: (١) كتاب الأصل ٤٥٩/٤، أحكام القرآن ٢٢٥/٢. (٢) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٨٢٠. (٣) سنن الترمذي ٢٤/٤، بدائع الصنائع ٤٨٢٩/١٠. (٤) كتاب الأصل ٤ /٦٦٠. ٣٤٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات ما رواه جرير وشعبة عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن فُضَيْلة عن المغيرة بن شعبة ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغُرَّة، وجعله على عاقلة المرأة))(١). وروى مسدد عن عبد الواحد بن زياد(٢) عن خالد عن الشعبي عن جابر ((أنَّ امرأتين من هذيل قَتَلَتْ إحداهما الأخرى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة))(٣). وروى ابن المبارك عن معمر عن الزهري قال المغيرة بن شعبة: ((قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ المرأة يعقل عنها عصبتُها، ويرثها بنوها))(٤). وروى إبراهيم بن موسى الرازي قال: حدثنا معمر الرَّقُّي عن خصيف عن زياد بن أبي مريم ((أنَّ امرأة أعتقت عبداً لها، ثم توفيت، وتركت ابناً لها وأخاها، ثم توفي مولاها بعد، فأتى أخوها وابنُها النبيَّ صلى الله عليه وسلم في ميراثه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ميراثه لابن المرأة. فقال أخوها: يا رسول الله! لو جَرَّ جريرةً علىُ مَن كانت؟ قال: عليك. قال: يا رسول الله! لو أنه جَرَّ جريرةً كانت عليَّ، ويكون ميراثها (١) صحيح مسلم ١٣١٠/٣-ح ١٦٨١، سنن الترمذي ٢٤/٤ - ح ١٤١١. (٢) وفي (ق.ج): ((وحدثنا)). (٣) صحيح البخاري (فتح الباري) ٢٥٢/١٢، صحيح مسلم ١٣١٠/٢، أبو داود ٤/ ٧٠١. (٤) صحيح البخاري (فتح الباري) ١٢ / ٢٥٢، ٢٤، صحيح مسلم ١٣٠٩/٢. ٣٤٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات لهذا؟! قال: نعم))(١). قال أبو بكر : أفادنا هذا الخبر معنيين، أحدهما: هو وجوب الدية على العاقلة. والثاني: أنَّ العاقلة ليست من أهل ميراث الجاني فحسب، وأنه قد يجوز أن يعقل مَن لا يَحُوز الميراث. مسألة : [ما تحمله عاقلة الجاني من الدية] قال أبو جعفر : (وما كان مقداره دون نصف عشر الدية: فهو على الجاني في ماله، لا تحمله العاقلة عنه)(٢). قال أبو بكر : القياس أن لا يلزم العاقلة من جنايته شيء، كما لا يلزمها جنايته في الأموال. والعموم أيضاً ينفيه، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيَّهَاً وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(٣). وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل رأى معه آخر، فقال: ((هذا ابنك؟ قال: بلى، قال: أَمَا إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه)) (٤). فهذا العموم ینفي لزوم العاقلة حُكْم جنایته. (١) سنن الدارمي ٣٧٢/٢، وفيه انقطاع. انظر شرح السنة ٢١٠/١٠. (٢) كتاب الحجة: ٣٥٨/٤، المبسوط ٨٤/٢٦. (٣) سورة الأنعام: ١٦٤. (٤) سنن الترمذي ٢٧٣/٥، سنن أبي داود ٦٣٥/٤- ح٤٤٩٥، ح ٤٢٠٨، الفتح الرباني ١٦/ ٦١، سنن ابن ماجه ١٠٩/٢ - ح ١٧٠٣. ٣٤٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات وفي الأصل أيضاً: أنَّ الجناية على الأموال لا تلزم غير الجاني ، وكان القياس أن لا يلزم العاقلة شيء من جناية الجاني(١)، إلا أنه لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب الدية في الغُرَّة على العاقلة، وكانت قيمة الغُرَّة خمسمائة درهم، نصفُ عشر الدية(٢)، تركوا له ظواهر الآية (٣) والقياس معه، وخصُّوها بما وردت به السنة، واتفق عليها علماء السلف. والمعنىُ في لزوم الدية العاقلة: أنَّ العقل في الأصل مبنيٌّ على التناصر، وكانوا يتناصرون بالقبائل، ثم صارت النصرة في أيام عمر رضي الله عنه بالدواوين والرايات(٤)، فلذلك جعلها عمر على ذلك، فأمر أهل نصرته بمواساته إذا كانت جنايته واقعة على وجه الخطأ، ولم يكن عمداً يوجب القصاص، لئلا يُجحف بالقاتل في لزومه جميع الدية. ولهذا المعنى فرَّق فيه بين القليل والكثير(٥)؛ لأنه قد يمكنه في العادة أن ينهض بالقليل وإن عجز عن الكثير، ولأجل التخفيف جعلت مؤجلة. ثم جعل الفصل بين القليل والكثير على ما وردت به السنة، وهو نصف عشر الدية (٦). (١) وفي (ق.ج): ((وكان القياس أن يكون في الأنفس كذلك)). (٢) كتاب الحجة ٢٨٧/٤. (٣) في (ق): الآي التي ذكرنا. (٤) كتاب الأصل ٦٥٨/٤. (٥) وفي (ق): ((منه لأن القليل لا يجحف)). (٦) كتاب الحجة ٣٥٨/٤. ٣٤٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات ويدل عليه من جهة النظر: أنَّ ما دون الموضحة (١) ليس له أرش(٢) مقدَّر بنفسه، فأشبه ضمان الأموال، لما لم يكن لها تقدير في أنفسها، لزمه في ماله دون عاقلته، وما كان له أرش مقدر في نفسه، فهو مشبّه بالنفس، لكونه مقدراً في نفسه، وكان على العاقلة. فإن قال قائل: فإن أرش الأُنملة مقدَّر، وهو ثلث دية الأصبع، فينبغي أن تحمله العاقلة(٣). قيل له: ليس أرشها مقدَّراً بنفسها، بل هو مقدَّر بغيرها، وهو الأصبع، ونحن إنما شبهنا ما دون الموضحة بالأموال من حيث لم يكن له أرش مقدر بنفسه. فإن قيل: المعنى في تحمل العاقلة، ما كان في عَمْده قصاص. قيل له: لا اعتبار بالقصاص؛ لأنه اعتبار ساقط عند الجميع، لأن مخالفنا لا يوجب القصاص في الباضعة (٤)، والمتلاحمة(٥)، ويجعلها على العاقلة. (١) الموضحة: هي الشجة التي توضّح العظم، أي: تبيّته. انظر الهداية مع البناية ١٠ / ١٥٥. (٢) الأرش: شرعاً: اسم للواجب فيما دون النفس. ينظر الدر المختار مع رد المحتار ٦ /٥٧٣. (٣) بدائع الصنائع ٤٨١٩/١٠. (٤) الباضعة: هي التي تبضع اللحم، أي تقطعه وتشقه. (٥) المتلاحمة: وهي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة، ولم تقرب للعظم، هذا ما روى أبو يوسف، وقال محمد: المتلاحمة قبل الباضعة، وهي التي يتلاحم منها الدم ويسودّ. انظر الهداية مع البناية ١٠ /١٥٤، تبيين الحقائق ١٣٢/٦. ٣٥٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات ولأنه لو قطعت يده من نصف الساعد عمداً: لم يجب فيه القصاص، وخطؤه تحمله العاقلة، فعَلِمْنا أنَّ القصاص لا تأثير له في ذلك(١). فإن قال قائل: إذا غرمت العاقلة خمسمائة، فقد غرمت ما دونها، وكل جزء منها، فيجب أن تغرمه على الانفراد. قيل له: القصاص يجب في الكل، ولا يجب في البعض، وكذلك [القطع يجب في سرقة عشرة دراهم فيها مجتمعة، ولا يجب في بعضها](٢). وكذلك الزكوات، والطلاق الثلاث يتعلق الحكم فيها بمقدار ما، ولا يتعلق بما دونه. مسألة : [وجوب القصاص بين المسلم والكافر] قال أبو جعفر(٣): (والقصاص بين الرجال الأحرار العقلاء البالغين في الأنفس وما دونها، مسلمين كانوا أو كفاراً، غير الحربيين) (٤). قال أبو بكر: أما الحجة في وجوب القصاص بين المسلم والكافر (١) كتاب الأصل ٤٩١/٤. (٢) وفي الأصل: (والقطع يجب في عشرة دراهم، ولا يجب فيمادونه)) والصواب ما في (ق.ج). (٣) مختصر الطحاوي ص ٢٣٠. (٤) كتاب الحجة ٣٢٢/٤، أحكام القرآن للجصاص ١٤٠/١، المبسوط ١٣٢/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢١٧/١٠، بدائع الصنائع ١٠ / ٤٦٢٤. ٣٥١ كتاب القصاص والديات في الجراحات الذمي(١)، فهو قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَالی﴾(٢)، وفيه دلالة من وجھین علی ما قلنا: أحدهما: عموم قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَى﴾، وذلك ينتظم الکافر والمسلم، لشمول الاسم لهم. وافتتاح الخطاب بذكر المؤمن لا يوجب الاقتصار بحكم الآية على إيجاب القصاص للمسلم دون الكافر؛ لأن الخطاب توجه على المؤمنين بوجوب القصاص عليهم في القتلى، ولم يقيِّد القتلى بذكر الإيمان، فكان مقتضى اللفظ وجوب القصاص على المؤمن لسائر القتلى. وأيضاً: لا ينفي وجوب القصاص للذمي على الذمي؛ لأنه خاطبهم بوجوب القصاص عليهم، ولم يصف المقتول بالإيمان، بل أطلق ذكره تسمية القتل من غير تقييد له بشرط الإيمان، فقال: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمْ اُلْقِصَاصُ فِى اٌلْقَتْلَى﴾، ولم يقل في قتلى المؤمنين. والوجه الآخر من الدلالة: قوله: ﴿الْخُرُّ بِآلْخُ﴾، وذلك عموم أيضاً في إیجاب القصاص بينهما. فإن قال قائل: قوله في نسق التلاوة: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾: ينفي أن يكون الكفار داخلين فيه؛ لأن الكافر ليس بأخ للمسلم. قيل له: لو سلمنا ذلك أنَّ المراد الأُخوَّة في الدِّين: لم يوجب ذلك (١) أحكام القرآن للجصاص ١٤٠/١. (٢) البقرة: ١٧٨. ٣٥٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات تخصيص العموم المذكور في ابتداء الآية، إذ لا يمتنع أن يُطلق لفظٌ عام ينتظم مسميات، ثم يُعطف عليه بعض مَن دخل في الجملة بحكمٍ يختص ببعض ما انتظمته الجملة، ثم لا يوجب ذلك تخصيص ما ورد مطلقاً في ابتداء الخطاب. كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾(١)، وهو عموم في الكافرين والمسلمين، ثم قال: ﴿ وَإِنِ جَهَدَالكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَّمٌ فَلَ تُطِعْهُمَا﴾(٢)، وهذا لا محالة في الأبوين الكافرين. وكقوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَهٍ﴾(٣)، وعمومُه في المبتوتة والرجعية، ثم قال: ﴿وَبُولَهُنَّأَحَقُّ بِّهِنَّ﴾، وهو حكم خاص في بعض مَن شمله عموم اللفظ الأول، ولم يوجب كون ابتداء الخطاب جاء مطلقاً أن يكون مقصوراً على مَن كان حكمه في الطلاق دون جميعهن، وقد بينا ذلك في مواضع (٤). وأيضاً: فإنه لم يثبت أنَّ المراد الأُخوَّة من جهة الدين، وليس يمنع إطلاق لفظ الأُخوَّة بينهما، من حيث كان من جنسه، وإن كان مخالفاً له في دينه، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَدُّ الْمُرْسَلِينَ (٣) إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوُّ أَلَا (١) الأحقاف: ١٤. (٢) لقمان: ١٥. (٣) البقرة: ٢٢٨. (٤) ينظر أحكام القرآن للمؤلف ١١٣٣. ٣٥٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات نَتَّقُونَ﴾(١)، ولم يُرِد الأُخوَّة من جهة الدين. * ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٢)، وشريعة مَن كان قبلنا من الأنبياء لازمة حتى يثبت نسخها على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِهُ﴾(٣). * ودليل آخر: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَانًا﴾(٤)، وقوله: ﴿سُلْطَانًا﴾: وإن كان لفظاً مجملاً، فإن الأمة متفقة على أنه قد أُريد به القَوَد في المسلمين، وإذا صحَّ أنّ القصاص مراد، صارت مفسَّرة به، فصار كقوله: فقد جعلنا لوليه قَوَداً. * ومن جهة السنة: ما روى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: ((ألا ومَن قُتِل له قتيل فهو بخَيْر النظرَيْن: أن يقتص، أو يأخذ الدية))(٥). وروى ابن أبي ذؤيب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي قال: (١) الشعراء: ١٢٣-١٢٤. (٢) المائدة: ٤٥. (٣) الأنعام: ٩٠. (٤) الإسراء: ٢٣. (٥) صحيح البخاري ٣٨/٨، صحيح مسلم ٩٨٨/٢ ح ١٣٥٥. ٣٥٤ كتاب القصاص والديات في الجراحات قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة: «مَن قَتَلَ قتيلاً فأهله بين خِيرتَيْن: بين أن يأخذوا العَقْل، وبين أن يقتلوا))(١). ولم يُفرِّق بين المسلم والكافر، فهو على عمومه في الفريقين جميعاً. * ويدل عليه أيضاً: حديث عثمان وابن مسعود وعائشة عن النبي صلی الله علیه وسلم قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكُفْر بعد إيمان، وقَتْل نفس بغير نفس)) (٢). وروى إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العَمْد قَوَدٌ إلا أن يعفوَ 93 وليّ المقتول)) (٣). وروي قَتْلُ المسلم بالكافر عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب(٤). وروى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلماً بذمي، وقال: أنا أحقُّ مَن (١) المصادر السابقة، وسنن أبي داود ٦٤٣/٤ ح ٤٥٠٤، سنن الترمذي ١٤/٤ ح١٤٠٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح. (٢) سنن أبي داود ٦٤١/٤ ح ٤٥٠٢، سنن الترمذي ٤ /٤٦٠، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. (٣) سنن الدار قطني ٩٤/٣. (٤) مسند الإمام الشافعي ٣٤٣، شرح معاني الآثار ١٩٦/٣، أحكام القرآن ١٤١/١، السنن الكبرى ٣٢/٨-٣٤، مصنف عبد الرزاق ١٠١/١٠، مصنف ابن أبي شيبة ٢٩٠/٩، نصب الراية ٣٣٧/٤، موسوعة فقه علي بن أبي طالب ص ١٨٥. ٣٥٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات أوفى بذمته))(١). فهذا خبرٌ مفسِّر مبيِّن لما أجملته الأخبار الأُخَر، وهو وإن كان مرسلاً، فإن إرساله عندنا لا يضره. * فإن قيل: روى الشعبي عن أبي جُحَيفة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يُقْتَل مؤمن بكافر))(٢). وروى الحسن عن قيس بن عبّاد عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يُقْتَل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده))(٣). قيل له: نجمع بينه وبين سائر الأخبار، وظواهر الآي التي ذكرناها، فنقول: لا يقتل مؤمن بكافر معاهَدٍ لا ذمة له، وهو الحربي المستأمَن، ويجعل سائر ما وصفنا من الظواهر في سائر الكفار، ما خلا المعاهَد. وأيضاً: في فحوى هذا الخبر ما يوجب أن يكون الحكم مقصوراً على الحربي دون غيره، وذلك لأنه عطف عليه قوله: ((ولا ذو عهد في عهده))، ومعلوم أنَّ قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)): كلام غير مستقل بنفسه، بل هو مفتقرٌ إلى إضمار؛ لأنه لا يصح ابتداءً الخطاب به، وكل كلام هذا سبيله: فهو مفتقِرٌ إلى ضمير، وضميره ما تقدم ذِكْره مِن نفي القتل على وجه القصاص، إذ لم يتقدم في الخبر ذِكْر القتل إلا على هذا الوصف. (١) مسند الإمام الشافعي ص٣٤٣، شرح معاني الآثار ١٩٥/٣، الدارقطني ١٣٥/٣، نصب الراية ٣٣٥/٤، نيل الأوطار ١٥١/٧، كتاب الحجة ٣٤٣/٤. (٢) صحيح البخاري ٧٤/٨، فتح الباري ٢٦٠/١٢ (باب لا يقتل المسلم بالكافر)، سنن الترمذي ١٧/٤ ح ١٤١٢. (٣) أبو داود ٦٦٦/٤ ح ٤٥٣٠، الفتح الرباني ٢٣/١٦، نصب الراية ٣٣٤/٤. ٣٥٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات فصار تقديره: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده بالكافر الذي تقدم ذكره، والكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الكافر الحربي المستأمَن، فثبت أنَّ المراد مقصور على الحربي. فإن قيل: الضمير في: (ذي العهد): قيل: مطلق، ويصح الخطاب به، كأنه قال: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده، فأفادنا أنَّ عهده یحظر دمه. قيل له: قد بينًا أنَّ الكلام المفتقر إلى الإضمار: سبيله أن يكون ضميره ما تقدم ذِكْره في أول الخطاب، ومعلوم أنَّ الذي جرى ذِكْره في ابتداء الخطاب ليس هو قتلاً على الإطلاق، فيُضمر في النسق، وإنما المذكور بدءاً قتلٌ مخصوص، وهو القتل على وجه القصاص، فكأنه قال: ((ولا يقتص من ذي عهد في عهده بالكافر))، ولو أضمرنا فيه قتلاً مطلقاً، كنا قد أضمرنا فيه غير ما أظهره بدءاً، وهذا لا يجوز. وأيضاً: فحكم كل كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل على فائدة مجدّدة، ولو حملناه على ما قلتَ، لسقطت فائدته؛ لأنه يكون مقصوراً على النهي عن بعض العهد، وخَفْر الأمان، وقَتْل مَن لا يستحق القتل، وهذا معنى قد علمناه بغير هذا الخبر، فاقتضىُ الخبر فائدةً غيره، ولا فائدة فيه إلا ما وصفنا. فإن قيل: لو سلمنا أنَّ المراد نفي القصاص عن ذي العهد، لم يكن فيه دلالة على أنَّ أول الخطاب مقصور على كافرٍ حربي؛ لأن تقديره: لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده بكافر، فأقلّ أحواله أن يقتل ذو العهد بكافر أيِّ كافر كان، وهذا هو مقتضى اللفظ، إلا أن تقوم الدلالة على أنَّ ذا العهد يُقتل ببعض الكفار، وهم الذميون، وليس في ذلك ما ينفي أن ٣٥٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات يكون قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر)): عموماً في نفي قتل المؤمن بسائر الكفار. قيل له: هذا غلط من قِبَل أنَّ اللفظ الثاني إذا اقتضى أن يكون عائداً على ما تقدم ذِكْره من الخطاب، صار كقوله: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده بالكافر الذي تقدم ذكره، فيرجع اللفظ إلى المعهود والمبدوء ذِكْره. ولو حملناه على ما قلتَ، لكان ذلك خطاباً مبتدأ غير عائد على اللفظ المتقدم، ولو كان كذلك لاستغنى بنفسه عن عَوْده إليه، وقد بيًّا أنَّ اللفظ غير مستقل بنفسه، بل عائد إلى ما تقدم ذكره ، وأنه مضمرٌ بما قبله. ألا ترى أنك إذا قلتَ: لقيتُ رجلاً، ثم عطفتَ عليه كلاماً آخر، قلتَ: قال لي الرجل، ولا يجوز أن تقول: قال لي رجل، لأنه يصير غير الأول. ونظير هذا من الكلام: قوله تعالى: ﴿وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَاَلْحَفِظَتِ﴾(١)، فمعناه: والحافظات فروجهن، لأنه غير مستغنٍ بنفسه، فصارت الفروج مضمرة في ذكرهن، كأنه قال: والحافظين فروجهم والحافظات فروجهن. ونحو قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ﴾(٢)، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءٍ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾(٣)، يعني مَن (١) الأحزاب: ٣٥. (٢) النور: ٤. (٣) النور: ١٣. ٣٥٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات تقدم ذكر عددهم في الآية الأخرى. فإن قال قائل: روي في بعض حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يُقتل مؤمن بكافر))، ولم يذكر فيه: ((ولا ذو عهد في عهده))، وإطلاق ذلك يقتضي نفي القصاص بينهما، إذ ليس في الحديث ما يخصه. قيل له: هما جميعاً حديث واحد (١)، وروي فيهما جميعاً أنه أخبر عما في صحيفة عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما إسقاط ذي العهد من جهة بعض الرواة، فأما أصل الحديث فهو ما وصفنا؛ لأن كلام الرواة عزاه إلى الصحيفة. وأيضاً: لو لم يكن في الخبر دليل على أنه حديث واحد، لكان الواجب حملهما جميعاً على(٢) أنهما وردا معاً، وذلك لأنه لم يثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في وقتين، مرة مطلقاً من غير ذكر ذي العهد، وتارة مع ذکر ذي العهد. * وأيضاً: في بعض الأخبار ما يدل على أنَّ الحكم مقصور على الكافر الحربي، وهو ما روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع حين طالبوا بدخول الجاهلية: ((ألا إن كل دم كان في الجاهلية، فهو موضوع تحت قدميَّ هاتين، وأول دمٍ أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده))(٣). (١) ينظر: أحكام القرآن للمؤلف ١٤٣/١. (٢) وفي (ق.ج) ((حملهما جميعاً على معنى واحد)). (٣) صحيح مسلم ٨٨٩/١ ح١٢١٨، سنن أبي داود ٤٦١/٢ (١٩٠٥)، ٦٦٦/٤ ح ٤٥٣٠، الفتح الرباني ١٦/ ٢٣. ٣٥٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات فكأنه قال: لا يقتل بكافر قُتِل في الجاهلية، لأن الخطاب عليه خرج. فإن قيل: خروج الخطاب على سببٍ، لا يوجب أن يكون الحكم مقصوراً عليه، بل يعتبرون اللفظَ إذا كان أعمَّ من السبب. قیل له: كذلك هو، إلا أنا نقصره عليه بدلالة، ودلالته ما وصفنا. * ومن جهة النظر: أنَّ الذمي محقون الدم حَقْناً لا يرفعه مضيٌّ الوقت، وليس ببعض للقاتل ولا ملكه، فأشبه المسلم من هذا الوجه. ولا يلزم عليه الحربي، لأن حقن دم الحربي محصور بوقت؛ لأنه لا يُترك في دار الإسلام، ويُرَدُّ إلى دار الحرب، فُستباح دمه. ولا يلزم عليه الأبُ؛ لأنه بعضه، ولا عبدُه؛ لأنه ملكه. * وأيضاً: قد اتفقنا جميعاً على أنَّ ذمياً لو قَتَل ذمياً، ثم أسلم: قُتِل به (١)، وهو مسلمٌ بذمي ، فلو كان الإسلام مما يمنع القصاص في الابتداء، لمنعه إذا طرأ بعد وجوبه قبل استيفائه، ألا ترى أنه لما لم يجب القصاص بين الأب والابن إذا قتله(٢)، كان كذلك حكمه إذا ورث ابنه القَوَد عن غيره، فمنع ما عرض من ذلك استيفاؤه، كما منع من ابتداء وجوبه. قال أبو جعفر (٣): (وروى أصحابُ الإملاء عن أبي يوسف: أنَّ المسلم (١) المبسوط ١٣١/٢٦، بدائع الصنائع ٢٦٢٥/١٠، المغني والشرح الكبير ٩/ ٣٤٢. (٢) أحكام القرآن ١٤٤/١، المغني والشرح الكبير ٣٥٩/٩. (٣) مختصر الطحاوي ص٢٣٠. ٣٦٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات يقتل بالحربي المستأمَن، وشبَّهه بالذمي، لأجل الأمان)(١). وعندهما: لا يُقاد من المسلم. له: لأن الحربي مباحُ الدم، إلا أنَّ إباحته مؤجلة بالأمان، ومتى رجع إلى داره: عاد إلى حكم الإباحة، وهو كالدَّيْن المؤجَّل، وجودُ الأجل فيه لا يُخرجه عن وجوبه، كذلك وجود الأجل في الإباحة، لا يسلبه حكم الإباحة من الوجه الذي ذكرنا. مسألة : [القصاص بين العبيد والأحرار ] قال أبو جعفر : (والعبيدُ والأحرار في القصاص في الأنفس سواء)(٢). قال أبو بكر: الدليل على ذلك: قولُ الله تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلَى﴾(٣)، وذلك عمومٌ في الكل. ﴾(٤). فإن قال قائل: قد بُيِّن المراد بقوله: ﴿اَلْخُرُّ بِالْحُرِّ وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ قيل له: لا يوجب ذلك تخصيص العموم؛ لأنه تفسيرٌ لبعض ما انتظمته الجملة، وقد بيّنًا نظائر ذلك فيما سلف، كقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَ لِدَيْكَ (١) المبسوط ١٣٣/٢٦. (٢) كتاب الحجة ٢٦٥/٤، أحكام القرآن ١٣٥/١. (٣) البقرة: ١٧٨. (٤) البقرة: ١٧٨.