Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب البيوع وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ، دَعُوا الناسَ يرزقِ اللهُ بعضَهم من بعض)) (١). فهذا يدل على أن النهي إنما يتناول الحال التي يضرُّ فيها بأهله. وكما أن النهي عن الاحتكار إنما هو في الحال التي يضر ذلك بأهل البلد، فإذا لم يضرّ: فلا بأس. مسألة : [بيع الرجل على بيع أخيه] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي أن يسوم الرجل علىُ سوم أخيه إذا جَنَحَ البِّع إلى بيعه). وذلك لما روى أبو سعيد وأبو هريرة وعقبة بن عامر قالوا: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع أخيه)) (٢). وفي بعض ألفاظ حديث أبي سعيد وأبي هريرة: ((لا يسوم الرجل على سوم أخيه))(٣). وهذا محمولٌ على الحال التي وقع منهما فيها التراضي بالبيع، فأما إذا لم یجنح البیِّع إلی بیعه، فلابأس بأن یزید علیه. لما روى أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم باع قَعْبَاً (٤) (١) صحيح البخاري ٣٥٣/٤، صحيح مسلم ١١٥٧/٣ واللفظ له. (٢) صحيح البخاري ٣٥٣/٤، صحيح مسلم ١١٥٤/٣. (٣) صحيح مسلم ١١٥٤/٣. (٤) القعب: القدح الضخم، كما في القاموس المحيط (قعب)، وقد جاء بلفظ: (قعب) عند أبي داود، وجاء عند الباقين بلفظ: قدح. ١٠٢ كتاب البيوع وحِلْسَا(١) فيمن يزيد))(٢). وقال زيد بن أسلم سأل رجل ابنَ عمر عن بيع المزايدة؟ فقال: ((نهىُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزيد أحدكم على بيع أخيه، إلا المواريث والغنائم)»(٣). مسألة : [تأخير أجل الدين] قال أبو جعفر : (ومَن كان عليه دَيْن من غير (٤) قرض، فأخَّرَه، جاز التأخير). لأنه عندنا بمنزلة الزيادة في العقد أو الحط، وذلك يلحق العقد. ولا يصح التأجيل في القرض؛ لأنه عارية ومعروفٌ، فهو كالتأجيل في العواري. (١) الحِلس: بالكسر: كساء رقيق على ظهر البعير، والحِلس أيضاً: اسم لما يُبسط في البيت تحت حر الثياب والمتاع، كما في تاج العروس (حلس). (٢) سنن الترمذي ٥٢٢/٣ وقال: حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان، سنن النسائي ٢٥٩/٧، سنن ابن ماجه ٧٤٠/٢، سنن أبي داود ٢٩٢/٣-٢٩٣، وقد روي هذا الحديث مطولاً ومختصراً، ولفظ النسائي أقربها: (باع قدحاً وحلساً فيمن يزيد))، وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٥٤/٤ تحسين الترمذي للحديث ولم يتعقبه بشيء، ونقل الزيلعي في نصب الراية ٢٣/٤ عن العلل الكبير للترمذي في أن الترمذي سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: الأخضر بن عجلان ثقة. (٣) سنن الدار قطني ١١/٣، وأخرجه ابن خزيمة أيضاً كما في فتح الباري ٣٥٤/٤. (٤) في الأصل: (دين من دين)، وفي نسخة، الإتقاني والمغربية ومختصر الطحاوي ص٨٤: (دين من غير)، وهو الصواب، والله أعلم. ١٠٣ كتاب البيوع مسألة : [تجارة الوصي بمال اليتيم] قال: (ولا بأس بأن يتَّجر الوصي بمال اليتيم). لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾(١). فاللفظان جميعاً قد دلاً على جواز التصرُّف في مال اليتيم؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ﴾ : إباحةٌ للتصرف في مالهم إذا كان صلاحاً له. وكذلك قوله عزَّ وجل: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ﴾ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾(٢). ((وروى أنس أن أبا طلحة قال: يا نبي الله! إني اشتريت خمراً لأيتامٍ في حَجْري قال: أَرِقِ الخمر، واكْسِرِ الدِّنَان))(٣). مسألة : [إقرار العبد بدیْن] قال : (ولا يجوز إقرار العبد المحجور على نفسه بدَيْن). (١) البقرة: ٢٢٠. (٢) الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤. (٣) سنن الترمذي ٥٨٨/٣، سنن أبي داود ٨٢/٤، وذكره ابن حجر في الفتح ٥/ ١٢٢ فى زيادات الباب، فهو حسن أو صحيح. ١٠٤ كتاب البيوع لأنه لو جاز استَحقَّ به ملكَ المولى، ولا يجوز إقرار الإنسان في ملك غيره. ويجوز إقرار المأذون له؛ لأن المولىُ رَضِيَ به حتىْ أَذِنَ له. ويباع العبد وما في يديه من الدَّيْن؛ لأن الدَّيْن في ذمته، والمالك يملك كسبه من جهته، كالوارث يملك من جهة الميت، والغريم أَوْلى بمال الميت من الوارث، فكذلك غريم العبد أَوْلى بماله من المولى. مسألة : [ جواز بيع الكلاب المنتَفَع بها ونحوها] قال: (وبيع الكلاب التي يُنْتَفَع بها، والصقورِ، والفهودِ، والهرِّ جائز). وذلك لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾(١)، ولفظ الإحلال: يقتضي إباحة سائر وجوه المنافع، والبيع أحدُها، فوجب جوازه؛ لعموم اللفظ. وقد روي أن الآية نزلت في إباحة منافع الكلاب. حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن غَيْلان العُمَاني قال: حدثنا هنَّاد بن السّرِي قال: حدثنا یحیی بن زکریا قال: حدثنا إبراهيم بن عبيد (٢) قال: حدثني أبان بن صالح عن القَعْقَاع بن حكيم عن (١) المائدة: ٤. (٢) في الأصلين: (عبيدة)، وفي أحكام القرآن للمؤلف ٣١٢/٢: (عبيد)، = ١٠٥ كتاب البيوع سلمى أم(١) رافع عن أبي رافع قال: ((أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل الكلاب. فقال الناس: يا رسول الله! ما أُحِلَّ لنا في هذه الأمة التي أَمَرْتَ بقَتْلِها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكِلِينَ﴾))(٢). ومن جهة السنة: ما رواه عبد الله بن مسعود وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن اقتنى كلباً إلا كلبَ صيد، أو ماشية، أو حَرْث، نَقَصَ من أجره كل يوم قِيراط(٣))(٤). ورواه ابن عمر أيضاً، ولم يذكر كلب الحَرْث. وكذلك في تقريب التهذيب ص / ٩٢ (٢١٤). (١) في الأصل: (ابن رافع)، والصواب أنها سلمى أم رافع زوجة أبي رافع، ولها صحبة، كما في تقريب التهذيب ص /٧٤٨ (٨٦٠٨)، وكذلك جاء في تفسير ابن کثیر ١٦/٢ سلمی أم رافع عن أبي رافع. (٢) ذكره المؤلف بالسند نفسه في كتابه أحكام القرآن ٣١٢/٢، ومثله عند ابن كثير في التفسير ١٦/٢، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣١١/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه. (٣) القيراط: مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نَقَصَ جزء من أجر عمله، كما في شرح مسلم للنووي ٢٣٩/١٠. (٤) صحيح البخاري ٥/٥، صحيح مسلم ١٢٠٢/٣. ١٠٦ كتاب البيوع والاقتناء هو التملك؛ لأن القنية الملك، يقال: عبدٌ قِنُّ: يعني مملوك(١). وهذا اللفظ يقتضي إباحة جميع جهات القنية، والشراءُ أحدها، فوجب جوازه بالعموم. وأيضاً حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن النَّضْر بن بحر قال: حدثنا محمد بن مصفی قال: حدثنا حجاج بن إبراهيم الأزرق قال: حدثنا عَبَّاد بن العوَّام عن يحيى بن أبي إسحاق عن أبي الزبير عن جابر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، والهرِّ، إلا الكلبَ المعلّم))(٢). (١) المغرب للمطرزي ١٩٧/٢. (٢) سنن النسائي ٣٠٩/٧ وقال: هذا منكر اهـ، سنن الترمذي ٥٧٨/٣ وقال: ((هذا حديث لا يصح من هذا الوجه))، سنن الدار قطني ٧٣/٣ قال ابن حجر في الفتح ٤٢٧/٤ عن حديث النسائي: ((أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طُعن في صحته)). وقال عن حديث الترمذي في التلخيص الحبير ٣/٣-٤: ((روى الترمذي من وجه آخر عن أبي هريرة استثناء كلب الصيد، لكنه من رواية أبي المهزم عنه، وهو ضعيف، وورد الاستثناء من حديث جابر، ورجاله ثقات)). اهـ وروى هذا الحديث أبو حنيفة في مسنده بسند جيد، كما في نصب الراية ٤ /٥٣، وقد بيَّن الزبيدي في كتابه النافع: عقود الجواهر المنيفة ٣/٣-٤ (( أن الحديث بهذا الاستثناء صحيح، والاستثناء زيادة على أحاديث النهي عن ثمن الكلب، فوجب قبولها))، وفنّد كل ما قيل في طرق الحديث، ناقلاً في ذلك عن ابن التركماني في الجوهر النقي ٦/٦. ١٠٧ كتاب البيوع وحدثنا ابن قانع قال: حدثنا العباس بن أحمد بن عقيل قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثنا عباد بن العوام عن الحسن بن أبي جعفر الجُفْرِي عن أبي الزبير عن جابر قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، والهر، إلا الكلب المعلّم)) (١). فأباح ثمن الكلب المعلّم، فدلَّ على جواز بيع الكلاب التي يُنْتَفَع بها من وجھین: أحدهما: أنه إذا جاز بيع الكلب المعلّم، جاز بيع غيره من الكلاب؛ لأن أحداً لم يفرِّق بينهما. والثاني: أن ذِكْرَه الكلب المعلّم، لأجل ما فيه من النَّفْع، فكل ما أَمْكَنَ الانتفاع به منها، فهو مثله. ودلَّ ذلك على أن النهي إنما يتناول الكلاب التي لا نَفْع فيها، وإنما يُبْتَغى بها الهِرَاش(٢)، والقمار. وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار في النهي عن ثمن الكلب، وأن ثمن الكلب حرام(٣)، فإن خبرنا قاض عليها؛ لأن النهي موجود فيه، مع استثناء الكلب المعلّم. ولأن النهي كان في حال الأمر بقتلها، وإباحةُ الاقتناء متأخرةٌ عنه لا محالة(٤). (١) تقدم من طريق أخرى. (٢) التهريش: التحريش بين الكلاب، كما في القاموس المحيط (هرش). (٣) صحيح البخاري ٤٢٦/٤، صحيح مسلم ١١٩٨/٣. (٤) في شرح معاني الآثار للطحاوي ٥٥/٤ بيان تأخير إباحة الاقتناء. ١٠٨ كتاب البيوع وأيضاً: لمَّا كان الكلب مما أبيح الانتفاع به، من غير حق له(١) في مَنْع البيع، أشبه الحمار الأهلي، والهرَّ، وسائر ما أبيح الانتفاع به، من غير حق للمبيع في منع البيع، فوجب أن يجوز. ولا تلزم عليه أمُّ الولد والمُدَبَّر؛ لأن لهما حقاً في مَنْع البيع لاستيفاء العتق الذي استحقاه بموته، إذ كان في جواز البيع إبطاله. وأيضاً: فقد اتفقنا جميعاً (٢) على أن الكلب موروث عن مالكه، وتجوز الوصية به، فوجب أن يجوز بيعه؛ لأنه مما قد صحَّ انتقال الملك فيه بالميراث والوصية، كسائر الأشياء الموروثة. فإن قيل: ليس الميراث والوصية أصلاً لجواز البيع؛ لأنهما يصحَّان في المجاهيل، ولا يصح بيع المجهول. قيل له: افتراقهما من هذا الوجه، لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرناه في جواز البيع، ألا ترى أن كل ما بطل بيعه لأجل جهالته، أنه متى زالت الجهالة جاز البيع، ولا جهالة هاهنا تمنع من بيع الكلب، فهو في هذا الوجه بمنزلة الموروث، والموصى به. مسألة : [بیع الهرّا وأما بيع الهرِّ، فقد روى ابنُ عباس وأبو هريرة عن النبي صلى الله (١) أي ليس للمبيع سواء كان عبداً أو كلباً وما أشبه ذلك مما ينتفع به، فليس له حق في أن يمنع مالكه من بيعه، بخلاف أم الولد والمدبَّر، كما سيأتي في كلام الشارح. (٢) المغني ٤ /٣٠٠. ١٠٩ كتاب البيوع عليه وسلم إباحة بيعه(١)، وقد روي فيه نهي(٢)، إلا أن الفقهاء قد استعملوا خبر الإباحة، دون خبر الحظر، فهو أولى. مسألة : قال أبو جعفر: (وأَجْر وزَّان الثمن على المشتري). (١) لم أهتد إلى تخريجه، لكن قال ابن حزم في المحلى ١٣/٩: ((لا نعلمه أصلاً من طريقٍ واهية تُعرف عند أهل النقل، وأما صحيحة فنقطع بكذب مَن ادعى ذلك جملة)).اهـ لكن يستدل على إباحة بيعه بالحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((دخلت امرأة من جرّاء هرة لها - أو هرٍّ - ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها ترمرم من خشاش الأرض حتى ماتت هزلاً)). هذا لفظ مسلم ٢٠٢٣/٤، وأخرجه البخاري ٣٥٣/٦. وجه الدلالة: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((هرة لها)): يدل على الملك، لأن الأصل في اللام الملك، كما أفاد بهذا العيني في عمدة القاري ١٩٨/١٥، وابن حجر في الفتح ٣٥٨/٦، واستدل به البهوتي في كشاف القناع ١٥٣/٣. وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي ٦٨٦/٥ قال أبو هريرة رضي الله عنه: (( ... فكانت لي هريرة ... )) قال الترمذي: حديث حسن غريب. اهـ وبجواز ثمن الهر قال الجمهور، وهو قول الحسن البصري والحكم وحماد ومالك وسفيان وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق، وقد رخص في بيعه ابن عباس رضي الله عنهما، وكرهه أبو هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد، وأجابوا عن حديث النهي بأجوبة أحسنها: أنه محمول على ما لا نفع فيه، كما بيَّن ذلك الخطابي في معالم السنن ١٢٥/٥، والنووي في المجموع ٢٢٩/٩. (٢) صحيح مسلم ١١٩٩/٣. ١١٠ كتاب البيوع وذلك لأن عليه تمييزه، وإفرازَه من ماله، وتسليمَه إلى البيِّع، ولا يُعلم ذلك إلا بالوزن. * (وأجر كيَّال المبيع على البيِّع)؛ لهذه العلة بعينها. مسألة : [بيع ما لم يُقُبُض] قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع ما لم يُقْبَض من الأشياء المبيعة إلا العقار في قول أبي حنيفة، وأما أبو يوسف ومحمد: فكانا لا يجيزان بيع ذلك أيضاً حتى يقبضه). قال أحمد : رَجَعَ أبو يوسف إلى قول أبي حنيفة، والذي ذكره عنه أبو جعفر هو قوله الأول(١). لأبي حنيفة: قولُ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾(٢)، وهو عامٌّ في كل شيء، إلا ما قام دليله. فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن بيع ما لم يُقْبَض))(٣). (١) لكن في المطبوع من مختصر الطحاوي ص٨٤ بعد أن ذكر قول أبي يوسف مع محمد قال: ((ثم رجع أبو يوسف عن ذلك إلى قول أبي حنيفة))، وكأن هذه العبارة سقطت من نسخة مختصر الطحاوي التي هي عند الجصاص، والله أعلم. وأيضاً ففي مختصر القدوري (مع اللباب) ٣٥/٢ ذكر قول أبي يوسف مع أبي حنيفة رحمهما الله. (٢) البقرة: ٢٧٥. (٣) تقدم. ١١١ کتاب البيوع قيل له: إنما يتناول هذا اللفظ ما يتأتَّى فيه القبض الحقيقي، فأما العقار فلم يتناوله؛ لأنه لا يتأتَّى فيه القبض على الحقيقة، لأن القبض الحقيقي هو النَّقْل، وذلك لا يصحُّ في العقار. فإن قيل: القبض المستحق بالبيع ليس هو النقل، وإنما هو التخلية، وذلك يمكن في العقار. قيل له: إنما تعتبر التخلية في جواز البيع، وتقام مقام النقل فيما يتأتّى فيه القبض الحقيقي، فأما ما لا يتأنَّى ذلك فيه، فاعتبار التخلية فيه من هذا الوجه ساقط. * ومن جهة النظر: إنه لما كان العقار مما لا يُخْشَى انتقاض البيع بهلاكه، صار كالمهر، والجُعْل في الخُلْع، والصُّلح من دَمِ العمد، ويجوز التصرف في جميع ذلك قبل القبض؛ لأنه لا يُخْشَى انتقاض العقد بهلاكه. وأما أبو يوسف، فكان قوله مثل قول محمد، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة. وهذه المسألة مبنية على اختلافهم في ضمان العقار بالغصب(١). مسألة : [بيع المكيلات قبل كيلها] قال أبو جعفر: (ولا يجوز لمن اشترى شيئاً كيلاً وإن قبضه أن يبيعه حتى' یکتاله). وذلك لما رواه جابر وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى (١) أي لو ((غصب عقاراً فهلك في يده: لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يضمنه))، كما في مختصر القدوري (مع اللباب) ١٨٩/٢. ١١٢ كتاب البيوع عن بيع الطعام حتى يجريَ فيه الصاعان: صاع البيِّع، وصاع المشتري)) (١). والمعنى فيه: أنه لا يتعيَّن حقه إلا بالكيل؛ لأنه يجوز أن يزيد إذا اكتاله، أو ينقص، فصار بمنزلة ما لم يُقبض، إذْ كان الواجب استيفاؤه بالكيل، وهو لم يكتل، فكأنه لم يستوفه، ولهذه العلة قلنا مثله في الموزون. * وأما المعدود: فقد روي فيه عن أبي حنيفة مثل ذلك(٢)، وروي أن له أن یبیعه إذا قبضه قبل أن یعدَّه. * (وذكر أبو جعفر أن أبا يوسف قال بأَخَرَة في المعدود: له أن يبيعه قبل أن یعدَّه إذا كان قد قبضه. قال: وقد روي ذلك أيضاً عن محمد بن الحسن). وجه القول الأول: ما ذكرنا مِن أن حقه لا يتعيَّن إلا بالعدد، فلا يصح التسليم إلا بتمييز ما اشتراه عدداً. ووجه الرواية الأخرى التي فُرِّق فيها بين الكيل والمعدود: أن المكيل والموزون يختلفان إذا أُعيد عليهما الكيل أو الوزن، فَيَزِيدان تارةً، وينقصان أخرى، وليس كذلك المعدود؛ لأنه لا يختلف بحال إذا أُعيد عدّه، فلا يحصل القبض في مجهول. ** فأما ما اشتراه مذارعة: فإنه يجوز بيعه قبل الذرع إذا قَبَضه؛ لأن الذرع لیس مما يقع عليه العقد. (١) تقدم. (٢) أي مثل الكيل، لابد أن يعده قبل أن يبيعه. ١١٣ كتاب البيوع ألا ترى أن مَن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع، فوجده أكثر: كان كله له، ولو كان تسعاً كان بالخيار: إن شاء أَخَذَه بجميع الثمن، وإن شاء تركه، فلما لم يتعلق العقد عليه، سقط اعتباره، والكيل والوزن والعدد، مما يتعلق عليه العقد إذا ذُكِرَ. مسألة : [بيع الأخرس] قال أبو جعفر: (وبَيْع الأخرس، وابتياعه، وعقوده على نفسه بالإشارات المفهومة منه جائزٌ كله). وذلك لأنه يُفْهَم بها ما يُفهم بالكلام، فقامت مقامه، إذْ لا يُتوصل إلى مراده من غير هذا الوجه، فليست بدون الكتاب. [مسألة : ] قال: (ومَن اعتُقِلَ (١) لسانُه: لم تجز عقوده بالإشارة). لأنه يُرجى إمكان الوصول إلى مراده بصريح القول، فكان بمنزلة إشارة الصحيح. مسألة : [ظهور العيب في أحد الثَّعْلَيْن ونحوهما] قال: (ومَن اشترى شيئين لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه، كالخفّيْن، والنَّعلين، فقبَضَهما، فأصاب بأحدهما عيباً، فهو كالشيء الواحد، إن شاء ردَّهما، وإن شاء أخذهما). (١) اعتُقِل لسانه: أي لم يقدر على الكلام، كما في مختار الصحاح (عقل)، والمقصود به هنا من طرأ عليه الخرس، ولم يولد أخرس، كما في مختصر الطحاوي ص٨٥، وقد اختصر الجصاص هنا نص الطحاوي. ١١٤ كتاب البيوع وذلك لأن انفراد أحدهما عن صاحبه الآخر يوجب عيباً فيه؛ لأنه يُنْقِص ثمنه، فيصير كمَن اشترى شيئاً صحيحاً، فلا يجوز أن يردَّه معيباً. مسألة : [حبس البائع المبيعَ ليستوفيَ الثمن] قال أبو جعفر : (وللبيِّع احتباس ما باع ما بقي له على المبتاع شيء من الثمن، أو على حَوِيلٍ إن أحاله عليه بشيء من الثمن إن كان الثمن حالاً). قال أحمد : وذلك لأنه عقد معاوضة يقتضي وقوع ملك كل واحدٍ منهما لصاحبه بحذاء ملك الآخر، ويقتضي التسليم على كل واحد بحذاء تسلیم الآخر، فلذلك كان له حَبْسه حتى يسلّم له الثمن. وكذلك إن أحاله بالثمن على غيره؛ لأن مطالبته بالثمن قائمة، كما لو کفل به عنه کفیل. * قال: (وإن كان الثمن مؤجَّلاً: لم يكن له حَبْسه). وذلك لأنه قد عَقَدَ على نفسه أن لا يستحق تسليم الثمن بإزاء تسليم المبيع. ولأنَّا لو جعلنا له الحَبْس إلى أن يحلَّ الأجل، لصار الأجل داخلاً على المبيع، ولا يصح دخول الأجل على الأعيان المبيعة. مسألة : [يكره التفريق بين ذوي رَحِمٍ مَحْرَمٍ في بيع العبيد] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي لأحد أن يفرِّق بين ذوي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فيهما صغیر). وذلك لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عليه الصلاة والسلام قال: ((أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبيع غلامَيْن أخوَيْن، فبعتُ أحدَهما، وذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ١١٥ كتاب البيوع أرجعْهما، ولا تَبَعْهما إلا جميعاً، ولا تفرِّق بينهما))(١). وروى أبو عبد الرحمن الحُبُلِيُّ عن أبي أيوب الأنصاري أنه مرَّ بصِبْیَانٍ يبكون من السَّبِي، قد فُرِّق بينهم وبين أمهاتهم، فردَّهم أبو أيوب إلى أمهاتهم، وقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن فَرَّق بين والدة وولدها: فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة))(٢). [مسألة : ] قال أبو جعفر: (فإن فُرِّق بينهم: فإن أبا حنيفة كان يَكْرَه ذلك، ولا يَفْسخ البيعَ فيه، وكان أبو يوسف ومحمد يفسخان البيع فيه). قال أحمد : لا خلاف بينهم أنه لا يُفسخ في الأخوين. (١) سنن الترمذي ٥٨١/٣ وقال: حسن غريب، سنن أبي داود ١٤٤/٣، سنن ابن ماجه ٧٥٥/٢، سنن البيهقي ١٢٧/٩، المستدرك ١٢٥/٢ ووافقه الذهبي على تصحیحه. قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٦/٣: ((أخرجه الحاكم وصحح إسناده، ورجحه البيهقي لشواهده)). اهـ، وقد توسع في تخريجه الزيلعي في نصب الراية ٢٥/٤. (٢) سنن الترمذي ٥٨٠/٣ وقال: حسن غريب، مسند أحمد ٤١٢/٥، الدارقطني ٦٧/٣، المستدرك ٥٥/٢ وصححه. قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٥/٣: ((في إسنادهم حيي بن عبد الله المعافري: مختلف فيه، وله طريق أخرى عند البيهقي غير متصلة، وله طريق أخرى عند الدارمي ٤٦/٢).اهـ ١١٦ كتاب البيوع وقال أبو يوسف وحده: يُفْسخ في الولد والوالد. ومحمدٌ مع أبي حنيفة في أنه لا يُفْسَخ في شيءٍ منه (١). وجه قول أبي حنيفة: أن النهي لم يتناول معنى في نفس العقد، وإنما تناول معنى في غيره، فصار كتلقّي الجَلَب، وبيع حاضرٍ لباد، إذْ لم يتناول النهيُ معنى في نفس العقد، وإنما تناول معنى في غيره، وهو ما يلحق الناس من الضرر بالتلقّي، وما يلحق الصغير من الوَحْشة بالتفريق. وكالبيع عند أذان الجمعة، والمعنى الاشتغال به عن الصلاة. وإنما اعتبروا ذلك إذا كان معهم صغير؛ لأن ذلك في معنى الحق الذي يثبت بالحضانة، والحضانة إنما تثبت في الصِّغَر. * قال أبو جعفر: (غيرَ أن محمداً قال في الصبي: إذا كان له أخوان، أو أختان، أو عمتان: فلا بأس ببيع واحدٍ من ذلك، واحتباس الصغير مع الآخر)). وذلك لأنه قد بقي للصغير مَن له قرابة، مثل قرابة مَن باعه. (١) ومثله في شرح الإسبيجابي ١ / لوحة / ١٩٩أ. ١١٧ کتاب البيوع باب أحكام البيوع الفاسدة مسألة : [تصرف المشتري فيما اشتراه في البيع الفاسد] قال أبو جعفر: (ومَن اشترى شيئاً شراءً فاسداً، فلم يقبضه بأمر بيِّعه: لم يخرج عن ملك بيِّعه). وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء. * قال : (فإن قبضه بأمر بيِّعه: مَلَكَه، وجاز تصرُّفه فيه). وذلك لأن البِّع قد مَلَكَ عليه القيمة عن عقدٍ فيه تسليط، فأشبه البيع الصحيح حين ملك عليه الثمن عن عقد فيه تسليط، فمَلَكَ المشتري المبيع. ألا ترى أن البيع الصحيح إذا كان فيه للبيِّع خيار، لم يملك المشتري المبيع لعدم التسليط. * وأما إذا لم يقبض: فإن البيِّع لم يملك القيمة على المشتري، فلم يملك عليه المبيع. فإن قيل: المقبوض على وجه السَّوْم مضمون بالقيمة، وكذلك الغصب، ولا یُملَك به. قيل له: لأنه ليس هناك عقدٌ ولا تسليط، ولم نَقُل بجواز حصول ضمان القيمة یوجب له الملك، دون ما ذكرناه. ١١٨ کتاب البيوع وأيضاً: فقد اتفق الجميع(١) على أن النكاح الفاسد لا حكم له بانفراده، ثم إذا اتصل به الدخول صار في حكم الصحيح فيما يتعلق به من الحكم، فكان بمنزلة مِلك البُضْع بعقدٍ صحيح. ألا ترى أنه لو وطىء فيه مِراراً: لم يجب عليه فيه إلا مهرٌ واحد، وکان في حکم من وطىء ما يملك، ولو لم يحصل له حكم الملك، لوَجَبَ لكل وطء مهر، فكذلك البيع الفاسد إذا اتصل به القبض، والمعنى الجامع بينهما: حصول ضمان البدل عن عقدٍ فيه تسليط. ولا يلزمنا على ذلك الشراء بالميتة والدم؛ لأن ذلك ليس بعقدٍ عندنا، ولا تُعرف الرواية عن أصحابنا في كونه مضموناً على مشتريه بالقبض. وجائز أن يقال: إنه لا يضمنه؛ لأنه قَبَضه بإذنه عن غير عقد، ولا سَوْمٍ، فصار بمنزلة الوديعة، وإذا كان كذلك، فلم يحصل هناك ضمان ولا عقد، فلم يملك. وأيضاً: فقد اتفقنا(٢) على أن الكتابة الفاسدة إذا اتصل بها الأداء، صارت في حكم الصحيحة في باب وقوع العَتَاق بها عند حصول الأداء، کذلك البيع. وقد احتُجَّ لذلك بحديث بَرِيْرَة ((أن عائشة رضي الله عنها اشترَتْها، واشترطت لهم الولاء، وأعْتَقَتْها، وأخبرت بذلك النبيَّ صلى الله عليه (١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١١٤/٥. (٢) المغني ١٢ /٤٨٥. ١١٩ كتاب البيوع وسلم، فأجاز العِتق، وأبطل الشرط))(١). وقد صحَّ عندنا أن ما كان بهذا الوصف من البيوع: فهو فاسد، فأجاز النبيُّ صلى الله عليه وسلم عِثْقَ عائشة فيها. فإن قيل: لمَّا كان العقد على حالةٍ غير موجبٍ للملك باجتماعهما، إذْ كان القبض والعقد جميعاً فاسدَيْن، لم يُقِد الملك، ولم يجز تصرفه. قيل له: ولو انفرد عقد النكاح الفاسد: لم يوجب مهراً، ولو انفرد الوطء عن العقد: لم يوجب أيضاً مهراً، ثم باجتماعهما: قد وَجَبَ وإن وقعا على فساد، كذلك ما وصفنا. ولو انفرد الإيجاب في العقد الصحيح عن القبول: لم يوجب الملك، ولو انفرد القبول عن الإيجاب: لم يوجبه أيضاً، ثم إذا اجتمعا: أوجباه. والكتابة الفاسدة لا توجب العتق، والأداء عن غير عقدٍ لا يوجبه، ثم إذا اجتمعا: أو جباه، ونظائر ذلك أکثر من أن تُحْصَى. (١) صحيح البخاري ١ /٥٥٠، ١٦٧/٥، صحيح مسلم ١١٤١/٢. ١٢٠ كتاب البيوع باب السَّلَم مسألة : [شروط السَّلَم] قال أبو جعفر: (ولا يجوز السَّلَم، ولا آجال البياعات إلى الحصاد والدِّيَاس(١)، ولا إلى صوم النَّصَارى، ولا إلى فِطرهم قبل دخولهم في الصوم، فإن كانوا قد دخلوا في صومهم: فقد صار آخره معروفاً، فيجوز). قال أحمد : روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن أسلم فليُسْلِم في كيلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم، إلى أجلٍ معلوم))(٢)، فانتظم هذا الخبر معاني منها: نفيُ الجهالة عن مقدار السَّلَم؛ لأن الكيل موضوع لمعرفة المقادير. ومنها: نفيُ الجهالة عن القبض؛ لأن الأجل مشروطٌ للقبض، فكلُّ ما كان جهالة في المقدار، فحُكْمها أن تكون منفيةً عن السلم، قياساً على الكيل، وما كان جهالةً في القبض، فهي منفية عنه، قياساً على الأجل. وأفادنا بطلان السلم الحالِّ؛ لأنه أَمَرَ بشرط الأجل المعلوم في (١) داس الناسُ الحبَّ: دَرَسوه عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو الدِّيّاس بلغة الشام، كما في تاج العروس (دوس)، وفي المغرب ٢٩٨/١: ((الدياسة في الطعام: أن يوطأ بقوائم الدواب، أو يكرر عليه المدوس يعني الجرجر حتى يصير تِبْناً)).اهـ (٢) صحيح البخاري ٤٢٨/٤، صحيح مسلم ١٢٢٧/٣ كلاهما بلفظ: ((من أسلف ... )).