Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب الطلاق فيها؛ لأن قوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ﴾: كلامٌ مستأنَف بعد ذكر الرجعة، فجائز أن يراجع، ثم يُشهد، فيكون موافقاً لمعنى الآية. ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾(١)، ومعلوم أنَّ الإشهاد مأمور به في الأمرين جميعاً، من الإمساك أو الفراق، وليس الإشهاد مع ذلك شرطاً في وقوع الفرقة، فكذلك ليس بشرط في صحة الإمساك. وأيضاً: فإن الرجعة حق له، وليس في الأصول كون الإشهاد شرطاً في استيفاء حق الإنسان لنفسه. وأيضاً: لما صحت الفرقة بغير إشهاد، كانت الرجعة كذلك، إذ كل واحد منهما(٢) متعلق بفعله دون غيره. * وإنما كُره له إخراجها حتى يُشْهد على رجعتها، لقول الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُهُنَّ مِنْ يُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾(٣). فإن قال قائل: هلاّ جعلتَ إخراجه إياها إلى السفر رجعة منه، كالوطء والقُبلة؛ لأنه لا يجوز أن يسافر بها حتى يراجع. قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يكون لو أخرجها من منزله أن يكون رجعة، لأنه ليس له إخراجها حتى يراجع، ولا خلاف أنه لو (١) الطلاق: ٢. (٢) في الأصل: ((إذ جميعاً))، والمثبت من (ق.ج). (٣) الطلاق: ١. ١٤٢ كتاب الطلاق أخرجها من منزله ولم يسافر بها: لم يكن مراجعاً. وأما الوطء والقبلة ونحوها، فإنما كان رجعة؛ لأنه يختص بالإمساك على النكاح، فصار تمسكاً بها. والإخراج إلى السفر ليس مخصوصاً بالنكاح، ألا ترى أنَّ المرأة تسافر مع ذوي مَحْرَمها. مسألة : [اختلاف الزوجين في انقضاء العدة والرجعة] قال أبو جعفر: (وإذا قال لها: قد راجعتُك، فقالت: قد انقضت عدَّتي: لم تُصدَّق، ولزمتها الرجعة)(١). قال أبو بكر : هذا علی وجھین: إن قالت مجيبة له عقيب كلامه: قد انقضت عدتي: فهو على الخلاف: قال أبو حنيفة: لا تثبت الرجعة، والقول قولها. وقال أبو يوسف ومحمد: تصح الرجعة. وإن سكتت عن ذلك، ثم قالت بعدما تراخى الوقت: قد انقضت عدتي: لم تُصَدَّق، وصحت الرجعة في قولهم جميعاً، ولم يذكر أبو جعفر هذا التفصيل. * وأما وجه قول أبي حنيفة في مسألة الخلاف: فهو أنها لما كانت مصدَّقة على انقضاء العدة، وكان معلوماً أنَّ قولها: قد انقضت عدتي، إنما هو إخبار عن حال ماضية غير موجودة في الوقت، صار حال انقضاء عدتها في التقدير متقدِّماً لقول الزوج: قد راجعتُك، فصار كأن المرأة (١) انظر المبسوط ٢٤/٦، بدائع الصنائع ١٩٨٥/٥. ١٤٣ كتاب الطلاق قالت: قد انقضت عدتي، ثم قال: قد راجعتك: فلا تصح الرجعة. وأما إذا تراخى الوقت، فقد صحت الرجعة من الزوج حين سكتت عن الإخبار بانقضاء العدة، فإذا قالت بعد ذلك: قد انقضت عدتي، فإنما قالته بعد حُكْمنا بصحة الرجعة، وبطلان العدة، فلا يُلتفت إلى قولها. وأيضاً: يحتمل أن تكون عدتها انقضت بعد قول الزوج: قد راجعتك فيما بينه وبين قولها: قد انقضت عدتي، فلا تمنع صحة الرجعة. مسألة : قال: (ولو قالت المرأة: قد انقضت عدتي، فقال: قد راجعتك قبل ذلك: لم يُصَدَّق، وكانت بائناً منه)(١). وذلك لأنها لما قالت: قد انقضت عدتي: بانت وبطلت العدة، فقوله: قد راجعتك: إن أراد به إيقاع رجعةٍ في الحال: لم تصح؛ لأن الرجعة لا تصح إلا مع بقاء العدة. وإن قال: كنت راجعتك قبل ذلك(٢): لم يُصدَّق؛ لأنه غير مالك للرجعة في حال الإقرار، وإقرار الإنسان بما لا يملكه لا يجوز. ألا ترى أنَّ مَن باع عبداً، ثم قال: قد كنت أعتقته قبل البيع: لم يُصدَّق، لأنه أقرَّ بما لا يملكه من العتق. وليس هذا مثل أن يقول وهي في العدة: كنت راجعتك أمس، فيُصدَّق؛ لأنه كان مالكاً للرجعة في حال الإقرار، فإنما أقرَّ بما يملكه، (١) انظر بدائع الصنائع ٤ /١٩٨٤. (٢) في (ق.ج): ((أمس)). ١٤٤ كتاب الطلاق فجاز إقراره. مسألة : [تصديق المرأة في انقضاء العدة] قال: (وإنما تُصدَّق المرأة في انقضاء العدة فيما قد يجوز فيه ما قالت، فأما ما لا يجوز فيه ما قالت، فإنها غير مصدّقة فيه(١). قال: وأقل المدة التي تُصدَّق فيها في ذلك في قول أبي حنيفة: ستون يوماً، ويختلف عنه في تفسيرها(٢). فأما أبو يوسف فذكر عنه أنه قال: اجعلها طاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً خمسة أيام، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً خمسة أيام، وظاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً خمسة أيام (٣). قال: وأما الحسن بن زياد فذكر عنه أنه قال: أجعلها حائضاً عشرة أيام، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً عشرة أيام، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً عشرة أيام) (٤). وإنما اعتبر أبو حنيفة شهرين في ذلك، ولم يعتبر أقل ما يكون من الطهر والحيض؛ لأنه خلاف العادة، فلا تُصدَّق في انقضاء عدتها على خلاف المعتاد، وقد جعل الله تعالى عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر، فأقام كل شهر مقام حيضة. (١) انظر البناية ٧٩٣/٤. (٢) بدائع الصنائع ٢١٠٣/٤. (٣) المرجع السابق. (٤) انظر بدائع الصنائع ٢٠١٤/٤. ١٤٥ كتاب الطلاق وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحِمْنة بنت جَحْش: ((تحيَّضي في علم الله ستاً أو سبعاً، كما تحيض النساء في كل شهر))(١). فجعل الأشهر الأعم من عادة النساء وجود الحيضة في كل شهر، إلا أنه مع ذلك قد يتفق في العادة وجود ثلاث حِيَض في شهرين، فحمله على ذلك. ولأن الشهرين واسطة بين الأقل وبين الأكثر في العادة فاعتبرهما. * وأما اعتبار أبي حنيفة في رواية أبي يوسف: فإن وجهه أنَّ مَن أراد أن يطلق للسنَّة، فإنه يقصد إلى الإيقاع بعد أن تطهر من حيضها، فجعل الطلاق واقعاً في أول الطهر، ثم جعله خمسة عشر يوماً، وهو أقل الطهر، لأنه لا نهاية لأكثره، وجعل الحيض خمسة: نصفَ أكثر الحيض، وهو عشرة. * وأما اعتبار رواية الحسن بن زياد، فإنه جعلها كأنها حاضت عقيب الطلاق، فجعل حيضها عشرة، وطهرها بعد ذلك خمسة عشر يوماً؛ لأنه لا نهاية لأکثره. * وأما أبو يوسف ومحمد: فحَمَلا الأمر فيه على الصحة على أقل ما يمكن أن يكون الحيض والطهر، وهو ثلاث حِيَض، وخمسة عشر طهراً، وثلاث حِيَض، وخمسة عشر طهراً، وثلاث حِيَض، فذلك تسعة وثلاثون يوماً. (١) هذا جزء من حديث طويل ذكره المؤلف بالمعنى، والحديث في سنن أبي داود ١٩٩/١ - ح٢٨٧، سنن الترمذي ٢٢١/١ - ح ١٢٨، وقال: «هذا حديث حسن صحيح))، وشرح السنة للبغوي ١٤٨/٢ . ١٤٦ كتاب الطلاق [انقضاء العدة بعد الولادة والرجعة] قال أبو جعفر(١): (ولو كان طلقها عقيب الولادة، فإنها لا تُصدَّق على انقضاء العدة في أقل من خمسٍ وثمانين يوماً في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة)(٢). قال أبو بكر: وذلك لأن من أصل أبي حنيفة: أنَّ الطهر خمسة عشر يوماً في الأربعين التي هي مدة النفاس، لا يفصل بين الدمين، ويكون الجمیع کأنه دم متصل. فلا يمكن على أصله أن يكون النفاس في هذا الموضع أقل من خمسةٍ وعشرين يوماً، لأنه إن جعله أقل من ذلك، ثم طهرت خمسة عشر يوماً، ثم عاودها الدم في الأربعين: كان ذلك كله نفاساً. فجعل النفاس خمسة عشر يوماً، ثم طهرت خمسة عشر يوماً إلى تمام الأربعين، فيكون الدم الموجود بعد الأربعين حيضاً. فقد علمتَ أنَّ ما يُحتسب به من العدة هو ما بعد الخمسة وعشرين يوماً، فيحسب شهرين من ذلك الوقت على ما بينا فيما تقدم من رواية أبي يوسف، فيكون جميع ذلك خمسة وثمانين يوماً. * وأما في تقدير رواية الحسن بن زياد على اعتبار الشهرين: فإنها لا (١) مختصر ص٢٠٦. (٢) وذكر صاحب بدائع الصنائع رواية الإمام محمد هذه عن أبي حنيفة، ونقل قول أبي يوسف، فقال: ((وقال أبو يوسف: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوماً)). انظر بدائع الصنائع ٤ /٢٠١٥. ١٤٧ كتاب الطلاق تصدق في أقل من مائة يوم(١)؛ لأنها تكون نفساء خمسة وعشرين يوماً، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً عشرة أيام، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً عشرة أيام، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً عشرة أيام(٢)، فذلك مائة يوم. * وأما أبو يوسف: فلا يُصدِّقها في أقل من خمسةٍ وستين يوماً(٣)، لأنها نفساء أحد عشر يوماً أكثر من الحيض؛ لأن مدة النفاس في العادة أكثر من مدة الحيض، وإن كان قد تكون ساعة، ثم جعلها طاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً ثلاثة أيام، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً ثلاثة أيام، وطاهراً خمسة عشر يوماً، وحائضاً ثلاثة أيام ، فذلك خمسة وستون يوماً. * وأما محمد: فإنه قال: لا تُصدَّق في أقل من أربعة وخمسين يوماً وساعةُ وذلك لأن أقل النفاس ساعة، ثم طهرت خمسة عشر يوماً، وحاضت ثلاثة أيام، وطهرت خمسة عشر يوماً، وحاضت ثلاثة أيام. * ولا خلاف بينهم في أنَّ أقل النفاس ساعة، وذلك لأن النفاس هو الدم الموجود عقيب الولادة، وقد يجوز أن يوجد ساعة فينقطع، فيكون ذلك الدم نفاساً. (١) انظر بدائع الصنائع ٢٠١٥/٤. (٢) في الأصل تكرار غير صحيح. (٣) في (ق.ج): ((لأنه جعلها أكثر)). (٤) بدائع الصنائع ٢٠١٦/٤. ١٤٨ باب الإيلاء باب الإيلاء مسألة : قال(١): (ومَن حلف بالله لا يقرب زوجته أربعة أشهر فصاعداً: فهو مُوْلٍ، فإن قَرُبَها في الأربعة الأشهر: حَنِث، وهو الفيء الذي ذَكَرَ الله تعالى في قوله: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢)، وكانت عليه كفارة يمين. وإن لم يَقْرَبها حتى مضى أربعةُ أشهر: بانت بتطليقة). قال أبو بكر : روي عن بعض التابعين: أنه إن حلف على أقل من أربعة أشهر: كان مُوْلِياً (٣). وقال مالك بن أنس: إذا حلف على أربعة أشهر: فليس بمول حتى یحلف على أكثر منها (٤). فأما مَن قال: إنه متى حلف على أقل من أربعة أشهر فهو مُوْل: فإنه احتج فيه بظاهر قوله تعالى: ﴿ لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ﴾: وهذا مول. قال أبو بكر : ولا خلاف بين أهل العلم أنه لو امتنع من جماعها من (١) مختصر الطحاوي ص ٢٠٧، وينظر فتح القدير ١٨٨/٤. (٢) البقرة: ٢٢٦. (٣) المبسوط ٢٢/٧، شرح فتح القدير ١٩٠/٤، المغني ٥٠٥/٨. (٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٢٨/٢، المغني ٥٠٥/٨. ١٤٩ باب الإيلاء غير يمين: لم يُكْسِبِه ذلك حكم الطلاق(١). فإذا حلف على أقل من أربعة أشهر: فقد بقي من مدة التربص ما لا يَكْسَب حكم الطلاق بالامتناع من جماعها فيه، فوجب أن لا يتعلق حكم الطلاق بمضيِّ المدة(٢). ودل ذلك على أنَّ المراد بقوله: ﴿لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآبِهِمْ﴾: فيمن حلف على أربعة أشهر فصاعداً. وقال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السَّنَةَ والسنتين، فوقَّت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه دون ذلك: فليس بإيلاء(٣). وأما قول من قال: لا يكون مولياً بحَلِفِه على أربعة أشهر: فقول ظاهر الفساد، يدفعه ظاهر الآية؛ لأن الله تعالى جعل هذه المدة تربّصاً له في الفيء فيها، ولم يجعل له التربص أكثر منها. فمتى امتنع من جماعها باليمين هذه المدة، أشبه ذلك حُكْمَ الطلاق، ولا فَرْق بين الأربعة أشهر وبين ما هو أكثر منها. فإن قال قائل: إذا حلف على أربعة أشهر: لم يصح تعلق حكم الطلاق بها، لأنك تُوقع الطلاق بمضيِّها، وليس هناك إيلاء. قيل له: لا يمتنع ذلك، لأن مضيَّ المدة إذا كان سبباً للإيقاع، لم يجب اعتبار بقاء الیمین في حال وقوعه. (١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٥٧/١. (٢) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٤ /١٩٧. (٣) انظر السنن الكبرى للبيهقي ٣٨١/٧. ١٥٠ باب الإيلاء ألا ترى أنَّ مضيَّ الحول لما كان سبباً لوجوب الزكاة، لم يجب أن يكون الحول موجوداً في حال الوجوب، بل يكون معدوماً منقضياً. وأن مَن قال لامرأته: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق، أنَّ هذه يمين معقودة، وإن دخلت: طلقت في حالٍ قد انحلَّت اليمين فيها وبطلت. كذلك مضيُّ مدة الإيلاء، لما كان سبباً لوقوع الطلاق: لم يمتنع وقوعها واليمين غير موجودة. * وأما وقوع الطلاق بمضيِّ المدة، فإنه روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر رواية أنَّ الطلاق يقع بمضيِّ المدة ما لم يفىء في المدة(١). وروي عن علي عليه السلام رواية أخرى، وأبي الدرداء، وابن عمر: أنَّ المولي يُوْقَف(٣) بعد مضي المدة. والدليل على صحة قولنا: قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ تَرَبُّهُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، كما قال: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرْوَءٍ﴾(٣). فلما كانت البينونة واقعة بمضيِّ المدة في تربص الإقراء، وَجَبَ أن (١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٥٩/١، مصنف عبد الرزاق ٤٥٣/٦، فتح الباري ٤٢٦/٩، المغني والشرح الكبير ٥٢٨/٨. (٢) في (ق.ج): ((يتوقف))، ونصّ الأثر في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((إذا مضت أربعة أشهر يوقَف حتى يُطلِّق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلِّق)). (٣) البقرة: ٢٢٨. ١٥١ باب الإيلاء يكون كذلك حكم تربص الإيلاء، والمعنى الجامع بينهما: ذِكْر التربص في كل واحدة من المدتین. وإن شئتَ جَمَعْتَ بينهما من جهةِ أنَّ كل واحدة من المدَّتين موجَبَة عن قوله، فتعلَّق بها حكم البينونة، فلما تعلقت في إحداهما بمضيِّها، كانت الأخرى مثلها، للمعنى الذي ذكرنا(١). وأيضاً: لو وَقَفْنا المولي، لحَصَلَ التربص أكثر من المدة المذكورة، وذلك خلاف الكتاب. فإن قال قائل: فأجل العنِّين حَوْلٌ، وتُخيَّر امرأته بعد ذلك في الفرقة إذا لم يصل إليها في المدة، ولا يوجب ذلك زيادةً في الأجل، كذلك ما ذُکر من حُكْم الإيلاء وقفه بعد المدة، لا توجب زيادة فيها. قيل له: ليس(٢) في الكتاب ولا في السنة ما يوجب تقدير أجل العنِّين، وإنما أُخذ حكمه من قول السلف، والذين قالوا إنه يؤجل حولاً، هم الذين خيَّروها بمضيِّه قبل الوصول إليها، ولم يوقعوا الطلاق بمضيِّ المدة(٣)، ومدةُ الإيلاء موجَبَةٌ بالكتاب من غير ذكر التخيير معها، فالزائد فيها مخالفٌ لحکمه. وأيضاً: فإن أجل العنِين إنما يوجب لها الخيار بمضيِّه، وأجل المولي عندك إنما يوجب عليه الفيء، فإن قال: أفيء: لم يفرَّق بينهما، فكيف يشتبهان؟ (١) أحكام القرآن ٣٦١/١. (٢) وفي (ق.ج): ((لا يوجد)). (٣) في الأصل: (العدة). ١٥٢ باب الإيلاء ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآءِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١)، فجعل له بعد الإيلاء أحد الشيئين: إما الفيء، وإما الطلاق، فوَجَبَ أن يحصل (٢) الطلاق بفوات الفيء، إذ غير جائزٌ له أن يوقع(٣) الفيء والطلاق جميعاً. والدليل على فوات الفيء بمضيِّ المدة، وأنه مرادٌ فيهما (٤): ظاهر قوله: ﴿فَإِن فَآءُو﴾، والفاء للتعقيب، فاقتضى أن يكون الفيء عقيب اليمين؛ لأنه جعله لمن له تربص أربعة أشهر، ومَن أثبته بعد مضي المدة، فقد خالف ظاهر الآية. وأيضاً: فقد اتفق الجميع على صحة الفيء في المدة، فدل أنه مرادٌ فيهما، فصار ذلك كقوله: ((فإن فاؤوا فيهن))، وكذا روي في حرف عبد الله(٥). فحصل الفيء مشروطاً في المدة دون غيرها، وبمضيِّ المدة يفوت الفيء، وإذا فات الفيء: حصل الطلاق لما وصفنا. فإن قيل: لما قال: ﴿وَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍّ فَإِن فَآءُو ﴾، فعطف بالفاء على (١) البقرة: ٢٢٦. (٢) في الأصل: ((يجعل)). (٣) في الأصل: (يمنع)، والمثبت من (ق.ج). (٤) في (ق.ج): ((فيها)). (٥) وفي أحكام القرآن ٣٦١/١: ((وكذلك قرئ في حرف عبد الله بن مسعود))، وينظر البحر المحيط ٤٤٩/٢، فتح الباري ٣٣٥/٩. ١٥٣ باب الإيلاء التربص في المدة، فدل على أنَّ الفيء مشروط بعد التربص، وبعد مضي المدة، وأنه إذا فاء في المدة، فإنما ثبت حكمه من حيث عجّل حقاً لم يكن عليه تعجيله، کمن عجّل ديناً هو مؤجل عليه. قيل له: ليس الأمر فيه على ما ظننت، لأن قوله: ﴿فَإِن فَآءُو﴾: فيه ضمير المولي المبتدىء بذكره في الآية، وهو الذي له تربص أربعة أشهر، فالذي يقتضيه الظاهر: إيجاب الفيء عقيب اليمين. فإن قيل: لما قال: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾: دلَّ على أنَّ وقوعه موقوف علی قول یکون منه. قيل له: هذا يدل على صحة قولنا؛ لأنه علَّق الطلاق فيه بعزيمة القلب، دون القول؛ لأن عزيمة القلب لا تكون قولاً، فلو كان يجب وَقْفه بمضيِّ المدة لما تعلق بعزيمة القلب دون إيقاعه بالقول. وهذا يدل على أنَّ المراد عزيمة ترك الفيء في المدة، والمضي عليها، وأن فواته يوجب الطلاق. فإن قيل: ليس الإيلاء صريح الطلاق، ولا كناية عنه، فالواجب أن لا يقع به طلاق. قيل له: وليس اللعان صريح الفرقة، ولا كناية، فيجب على المخالف أن لا يوقع الفرقة به حتى يفرِّق الحاكم. ولا يلزم على أصلنا أيضاً؛ لأن الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة من وجه، لأن قوله: لا أقربك: يشبه كناية الطلاق، إلا أنه أضعف حالاً من غيرها، فلا يقع الطلاق إلا بانضمام معنى آخر إليه، وهو مضيُّ المدة على الوصف الذي يقوله، إذ قد وجدنا من الكنايات ما لا يقع به الطلاق ١٥٤ باب الإيلاء فيه بقول الزوج دون انضمام معنى آخر إليه، وهو قول الزوج لامرأته: قد خيّرتك، أو: أمرك بيدك، فلا يقع الطلاق فيه إلا باختيارها. فكذلك لا يمتنع أن يقال في الإيلاء إنه كناية، إلا أنه أضعف حالاً من سائر الكنايات، فلا يقع الطلاق فيه باللفظ دون انضمام معنى آخر إلیه. وأما اللعان فلا دلالة فيه على معنى الكنايات؛ لأن قذفه إياها بالزنى وتلاعنهما، لا يصلح أن يكون عبارة عن البينونة بحال. وأيضاً: فإن اللعان مخالف للإيلاء، من جهة أنّ حكمه لا يثبت بغير الحاكم، فكذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة، لا تقع إلا بحكم الحاكم، والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم، فكذلك ما يتعلق به من الفرقة. وبهذا المعنى فارق العنِّينَ أيضاً؛ لأن تأجيله لا يثبت إلا بحاكم، كذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة. فإن قال قائل: لما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوْلَطََّقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾(١): دل على أنَّ هناك قولاً مسموعاً، وهو الطلاق. قيل له: هذا جهلٌ مُفرطٌ من قائله، من قِبَل أنَّ السميع لا يقتضي مسموعاً؛ لأن الله تعالى لم يزل سميعاً، ولا مسموع. وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ (١) البقرة: ٢٢٧. ١٥٥ باب الإيلاء عَلِيمٌ﴾(١)، والقتال لا يتعلق بمسموع(٢). مسألة: [الإيلاء بالحلف بالعتق أو الحج ونحوها] قال(٣): (وإذا حلف بعتق أو طلاق أو حج أو صيام: كان مولياً)(٤). لأن هذه أيمانٌ يلزم بالحنث فيها ما أوجبه من العتق ونحوه، وكذلك يلزمه الصيام في ذمته، وقد تعارف الناس الحلف بهذه الأيمان. * قال: (وإن قال: إن قَرُبْتُكِ فعليَّ صلاة: لم يكن مولياً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف). لأن الناس لا يتعارفون الحلف بالصلاة، كما تعارفوا الحلف بالحج والصدقة والصوم. ولو حُمِل الأمر على القياس، كان ينبغي أن لا يكون مولياً في جميع ذلك؛ لأن هذه ليست بأيمانٍ على الحقيقة، وإنما اليمين ما كان قَسَماً بالله تعالی دون غيره. وأيضاً: فإن وجوب الصلاة ليس له تعلقُ باليمين بحال؛ لأن كفارة اليمين ليس فيها صلاة، وفيها عتق، وصدقة، وصوم، فجاز أن يكون مولياً بإيجاب الصوم، وسائر ما انتظمته اليمين بالله من الكفارة. وأما الحج، وإن لم يكن من كفارة اليمين، فإنه حق في مال، فأشبه (١) البقرة: ٢٤٤. (٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٦٢/١، المبسوط ٢٠/٧-٢١. (٣) مختصر الطحاوي ص٢٠٧. (٤) انظر المبسوط ٢٥/٧، البناية ٦٤٤/٤. ١٥٦ باب الإيلاء الصدقة والعتق من حيث كانا حقاً في مال. (وقال محمد: ويكون مولياً بالصلاة)(١)؛ لأنها تلزم بالنذر، كالصوم وغيره. مسألة : [مدة إيلاء الأمة] قال: (ومدة إيلاء الأمة شهران، كما أنَّ عدتها على النصف من عدة الحرة)(٢). لأن هذه المدة تتعلق بها بينونة، كما تتعلق بالمدة في الطلاق الرجعي. مسألة : [كيفية فيء العاجز عن الوطء] قال: (وإذا آلى وهو لا يقدر على جماعها في المدة، إما لمرض، أو لُبُعد المسافة، أو كانت رَتْقاء: فإن فيئه أن يقول بلسانه: قد فئتُ إليها)(٣). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَإِن فَآءُو﴾، وهذا قد فاء؛ لأن الفيء الرجوع إلى الشيء، وهو قد كان ممتنعاً من وطئها بالقول، وهو اليمين، فإذا قال: قد فئتُ إليها، فقد رجع عن ذلك القول إلى ضده، فتناوله العموم. وأيضاً: لما تعذر جماعها، قام فيئه بالقول مقام الوطء في المنع من البينونة(٤)، كما أنَّ المطلقة طلاقاً رجعياً، لما مُنْعَ جماعها بعد الطلاق، قام القول فيه مقام الوطء في المنع من البينونة. (١) المبسوط ٢٨/٧، البناية ٤ /٦٤٤. (٢) انظر المبسوط ٢٤/٧، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٠٥/٤. (٣) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٢٠٥/٤. (٤) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٥٨/١، وما بعده المبسوط ٢٨/٧. ١٥٧ باب الإيلاء * قال : (وإذا قال: قد فئتُ إليك، ودام العذر حتى انقضت المدة: لم يقع به طلاق، وإذا زال العذر في المدة، وقدر على الوطء فيها: لم يكن فيئه إلا الجماع). وذلك لأن الفيء بالقول قائم مقام الوطء عند عدمه، لئلا تقع البينونة (١) بمضيِّ المدة، فمتى قدر على الوطء في المدة: بطل الفيء بالقول. كما أنَّ التيمم لما أقيم مقام الوضوء في إباحة الصلاة، كان متى وُجد الماء قبل الفراغ منها: بطل تيممه، ولزمته الطهارة بالماء. والإحرام ليس بعذر في الفيء بالقول(٢)، لأن تحريم الوطء بفعله، وهو حقُّ الله تعالى، فلا يسقط حقها من الوطء. مسألة : قال: (ومن حلف على قُرب امرأته بعتق عبدٍ له، ثم باعه: سقط الإيلاء)(٣). وذلك لأنه يصل إلى وطئها في هذه الحال بغير حنثٍ يلزم، ومتى أمكنه وطؤها بغير حنث: لم يكن مولياً، كما لو حنث، فسقطت يمينه: بطل الإيلاء، لأنه يمكنه وطؤها بغیر حنث. (١) في (ق.ج): ((الطلاق)). (٢) انظر تفصيل المسألة في أحكام القرآن ٣٥٨/١. قال السرخسي: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف: فيئه: الرضا باللسان، لأنه ممنوع من جماعها في المدة شرعاً. انظر المبسوط ٢٩/٧. (٣) انظر العناية مع شرح فتح القدير ٢٠٣/٤-٢٠٤. ١٥٨ باب الإيلاء * قال: (فإن ابتاعه: عاد الإيلاء)، لأن قُرْبها أوجب عتق العبد. مسألة : [حكم الإيلاء بعد البينونة] قال: (وإذا بانت بالإيلاء، ثم تزوجها: عاد الإيلاء، فإن بانت أيضاً، ثم تزوجها: عاد الإيلاء)(١). وذلك لأن حقيقة الإيلاء هي: كل يمين في زوجةٍ تمنعٍ جماعَ أربعة أشهر إلا بحنث، وذلك موجود بالجماع الثاني، من قِبَل أنّ اليمين التي كانت معقودة في النكاح الأول لم تسقط بزواله. والدليل على أنَّ اليمين لا تسقط بزوال النكاح: أنَّ زوال النكاح لا يمنع صحة عقد اليمين، ألا ترى أنه لو قال لأجنبية: إن تزوجتك فوالله لا أقربك، أنَّ هذه يمين صحيحة، فإذا تزوجها كان مولياً، فدل على أنَّ زوال النكاح لا ينفي بقاء اليمين (٢). قال: (وإن بانت بثلاث، ثم تزوجها بعد زوجٍ: لم يكن مولياً، وإن قَرُبَها: كفَّر يمينه)(٣). وذلك لأن الإيلاء له حكمان: حكم الحنث، وحكم الطلاق، وحكم الطلاق لا يثبت إلا في ملك، أو مضافاً إلى ملك، والطلاق الذي استفاده الأول بالزواج الثاني، لم يكن في ملكه وقت اليمين، ولا كانت اليمين مضافة إليه، فلم يقع به الطلاق. (١) انظر الهداية وشرح فتح القدير ١٩٥/٤، وما بعدها. (٢) انظر شرح فتح القدير ٢٠٥/٤. (٣) انظر المبسوط ٣٠/٧، وخالف فيه الإمام زفر وقال: يكون مولياً. ١٥٩ باب الإيلاء ألا ترى أنه لو قال لامرأته: كلما دخلتِ الدار فأنتِ طالق، فدخلت ثلاث مرات، فطلقت ثلاثاً، ثم تزوجها بعد زوجٍ، فدخلت الدار: أنها لا تطلق، من قِبَل أنَّ الطلاق الذي استفاد ملكه بعد الزوج الثاني، لم يكن مالكاً له یوم عقد الیمین، ولا كانت مضافة إليه، فكذلك ما وصفنا. مسألة : [الإيلاء بلفظ: عليَّ حرام] قال: (ومن قال لامرأته: إن قربتك فأنت علي حرام، فإن نوى الطلاق: كان مولياً في قولهم جميعاً)(١). لأنه بمنزلة من قال لامرأته: إن قربتك فأنت طالق. * (وإن نوى بالتحريم يميناً: كان مولياً في قول أبي حنيفة الذي رواه عنه أبو يوسف (٢). قال: وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه لا يكون به مولياً، وهو قول أبي يوسف ومحمد)(٣). وجه القول الأول: أنه أوجب تحريمها بالقرب (٤)، فصار كقوله: إن قربتك فأنتِ علي كظهر أمي؛ لأن الظهار يوجب تحريماً ترفعه الكفارة. كذلك قوله: إن قربتك فأنتِ عليَّ حرامٌ، إذا أراد به اليمين. (١) انظر شرح فتح القدير ٢٠٧/٤. (٢) انظر بدائع الصنائع ١٩٤٤/٤، حاشية ابن عابدين ٤٣٣/٣. (٣) انظر البناية شرح الهداية ٦٥٠/٤. (٤) في الأصل: ((القول))، والمثبت من (ق.ج). ١٦٠ باب الإيلاء فإن قيل: لأن الظهار يلزم به تحريم لا ترفعه إلا الكفارة، وفي قوله: أنت علي حرام، إنما يكفر بعد الجماع. قيل له: لزوم الكفارة بعد الجماع لا يدل على أنّ التحريم لم يلزم؛ لأن الصائم في رمضان قد لزمته حرمة الصوم(١) وإن كانت الكفارة تجب بعد الجماع، وكذلك الإحرام(٢)، وكذلك قوله: إن قربتك فأنتِ على حرام عند أبي حنيفة، إذا جامع: لزمته حرمة التحريم، فمن انتهكها لزمته الكفارة. فإن قيل: قوله: أنت علي حرام، لا يوجب تحريماً إذا أراد به اليمين؛ لأنه يجوز له وطؤها، وقد قال الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾(٣)، ثم أوجب فيه الكفارة. قيل له: قد تعلق إيجاب التحريم باللفظ؛ لأن اللفظ موضوع له، وما تعلق به إيجاب التحريم من هذا الوجه، تعلق به حكم الإيلاء، لأن أقل أحوالها أن يتعلق به الإيلاء من طريق الحكم، من حيث اقتضاه اللفظ، ثم لا يصدق على إسقاط الإيلاء بقوله: أردت يميناً، وكان (٤) له أن يستبيح وطأها ويُكفِّر بعده. (١) يجب الإمساك بقية اليوم على من أفسد صومه بالجماع، لحرمة رمضان. شرح فتح القدير ٣٦٣/٢. (٢) يجب الاستمرار على من أفسد حجه أو عمرته إلى نهايته. انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٤٤/٣. (٣) التحريم: ١. (٤) في المختصر ص٢٠٩: (أو لا).