Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الطلاق
فإن قيل: هل وقفتَ حكم الكلام على آخره، كما لو قال: أنت طالق
ثلاثاً.
قيل له: لأن قوله: ثلاثاً: ليس بكلام مستقل، وإنما هو تفسير للَّفظ
الأول، کقوله: أنت طالق بائن ونحوه، فوقف الكلام علیه.
وقوله: ((أنتِ طالق، وطالق، وطالق)): الطلاق الثاني ليس بتفسير
للأول، ولا هو مجموع إلى الأول في سببٍ يجمعهما، فكان كلاماً مستقلاً
غير متعلق بالأول، فلم يقف أول الكلام عليه.
مسألة : [تعليق الطلاق الثلاث بدخول الدار]
قال أبو جعفر: (ولو قال: أنت طالق، وطالق، وطالق إن دخلتٍ
الدار، فدخلت الدار: طلقت ثلاثاً وإن لم يكن مدخولاً بها)(١).
وذلك لأن الواو للجمع، وقد ذكر في آخر الكلام ما يوجب تعلق
الجميع مجموعاً(٢) به، وهو الشرط، فصار كقوله: أنت طالق ثلاثاً إن
دخلت الدار، ولم تكن الواو للاستقبال في هذا الموضع، لما دلَّ عليه
بآخر الكلام.
مسألة :
قال: (ولو قال لها: إنْ دخلتِ الدار فأنت طالق، وطالق، وطالق،
ولم يدخل بها، ثم دخلت الدار: طلقت واحدة بالدخول، ولا يقع ما
(١) انظر شرح فتح القدير ٥٥/٤.
(٢) ((مجموعاً)): ساقط من الأصل، والمثبت من (ق.ج).

٨٢
كتاب الطلاق
بعدها في قول أبي حنيفة)(١).
لأنه يصير عند الدخول كالمتكلم بالجواب في ذلك الوقت، فتقع
الأولى، وتَبِیْن بها، ولم يقع ما بعدها.
(وفي قول أبي يوسف ومحمد يقع ثلاثاً)(٢).
لأن الجميع متعلق بالدخول، والدخول شَرْط في وقوعهن، فصارت
الثلاث مجموعة معلقة بالدخول.
قال أبو بكر: قد قالوا جميعاً: إنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت
طالق، ثم طالق، ثم طالق: أنها إذا دخلت الدار وقعت الأولى قبل الثانية
وإن كان الجميع معلقاً بالدخول، وجعلوه كأنها دخلت، ثم قال الزوج
ذلك، وهذا يشهد لأبي حنيفة عليهما(٣).
* قال أبو جعفر: (والفاء مثل الواو في جميع ذلك)(٤).
وذلك لأن: ((الفاء)): تقتضي الجمع، وهي كالواو من هذا الوجه وإن
کانتا تختلفان من وجه آخر.
مسألة: [استعمال لفظ: ((ثم)) : في الطلاق]
قال: (ولو قال: أنتِ طالق، ثم طالق، ثم طالق إن دخلتِ الدار،
(١) المبسوط ١٢٧/٦.
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) المبسوط ١٢٩/٦.
(٤) المصدر السابق.

٨٣
كتاب الطلاق
وهي غير مدخول بها: فإنه تقع الأُولى، وتَبين في الحال(١)، ويبطل ما
بعدها في قول أبي حنيفة).
لأن: ((ثم)): لما كانت للتراخي، فَصَلت بين الأُولى والشرط، فوقعت
في الحال، لأنه كالبادئ بإيقاعها .
قال أبو بكر : وفي قول أبي يوسف ومحمد تتعلق الثلاث بالدخول،
إلا أنها إذا دخلت: وقعت الأُولى وبانت، ولم تقع الثانية والثالثة.
فإن كانت مدخولاً بها: وقعت الثلاث واحدة بعد أخرى عندهما.
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ: ((ثم)): للتراخي، وليست للجمع، فتقع
الأُولىُ وتَبِيْن، ويبطل ما بقي.
وجعلها أبو يوسف ومحمد للجمع، فتعلق الجميع بالدخول، إلا أنها
وقعت على الترتيب.
مسألة : [تعليق الطلاق بالشرط]
قال أبو جعفر: (ولو قال لها: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، ثم طالق،
ثم طالق: وقعت الثانية عند القول، وبانت، وبطلت الثالثة، ولا تقع أبداً،
والأولىُ معلّقة بالدخول)(٢).
وذلك لأن الأُولى معلقة(٣) بالدخول، فلا تقع أو يوجد شرطها،
والثانية مقطوعة عن الأُولى: فتقع في الحال؛ لأنه طلاق مبتدأ، والثالثة
(١) ((في الحال)): ساقط من (ق.ج).
(٢) انظر المبسوط ١٢٩/٦.
(٣) وفي الأصل: (متعلقة))، والمثبت من (ق.ج).

٨٤
كتاب الطلاق
صادفتها وهي أجنبية، فلم تعمل.
وفي قولهما: يتعلق الجميع بالدخول على وجه الترتيب، كأنه قال: إن
دخلت الدار فأنت طالق تطليقة، وبعدها أخرى، وبعدها أخرى(١).
مسألة : [اقتران الطلاق بلفظ بعد]
قال أبو جعفر (٢): (وإذا قال لها ولم يدخل بها: أنت طالق واحدة
بعدها واحدة: وقعت الأُولى وحدها)(٣).
وذلك لأن المذكور أوَّلاً هو الموقَع أوَّلاً، ألا ترى أنه لو قال: لقيت
زيداً بعد عَمْروٌ: أنَّ زيداً هو المرئيُّ أَوَّلاً.
مسألة :
قال أبو جعفر: (ولو قال: أنتِ طالق واحدة قبل واحدة: وقعت
واحدة).
للعلة التي ذكرناها، ألا ترى أنه لو قال: رأيت زيداً قبل عمرو: أنَّ
زيداً هو المرئيُّ أوَّلاً.
مسألة :
قال: (ولو قال: أنتِ طالق واحدة قَبْلها واحدة: طلقت ثنتين).
من قِبَل أن المذكور أوَّلاً هو المُوقَع آخراً، فيقع معه، ولا يقع قبله؛
(١) انظر شرح فتح القدير ٥٩/٤.
(٢) مختصر الطحاوي ص١٩٨.
(٣) انظر شرح فتح القدير ٤ / ٥٧.

٨٥
كتاب الطلاق
لأنه لو قال: أنت طالق أمس، وقد تزوجها قبل أمس: طلقت الساعة، ولم
تقع في الوقت الماضي (١)، ألا ترى أنه لو قال: رأيت زيداً قبله عمرو: أنَّ
زيداً المذكور أوَّلاً هو المرئيُّ آخراً.
مسألة :
قال: (ولو قال: أنتِ طالق واحدة مع واحدة: طلقت اثنتين)(٢).
لأن: ((مع)): للمقارنة، حتى يقوم الدليل على غيرها، كقوله: لقيت
زيداً مع عمرو، وكذلك قوله: أنتِ طالق واحدة معها واحدة.
مسألة : [تعليق الطلاق بالموت]
قال: (ولو قال: أنتِ طالق مع موتي أو موتك: لم يقع شيء) (٣).
لأن: ((مع)): في هذا الموضع للتعقيب، لدخولها على الشرط، وهي
وإن كانت في الحقيقة للمقارنة، فإنها تدخل في الكلام، ويراد بها
التعقيب.
والدليل عليه: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَعَ الْمُسْرِيُسْرًا﴾(٤)، ومعلوم أنهما لا
يكونان معاً، وإنما يكون أحدهما عقيب الآخر، فإذا دخلت على الشرط،
كانت بمعنى: بعد، لدلالة اللفظ عليه، وذلك أنَّ حكم الشرط أن يتقدم،
فيكون الجواب بعده؛ لأنه جعله سبباً لوقوع الجواب، وحُكْم السبب أن
(١) المرجع السابق ٣٠/٤.
(٢) انظر شرح فتح القدير ٤ /٤٢، ٥٧.
(٣) انظر تبيين الحقائق ٢٠٩/٢.
(٤) الشرح: ٦.

٨٦
كتاب الطلاق
يتقدم المسبّب.
وإذا صح ذلك، صار قوله: أنتِ طالق مع موتي: بمنزلة قوله: أنت
طالق بعد موتي.
وكقوله: أنت طالق مع دخولك الدار، معناه: بعد دخولك الدار.
مسألة : [تعليق الطلاق بشرط مستقبل]
قال: (وإذا علَّق طلاقَها بشرطٍ مستقبل، سواء مما قد يكون، أو لا
يكون: فإنه لا يقع شيء حتى يوجد الشرط، وليس عليه أن يعتزل
امرأته).
وذلك لأنه علَّق الطلاق بالشرط، ولم يوقِعْه في الحال، فلا يجوز
إيقاعه دون وجود الشرط، كما لو قال: أنتِ طالق غداً: لم يقع في
الحال(١).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾(٢)، وهذا
عقد.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون عند شروطهم))(٣).
مسألة : [تعليق الطلاق على الغَد]
قال: (وإذا قال لامرأته: أنت طالق في غد: طلقت إذا طلع الفجر من
(١) انظر شرح فتح القدير ٢٦/٤.
(٢) المائدة: ١.
(٣) أخرجه البخاري ٥٢/٣.

٨٧
كتاب الطلاق
غَدٍ)(١).
وذلك لأن: ((في)): ظرف يجعل غداً ظرفاً، لوقوع الطلاق فيه، فإذا
وُجد أولُ جزءٍ منه: وقع، لوجود ما يقتضيه اللفظ.
قال: (فإن قال: عَنَيتُ آخر النهار: دِيْنَ في القضاء في قول أبي
حنيفة)(٢).
وذلك لأن لفظه مطابق لنيته، إذ كان وقوعه في آخر النهار، لا يُخرج
الوقت من أن يكون ظرفاً.
وليس هذا بمنزلة قوله: أنت طالق غداً؛ لأن هذا يقتضي أن تكون
موصوفة بالطلاق في سائر أجزاء غد، لأن: ((غداً)): اسم لجميع اليوم،
وأما قوله: ((في غد)): فليس يقتضي ذلك، ألا ترى أنه لو قال: صمتُ
شعبان: كان المعقول منه صوم جميعه، ولو قال: صمت في شعبان: لم
يعقل منه صوم جميع الشهر (٣).
مسألة : [تعليق الطلاق بمشيئة الله]
قال أبو جعفر: (ومن قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله: لم يقع به
شيء) (٤).
(١) انظر شرح فتح القدير ٢٦/٤.
(٢) وقال أبو يوسف، ومحمد رضي الله عنهما: دين فيما بينه وبين الله عز
وجل، ولم يدن في القضاء. انظر مختصر الطحاوي ص١٩٩، المبسوط ١١٥/٦،
شرح فتح القدير ٢٨/٤.
(٣) المرجع السابق.
(٤) انظر شرح فتح القدير ١٣٦/٤.

٨٨
كتاب الطلاق
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن حَلَف
على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى))(١).
وفي بعض الأخبار: ((فلا حِنْثَ عليه))(٢)، وقد بيَّنَا وَجْهَ ذلك فيما
(٣)
تقدم(٣).
مسألة : [تنصيف الطلاق]
قال : (وإذا قال: أنتِ طالق نصفَ تطليقة: طلقت واحدة)(٤).
وذلك لأن النصف يثبت حكمه في الأصول، كقولك: بعتُك نصفَ
هذا العبد، وأوصيتُ له بنصفه، فوجب أن يثبت النصف المذكور من
التطليقة، ثم لما استحال وقوع النصف دون الباقي، وَفَعَ الجميع.
ويُحتج فيه أيضاً بعموم قوله تعالى: ﴿ الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾(٥)، ولم يذكر
نصفَها الله تعالى ولا غيره، فعمومه يقتضي وقوعَ الجميع.
وكذلك قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِرَ﴾(٦)، وسائر الآي الواردة في
أحكام الطلاق.
(١) أخرجه أبو داود: ٢٢٥/٣ - ح٣٢٥٩، والترمذي ١٠٨/٤، وقال: حديث
حسن، وينظر نصب الراية ٢٣٤/٣.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) وفي (ق.ج): ((مواضع)).
(٤) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ١٦/٤.
(٥) البقرة: ٢٢٩.
(٦) الطلاق: ١.

٨٩
كتاب الطلاق
مسألة : [لو قال: أنت طالق ثلاثة أنصافٍ تطلیقتین]
قال: (وإذا قال: أنتِ طالق ثلاثةَ أنصافٍ تطليقتين: طلقت ثلاثاً)(١).
لأن نصف التطليقتين واحدة، فصار كقوله: أنت طالق ثلاثاً(٢).
مسألة : [لو قال: أنت طالق قبل أن أتزوَّجك]
قال أبو جعفر: (ومن قال لامرأته: أنت طالق قبل أن أتزوجك: لم
يقع شيء)(٣).
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا طلاق قبل النكاح)) (٤).
* (وكذلك إذا قال: أنت طالق أمس، وإنما تزوجها اليوم)(٥).
من قِبَل أنَّ الوقت المضاف إليه الطلاق، لمَّا لم يصح وقوع الطلاق
فيه، لم يكن مطلِّقاً.
* قال: (ولو كان تزوجها أول من أمس: وقع الطلاق الساعة)(٦).
وذلك لأن الوقت المضاف إليه الطلاق، لمَّا كان مما يصح أن يكون
(١) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ١٦/٤.
(٢) المرجع السابق.
(٣) انظر المبسوط ٩٨/٦.
(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه ٣٧٨/١ - ح٢٠٥٩، وفي الزوائد: إسناده
ضعيف، وله شواهد أخرى يصح بها. انظر شرح السنة للبغوي ١٩٨/٩، نصب الراية
٢٣١/٣.
(٥) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٩/٤.
(٦) المصدر السابق ٤ /٣٠.

٩٠
كتاب الطلاق
مطلِّقاً فيه، فتكون طالقاً في الحال بطلاق موقَع في ذلك الوقت، فتضمن
هذا القول منه إيقاعاً في الحال.
مسألة : [إضافة الطلاق إلى الأعضاء]
قال: (ومن قال لزوجته: رأسُك طالق: طلقت)(١).
قال أبو بكر : هذه المسائل على ثلاثة أنحاء:
أحدها : إيقاع الطلاق بذِكْر عضو يُعبَّر في العادة به عن سائر البدن:
وَقَعَ به الطلاق، نحو قوله: رأسك طالق، أو: فَرْجُك، أو: رقبتك، أو:
وجهك.
وذلك لأن الرأس يعبّر به عن جميع البدن، كقولك: عندي كذا وكذا
رأساً من الرقيق، وعندي كذا وكذا فَرْجاً.
وقال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾(٢)، وأراد الشخص.
وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾(٣)، وأراد ذاته.
فما كان بهذا الوصف من الألفاظ فهو بمنزلة قوله: أنت طالق.
والثاني : ما كان عبارة عن جزء شائع في جميع البدن، مثل النصف،
والربع: فيقع به الطلاق، وذلك لأن الجزء الشائع في الجميع يثبت حكمه
(١) انظر المبسوط ٨٩/٦، بدائع الصنائع ١٨٨٨/٤، وانظر تفصيل المسألة في
المذاهب الأربعة كتاب: الفقه الإسلامي وأدلته ٣٧١/٧.
(٢) المجادلة: ٣.
(٣) القصص: ٨٨.

٩١
كتاب الطلاق
في الأصول، فوقع به الطلاق، ووقوعه في البعض، يقتضي وقوعه في
الكل.
والثالث: أن يذكر عضواً بعينه لا يُعبَّر به عن جميع البدن، مثل اليد،
والرِّجل، والشعر: فلا يقع به شيء(١).
لأن هذه الأعضاء لا يثبت حكمها في الأصول إلا على الوجه
التَّبَع(٢)، فلا يجوز إيقاع الطلاق فيه، ثم إلحاق الأصل به، لأنا لو فعلنا
ذلك کنا قد أثبتنا حکمه لا على وجه التبع، وهذا لا يجوز.
ألا ترى أنه ليس شيء من العقود يحتمل من الجهالة ما تحتمله
الوصايا.
ولا يصح مع ذلك في عضو بعينه من أعضاء الإنسان، فثبت أنه لا
يتعلق به حکم في الأصول، فلم یتعلق به حکم فيما وصفنا.
قال أبو بكر: وقال زفر (٣): يقع الطلاق في قوله: يدك أو: رِجْلك
طالق؛ لأن الطلاق في هذه الأعضاء لا يصح إلا بطلاق الأصل، فصار
مُوْقِعاً للطلاق في الأصل.
قال أبو بكر : وهذا غير واجب؛ لأن الطلاق ينبغي أن يثبت في
المُوْقَع فيه، ثم يتبعه غيره، فأما أن يوقعه في الأصل الذي ليس بمذكور،
ويتبعه المذكور، فهذا ضد مقتضى اللفظ.
(١) انظر المبسوط ٨٩/٦.
(٢) وفي (ق.ج): ((المنع)).
(٣) المبسوط ٨٩/٦.

٩٢
كتاب الطلاق
مسألة : [الشك في الطلاق]
قال: (ومَن شك في طلاق امرأته: فهي امرأته حتى يتيقن)(١).
وذلك لأن أصل النكاح يقين، فلا يزول بالشك، ألا ترى أنَّ مَن كان
على يقين من الطهارة لم تَزُل طهارته بالشك، وكذلك مَن كان حدثه يقيناً:
لم يرتفع إلا بيقين.
مسألة : [قال لامرأتيه: إحداكما طالق]
قال: (ومَن قال لامرأتيه: إحداكما طالق ثلاثاً، ولم ينو واحدة
بعينها: فإنه قد طلقت إحداهما بغير عَيْنها، ويؤخذ بإيقاعها على
إحداهما بعينها)(٢).
وذلك لأن جهالة المطلّقة لا يمنع صحة الإيقاع، كما أنَّ جهالة القَفِيز
المبيعِ من هذه الصبرة لا يمنع صحة البيع، ويكون الزوج مخيَّراً في تعيينه
في أيتهما شاء، كما أنه لو باع قفيزاً من صبرة كان عليه تعيين قفيزِ منها من
أيِّ جوانبها شاء.
ويدل عليه حديث الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه ((أنه أسلم
وتحته أختان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: طلِّق أيتَهما شئت))(٣).
فلما لم يكن بدٌّ من فراق إحداهما: جُعِلَ الخيار إليه فيهما.
(١) بدائع الصنائع ١٢٦/٣، المغني والشرح الكبير ٤٢٢/٨.
(٢) انظر حاشية ابن عابدين ٢٩١/٣.
(٣) سنن الترمذي ٤٣٦/٣، وقال: هذا حديث حسن، وسنن أبي داود
٢٧٢/٢ - ح٢٢٤٣، وابن ماجه ٣٥٨/١، وتقدم في النكاح.

٩٣
كتاب الطلاق
مسألة :
قال أبو جعفر(١): (فإن مات الزوج قبل أن يبيِّن، وهما غير مدخول
بهما: فلهما جميعاً الصداق، ونُصِّف بينهما نصفين، والميراث بينهما
نصفین)(٢) .
وذلك لأن إحداهما قد طلقت، وسقط نصف مهرها، ولا نعرفها
بعينها، فيدخل ضرره عليهما (٣)، فيكون المهر والنصف بينهما نصفين،
لتساویهما فیه.
وكذلك الميراث بينهما؛ لأن إحداهما امرأتُه مستحقَّة للميراث،
والأخرى أجنبية لا شيء لها، فلمَّا لم تُعرف بعينها: تساويا جميعاً في
دعوى الميراث، فکان بينهما.
مسألة : [تشبيه الطلاق بالجبل]
قال: (وإذا قال لها: أنت طالق مثل الجبل: طلقت تطليقة بائنة في
قول أبي حنيفة)(٤).
لأن تشبيهه إياها بالجبل يقتضي أن يكون المراد في عِظَم الجبل.
ولم يختلفوا أنه لو قال: أنت طالق مثل عِظَم الجبل: أنها بائن.
(وقال أبو يوسف ومحمد في قوله: أنت طالق مثل الجبل: أنه
(١) مختصر الطحاوي ص ٢٠٠.
(٢) انظر المبسوط ١٢٣/٦.
(٣) وفي الأصل: ((عليها))، والمثبت من (ق، ج).
(٤) المرجع السابق ١٢٥/٦.

٩٤
كتاب الطلاق
رجعي)(١).
إذ ليس في اللفظ ما يقتضي البينونة.
مسألة : [الطلاق بملء الكون]
قال: (ولو قال: أنت طالق ملء هذا الكون: فهي تطليقة بائنة في قول
أبي حنيفة)(٢).
لأنه قد وَصَفَ الطلاق بضَرْب من العِظَم، وإذا وصفه بضرب من
العظم كان بائناً.
وفي قولهما: هو رجعي، كقوله: أنتِ طالق من هاهنا إلى الشام،
ونحوه؛ لأنه لم يَصِفِ الطلاق بشيء، وإنما جعله في موضع دون
موضع.
وفي قولهما أيضاً: إن أراد ثلاثاً: كان ثلاثاً؛ لأنه يصح أن يريد به صفة
التطليقة، فيكون واصفاً لها بضرب من العظم، فيصح إرادة البينونة
العظمى.
* قال: (ولو قال: أنت طالق تطليقة تملأ الكون: كانت طالِقاً تطليقة
بائنة في قولهم جميعاً)(٣).
لأن هذه صفة راجعة إلى التطليقة، يقتضي لها زيادة عظم، وتلك
(١) انظر شرح فتح القدير ٥١/٤-٥٣.
(٢) المصدر السابق ٤ /٥٢-٥٤.
(٣) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٥١/٤-٥٢، وقال الإمام محمد: تقع
الثلاث عند عدم النية. انظر بدائع الصنائع ١٨١٧/٤.

٩٥
كتاب الطلاق
الزيادة لا تكون إلا بينونة.
مسألة: (مَن طلق كألف طلاق]
قال: (ومَن قال لامرأته: أنتِ طالق كألف: فهي واحدة بائنة إلا أن
ينويَ ثلاثاً)(١).
وذلك لأن: ((الكاف)): حرف تشبيه يقتضي المساواة بينهما من وجه
دون وجه.
ثم لا يخلو من أن يكون تشبيهه بالألف من طريق البينونة، أو العدد،
فلو جعلنا من جهة العدد: لسقط معنى التشبيه، وصار كقوله: أنت طالق
ألفاً، وفي وجوب إثبات حكم اللفظ ما يوجب أن يكون التشبيه واقعاً من
جهة البینونة دون العدد.
مسألة : [مشيئة المرأة في الطلاق]
قال(٢): (ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شئتٍ، فقالت: قد شئتُ، إن
كان كذا لشيء ماض: وَقَعَ))(٣).
لأنه مُوقَع في الحال؛ لأن الماضي لا تنعقد به اليمين، وإنما هو
الإيقاع في الحال، إذْ كانت الأيمان إنما تنعقد على شروط مستقبلة، وما
علَّقه بفعل ماض فليس بيمين، وإنما هو إيقاع في الحال.
ولو قالت ذلك لشيء مستقبل: لم يقع، وخرج الأمر عن يدها؛ لأن
(١) المرجع السابق.
(٢) مختصر الطحاوي ص ٢٠٠.
(٣) انظر بدائع الصنائع ٤ /١٨٤٢.

٩٦
كتاب الطلاق
ذلك عقد يمين، ولم يجعل إليها عقد اليمين، وإنما جعل إليها الإيقاع.
مسألة : [التعبير عن الطلاق بالشديد والطويل وغيره]
قال: (ومَن طلق امرأته تطليقة شديدة، أو طويلة، أو عريضة: كانت
طالقاً تطليقة بائنة)(١).
وذلك لأنه وَصَفَ التطليقة بضربٍ من العِظَم، وتلك الزيادة التي
وصفها به ينبغي أن يكون بينونة، إذ لو لم تثبت البينونة كنا قد ألغينا الصفة.
مسألة : [الطلاق من ههنا إلى الشام]
قال: (ولو قال أنت طالق من ههنا إلى الشام: كانت طالقاً تطليقة
رجعية)(٢).
لأنه لم يصف التطليقة بشيء، وإنما وصف المرأة بأنها طالق في مكان
دون مكان، وهي متى طلقت في موضع: طلقت في سائر المواضع،
وتخصيصه لبعض المواضع بکونها طالق فیه لغوٌ لا معنى له.
مسألة : [الطلاق بلفظ أقبح الطلاق]
قال: (ولو قال: أنت طالق أقبح الطلاق: فهو بائن، إلا أن ينويَ
ثلاثاً)(٣).
(١) وعند أبي يوسف: يقع بها رجعية، لأن هذا الوصف لا يليق به، انظر
الهداية مع شرح فتح القدير ٥٣/٤.
(٢) وقال زفر: هو بائن. انظر بدائع الصنائع ١٨١٥/٤، الهداية مع شرح فتح
القدير ٤ / ٢٣.
(٣) وقال أبو يوسف: هو رجعي. انظر بدائع الصنائع ١٨١٦/٤.

٩٧
كتاب الطلاق
وذلك لأن: أقبح الطلاق: أن يكون لغير السنة، ويكون منهياً عنه،
وذلك قد يكون واحدة بائنة، ويكون ثلاثاً، فيلزمه الأقل، ولا يلزمه
الأكثر إلا باعترافه.
مسألة : [الطلاق بلفظ أحسن الطلاق]
قال: (ولو قال: أنتِ طالق أحسن الطلاق: كان للسُّنَّة)(١).
لأن أحسنه أن يكون للسنة، وهذا إنما أوقع ضرباً من الطلاق دون
ضرب، فيقع على ما أوقع.
مسألة : [الطلاق بلفظ حسنة وجميلة]
قال(٢): (ولو قال: أنت طالق تطليقة حسنة، أو جميلة: وقعت واحدة
في الحال وإن كانت حائضاً)(٣).
وذلك لأنه لم يصف الطلاق إلى وقت، ولم يعلِّقه بشرط، وما كان
هذا وصفه من الطلاق: فهو واقع في الحال.
وليس هذا كقوله: أحسن الطلاق؛ لأنه مُوقِع في هذا ضرباً من الطلاق
دون ضرب، وقوله: تطليقة حسنة: إيقاع في الحال؛ لأن التطليقة لا
توصف بأنها حسنة.
وجعل أبو يوسف قوله: تطليقة حسنة: بمنزلة قوله: أحسن الطلاق،
(١) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٣ / ٤٦٧.
(٢) مختصر الطحاوي ص٢٠١.
(٣) انظر شرح فتح القدير ٤٨٦/٣.

٩٨
كتاب الطلاق
فتقع للسنة(١).
مسألة : [طلاق المخيَّرة]
قال: (إذا قال لامرأته: اختاري، اختاري، اختاري(٢)، فقالت: قد
اخترت نفسي بالأُولى، أو الوسطى، أو الأخرى: فهي طالق ثلاثاً، وقال
أبو يوسف ومحمد: هي واحدة (٣).
ولو قالت: قد طلَّقتُ نفسي واحدة: كانت طالقاً واحدة بائناً في قولهم
جميعاً) (٤).
مسألة :
(ولو قالت: قد اخترتُ نفسي بواحدة، أو قالت: قد اخترتُ نفسي
واحدة: كانت طالقاً ثلاثاً في قولهم جميعاً).
قال أبو بكر : هاتان المسألتان لا خلاف فيهما، وذلك لأن قولها: قد
اخترت نفسي بتطليقة، أو: طلَّقتُ نفسي واحدة: لا إشكال فيه أنه اختيارٌ
منها لتطليقة واحدة مما ملكت من التطليقات الثلاث بالتخييرات
المختلفة، وقولها: قد اخترتُ نفسي بواحدة، بمنزلة قولها: بمرة واحدة.
وكذلك قولها: قد اخترت نفسي واحدة، كأنها قالت: مرة واحدة،
(١) المرجع السابق.
(٢) ((اختاري)): الثانية ساقط من (ق.ج)، ((واختاري)): الثالثة ساقطة من النسخ،
ومثبتة في المختصر المطبوع ص ٢٠١، وسيأتي ذكرها في كلام الشارح.
(٣) انظر بدائع الصنائع ١٨٣٨/٤، وما بعدها.
(٤) انظر المرجع السابق.

٩٩
كتاب الطلاق
وهي تكتفي باختيار واحدة في إيقاع الثلاث؛ لأنها لو قالت: قد اخترت
نفسي: لوقع الثلاث في قولهم جميعاً، وكان ذلك جواباً لجميع الكلام.
وذلك لأن الجواب بالواحدة يجوز أن يحصل به اختيار الثلاث،
بمنزلة الشرط الواحد، يجوز أن يحنث به في أيمان كثيرة.
ألا ترى أنه لو قال لها: أنت طالق إن شئتِ، أنت طالق إن شئتٍ،
أنت طالق إن شئتٍ، فقالت: قد شئت: أنها تطلق ثلاثاً، ويكون قولها: قد
شئت: جواباً عن جميع ما ملكت من مشيئة الطلاق(١).
وإذا صح هذا، قلنا في قولها: قد اخترتُ نفسي بالأُولىُ التي ملكتُها،
يحتمل أن يكون راجعاً إلى الاختيار، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى التطليقة
الأُولىُ، وكان صَرْفه إلى الاختيار أَوْلى منه إلى التطليقة؛ لأن التخيير
موجود في لفظ الزوج، والطلاق غير موجود فيه، وإنما يقع من جهة
الحكم، فكان صَرْفه إلى ما اقتضاه لفظ الزوج من الاختيار أَوْلى من صَرْفه
إلى الطلاق.
ومن جهة أخرى: إنها لو قالت: قد اخترت نفسي: كان ذلك جواباً
للتخييرات الثلاث، فإذا قالت: بالأُولى، واحتمل أن يكون راجعاً إلى
التطليقة الأولى، واحتمل الاختيار الأول: لم يُغيِّر حكم قولها: اخترت
نفسي بالاحتمال، ولم يُخرجه عن حد الجواب لجميع الكلام بالجواب،
فوقعت الثلاث، وأقل أحواله حين احتمل الأمرين جميعاً، أن يسقط
حکمه، ويبقى قولها: اخترت نفسي، فيقع به الثلاث.
* (وأبو يوسف ومحمد صرفاه إلى التطليقة).
(١) المبسوط ٢١٨/٦، البناية شرح الهداية ٥١٩/٤.

١٠٠
كتاب الطلاق
لأنه لما احتمل صَرْفه إلى التطليقة، واحتمل صرفه إلى الاختيار: لم
يُلزماه الثلاث بالشك.
فصل : [صورة جديدة للمسألة السابقة المخيَّرة]
قال: (ولو كان يشترط في الآخرة ألف درهم، فقالت: قد اخترتُ
نفسي(١) بالأُولى: وقع الثلاث، ولزمها ألف في قول أبي حنيفة)(٢).
لأن ذلك عنده اختيار الثلاث، فقد اختارت التطليقة الأخيرة
المشروط فيها الألف.
(وفي قول أبي يوسف ومحمد: يقع واحدة بغير مال)(٣).
لأنهما ردَّاه إلى التطليقة الأُولىُ، وليس فيها مال.
* وإن اختارت نفسها بالآخرة: لزمها ألف في قولهم جميعاً(٤)، ويقع
الثلاث في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: تقع الأخيرة فحسب.
مسألة : [صورة جديدة لمسألة المخيَّرة]
قال: (ولو قال: اختاري، واختاري، واختاري بألف درهم،
فاختارت نفسها بالأُولى: طلقت ثلاثاً(٥)، وعليها ألف درهم، في قول أبي
حنيفة).
(١) وفي (ق): ((بألف درهم)).
(٢) انظر الجامع الكبير ص ١٨٤.
(٣) انظر تبيين الحقائق ٢٢٢/٢.
(٤) المصادر السابقة.
(٥) («ثلاثاً»: ساقط من (ق.ج).