Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كتاب الشُّفْعَة أحدهما دون الآخر). لأن المشتري مَلَكَ النصيبَيْن صفقةً واحدة، فليس للشفيع أن يفرِّقها علیه. مسألة : قال: (وإن اشترى رجلان مِن رجل داراً: كان له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر). لأنه ليس فيه تفريق الصفقة على أحد؛ لأنه أَخَذَ جميع ما مَلَكَه كلّ واحد منهما بالعقد. مسألة : قال أبو جعفر: (والشفعة لا تُورث). وذلك لأن الوارث لا يخلو مِن أن يأخذه للميت أو لنفسه، ولا يجوز له أَخْذه لنفسه؛ لأن جواره حادثٌ بعد العقد، ومَن حَدَثَ له جوارٌ أو شركةٌ بعد العقد: لم يستحق به الشفعة في عقد متقدم. أو يأخذه للميت، ولا يجوز ذلك؛ لأنه يلزم الميت ديناً، ولا يجوز له ذلك، لأنه لا يجوز تصرفه على الميت. وأيضاً: فلما كان حق الشفعة متعلِّقاً بعقد البيع، أن يملك به، صار بمنزلة خيار القبول(١)، فلما اتفق الجميع(٢) على أن خيار القبول لا ينتقل (١) خيار القبول من مقتضيات العقد، حيث إن الموجب يقوم بالإيجاب، والطرف الآخر له الخيار في القبول أو عدمه. (٢) لم أهتد إلى عزوه. ٣٦٢ كتاب الشُّفْعَة إلى الوارث بالموت، وجب أن يكون كذلك حكم الشفعة. مسألة : [ليس للشفيع تفريق الصفقة] قال أبو جعفر: (ومَن اشترىُ دارَيْن صفقةً واحدة، ولهما شفيعٌ واحد، فليس للشفيع أَخْذ إحداهما دون الأخرى). وذلك لأن المشتري مَلَكَهُما صفقة واحدة، فليس للشفيع تفريق الصفقة، كما أن رجلاً لو قال لرجل: قد بعتُك هاتَيْن الدارَيْن، لم يكن للمشتري أن یقبل البيع في إحداهما دون الأخرى. مسألة : [بقاء ملك المشتري لما اشترى ما لم يأخذه الشفيع] قال أبو جعفر : (والمشتري مالكٌ لما اشترى مما فيه الشفعة، ما لم يأخذه الشفيع). وذلك لأن البيِّعَ كان مالكاً، وقد ملَّكه إياه وسلَّطه عليه، فمَلَكه كما كان البيِّع مالكاً. وأيضاً: فإن ثبوت حق الغير في العقد لا يمنع وقوع الملك، كما أن خيار العيب وخيار الرؤية لا يمنع صحة الملك، وكما أن خيار امرأة المجبوب، وخيار الولي في فسخ نكاح غير الكفء لا يمنع وقوع العقد. مسألة : [خيار الشفيع إن باع المشتري ما اشترى] قال : (فإن باعه المشتري: جاز بيعه، وكان الشفيع بالخيار، إن شاء أخذه بحق شفعته بالبيع الأول، وإن شاء أخذه بحق شفعته بالبيع الثاني). وذلك لأن تصرف المشتري لمَّا كان جائزاً على ما بيَّنًا، وجب أن يثبت للشفيع حق الشفعة في بيع المشتري، فحينئذ قد ثبت له حق الأخذ بأحد عقدين، إما الأول، وإما الثاني، فإن سلّم الأول: أخذه بالثاني، وإن ٣٦٣ كتاب الشُّفْعَة فسخ العقد الثاني: أخذه بالأول. * والمشتري وإن جاز بيعه، فليس له إبطال حق الشفيع، إذ لم يكُن منه تسليط في إبطال حقه من العين، ولا ينتقل حقه مع ذلك إلى بدل. وليس هذا كالمشتري شراءً فاسداً، فيجوز تصرفه، ويبطل حق البيِّع بتصرفه؛ لأن البيِّع قد كان منه تسليطٌ للمشتري في التصرف. مسألة : [للشفيع إبطال هبة المشتري] قال أبو جعفر: (ولو لم يَبِعْه المشتري، ولكنه وَهَبَه: فللشفيعِ أَخْذُه، وإبطالُ هبة المشتري إذا كان أَخَذَه بقضاء القاضي). وذلك لأن الدار لو كانت في ملك المشتري، لم ينتقل الملك إليه إلا بقضاء القاضي، أو بالتراضي، وهبته صحيحة فلا تنفسخ، أو يفسخها القاضي على ما بيَّنَّا فيما تقدم. مسألة: [أثر استحقاق البناء في الشفعة] قال : (والشفيع غير مغرور في باب الرجوع بقيمة البناء على المشتري عند الاستحقاق). لأن المشتري لم يوجبه له، وإنما اختار أَخْذَه من غير رضا المشتري، وقد بيًَّّا ذلك فيما تقدم. مسألة : [للشفيع أمر المشتري بنقض ما بناه] قال: (وللشفيع أن يأخذ المشتري بنقض ما بَنَاه). لأنه بنى في حق غيره، کمن بنى في ملك غيره. * قال : (وروي عن أبي يوسف أنه يقال للشفيع: إن شئتَ فخُذْها بالثمن وقيمة البناء، وإن شئتَ فاترك). ٣٦٤ كتاب الشُّفْعَة وهو شاذْ من قوله، والمشهور هو الأول(١). ووجهه: أن المشتري بنى في ملكه، وكان له أن يبني، فلا يؤمر بنقضه؛ للضرر الذي يلحقه. مسألة : [لا تثبت الشفعة في المبيع بخيار البائع] (وخيار البيِّع المشروط في العقد يمنع وجوب الشفعة). لأن الشفعة تجب برغبة البيِّع عن ملكه، فيكون حينئذ الشفيع أولى به من المشتري. فأما إذا كان الشيء باقياً في ملك البيِّع، وهو لم يرغب بعد عن ملكه: فلا تجب الشفعة. ألا ترى أنه إنما شَرَطَ لنفسه الخيار، لئلا يخرج عن ملكه إلا برضاه، ولو كان للشفيع أَخْذٌ، فكان قد أَخَذَه بغير رضاه، وذلك خلاف موجَب العقد. * وإذا شُرِطَ الخيار للمشتري دون البيِّع: فللشفيع الشفعة؛ لأنها قد خرجت عن ملك البيِّع، وانقطع حقه عنها، فالشفيع حينئذ أولى به، لانقطاع حق البِّع. ألا ترى أنه لو لم يكن للمشتري خيار، لكان الشفيع أَوْلى به لانقطاع حق البيِّع، فخيار المشتري لا يمنع حقه، ألا ترى أن للشفيع إيطال ملك المشتري، وفسخ عقده لو كان العقد بغير خيار إذا أخذه من يد البِّع. (١) وهو ظاهر الرواية، كما في شرح الإسبيجابي ٢/ لوحة/ ٢٤. ٣٦٥ كتاب الشُّفْعَة مسالة : [شفعة الذمي] قال : (والشفعة للذمي كهي للمسلم). لأن عموم الأخبار الواردة فيها لم تفرِّق في شيءٍ منها بين المسلم والذمي، ولأنهما لا يختلفان في سائر حقوق العقد، كخيار الرؤية والعيب وسائر الحقوق. مسألة : [جواز تسليم شفعة الصغير لوليه] قال : (ويجوز تسليم الوصي والأب شفعة الصغير في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يجوز في قول محمد). وجه قولهما: أنه كما جاز له أن ينقلها إليه بعد الأخذ بذلك الثمن، جاز له تَرْك الثمن على ملك الصغير من غير أخذ. مسألة : [للشفيع أَخْذ المشترى من وكيل الشراء] قال: (وللشفيع أن يأخذ من يد الوكيل بالشراء إذا كان في يده). لأن حقوق العقد تعلَّقت به، فصار كالمشتري لنفسه، فإن سلمها إلى الآمر: أخَذَها من يد الآمر، كما لو جاء والدار في يد البيِّع أَخَذَها منه، فإن كان قد سلَّمها إلى المشتري: أخَذَها من يده، ولا ينفسخ القبض. * قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف: يُقَال للمشتري وهو الوكيل: سلِّمْها إلى الآمر حتى يأخذها الشفيع منه). وذلك لأنها أمانة في يده، بمنزلة الوديعة، فيأخذها من الآمر حتى تکون عهدته علیه. ٣٦٦ كتاب الشُّفْعَة قال أحمد: وهذا القول ليس بمشهور، والصحيح هو الأول(١)؛ لأنها في يد المشتري على حكم العقد. والدليل عليه: أن الوكيل لو وَجَدَ بها عيباً، كان له أن يردها، ولا يستأذن الآمر فیه. (١) وهو ظاهر الرواية، كما في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة / ٢٥. ٣٦٧ كتاب المُضَارَبَة كتاب المُضَارَبَة مسألة : [جواز المضاربة] قال : (والمضاربة بجُزْءٍ معلومٍ من الربح جائزةٌ). وذلك لأنها من العقود التي أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ عليها، مع علمه بأنهم يتعاملون بها؛ لأن عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر الأعصار بعده إلى يومنا لم تَخْلُ مِن هذه العقود، وكانت ظاهرةَ بينهم، فلم يُنْكِرْها عليهم، ولم ينكر سائرُ الصحابة والتابعين والفقهاء بعدَهم على فاعليها، فصار ذلك توقيفاً واتفاقاً من السلف على جوازها(١). مسألة : (ولا تجوز المضاربة إلا بمثل ما تجوز به الشركة من الأثمان). وقد بيًّّا ذلك في كتاب الشركة. مسألة : قال : (ولا تجوز المضاربة على أن لأحدهما دراهم معلومة). وذلك لأن هذا يُخرجها عن باب الشركة، لجواز أن لا يربح إلا هذا القدر، ولا يشاركه الآخر فيه، ومتى خرجت عن باب الشركة، صارت (١) المغني ١٣٥/٥. ٣٦٨ كتاب المُضَارَبَة إجارة، والإجارة لا تجوز إلا بأجر معلوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن استأجرَ أجيراً فلْيُعْلِمْه أجره))(١). والأجرة أيضاً في هذه المسألة مشروطة علىُ غَرَر، لأنها شُرطت بما یکسبه، ويجوز أن لا یکسب. * ويقتضي أيضاً أن يكون العمل معلوماً، والمدة معلومة؛ لأن العقد واقع على المدة، والمضاربة ليس لها مدة معلومة، ولا عمل معلوم، فَبَطَلَ، وصارت إجارة فاسدة. * وإنما الفرق بين المضاربة والإجارة، أن المضاربة ضربٌ من الشركة، والإجارة عقد على المنافع، لا على وجه الشركة، بل لا تجوز مع الشركة. مسألة : [ما يجب بفساد المضاربة] قال : (وإذا فسدت المضاربة: كان الربح لرب المال، وللمضارب أجرةُ مثله). وذلك لأنها حصلت إجارة بأجر مجهول، والإجارة إذا فسدت أوجبت أجر المثل للعمل. (١) الآثار لمحمد بن الحسن ص١٦٧، مسند أحمد ٥٩/٣، مصنف عبد الرزاق ٢٣٥/٨، سنن البيهقى ١٢٠/٦. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٧/٤: ((رجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن إبراهيم النخعي لم يسمع من أبي سعيد فيما أحسب)). اهـ، لكن ((وصله البيهقي من طريق أبي حنيفة))، كما قال ابن حجر في بلوغ المرام مع السبل ٨٢/٣ وينظر: نصب الراية ١٣١/٤، والتلخيص الحبير ٦٠/٣. ٣٦٩ كتاب المُضَارَبَة مسألة : [المضارب أمين] قال : (والمضارب أمين في المضاربة الصحيحة). كالمودَع، وهذا معنى ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((ليس على مَن قاسم الربح ضمان))(١)، يعني المضارب والشريك. * (وكذلك في المضاربة الفاسدة على قول أبي حنيفة). لأنه أجير مشترك، وهو لا يرى ضمان الأجير المشترك. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: هو ضامن، كما يضمن الأجير المشترك). مسألة : [للمضارب العمل بنفسه وبأُجَرَائه] قال: (وللمضارب في المضاربة الصحيحة أن يعمل فيها بنفسه وبأجرائه). لأن المضاربة تشتمل على ذلك كله. مسألة : [دفع المضارب رأس المال لغيره مضاربة] قال: (وليس له أن يدفعه(٢) إلى غيره مضاربة). لأن فيه إثبات شركة الغير في مال رب المال، وذلك لا يجوز إلا بإذنه. مسألة : قال : (فإن قال له رب المال: إِعمل فيه برأيك: كان له ذلك). (١) تقدم. (٢) أي مال المضاربة. ٣٧٠ كتاب المُضَارَبَة لأنه قد رأى ذلك. مسألة : [ما يُمنَع منه المضارب المطلَق] وعقد المضاربة المطلقة لا يجيز له أن يخلطه بماله، ولا أن يدفعه مضاربة، ولا يشارك به غيره. مسألة : [استدانة المضارب] (فإن قال له: اِعمل فيه برأيك، كان له أن يفعل جميع ذلك. وليس له أن يستدين على المضاربة وإن قال له: إِعمل فيه برأيك). لأن في الاستدانة زيادة في رأس المال، ورب المال فإنما رضي بأن يكون رأس ماله المقدار المدفوع، ولم يأذن له في أن يجعل رأسَ ماله في المضاربة أكثر منه، فلذلك لم يكن له أن يستدين عليها. فصل : [سفر المضارب بالمال] قال: (وله أن يسافر بالمال وإن لم يقل: إِعمل فيه برأيك). لأن اللفظ يقتضي ذلك؛ لأن المضاربة إنما هي الضرب في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِىِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾(١). * (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه ليس له أن يفعل ذلك). ويشبه أن يكون جَعَلَه كالوكيل بالشراء. * (وقال أبو يوسف: له أن يسافر به إلى الموضع الذي يقدر الرجوع (١) المزمل: ٢٠. ٣٧١ كتاب المضَارَبَة إلى أهله فيبيت فيهم، كنحو قُطْرَبُّل(١) من بغداد). وجعله کجانِبَيْ بغداد، وكسائر محالِّ البلد. مسألة : [نفقة المضارب في السفر] (ونفقة المضارِب في مال المضاربة في السفر). لأن سفره كان لأجل المضاربة، مع جريان العادة من التجار بمثله، وما جرت به العادة من ذلك فهو كالنطق به. ألا ترى أنهم قالوا: إن للمشتري أن يُلْحِقِ برأس ماله ما أنفقه على السلعة، مما جرت عادة التجار بإلحاقه برأس المال، فيبيعه مرابحة عليه. مسألة : [نفقة المضارب في المصر] قال : (ونفقته في المصر على نفسه). لأن كونه في مصره، وإقامتَه فيه ليس من أجل المضاربة. مسألة : [كلفة علاج المضارب على نفسه] قال: (والدواء والحِجَامة مِن ماله خاصة). لأنه نادر خاص، وليست الحاجة إليها ضرورة، فلم يكن كالطعام (١) بالضم، ثم السكون، ثم فتح الراء، وباء موحدة مشددة مضمومة، ولام: اسم قرية بين بغداد وعُكبرا، كما في معجم البلدان ٣٧١/٤، وبين بغداد وعكبرا عشرة فراسخ، كما في معجم البلدان ١٤٢/٤، والفرسخ حوالي خمسة كيلو مترات ونصف، كما قدره الدكتور محمد أحمد الخاروف ص ٧٧ من تحقيقه لكتاب الإيضاح والتبيان لابن الرفعة، وعلى هذا تكون المسافة بين بغداد وعكبرا حوالي ٥٥کم، وقرية قُطْرَبُّل بينهما. ٣٧٢ كتاب المُضَارَبَة والشراب والركوب. وأيضاً: لم تجر العادة بمثله في أخذه من مال المضاربة. مسألة : [ليس للمضارب السفر بمال المضاربة إن شُرِط عليه ذلك] قال: (وإذا شُرِطَ على المضارب أن يعمل به في المصر: لم يكن له أن يخرج به). لأن تخصيصه إياها بالمصر جائز، كما لو خص نوعاً من التجارات. * (فإن خرج به، وباع واشترى: كان ضامناً، وكان ربحه له، ويتصدق به في قول أبي حنيفة). لأنه حصل له من وجه محظور، ومَن حصل له ربحٌ من وجه محظور: ◌ُمِر أن یتصدق به. والأصل فيه: حديث عاصم بن كُلَيب عن أبيه في ((الشاة المغصوبة التي دُعِيَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يُمْكِنْه أكلها، وسأل عَن شأنها، فَأُخْبرَ أنها لغيره، ثم ذُبِحَتْ بغير أمره، فأمرهم أن يتصدَّقوا بها على الأُسَارى))(١). قال: (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يتصدق به). وذكر أبو جعفر محمداً مع أبي يوسف، وهو مع أبي حنيفة. مسألة : (فَسْخ المضاربة والمال دَيْن] قال: (وإذا فسخا المضاربة، والمال دين، فإن كان فيه ربح: أُجْبِر المضارِب على التقاضي). (١) تقدم. ٣٧٣ كتاب المُضَارَبَة لأنه قد استحق على عمله عوضاً كالأجير. * (وإن لم يكن فيه ربح: لم يُجبر على التقاضي). لأنه [لم)(١) يستحق على عمله عوضاً، وهو متبرع كالوكيل، فيحيل ربَّ المال على الغريم. مسألة : [موت المضارب] قال: (وإذا مات المضارب، فلم تُعْرَف المضاربة بعَيْنها في ماله: صارت دَيْناً عليه). لأنا قد حكمنا بما كان في يده ميراثاً عنه، وإذا صار ميراثاً عنه فقد ملَّكْنَاه إياه، ولا يجوز أن نملِّكَه مالَ الغير بغير بدل، ولذلك صار مضموناً. فإن قيل: إنما يجب هذا الاعتبار إذا عُلِمَ أنه كان في يده إلى أن مات. قيل له: هو كذلك، فالأصل أنه باق في يده حتى يُعلم زوالها عنه. وأيضاً: لما أمكنه البيان، فتوصل به رب المال إلى حقه بعينه، فلم يفعل، صار مضيّعاً له، بمنزلة لو ترکه في غیر حِرز فضمنه. مسألة : [عتق المضارب عبدَ المضاربة] قال: (فإن أعتق المضاربُ عبدَ المضاربة، فإن كان فيه فَضْل: جاز عتقه في حصته من الربح، وكان بمنزلة عبدٍ بين رجلَيْن أعتقه أحدُهما على اختلافهم فيه). وذلك لأن هذا العبد بعينه قد حصل فيه رأس المال والربح، ولا بدَّ (١) ساقطة من الأصل. ٣٧٤ كتاب المُضَارَبَة مِن أن يملك المضارب حصته من الربح، فينفذ عتقه فيه. قال : (وإن لم يكن فيه فَضْل، لم يجز عتقه). وذلك لأنه لا ملك له فيه. مسألة: [عتق المضارب عبدَي المضاربة] قال: (وإن اشترى المضارب عبدَيْن بمال المضاربة، قيمةُ كل واحد منهما مثل رأس المال، فأعتقهما، أو أحدَهما: لم يجز عتقه في شيء منهما). وذلك لأنه لم يحصل له في واحدٍ منهما ربح، إذ جائز أن يكون كل منهما هو رأس المال. ألا ترى أنه لو هلك الآخر، كان رأس ماله في الباقي، ولا ربح للمضارب إلا بعد حصول رأس المال، فإذا لم يكن له في واحد منهما ربح، لم يجز عتقه فيه. * فإن أعتقهما جميعاً: لم يجز أيضاً؛ لأنه إذا ثبت أن عتقه غير جائز في كل واحد منهما على الانفراد، لم يجز عتقه إذا جَمَعَهُما في العتق، إذ ليس في الأصول عِثْق عبد يكون جوازه موقوفاً على عِثْق عبدٍ آخر. مسألة : [عتق رب المال عبدي المضاربة معاً] قال: (فإن أعتقهما رُّ المال معاً: نفذ عتقه فيهما، وضمن للمضارب قيمة حصته من الربح منهما، موسراً كان أو معسراً). وذلك لأن ملكه قائم في كل واحد منهما على حِياله، فنفذ عتقه فيهما، إلا أنه يصير به مستوفياً لألفَيْن إن كانت قيمة كل واحد منهما ألفاً، ورأس المال ألف، فما فَضَل عن رأس المال ضَمِنَ نصفَه للمضارب. ٣٧٥ كتاب المُضَارَبَة * وإنما لم يختلف فيه حكم اليسار والإعسار؛ لأن المضارب لم يكن له ملك في واحد من العبدَيْن، وإنما كان له حق يملك به في الثاني عند حصول رأس المال. وإنما حصل ربحه بعد نفاذ عتق رب المال فيهما، فضمنه من طريق الاستهلاك(١) ومَنْع الملك. ألا ترى أن ولد المغرور: يضمن المغرورُ قيمتَه للمستحق، موسراً كان أو معسراً؛ لأنه إنما منعه الدخول(٢) في ملكه، إذ كان جزء الأصل، فإنه لا يختلفان بكون الجارية أمَّ ولد للمستحق، أو أمةً غير أم ولد، في باب ضامن الولد، لأنه مَنَعَه من الدخول في ملكه مع استحقاقه إياه لولا حريته بدعوته، کذلك ما وصفنا. مسألة : [تفريق رب المال عتق عَبْدَي المضاربة] قال أبو جعفر : (وسواء كان عِتْقه إياهما معاً، أو كان أعتق أحدَهما، ثم أعتق الآخر). (١) ((لأنه أتلف على المضارب من الربح نصيبه، وهو خمسمائة درهم، وكان ذلك الضمان ضمان إتلاف المال، فيضمن موسراً كان أو معسراً))، كما في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة / ٢٧. (٢) أي منع المغرورُ المستحقَّ من دخول هذا الولد في ملكه، لأن أم الولد هي ملك للمستحق، والولد جزء الأصل، فلما ادعاه المغرور وكان حراً، كان الولد حراً، ومنع ذلك من دخوله في ملك المستحق. اهـ ينظر في هذا تتمة فتح القدير شرح الهداية لقاضي زاده ٢٩٣/٧. ٣٧٦ كتاب المُضَارَبَة قال أحمد: هذا الذي قاله في هذا الفصل خطأ(١)؛ لأنه إذا أعتق أحدَهما قبل الآخر: نَفَذَ عتقه في جميعه، وصار به مستوفياً لرأس المال، وبقي العبد الآخر ربحاً بينهما، فلمَّا أعتقه صار بمنزلة عبدٍ بين رجلَيْن أعتقه أحدُهما، فيكون له خيار على ثلاثة أوجه في قول أبي حنيفة: [ضَمِنَ](٢) إن كان موسراً. وإن کان معسراً: فله خياران: إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى. وفي قول أبي يوسف ومحمد: إن كان موسراً ضَمِنَ، وإن كان معسراً سعی العبد في نصف قیمته. وقد بيَّنه محمد على هذا الوجه في كتاب المضاربة الكبير. مسألة : [ما ليس للمضارب أن يشتريه] قال: (وليس للمضارب أن يشتريَ بمال المضاربة ذَا رَحِمٍ مَحْرَم مِن رب المال، ولا أمَّ ولده، ولا مَنْ يجوز له بيعه). لأن المضاربة تقتضي جواز التصرف فيما يشتريه حتى يحصل رأس المال، فما لا يُمكنه بيعه وتحصيل رأس المال به، لم يدخل تحت عقد المضاربة. * قال: (ولا يجوز أن يشتريَ على المضاربة ذا رَحِمٍ مَحْرَم من المضارب إذا كان فيه فَضْلٌ عن رأس المال). وذلك للعلة التي ذكرنا، وهو أنه لا يمكنه التصرف فيما اشتراه على (١) ومثله في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة / ٢٨. (٢) ساقطة من الأصل، وقد ذكرها الإسبيجابي في شرحه ٢ / لوحة / ٢٧. ٣٧٧ كتاب المُضَارَبَة المضاربة، لأنه يَعْتِقِ عليه حصته من الربح، فصار شراؤه لنفسه خاصة. قال أحمد : وقال محمد في الزيادات: لو اشترى المضاربُ نصفَها بمال المضاربة، ونصفَها لنفسه خاصة، ونصفُ قيمة الجارية مثل رأس المال: كان النصف الذي اشتراه على المضاربة واقعاً للمضاربة، وتَعْتِق الجارية على المضارب، ولا ضمان عليه في قياس قول أبي حنيفة، وتسعى الجارية في نصف قيمتها لرب المال، فتكون على المضاربة. وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضمن المضارب إن كان موسراً نصفَ قيمة الجارية، وإن كان معسراً: سَعَت الجارية في نصف قيمتها. ففرَّق بين أن يشتريَ على المضاربة نصفَها، ونصفَها لنفسه، وقيمةُ نصف الجارية مثل رأس المال، وبين أن يشتريَ جميعها على المضاربة، وقيمتُها أكثر من رأس المال، مِن قِبَل أن النصف الذي اشتراه على المضاربة، لو انفرد به من غير شراء النصف الآخر لنفسه، لم يكن مخالفاً، فشِرَاهُ للنصف الآخر لنفسه، لا يجعله مخالفاً، كما لو اشتراها هو على المضاربة ورَجُلٌ آخر، هي ذات رَحمٍ محرم منه، لم يكن مخالفاً، وكذلك شراؤه نصفها لنفسه لا يجعله مخالفاً. وإذا اشترى جميعَ الجارية على المضاربة، وفيها فَضْل وهي ذات رحم مَحْرم منه: فهو مخالف في نفس ما اشتراه على المضاربة، فلذلك لزمه. وإنما لم يجب عليه ضمان ما اشتراه على المضاربة بعتق النصف الذي اشتراه لنفسه في قول أبي حنيفة: مِن قِبَل أنه لما كان مأذوناً له في شراء ذلك النصف على المضاربة، صار بمنزلة رجلَيْن اشتريا ابنَ أحدِهما، فلا يضمن الأب للشريك شيئاً، ولكن الغلامَ يسعى في قول أبي حنيفة، ٣٧٨ كتاب المُضَارَبَة ويضمن في قولهما وإن كان موسِراً. مسألة : قال: (فإن اشتراه، ولا فضل فيه عن رأس المال، ثم زادت قيمتُه على رأس المال: خرج من المضاربة، وسعى لرب المال في حصته، ولا يضمن المضاربُ شيئاً). لأنه عَتَقَ بغير فِعله، إنما أعتق بزيادة القيمة ولا يضمن، ألا ترى أن رجلين لو وَرِثا ابنَ أحدهما: لم يضمن الأب شيئاً، لأنه دخل في ملكه بغیر فعله، ولکنه یسعی، كذلك ما وصفنا. مسألة : [شراء أم ولد نفسه] قال : (فإن اشتری أمَّ ولدٍ نفسه، ثم زادت قيمتها، حتى صار له فيها ربح، ضمن حصة رب المال، ولا سعي عليها). لأنها قد انتقلت إليه، وهو على ملكه، فضمن قيمتها. ألا ترى أن رجلين لو وَرِثًا أمَّ ولد لأحدهما: ضمن حصة شريكه، موسراً كان أو معسراً؛ لأن نصيب الشريك قد انتقل إليه، وهو في ملكه. ٣٧٩ كتاب المُسَاقَاة كتاب المُسَاقَاة مسألة : [عدم جواز المساقاة عند الإمام] قال: (كان أبو حنيفة لا يجيز المساقاة بحال). وذلك لأنها إجارة بأجر مجهول، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن استأجر أجيراً، فليُعْلِمه أجره))(١). وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع بن خَدِيج في الأرض: ((لا تستأجِرْها بشيءٍ منها))(٢). والدليل على أن المساقاة إجارة: أنها عَقْدٌ على منافع، مِن شرط صحتها توقيت المدة عند مَن یجیزها. وليست كالمضاربة؛ لأنها تصح بغير مدة مشروطة، والمساقاة لا تصح إلا بمدة معلومة، فدل ذلك على أنها إجارة، والإجارة لا تصح إلا بأجر معلوم، بما قدَّمنا من السُّنَّة، واتفاق الأمة من سائر الإجارات(٣). (١) تقدم. (٢) ورد النهي عن استئجار الأرض بشيء منها بلفظ قريب عن رافع بن خديج مرفوعاً في صحيح البخاري ٢٥/٥، صحيح مسلم ١١٨٣/٣. (٣) المغني ٥/٦. ٣٨٠ كتاب المُسَاقَاة . وأما قصة خَيْبَر، ودفعُ النبي صلى الله عليه وسلم النخلَ مساقاةٍ(١)، فلا يجوز أن يكون أصلاً فيه؛ لأن أولئك كانوا مُبقين على حكم الفيء والغنيمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فَتَح بلدهم عَنْوَة، فأعطاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأرضَ والنخل على أن يعملوا فيها، وقال لهم: (أُقِرُكم ما أَقَرَّكم الله))(٢). ومثل هذا قد یجوز فيما بيننا وبين عبیدنا. ويدل عليه: أنه لم يضرب لهم مدةً معلومة للعمل، فدلَّ على أنها كانت على سبيل ما يُعامِل به المولَى عبده. واتفق مجيزو المساقاة فيما بيننا على أنها لا تجوز إلا بمدة معلومة، فعَلِمْنا أن قصة خيبر، ليست بأصل للمساقاة فيما بيننا. وأيضاً: يحتمل أن يكون ما أَخَذَ منهم، كان على سبيل الجزية، وقد يجوز في الجزية من الجهالة ما لا يجوز مثله في عقود الإجارات. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: تجوز المساقاة على وقتٍ معلوم وعملٍ معلوم). واستدلوا عليها بقصة خيبر. مسألة : [شروط المساقاة عند الصاحبَيْن المجيزَيْن لها] (فإن لم يشترط الحفظ، والتلقيح على العامل، والنخلُ يحتاج إلى ذلك: فَسَدت المساقاة عندهما). (١) صحيح البخاري ٣٦٢/٤، صحيح مسلم ١١٨٦/٣. (٢) صحيح البخاري ٢١/٥، ٣٢٧/٥، صحيح مسلم ١١٨٧/٣.