Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب النكاح
مسألة : [الخِطبة في العِدَّة]
قال : (والتصريحُ بالخِطبة في العِدَّة مكروه، والتعريض بذلك مباح).
لقول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ
أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ
سِرًّا﴾(١) : يعني نكاحاً.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قَيْس: ((إذا انقَضَتْ
عِدَّتُك فَآَذِنِينِي))(٢)، وذلك تعريضٌ منه في العِدَّة.
قال ابن عباس: ((التعريضُ أن يقول: إني أريدُ أَنْ أتزوَّج))(٣).
قال مجاهد: ((يقول: إنكِ لحسناء، وإنكِ لجَمِيلة)) (٤).
قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِلَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾، أن يقول:
إني فيكِ لَرَاغِبٌ، وإني لأرجو أَنْ نَجْتَمِع (٥).
(١) البقرة: ٢٣٥.
(٢) تقدم.
(٣) جامع البيان للطبري ٥١٧/٢.
(٤) جامع البيان ٥١٨/٢.
(٥) جامع البيان ٥٢٦/٢.

٣٤٢
كتاب النكاح
باب نِكَاحِ أهلِ الشِّرْك
مسألة: [أحكام الزواج فيما بين أهل الذمة والحرب]
قال أبو جعفر: (وإذا تزوَّجَ الذَّمِّيَّان أو الحربيَّان بغير مهر وذلك جائزٌ
في دِينهم: فهو جائز، ولا مهر لها، وقال أبو يوسف ومحمد في الذَّمَّيْن:
لها المھر).
قال أحمد : الأصل في ذلك: أنَّ إثبات المهر في العقد حقٌّ لله تعالى،
وفي التالي من العقد حقٌّ لها، وهم غير مؤاخذين بحقوق الله، فلم يثبت
في العقد.
والدليل على أنَّه في العقد حق لله تعالى، وفي التالي حق لآدمي: ألا
ترىُ أنَّ المسلِمَيْن لا يجوز لهما إسقاطه من العقد، ولها أن تُبْرِئه بعد
العقد.
وأيضاً: لمَّا لم يكن شرطُ العقد استصحابَ بقاء المهر، صار
كالنكاح بغير شهود، لمَّا لم يكن شرطُ بقاء العقد استصحابَ بقاء
الشهود، جاز عقدُهم بغير شهود، وإن ارتَفَعُوا إلينا: لم نَفْسَخْه،
کذلك المھر.
* ولأبي يوسف ومحمد: أنَّ الذمَّيَّيْن من أهل دارنا أحكامُنا جاريةٌ
عليهم، فيثبت المهر وإن لم يشترطاه، كالمسلمين.
وليسا كالحربيَّيْن، لأنهما تعاقدا حيث لا تجري عليهما أحكامنا، وقد

٣٤٣
كتاب النكاح
تراضَيًا بأن لا مهر، فلم يجب في العقد، ولا يجب بعده أيضاً.
ألا ترى أنَّ الحدودَ لمَّا كانت حقّاً لله تعالى، لم يجب على الحربِيين
إذا أسلموا بعد ذلك وقد أصابوه في حال الحرب؛ لأنه وجب حيث لا يَدَ
للإمام فيه، کذلك المهر.
وأما الذمِيَّان فهما تحت يد الإمام، وبحيث تجري عليهما الأحكام،
فثبت کالحدود.
* وليس ثبوت المهر كالحدِّ عند أبي حنيفة؛ لأن الحدود عقوبات
مستَحَقَّة بالإجرام، فلا يختلف فيها حكم أهل الدار، كما لا يختلف في
القصاص والتعزير، والمهر حقٌّ لله تعالى في العقد، لا على وجه العقوبة،
فأشبه سائر العبادات، فلم يؤاخَذُوا بها.
وأيضاً: فإن الحدود موضوعة لمنع الفساد، والزَّجْر عنه، والذميون
ممنوعون من الفساد في دار الإسلام كالمسلِمِين، لأن إظهار الفساد في
دارنا ضررٌ علينا، فكان مصلحةً لنا ونفعاً، فلمَّا كان لنا فيها حق: لم
يختلف فيها المسلم والذمي.
مسألة : [زواج الذمي بما هو محرَّم في الإسلام]
قال أبو جعفر : (وإذا تزوج الذميُّ ذمِيَّةً في عِدَّةٍ من ذمي: جاز
نكاحه، وخُلِّي بينه وبين ذلك إذا كان ذلك من دِینهم.
وكذلك مَن تزوَّج منهم ذات مَحْرَم منه وذلك في دِينهم جائز: خُلِّي
بینهم وبین ذلك.
وكذلك لو تزوَّج خمسَ نسوة، أو أختَيْن.
ما لم يتراضَ الزوجان في ذلك بأحكام المسلمين، فإذا تراضيا بها:

٣٤٤
كتاب النكاح
رُدَّا إليها، ولا يُرَدَّان إليها برضا أحدِهما، وهذا قول أبي حنيفة.
قال: وقال أبو يوسف: لا يُعْتَرَض لهما في شيء من ذلك، ما لم
يَرْفَعْه أحدُهما إلى حاكم المسلمين، فإذا رَفَعَه أحدُهما: حَكَمَ فيه بينهما
بحُكْم المسلمين، رَضِيَ بذلك صاحبُه أو كَرِهَه).
قال أحمد : مذهب أبي حنيفة في ذلك: أنهم يُخَلَّوْن وأحكامَهم في
المناكحات، حتى يجتمعا جميعاً على الرضا بحُكْم الإسلام، فإذا تراضيا
بذلك، حُمِلاً على أحكام المسلمين، إلا في النكاح في العِدَّة، والنكاح
بغیر شهود.
وقال محمد مثلَ قول أبي حنيفة، أنهم يُخَلَّوْن وأحكامَهم في النكاح،
وليس لنا أن نعترِضَ عليهم، إلا أنه يقول: إذا رضيَ أحدُهما بأحكامنا،
حُمِلاً جميعاً على أحكام الإسلام في جميع ذلك، إلا في النكاح بغير
شهود، فإنه لا یفسخه.
ويخالفُ أَبَا حنيفة في النكاح في العِدَّة، فيفسخه إذا رضيَ أحدُهما
حُكْمَنَا.
وذَكَرَ أبو جعفر أنَّ قولَ أبي يوسف أنهم يُخَلَّوْن في أحكامهم حتى
يرضى أحدُهما بحُكْمِنَا، فَيُحْمَلا حينئذٍ على أحكام الإسلام، وهذا إنما
هو قول محمد خاصَّة.
وقول أبي يوسف: أنهم يُحْمَلُون على أحكامنا، رَضُوا بها، أم لم
يرضَوْا، إلا أنه لا يَفْسَخُ النكاح بغير شهودٍ عليهم.
قال أبو يوسف: لو أمْكَنَنِي أن أُتْبِعَهُم بأحكامنا في ديارهم فعلتُ،

٣٤٥
کتاب النّكَاح
لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ﴾(١).
* يُحْتَجُّ لأبي حنيفة في ذلك بقول الله: ﴿فَإِن جَاءُوَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ
أَعْرِضّ عَنّهُمْ﴾(٢).
وروي أنَّ قوله: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ ﴾ نزل بعد
قوله: ﴿فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضٌّ عَنْهُمْ﴾.
فصار التخيير الذي في الآية الأولى منسوخاً بالثانية (٣)، إلا أنه لم تَقُم
الدلالة على أنَّ شَرْطَ المجيء المذكور بالآية الأولى منسوخ، إذ ليس
يمتنع أن تنتظم الآية معنَيْن، فيُنْسَخِ أحدُهما، ويَبْقَى المعنى الآخر غيرَ
منسوخ، فإذا لم تَقُم الدلالة على أنَّ شَرْطَ المجيء منسوخ بقَّيْنَاه، وجمَعْنَا
بينه وبين الآية الثانية، فصار كقوله: فإن جاؤوك فاحكم بينهم بما أَنْزَلَ الله.
وأيضاً: فإنا أعطيناهم العهدَ على أن نخلِّيَهم وشرائِعَهم وأحكامَهم، ما
لم يكن فيه فساد على أهل الإسلام.
والدليل عليه: أنهم يخلَّوْن وعبادةَ غير الله، وصَلَواتِهم في بِيَعِهم
وكنائِسِهم، وهذا كلَّه كُفْرٌ وضلال، وقد أُقِرُّوا عليه، فكذلك نكاح ذوات
(١) المائدة: ٤٩.
(٢) المائدة: ٤٢.
(٣) قال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن ٣١٠/٢: والقول بالنسخ هو
الاختيار عند أهل النظر.اهـ وقال ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص٣١٣ بعد أن نقل
النسخ عن ابن عباس وعطاء ومجاهد ... وغيرهم قال: ثبت أنَّ قول أكثر العلماء أنَّ
الآية منسوخة.اهـ

٣٤٦
كتاب النِّكَاح
المحارم، ليس بأعظم مِن ذلك.
وأيضاً: فإنه معلوم ((إقرارُ النبي صلى الله عليه وسلم قوماً من النصارى
واليهود في دار الإسلام علىُ ذِمة))(١)، وقد كان يَعْلَم لا محالة أنهم
يستبيحون من مناكحاتهم كثيراً ممَّا هو محظور في شريعة الإسلام، فلم
يعترض عليهم في شيءٍ منها، فدلَّ على أنهم مُقَرُّون عليها، ما لم يرتفعوا
إلینا.
فإن قال قائل: فقد منَعْتَهم الزِّنى والسرقة ونحوها.
قيل له: أما الزنى فلا نعلم أحداً يستبيحه من أهل الملل، وكذلك
السرقة أيضاً، فإن فيه إظهارَ الفساد في دار الإسلام، وهم ممنوعون منه،
لما فيه من الضَّرر على المسلمين.
فإن قيل: فقد مَنَعْتَهم الرِّبَا، وسائر البيوع الفاسدة.
قيل له: لأن لذلك أصلاً آخر قد ثبت بالسنة، فردَدْنَاه إليه، وهو ما
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كَتَبَ إلى نصارى نجران: إما أن
تَذَرُوا الرَّبًا، وإما أَنْ تَأْذَنُوا بحرب من الله ورسوله))(٢)، فصار ذلك أصلاً
في البياعات.
وقال الله تعالى: ﴿فَبِظُلٍّ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
(١) تقدم.
(٢) سنن أبي دود ٤٣٠/٣ بلفظ قريب، وسكت عنه، قال ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٢٥/٤: ((في سماع السدي من ابن عباس نظر، لكن له
شواهد)).

٣٤٧
كتاب النكاح
وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (٦) وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَواْ وَقَدْ مُهُواْ عَنْهُ﴾(١).
فأخبرَ الله تعالى أنهم مَنْهُّوْنَ عن الربا، ممنوعون منه بالشرع.
والذي مَنَعهم التعامل بالربا، هو الذي أَقَرَّهم على مناكحاتهم، مع
عِلْمِه صلى الله عليه وسلم بمخالفة كثيرِ منها أحكامَنا، فصار كلّ واحدٍ من
ذلك أصلاً في نفسه، لا يُعتَرَض عليه بغيره.
* وأما أبو يوسف، فذَهَبَ إلى ظاهر قوله: ﴿ وَأَنِ اعْكُمْ بَيْتَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾(٢).
وروي عن عمر («أنه أَمَرَ أن يُفَرَّق بين المجوس وبين ذواتٍ
محارِمِهم»(٣).
* وإنما اعتبر أبو حنيفة مجيئَهما جميعاً، ورضاهما بحُكْمِنا، لقول
الله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٤)، فشَرَطَ مجيئَهما جميعاً في
إيجاب الحُكْم بينهما.
وأيضاً: فإنهما إذا لم يكونا محمُولَيْن على حُكْمِ الإسلام لو لم يرتَفِعًا
إلينا، فغيرُ جائزٍ أن يُلْزَم الذي لم يرضَ بحُكْمِنَا، لأجل رِضا الآخر؛ لأن
رِضاہ غیرُ جائز علی صاحبه.
(١) النساء: ١٦٠ -١٦١.
(٢) المائدة: ٤٩.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٤٩/٦، المحلی ٣٤٨/٧ وصححه.
(٤) المائدة: ٤٢.

٣٤٨
كتاب النكاح
* وقال محمد: إذا رَضِيَ أحدُهما بحُكْمِ الإسلام، صار كأنه مسلم،
فَحُمِلَ الآخر على حكم الإسلام، كما لو أسلم أحدُهما.
والانفصال لأبي حنيفة: أنَّ إسلام أحدِهما، يوجبُ حَمْلَهما على
حكم الإسلام، ولا يصح لهما التراضي على غيره، ورضا أحدِهما لا
يُلْزِمُهُمَا ذلك.
ألا ترى أنه لو قال بعد ما رَضِي: أنا لا أرضىُ: لم يُحْكَمْ بينهما،
فلذلك اختلفا.
* وأما النكاح في العِدَّة: فإن أبا حنيفة لم يَفْسَخْه وإِن رَضِيَا بحُكْمنا،
أو أسلما جميعاً، وفَرْقُه بينه وبين نكاح ذواتِ المحارمِ مِن وجهَيْن:
أحدهما: أنَّ العِدَّة إنما تمنع ابتداءً العقد، ولا تمنع البقاء، ألا ترى أنَّ
المرأة إذا وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، وهي تحت زوجٍ، فوجَبَتْ عليها العِدَّة، لم يمنع
ذلك بقاء العقد.
ولو أراد أن يَبْتَدئ عليها عقداً في العِدَّة: لم يصح، فلمَّا كان كذلك،
وقد وَقَعَ العقد بحيث لا اعتراض فيه، ولو فَسَخْنَاه كُنَّا إنما نَمْنَعُ البقاء
عليه لأجل العِدّة، وقد بيًَّا أنَّ العِدَّة لا تمنع بقاء النكاح، وإنما تمنع
الابتداء، فأشبه من هذا الوجه النكاحَ بغير شهود، أنه لمّا كان الشهود
شرطاً في ابتداء العقد، لا في البقاء، لم يصحَّ النكاح بعد الإسلام
والتراضي بأحكامنا لأجلٍ عَدَم الشهود في الحال.
وفارَقَ نكاحَ ذواتِ المحارم، والعقدَ علىُ خَمْسِ نِسْوَةٍ، مِن جهةِ أنَّ
هذه العقوبة لا يختلف فيها حكم الابتداء والبقاء في الإفساد، فلذلك مَنعَ
البقاء في هذا الحال.
والوجه الآخر: أنَّ مذهب أبي حنيفة: أنه لا يَرى عليها عِدَّةً إذا لم يكن

٣٤٩
كتاب النِّكَاح
في دِينهم وجوبُ العدة؛ لأن العِدَّة حقٌّ لله تعالى، لزومُها متعلُّق بتقدُّم
الإسلام، كالصلاة وسائر العبادات.
* وأما أبو يوسف ومحمد جميعاً، فلم يفرِّقوا بينهما لأجل العِدَّة على
حسب اختلافهما في حال التفريق، وذلك لأن النكاح بغير شهود مختلف
فيه، فمِنَ الفقهاء مَن يُجيزه(١)، فصار ذلك عقداً واقعاً، تلحقه الإجازة من
قِبَل حاكمٍ لو حكمَ بصحَّته، وقد وَقَعَ في الابتداء غير معرَّض للفسخ عند
الجميع، ما لم يتحاكموا إلينا؛ لأن المسلمَيْن لو عَقَدا بغير شهود، لم يكن
للحاكم أن يعترض عليهما، حتى يحتكِمًا إليه، وإذا وقع في حال الكُفْر
على هذا الوجه: لم يفسخه بعد الإسلام.
وأما النكاح في العِدَّة، فقد وقع على فسادٍ لا تلحقه إجازة بحال،
فصار بمنزلة نكاح ذواتِ المَحَارم.
قال أحمد : وقال زُفَر: يفرَّق بينهما أيضاً في النكاح بغير شهود؛ لأن
العقد وقع على فساد عنده.
مسألة : [زواج الذمي ذميةً في عِدَّتها من مسلم]
(وإذا تزوَّج ذميةً في عِدَّةِ مسلم(٢)، لم يجز نكاحها).
لأن عدَّتها حقٌّ للمسلم، فلا سبيل لها إلى أن تُدْخِلَ عليه فراشاً
لغيره، مع بقاء حكم فراشه.
(١) كأبي ثور وابن المنذر ورواية عن أحمد وغيرهم، ينظر المغني لابن قدامة
٣٣٩/٧، والموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩٥/٤١.
(٢) أي في عدتها من مسلم دخل بها، فمات عنها أو طلقها، كما في مختصر
الطحاوي ص١٧٩.

٣٥٠
كتاب النكاح
والدليل على أنَّ فيها حقاً للزوج وإن كانت حقاً لله تعالى: قولُ الله:
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِذَّةٍ تَعْنَذُونَهَا﴾(١)، فَجَعَلَ العِدَّة إذا وَجَبَتْ حقّاً له.
مسألة : [مجوسيٌّ أسلم وعنده مجوسية]
قال: (وإذا تزوَّج المجوسيُّ امرأةً مجوسيةً، ثم أسلَمَ، عُرِضَ عليها
الإسلام، فإنْ أسلَمَتْ: فهي امرأتُه على حالها، وإن أَبَتْ: فُرِّق بينهما).
وإنما لم يُقَرَّا على النكاح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى
يُؤْمِنَ﴾(٢)، وهي مشركة لا يجوز وَطْؤُها.
ويدلّك عليه: أنَّ ابتداء العقد عليها لا يصح في هذه الحال.
* وإنما لم تقع الفرقة بإسلامه؛ لأن المعنى الموجبَ للتحريم وهو
كُفْرِها غيرُ حادِث على النكاح، وإسلامُه هو الحادِث، وليس الإسلام
موجباً للتحريم، ولابدَّ لوقوع الفُرقة من سببٍ حادِث على النكاح، فلمَّا
لم يكن كفرها حادِثاً على العقد، بل كان العقد موجوداً معه، احتَجْنَا إلى
سببٍ تقويةِ الفُرقَة، وهو إباؤها الإسلام بعد العَرْض عليها؛ لأنه لا يجوز
لنا تبقيتها على النكاح.
وليس إسلام أحد الزوجين فيما يتعلَّق به من الفُرقة، كرِدَّة أحدِهما؛
لأن الرِّدَّة سببٌ موجِبٌ للتحريم، حادِث على النكاح، فصار كالرَّضاع،
ووطءِ أمِّ المرأة، وسائرِ الأسباب الحادثة على العقد الموجّبَة للتحريم،
فوقعت الفرقة عقيبها، فإذا عَرَضْنَا الإسلام، فأَبَتْ أن تُسْلِمَ، صارَ إباؤها
(١) الأحزاب: ٤٩.
(٢) البقرة: ٢٢١.

٣٥١
كتاب النِّكَاح
سبباً حادِثاً على العقد، يتعلَّق به إيجاب الفرقة، ففرَّق القاضي بينهما من
أجله.
مسألة :
قال أبو جعفر : (فإن كان قَدْ دَخَلَ بها: فلها الصَّدَاق الذي تزوَّجَهَا
عليه).
وذلك لأن بطلان العقد من جهتها لا يُسْقِط المهرَ المستَحق
بالدخول؛ لأن ذلك الدخول لا يرتفع بارتفاع العقد.
ويدل عليه: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّما امرأةٍ نُكِحَت بغير
إذن مَوَاليها، فنكاحها باطل، فإن دَخَلَ بها: فلها مهرُ مثلها، بما استحلّ
من فَرْجها))(١).
فحَكَمَ بفساد عقد الأَمَة إذا عَقَدَت بغير إذن مولاها، ولم يَحْكُم
ببطلان مهرها.
وقال عليه الصلاة والسلام لعُوَيْمِر العَجْلاني حين لاعَنَ بينه وبين
امرأته، فقال عُوَيْمِر: مالِي مالِي، يعني المهر الذي أعطاها، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((لا مالَ لك، إنْ كنتَ صَدَقْتَ عليها، فيما
اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجها، وإن كنتَ كَذَبْتَ عليها: فذلك أَبْعد لك))(٢).
فأخبر عليه الصلاة والسلام بأنها مستَحِقّة للمهر وإن كان الزوج
صادِقاً، وهي كاذبة بما استحلّ مِن فرجها.
(١) تقدم.
(٢) صحيح البخاري ٤٥٦/٩، صحيح مسلم ١١٣٢/٢.

٣٥٢
كتاب النكاح
* قال : (وإن لم يكن دَخَلَ بها: لم يكن لها عليه صداق).
وذلك لأن الفُرقة جاءت مِن قِبَلها قبل الدخول، فصارت كالفُرقة
الحادثة برِدَّتها، فيسقط مهرها.
[مسألة : ]
ولو كانت المرأة هي التي أسلمت، وأبى الزوجُ الإسلامَ بعد عَرض
الحاكم عليه ذلك، ففَرَّق بينهما: كان عليه نصف المهر، إذا كان ذلك قَبْل
الدخول؛ لأن الفُرقة جاءت مِن قِبَله قبل الدخول، وكلٌّ فُرقة جاءت من
قِبَل الزوج قَبْل الدخول: فعليه فيه نصف المهر، وإذا جاءت من قِبَل
المرأة: سَقَطَ المهر.
مسألة : [إذا تزوج الذمي أختَيْن أوخمسَ نسوةٍ ثم أسلمن]
قال أبو جعفر : (وإذا تزوَّج أختَيْن معاً، أو خَمْسَ نسوةٍ في دار
الحرب، ثم أسلَمْنَ جميعاً: فُرِّقَ بينه وبينهن في قول أبي حنيفة وأبي
يوسف، وكذلك لو تزوَّجَ أمَّاً وابنتَها في عُقدة.
وقال محمد في الأختَيْن: يختار أيَّتَهما شاء، ويختار مِن الخَمْس
أربعاً، وفي الأم والبنت إن لم يدخل بواحدةٍ: حَرُمَت الأم، ويُمْسِكُ
البنتَ، وإن كان دَخَلَ بهما: فُرِّقَ بينه وبينهما).
قال أحمد : الأصل في ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أنَّ كلَّ عقد
لا يختَلِفُ فيه حكم الابتداء والبقاء للمسلم، فإنه لو عَقَدَه في حال الكُفْر:
وقع فاسداً، فإذا أسلمَ: لم يُقَرَّ عليه.
وذلك نحو عقد الأختَيْن، والخَمْسِ النسوة في عُقْدة، فهذا مما لا
يختلف فيه حكم الابتداء والبقاء، ألا ترى أنه لا يصح للمسلم البقاء على
الأختَيْن، ولا على الخَمْس النسوة، كما لا يصح له ابتداء العقد.

٣٥٣
کتاب النكاح
ولو تزوَّج رجلٌ صَبِيَّتَيْن رَضِيْعَتَيْن، فأرضعَتْهما امرأةٌ: وَقَعَت الفُرْقَةُ
بينه وبينهما، ولم يصح البقاء على نكاحهما، كما لا يصح الابتداء.
والدليل على صحة هذا الأصل، ووجوب اعتباره إذا وقع العقد في
حال الكُفْر: اتفاق الجميع(١) على أنه لو تزوَّج ذات مَحْرَم منه، ثم أسلَمَ:
فُرِّق بينهما، وكان عَقْده في حال الكفر، كهو في حال الإسلام.
كذلك العقد على الأختين، والخَمْس النسوة، والأم، والبنت، إذْ كُنَّ
سواء في تساوي حُكْم الابتداء والبقاء في حال الإسلام.
ولا يلزم على ما ذكرنا: النكاح في العدة، وبغير شهود، مِن قِبَل أن
حكم الابتداء أو البقاء يختلف في ذلك، إذ ليس شرطُ بقاء العقد
استصحابَ الشهود، وخُلَّوَها من العِدَّة، ألا ترى أنَّ مَنْ طَرَّأَت عليها عِدَّةٌ
من وطءِ شُبْهة، وهي تحت زوجٍ: لم يُنْطِل ذلك نكاحَ الزوج.
وكذلك موت الشهود، وعدمُهم، لا يقدح في العقد بخلوِّها من
العِدَّة، ووجود الشهود، إنما هما شرط في صحة وقوع العقد، لا في
بقائه، فلذلك اختلفا.
* واحتجَّ مَن خَيَّره فيهن بحديث مَعْمَر عن الزهري عن سالم عن ابن
عمر ((أنَّ غَيْلان بن سلمة أسلمَ وتحتَه عَشْرُ نِسوة، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: خُذْ منهنَّ أربعاً)(٢).
(١) المغني ٥٥٠/٧- ٥٥٣.
(٢) سنن الترمذي ٤٣٥/٣ وقال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث
غير محفوظ، سنن ابن ماجه ٦٢٨/١، المستدرك للحاكم ١٩٢/٢، صحيح ابن
حبان (موارد الظمآن) ص ١٣٠ (١٢٧٧) والحديث قال عنه جماعة من الحفاظ إنه لا
=

٣٥٤
كتاب النكاح
وبحديث محمد بن عبد الله الثقفي عن عُروة بن مسعود قال:
((أسلمتُ، وتحتي عَشْرُ نسوةٍ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اختَرْ منهن أربعاً، وخَلِّ سائِرَهن))(١).
وبحديث ابن أبي ليلى عن حُمَيْضَة بن الشَّمَرْدَل عن الحارث بن قيس
((أنه أسلم وعنده ثمان نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختَرْ
منهن أَرْبَعاً))(٢).
وبحديث يزيد بن أبي حَبِيب عن أبي وَهْب الجَيْشَاني عن الضَّحَّك بن
فَيْرُوز عن أبيه قال: ((قلتُ: يا رسول الله! إني أسلمتُ وتحتي أختان قال:
طَلِّق أيَّتَهما شئت))(٣).
قال أحمد : فأما حديث الزهري فإنه يقال: إنه ممَّا أخطأ فيه مَعْمَر،
وذلك لأنه كان عندهم حديثان في قصة غَيْلان بن سلمة أحدهما: أنَّ
غيلان طَلَّق نساءَه، وقَسَم ماله بين ورثته، فقال له عُمُر: وايْمُ الله لئن متَّ
يصح إلا مرسلاً، منهم البخاري وأحمد بن حنبل، وصححه بعضهم كالحاكم، ينظر
في هذا التلخيص الحبير ١٦٨/٣.
(١) سنن البيهقي ١٨٤/٧.
(٢) سنن ابن ماجه ٦٢٨/١، سنن أبي داود ٦٧٧/٢، وسكت عنه، سنن
البيهقي ١٨٣/٧. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ١٥٦/٣: ((في إسناده ابن
أبي ليلى، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، قال أبو عمر النمري: لم يأت من وجه
صحيح اهـ وبمعناه كشاهد حديث غيلان كما في سنن أبي داود ٦٧٨/٢)).
(٣) سنن الترمذي ٤٣٦/٣ وقال: حديث حسن، سنن أبي داود ٦٧٨/٢
وسكت عنه، صحيح ابن حبان (الموارد) ص٣١٠ (١٢٧٦)، وصححه الشافعى،
كما في نيل الأوطار ٣٠٢/٦.

٣٥٥
كتاب النكاح
قبل أن تراجعَ نساءَك لأورِّئهنَّ من مالِك، ثم لأَرْجُمُنَّ قبرَك، كما رُجِمَ قَبْرُ
أبي رِغَال(١).
وإسناد هذا الحديث عن الزهري عن سالم عن أبيه قد رواه عنه
جماعة.
وكان عنده في قصة غيلان حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم
حين أسلم غيلان، وعنده عشر نسوة، فأمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن
يختار منهن أربعاً، ولكن إسناده عند الزهري ما ذكره مَعْمَر، فجعل معمرٌ
إسنادَ حديث عمر في قصة غيلان لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في
أمره إياه باختياره أربعاً منهن(٢).
والدليل على ذلك: أنَّ مالك بن أنس (٣) وعَقِيْل بن خالد قد رَوَيَا عن
الزهري أنه قال: بَلَغنِي عن عثمان بن محمد بن أبي سُوَيَد أنَّ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم قال لغَيلان بن سَلَمة وقد أسلم، وتحته عشر نسوة:
اختَرْ منهنَّ أربعاً.
فلو كان عند الزهري عن سالم عن أبيه في هذا شيء، لما لَجَأَ إلى
(١) كان أبو رغال دليلاً لأبرهة الأشرم إلى مكة، حين أراد هدم الكعبة
المعظمة، كما في أخبار مكة للأزرقي ١٤٢/١، تاريخ الخميس للدياربكري
١٨٨/١، وفيه: أنه القبر الذي مرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة
الطائف، وبيَّن لهم أنه قبر أبي رغال، كما في سنن أبي داود ٣/ ٤٦٤.
(٢) ومثله من كلام الإمام البخاري رحمه الله، كما في سنن الترمذي ٤٣٥/٣،
وينظر التلخيص الحبير ١٦٨/٣.
(٣) الموطأ ٥٨٦/٢.

٣٥٦
كتاب النكاح
البلاغ في الرواية، فهذا الذي يبيِّن خطأ معمر في إسناده هذا الحديث.
ولأن أحداً لم يتابعْ مَعْمَراً على هذا الإسناد، إلا أنه قد رُوي عن سالم
عن أبيه من غير طريق الزهري، رواه سيف بن عبيد الله الجَرْمِي عن سَرَّار
بن مُجَشِّر العَنَزِي أبو عبيدة قال: حدثنا أيوب عن نافع، وسالم عن ابن
عمر أنَّ غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فأسلمَ وأسلَمْنَ معه،
فَأَمَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً.
ولو ثبت هذا الحديث وسائرُ الأخبار المروية، لم تدلَّ على موضع
الخلاف، وذلك أنه لم يثبت أنَّ عقدَ هؤلاء كان بعد تحريمِ الخَمْس،
والجمع بين الأختين.
وجائزٌ أن يكون عقدُهم كان قَبْل تحريم الجَمْعِ بين الخَمْس نسوةٍ،
والأختَيْن، فإن كان كذلك، فقد كان العقد وَقَعَ صحيحاً في حال الإباحة،
ثم طَرَأَ التحریمُ بعد، فيكون له الخيار.
كما نقول في رجلٍ طَلَّقَ إحدى امرأتَيْه ثلاثاً بغير عينها: أنَّ ذلك لا
يُفْسِدُ عقدَهما، ويكون له الخيار في إمساك إحداهما، ويعتبر الطلاق في
الأخرى، وإن كان لو ابتدأ العقد عليهما معاً، وقد كان طَلَّق إحداهما
ثلاثاً، ولم يَعْرِفْها: لم يصحَّ عقدُه عليهما، ثم إذا صحَّ العقد لم يكن تحريمُ
إحداهما بغير عينها موجباً لتحريم الأخرى.
وإذا احتمل أن يكون العقد الذي أجاب فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم
كان(١) في حال الإباحة، ولم يكن ذلك عمومَ لفظٍ من النبي صلى الله عليه
(١) في الأصل: (الذي أجاب فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجاب به
كان ... ).

٣٥٧
كتاب النكاح
وسلم فيمَن عَقَد على هذا الوصف في حال الشِّرْك، فينتظر حال الإباحة
والحظر، بل كان حكماً في قضية بعَيْنِها محتَمِلة لما وصفنا: سَقَطَ
الاحتجاج به في موضع الخلاف، إذْ ليس لأحدٍ مِن الخصمَيْن أن يدَّعِيَ
وقوعَه بعد الحظر إلا ولخصمه أن يدَّعِيَه قبلَه.
فإن قيل: تَرْكُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سؤالَ السائل عن حال وقوع
العقد، يدل على أنَّ الحكم شامِلٌ للحالَيْن؛ لأن الحكم لو كان مختَلِفاً
لسأَلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
قيل له: يجوز أن يكون تَرْكُه المسألةَ عن ذلك لعلمه وقوع العقد
والاحتمال على الوجه الذي ذكرنا.
ويدل عليه أنَّ العقد كان في حال الإباحة، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه
وسلم قد عَلِمَ ذلك: قولُه لفيروز الدَّيْلَمِي في الأختَيْنِ: ((طَلِّق أيَّتَهما
شِئْتَ))، فهذا يدل على أنَّ العقدَ كان في حال الإباحة، وأنه مَلَك بُضْعَ
الأُخْتَيْن جميعاً بالعقد، لولا ذلك لَمَا صحَّ طلاقُه في المحرَّمة منهما.
وأيضاً: يحتمل أن يكون معنى قوله: ((اختَرْ منهن أربعاً))، و: ((اختَرْ
أيَّتَهما شئت)): بنكاح مستقبل، وعقدٍ جدید.
وأيضاً: يحتمل قوله: ((اختَرْ منهن أربعاً)) أن يكون مراده الأربعُ
الأوائل.
* وأما محمد فذَهَبَ إلى ظاهر هذه الأخبار، فإذا تزوَّج أُمَّاً وبنتاً:
حَرُمَتْ الأم عنده بتزويج البنت، فيفارِقُها بعد الإسلام، فإن دَخَلَ بالأم:
حَرُمَت البنت أيضاً بوطء الأم.
مسألة :
قال: (وإذا فُرِّقَ بين المرأة وزوجها لأجل إسلامها، وإبائه الإسلامَ:

٣٥٨
كتاب النّكَاح
فعليها العِدَّة، كعِدَّة المطلَّقة، ولها السُّكْنَى والنفقة على الزوج.
وإن فَرَّقْنَا بينهما لإسلامه، وإبائها الإسلامَ: فعليها العِدَّة إن كان بعد
الدخول، ولا نفقة لها في العِدَّة، ولها السُّكْنَى).
قال أحمد : الأصل في ذلك: أنَّ كلَّ فُرْقَة جاءت مِن قِبَلها بمعصية،
وقد دَخَلَ بها: فلا نَفَقَة لها، ولها السُّكنَى، والأصل فيه النشوز أنه يُبْطِل
النفقة؛ لأن المنع جاء من قِبَلها بمعصية، وأما السُّكْنَى فإنها حق لله تعالى،
فلا يَسْقُط بفعلها.
ألا ترى أنها لو أبرأت منها: لم تصح.
وأما إذا كانت الفُرقة مِن جهة الزوج: فلها السكنى والنفقة، بمنزلة
الطلاق، وإن كانت الفُرقة من قِبَلها بغير معصية (١): فلها نفقة العِدَّة
والسكنىُ؛ لأنها غير عاصيةٍ فيه، فلم تسقط نفقتها.
مسألة : [الرِّدَّة سببٌ للفرقة بين الزوجين]
قال : (وأيُّ الزوجَيْن ارتدَّ: وقَعَت الفُرقة بينهما بنَفْس الرِّدَّةَ).
وذلك لأن الردة سببٌ موجِبٌ للتحريم، حادِث على العقد.
والدليل على ذلك: أنها تمنع استئنافَ العقد عليها، فوَجَبَ أن تقعَ
الفرقة عقيبها، كالرضاع، والطلاق الثلاث، ونحوها.
وأيضاً: لم يختلفوا(٢) أنها توجب الفرقة، إلا أنَّ من الناس مَن يوجبها
بمعنىُ ثلاث حِيَض، فكان وقوعها في الحال عندنا لما وصفنا.
(١) كخيار البلوغ، كما في حاشية ابن عابدين ٦١١/٣.
(٢) المغني ٧ / ٥٦٤.

٣٥٩
کتاب النكاح
وليست الرِّدَّة كالطلاق الرجعي، لا يوجب التحريم، ولا يمنع صحة
ملك البُضْع.
مسألة :
قال: (وإن ارتدًا معاً لم تَقَع الفُرقة).
قال أحمد : وهذا استحسان من قولهم، وكان القياس أن تقعَ الفرقة،
وجهة القياس: أنَّ السببَ الموجبَ للتحريم، وهو الردة، حادِث على
النكاح على ما بيَّنًّا، فكانت رِدَّتُهما معاً، كرِدَّة أحدِهما، ولكنهم تَركوا
القياس؛ لأن مِن أصلهم جوازَ تخصيص العلَّة، وتَرْكَ حُكْمِها مع
وجودها(١)، لقيام الدلالة عليه.
والدلالة الموجبة لتخصيص علة القياس التي ذكرناها: أنَّ أهلَ الردة
لمَّا أسلَمَ مَن أسلَمَ منهم في زمن الصحابة رضي الله عنهم، لم يفرِّقوا بينهم
وبین نسائهم (٢).
فإن قال قائل: ومن أين لك أنَّ رِدَّتَهم وإسلامَهم جميعاً كانا من
الزوجين معاً، ويمتنع مع ذلك في العادة أن يكون كلّ مَن ارتدَّ منهم
ارتدَّت امرأتُه معه في حال ارتداده، لم يسبِقْ أحدُهما به صاحبه.
قيل له: هو كما قلت، إلا أنَّ كلَّ أَمْرَيْن لا يُعْلَم تقدُّم أحدِهما على
صاحبه، سَقَطَ حُكْمُ التاريخ فيه، وصارا كأنَّهما وَقَعَا معاً.
(١) ينظر مسألة: تخصيص العلة في التيسير شرح التحرير الأمير بادشاه ١٥/٤،
فتح الغفار لابن نجيم ٣٨/٣.
(٢) الموطأ ٥٤٤/٢ بلاغاً عن ابن شهاب.

٣٦٠
كتاب النِّكَاح
والدليل على ذلك: الغَرْقَى، والقومُ يقع عليهم البيت، أنا لا نعلم
تقدُّم موتِ أحدِهم على غيرهم: حَكَمْنا بموتهم جميعاً معاً.
وإن شئتَ قيَّدْتَ العلّة في الأصل بما يلزمك عليه التخصيص، فقلت:
إِنَّ الردَّة عند اختلاف الدِّيْنَيْن لما كانت سبباً موجباً للتحريم، ثم أشْبَهت
سائرَ الأشياء الموجِبَة للتحريم، مثل الرضاع ونحوه، فوقعت الفرقة
عقيبهما، فإذا ارتدًّا معاً، فلم يختلف بهما الدِّينان، فلم يلزم على العلة،
وإذا اختَلَف بهما الدينان، فحُكْمُهما موقوفٌ على دلالةٍ أخرى، وقد
قامت الدلالة من إقرار الصحابة مَن أسلم مِن أهل الردة على نسائهم،
على أنهما لم يختلف بهما الدينان: لم توجب الفرقة.
مسألة : [إن أسلم المرتدان كانا على نكاحهما]
قال: (فإن أسْلَمَا معاً: كانا على نكاحهما).
لأنهما لم يختلفا في الدينَيْن، ولأن رِدَّتَهما لَمَّا لم توجب الفرقة،
فإسلامهما أحرى أن لا يوجبها.
مسألة: [إن أسلمَ أحدُ المرتدَيْن قبل الآخر وَقَعَت الفرقة]
قال : (وإن أسلمَ أحدُهما قبل صاحبه، وقَعَت الفرقة).
وذلك لأنهما اختلفا في الدِّيْنَيْن، فصار كَرِدَّة أحدِهما قبل الآخر، إذ
كانت الردة حادثة على النكاح، وقد اختلف بها الدينان، وليس إسلام مَن
أسلم منهما هو الموجب للفرقة، ولكن الموجب لها هو الردة الحادثة على
العقد عند اختلاف الدینین.