Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب البيوع البيع في أحدهما دون الآخر؛ لأن فيه تفريقَ الصفقة عليه في الأثمان، ومِن أصلنا أن الصفقة لا تتم إلا بالقبض، فلذلك لم يجيزوا له تفريق الصفقة فيهما. وعلى هذا الأصل قالوا: إذا اشترى عبدَيْن على أنه بالخيار ثلاثاً فيهما، وقَبَضَهما، أو لم يقبضهما، لم يكن له ردُّ أحدهما دون الآخر، لأن شَرْط الخيار يمنع تمام الصفقة، وإن كانا مقبوضَيْن جميعاً. وكذلك هذا في خيار الرؤية وإن قبض؛ لأن خيار الرؤية يمنع تمام الصفقة، لجهالة المبيع عنده إذا كان خياره، لئلا يلزم نفسه مجهولاً. وأما إذا قبضهما، ولا خيار له فيه: فقد تمت الصفقة، فله أن يرد أحدهما دون الآخر؛ لأن في ذلك تفريق الصفقة في الفسخ، لا في الأثمان، وذلك جائز بلا خلاف. مسألة : [العيب في ثمن الصرف] قال: (وإذا وَجَدَ في ثمن الصرف درهماً زائفاً بعد الافتراق، فإنه يستبدله ما بينه وبين النصف، ولا يفارقه إذا ردَّه حتى يقبض البدل. فإن كان أكثر من النصف: انتقض الصرف بمقداره إن ردّه في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينتقض إذا أخذ البدل في المجلس الذي ردَّه فيه ولو وجدها كلها زيوفاً). قال أحمد : وقد روي عن أبي حنيفة في هذه المسألة روايتان أخريان: إحداهما: أنه ينتقض الصرف في النصف، ولا ينتقص في أقل منه. والأخرى: أنه ينتقض في الثلث، ولا ينتقض في أقل منه. ٤٢ كتاب البيوع والقياس عنده أنه ينتقض في القليل والكثير إذا ردَّه، ولا يصح له أَخْذُ بَدَلِهِ، وذلك لأن ردَّه يوجب نَقْضَ القبض في المردود، وإعادةَ الدَّيْن الذي كان في العقد، ولا يصح إعادته دَيْناً بعقد صرف قد حصل عنه افتراق، إذ كان الافتراق موجباً لبطلانه لو كان الدَّيْن باقياً. واستحسن في القليل فأجازه، وتَرَكَ القياس فيه، كما جاز أن يتجاوز بالزيوف عن ثمن الصرف وإن وقع العقد على الجياد. ومعلوم أن الزيوف قد خالطها عين الفضة، فسقط حكمه لأجل قِلَّته، وصار الحكم فيه للأكثر، ولم يكن بمنزلة مَن أخذ عن ثمن الصرف غيرَه، فکذلك ما وصفنا. وهذه علةٌ للرواية التي أجاز فيها أقل من النصف، ولم يُجز النصف، وهي أصح الروايات(١). * قال أبو جعفر: (إذا انتقض العقد فيما ردَّه: كان شريكاً في الدينار بحسابه، وكذلك إذا وجد بعضها ستُّوقاً (٢) بعد الفرقة). (١) لم يذكر الجصاص في هذا النص الرواية الثالثة التي أشار لها هنا، وقد ذكرها الإسبيجابي في شرحه ١ / لوحة / ١٦٣، وهي: (أنه ينتقض إذا كان أكثر من الثلث)، وعلى هذا: فالرواية الأولى: ينتقض إذا كان أكثر من النصف، والثانية: ينتقض في النصف فما فوقه، والثالثة: ينتقض في أكثر من الثلث. (٢) السَّتُّوق: بفتح السين وضمها، مشددة التاء، فارسي معرب، وهو على صورة الدراهم، وليس له حكمها، إذ جوفه نحاس ووجهاه جعل عليهما شيء قليل من الفضة لا يخلص، والحاصل: أن الستوقة ما يغلب غشه على فضته، كما في طَلِبَة الطََّبَة للنسفي ص ١٠٩ . ٤٣ كتاب البيوع قال أحمد : أما السَّتُّوق، فلا يحصل به استيفاءٌ لثمن الصرف؛ لأنه ليس بعضه، فهو بمنزلة مَن تصرَّف في ثمن الصرف قبل القبض، فلا يجوز. والأصل فيه: أن كل ما أُخِذ علينا تعجيله في مجلس العقد، فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، مثل ثمن الصرف، ورأس مال السلم. * وأما قوله: ((إنه يصير شريكاً في الدينار الذي قبضه بيِّع الدراهم)): فإن محمداً قد أطلق نحو ذلك في كتاب الصرف(١)، ومعناه: أنه يشاركه في دينار، إن شاء كان ذلك الدينار، وإن شاء غيره. ولا يستحق بيِّع الدينار بانتقاض الصرف بعد صحته؛ لأن من أصلهم: أن رجلاً لو اشترى عبداً بألف درهم، وقبض البيِّع الدراهم، ثم مات العبد قبل القبض: لم يستحق المشتري غير تلك الدراهم، وكان للبيِّع أن يعطيه غيرها، وذلك لأنها لم تملك بالعقد، وإنما ملكت بالقبض، وما لم يملك بالعقد، لم ينتقض الملك فيه بانتقاض العقد. (١) أي من كتاب الأصل لمحمد، والله أعلم. ٤٤ كتاب البيوع باب العَرِيَّة مسألة : [بيع العرايا] قال: (والعريَّة أن يُعْرِيَ الرجلُ الرجلَ ثَمَرَ نخلته، فلا يَجُذَّها المُعْرَى حتى يبدوَ للمعرِي أن يمنعَه منها، ويعوِّضه منها خَرْصَها تمراً، ويقبل ذلك منه المَعْرَىُ، فيطيب ذلك للمُعرِي والمُعرَىُ، ويَخرجُ المُعْرِي بذلك من حكم مَن وَعد وعداً ثم أخلفه، ويَخرج المعرَى من حكم مَن أخذ عوضاً عن شيء لم يكن مَلَكَه). قال أبو بكر أحمد : العربية عندهم هي الهبة، وذلك لأنها مشتقة من العارية، والعارية إنما هي تمليك المنافع بغير بدل، فكان اسم العرية بالهبة أَوْلى منه بالبيع الذي هو تمليكٌ ببدل. ويدل عليه قول الشاعر يَصِفُ نخلةً: ليست بسَنْهَاء ولا رُجَّبيَّةٍ ولكن عَرايا في السِّنِين الجَوَائِح (١) (١) عزاه ابن منظور في لسان العرب (رجب) (سنة) (عرا) لشاعر الأنصار سويد بن الصامت، وهو يصف نخله بالجودة، وأنه ليس فيه سنهاء، والسنهاء التي أصابتها السنة المجدبة، وقد تكون النخلة التي حملت عاماً ولم تحمل آخر. ونخلة رُجَّبية: بُني تحتها رجبة، وهي أن تُعمَّد النخلة الكريمة إذا خِيف عليها أن تقع لطولها، وكثرة حَمْلها، ببناء من حجارة ترجَّب بها أي تعمَّد به، والعريَّة هي التي يوهب ثمرها، والجوائح السنون الشداد التي تجيح المال. اهـ نقلاً = ٤٥ كتاب البيوع يعني أنها موهوبة التمر في هذه السنين. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا خَرَصْتُم فدعوا الثلث أو الربع، فإن في المال: العريَّةَ والوصيةَ))(١). ((وروى ابن طاوس عن أبي بكر بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أن لا تُخْرَص الثمار العرايا))(٢). والعرايا: أن يَمنح الرجلُ من حائطه رجلاً نخلات، ثم يبتاعها الذي مَنَحها من الممنوح بخَرْصها کیلاً. وليس يمتنع إطلاق لفظ البيع عليه وإن كان المشتري مالكاً للثمرة قبل تسليمها إلى الموهوب له، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عن اللسان (رجب) (سنة). وقال الباجي في المنتقى ٢٢٧/٤ في شرح هذا البيت: ((يمدح نفسه بالجود، ويقول: إن نخلة ليست بسنهاء، ولا رجبية، يريد ليست يُبنى عليها، ولكن عرايا في السنين الجوائح، يريد إذا نزلت الجوائح بالناس واشتدَّ الزمان، وقلَّت الثمار، وهَبَها حينئذ وجَعَلَ ثمرتها طُعمة)).اهـ. (١) سنن النسائي ٢٦/٥، سنن الترمذي ٣٥/٣، سنن أبي داود ٢٥٨/٢ - ٢٥٩، المستدرك الحاكم ٤٠٢/١، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وقال الحاكم: وله شاهد بإسناد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به اهـ، وأخرجه ابن حبَّان في صحيحه (موارد الظمآن) ص / ٢٠٤ (٧٩٨). وينظر التلخيص الحبير ١٧٢/٢. (٢) مصنف عبد الرزاق ١٢٦/٤، مصنف ابن أبي شيبة ١٩٤/٣ وقد جاء النص فيه محرفاً، الأموال لابن زنجويه ١٠٧٩/٣، سنن البيهقي ١٢٣/٤ قال: وهو مرسل، وقد روي فيه حديث موصول. ٤٦ كتاب البيوع أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١)، وهي كلها لله قبل الشراء وبعده. وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِاَلْهُدَى﴾(٢). ولا يجوز عندنا بيع ثمرة النخلة والنخلتين، ولا أكثر من ذلك بخَرْصها تمراً إذا كان البِّع مالكاً للثمرة. وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى عن بيع المزابنة، وهي بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر كيلاً))(٣). وقال عليه الصلاة والسلام: ((التمر بالتمر، مِثْلاً بمِثْل، كيلاً بكيل))(٤). ولاتفاق الجميع (٥) على امتناع جواز بيعها لو كانت موضوعة بالأرض إلا مکایلة. ولاتفاق المسلمين(٦) أيضاً على امتناع جواز بيع تمر النخل الكثير بخَرْصها تمراً. فإن قيل: روى زيد بن ثابت، ورافع بن خَدِيج، وجابر، وأنس، وأبو هريرة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع العرايا بخَرْصها))(٧). (١) من سورة التوبة، آية رقم / ١١١. (٢) البقرة: ١٦. (٣) صحيح البخاري ٣٧٧/٤، صحيح مسلم ١١٦٩/٣. (٤) تقدم. (٥) المغني ١٣٢/٤. (٦) المغني ١٣٢/٤ - ١٣٣. (٧) صحيح البخاري ٣٧٧/٤، صحيح مسلم ١١٧٠/٣. ٤٧ كتاب البيوع وقال أبو هريرة: فيما دون خمسة أوسق(١). قيل له: العرية ما وصفنا من الهيئة، وقد دلَّلْنا عليه في صدر المسألة. ويدل عليه أيضاً: ما روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى عن المزابنة)). وقال زيد بن ثابت: ((ورخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخلة والنخلتين، يوهبان للرجل، فيبيعهما بخَرْصهما تمراً))(٢). فإن قيل: فما فائدة الرخصة على ما تأوَّلتَ، والثمرة ملك الواهب بعدُ لم يملكها الموهوب له. قيل له: لولا خبر الرخصة فيه، لمَنَعْناه من ذلك، لما فيه من إخلاف الوعد. ولم يكن نبيح أيضاً للموهوب له أخذ البدل؛ لأنه لم يملك بعد، فأفادنا الخبر جواز ذلك. وأيضاً: فلو كان خبر العربية وارداً على الوجه الذي ادَّعيتموه من جواز عقد الشراء على ثمرةٍ بخَرْصها تمراً، لكان خبر النهي عن المزابنة، وقوله صلى الله عليه وسلم ((التمر بالتمر، مِثْلاً بمِثْل)): أَوْلى بالاستعمال منه؛ لأنه متَّفق على استعماله، وخبر العربة مختلف في استعماله على الوجه الذي ذهب إليه المخالف، ومتى ورد خبران على هذا الوصف، كان (١) الوَسْق: ستون صاعاً بصاع النبي عليه الصلاة والسلام، كما في المغرب ٣٥٤/٢، وهو يعادل ٣٫٢٩٦ غرام عند الحنفية، وعند بقية الفقهاء ٢,١٧٥ غرام، وينظر الإيضاح والتبيان لابن الرّفعة ص ٥٧. (٢) صحيح مسلم ٣/ ١١٧٠. ٤٨ كتاب البيوع الخبر المتَّفق عليه، قاضياً على الآخر، وقد بيَّنَّا ذلك فيما سلف. ثم إذا وجدنا لخبر العرية وجهاً يوافق الخبر الآخر، حملناه عليه، واستعملناهما، ومخالفُنا لا يجيز بيعَ العربيَّة إذا كان مُحَاطاً على النخلة والنخلتين، وإنما يجيزه إذا كانت فيما بين نخلٍ لغيره، من غير أن يكون عليها حائط. والخبر لم يفرِّق بين ذلك، فكان الحائط الذي بينهما حينئذ يكون مانعاً من البيع، والحائط لا تأثير له في ذلك. ٤٩ کتاب البيوع باب بيع أصول النخل والشجر والثمار مسألة : [بيع الشجر وعليه ثمر] قال أبو جعفر: (وإذا باع نخلاً أو شجراً فيها ثمرٌ قد بَدَا: فالثمر للبِّع، ويقطعه من شجر المشتري، سواء أَبَّرِه أو لم يؤِّره). وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ باع نخلاً مؤيّراً، فثمرته للبيِّع إلا أن يشترط المبتاع))(١). أفادنا بذلك أنَّ كلَّ ما كان لقَطْعِه نهاية في العادة: فغير داخل في شراء الأصل، إلا بالشرط مثل الزرع في الأرض. وإنما استوى حكم المؤبَّر وغير المؤبَّر، لوجود المعنى الذي مِن أجله لم يدخل المؤبَّر منه في العقد، وهو أنَّ لقَطْعه نهاية، وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم للمؤبر لا يوجب أن يكون الحكم مقصوراً عليه؛ لأن ذِكْرَ التأبير إنما هو إبانة عن حال ظهور الثمرة؛ لأنها تؤبر عند ظهورها. وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قَطْع في ثمرٍ حتى يُؤويه الجَرِينَ(٢))(٣)، ولو آواه البيت والدار كان كذلك حُكْمه؛ لأن المعنى فيه (١) تقدم. (٢) موضع تجفيف التمر. النهاية ٢٦٣/١. (٣) سنن النسائي ٨٥/٨، سنن أبي داود ٥٥٠/٤، ٣٣٦/٢، سنن الترمذي ٥٨٤/٣ وقال: حديث حسن، المستدرك ٣٨١/٤ ووافقه الذهبي على تصحيحه، = ٥٠ كتاب البيوع الإحراز، وبلوغ حال الاستحكام. ويؤمر البِّع بقطع الثمرة؛ لأنها في ملك المشتري، بمنزلة مَن باع داراً له فيها متاع، فيؤمر برفع المتاع ونقله. مسألة : [بيع الثمر دون الشجر] قال: (وإن اشترى الثمرة دون الأصل: جاز، وعلى المشتري أن يجدَّها(١)، أُبّرت أم لم تؤبَّر). قال أحمد: لا خلاف بين الفقهاء (٢) في جواز شرائها إذا شَرَط قطعها. ولا خلاف(٣) في فساده إذا شَرَطَ التَّرْك قبل بُدُوٌّ صلاحها. واختلفوا فيه إذا لم يَشرط قطعها، ولا تَرْكها: فأجازه أصحابنا، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن باع نخلاً مؤبَّراً: فثمرته للبيِّع إلا أن يشترط المبتاع)) (٤). فأجاز شرط الثمرة للمشتري على الإطلاق، مِن غير شرط القطع. سنن ابن ماجه ٨٦٥/٢، وقد توسع في تخريجه الزيلعي في نصب الراية ٣٦٣/٣. (١) ((الجدُّ: في الأصل: القطع، ومنه جد النخل: صرمه، أي قطع ثمره جداداً)) كما في المغرب ١٣٤/١ (جدد)، وفيه أيضاً ١٤٥/١ (جزز) ((الجداد خاص في النخل، والجزاز فيه وفي الزرع والصوف والشعر)). (٢) المغني لابن قدامة ٢٠٢/٤. (٣) المغني لابن قدامة ٢٠٢/٤. (٤) تقدم. ٥١ كتاب البيوع وأيضاً: فإن العقد يوجب التسليم في الحال، ولا فَرْق بين شَرْط القطع وبين الدخول في عقدٍ يوجب قطعه، ألا ترى أنه لا فَرْق بين أن يبيع العبدَ، ويشترط تسليمَه للمشتري، وبين أن يبيعه ويسكت عن شرط التسلیم، إذ كان العقد یوجبه. وإنما يبطل العقد إذا شَرَط الترك؛ لأنه نفى موجَب العقد، إذ كان العقد يوجب قطعَه، كمَن باع عبداً، وشَرَطَ أن لا يسلمه شهراً، فيفسد العقد، لنفيه بالشرط ما يوجب العقد من التسليم. قال أبو جعفر : (فإن اشترط في البيع تركَها إلى جَدَادِها: فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: البيع على ذلك فاسد). للعلة التي وصفنا، وهي أنه نفى التسليمَ الموجَب بالعقد بالشرط، کشرطه أن لا يسلُّم العبد إلى شهر. * (وقال محمد: إن كان قد بدا صلاحُها: جاز البيع والشرط)؛ استحساناً، وشبَّهه برجل اشترى نعلاً على أن يَحْذُوَها(١) البيِّع ويُشرِّكها(٢)، فيجوز البيع والشرط، لجريان العادة بجواز مثله، كذلك الثمرة إذا بدا صلاحها: جاز شرط الترك فيها للعادة، ولأنها لا يحدث فيها بالترك أجزاء معدومة في الحال. والفصل بينهما على مذهب أبي حنيفة: أن القياس يمنع جواز شرط الحذو والتشريك في شراء النعل، إلا أنه تَرَكَ القياس فيه، لجريان (١) حذا النعل حذواً: قدَّرها وقطعها. القاموس المحيط (حذو). (٢) أي جعل لها شِراكاً، وهو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. لسان العرب (شرك). ٥٢ كتاب البيوع العادة بمثله في السلف، مع ترك الفقهاء النكير على فاعله، فصار إجماعاً من السلف، ولم نجد مثلَه في شَرْط تَرْك الثمرة، فحَمَلَ أمرها على القياس. مسألة : [بيع الثمرة مع جهالة قَدْرها] قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع الثمرة إلا صاعاً منها). وذلك لأنه مجهول، كأنه اشترى بعض الثمرة، ولم يبيِّن مقداره. قال : (ولا بأس ببيع الجزء المعلوم من أجزائها). وذلك لأنه معلوم، کبیع رُبُع العبد، ونصفه. مسألة : [هلاك الثمرة بعد القبض] قال أبو جعفر: (وما هلك من الثمرة بعد قبض المشتري، فهو من مال المشتري). لأنها قد صارت في ضمانه، وخرجت من ضمان البِّع، كمن اشترى طعاماً أو ثياباً، وقبضها، فتهلك من ماله إذا هلكت. مسألة : [هلاك الثمرة قبل القبض] قال: (وما هلك قبل القبض: فهو مِن مال البيِّع، فإن هلك بعضه: فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن شاء ترك). قال أحمد : صحة بقاء العقد عندنا موقوفة على سلامة القبض، والأصل فيه: أن الله تعالى لما حرَّم الربا، أبطل منه ما لم يكن مقبوضاً، ولم يتعقب منه ما كان مقبوضاً بالفسخ، فدل على أن مِن شَرْط بقاء ٥٣ كتاب البيوع العقد: سلامة القبض، وأنه متىْ عُدِم(١) التسليم: بَطَلَ العقد. ويدل عليه من جهة السُّنَّة: ((نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها))(٢). وقال: ((أرأيتَ إن مَنَعَ الله الثمرة بمَ يستحلُّ أحدُكم مالَ أخيه))(٣). فأخبر أن البيِّع لا يستحق الثمن إلا بسلامة المبيع للمشتري. ويدل عليه نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع العبد الآبق(٤)، وعن بيع الغرر(٥)، وسائر البياعات التي يُتَعَذَّر فيها التسليم. * ومن جهة النظر: إن وجود العيب بالمشترَى، يُحدِث للمشتري خياراً في الفسخ، لاستدراك الجزء الفائت الذي شَرَطَ تسليمه بالعقد، فإذا عُدِمِ الأصل: فهو أَوْلى أن لا يستحق عليه الثمن. (١) في الأصل (قدم)، وأثبت ما في المغربية. (٢) صحيح البخاري ٣٥١/٣، ٣٨٣/٤، صحيح مسلم ١١٦٥/٣. (٣) صحيح البخاري ٣٩٨/٤، صحيح مسلم ١١٩٠/٣. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٨/٣ أن هذه الجملة موقوفة من قول أنس، وأن رفعها وَهَم، لكنه في فتح الباري ٣٩٨/٤-٣٩٩ ردَّ القول بوقفها، ورجح رفعها. (٤) سنن ابن ماجه ٧٤٠/٢، سنن البيهقي ٣٣٨/٥، مسند أحمد ٣٠٢/١، ٤٢/٣، قال البيهقى: وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي، فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهى عنه في الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله علیه وسلم. (٥) صحيح مسلم ١١٥٣/٣. ٥٤ کتاب البيوع وأيضاً: لو منع البِّع تسليمَ العبد، وغيَّبَه، لم يستحق الثمن، لعدم التسلیم، كذلك إذا مات. وأيضاً: فإن عقد البيع يتناول كل واحدٍ من البدلَيْن، فلا يستحق أحدهما تسليم ما مَلَكَ على صاحبه، إلا بتسليم ما مَلَكَ عليه. * وإنما وَجَبَ له الخيار إذا هلك بعضُ المبيع، مِن قِبَل أن تفريق الصفقة علیه قبل تمامه یوجب له الخيار. والدليل عليه: أنه لو قال: قد اشتريتُ منك هذا الكُرّ(١) بمائة درهم، فقال: قد بعتُك نصفه: كان له أن لا يقبله، لتفريق الصفقة عليه. مسألة : [استهلاك الأجنبي المبيعَ] قال: (ولو استهلكه أجنبي: كان للمشتري أن يختار اتباع الجاني، ويعطي البيِّع الثمن). وإنما كان له الخيار، مِن قِبَل أن السلعة قد تغيَّرت قبل التسليم، فوجب له الخيار لذلك، ولا يبطل البيع؛ لأن ما حصل على الجاني من ضمان القيمة أو المثل قائم مقام الأصل، وإنما حدث فيه تغيُّرٌ، فلا يبطل البيع. فإن قيل: لما لم يصح ابتداءً العقد عليه وهو في ذمة الغير، وجب أن لا یبقی فیه حکم العقد إذا صار كذلك. قيل له: لا يجب ذلك، ألا ترى أن الآبق لا يجوز ابتداءً العقد عليه، (١) الكُرُّ: مكيال لأهل العراق، وهو اثنا عشر وَسْقاً، كل وَسْق ستون صاعاً، كما في المغرب ٢١٤/٢ (كرر)، وقد تقدم وزن الصاع بالغرامات. ٥٥ كتاب البيوع ولو أَبَقَ بعد البيع قبل القبض: لم يبطل العقد. ولا يجوز ابتداءً عقد النكاح على معتَدَّة، ولو طرأت عليها عدة وهي تحت زوج: لم يبطل النكاح، فليس حكم البقاء في ذلك حكم الابتداء. مسألة: [جَزُّ الكلا المشتَرى على المشتري] قال أبو جعفر: (وإذا اشترىُ رُطْبَةً(١) قائمة في الأرض: جاز ذلك، وكان عليه جزُّها، وإن اشترط ذلك على البيِّع: فَسَدَ البيع). وذلك لأن نقلها على المشتري، فإذا اشترط نقلها على البيِّع: فسد البيع؛ لأنه شَرَطَ شَرْطاً لا يوجبه العقد، بمنزلة مَن اشترى طعاماً على أن يحمله البیِّع إلى منزله. مسألة : [البيع قبل القبض] قال: (ومن اشتری شیئاً بعينه، أو في ذمته: لم يجز له بيعه قبل قبضه، ولا التولية(٢)، ولا الشركة). قال أحمد : هذا في غير العقار، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى عن بيع ما لم يُقْبَض))(٣). (١) ((الرُّطْب: وزان قفل: المرعىُ الأخضر، من بُقُول الربيع، وبعضهم يقول: الرُّطْبَة: وزان غرفة: الخلا، وهو الغض من الكلأ))، كما في المصباح المنير (رطب). (٢) التولية: بيع ما اشترى بما اشترى، والتشريك: بيع بعض ما اشترى بما اشتراه به، كما في طلبة الطلبة للنسفي ص ١١١، المغرب ٤٤١/١ (شرك). (٣) جاء النهي في كتب السنن عن بيع ما لم يقبض بلفظ: ((لا يحل بيع ما ليس عندك))، وهو في سنن الترمذي ٥٣٤/٣-٥٣٦ وقال: حديث حسن صحيح، سنن النسائي ٢٨٨/٧، سنن أبي داود ٧٦٨/٣، سنن ابن ماجه ٧٣٧/٢، وصححه = ٥٦ كتاب البيوع والإشراك، والتولیة بیعٌ، فلا يجوز. قال أبو جعفر: (والحوالة به كالبيع فيه، فلا يجوز شيء من ذلك). قال أحمد: قوله: ((والحوالة به كالبيع)): لا معنى له(١)؛ لأن مِن قولهم: إنه إن كان في الذمة: جازت الحوالة به، ألا ترى أن رجلاً لو كان له على رجل كُرُّ حنطة سَلَمَاً، فأحال به عليه رجلاً له كُرُّ حنطة: جاز، ولم يكن بمنزلة البيع. ويجوز أيضاً للمسلَم إليه أن يحيل المسلِم بالسلم على غيره. وإن كان المشترَى عيناً: جازت الحوالة به أيضاً، ويكون المحال وكيلاً للمشتري في قبضه، فلا وجه لقوله: ((إن الحوالة به كالبيع)). مسألة : قال أبو جعفر: (والإقالة قبل القبض فسخٌ للبيع). قال أحمد: هذا لا خلاف فيه بين الفقهاء(٢)؛ لأن بيعه قبل القبض لا الحاكم في المستدرك ١٧/٢، ووافقه الذهبي. وقد توسع في تخريجه الزيلعي في نصب الراية ١٨/٤، وقد جاء الحديث في فتح العزيز للرافعي شرح الوجيز للغزالي بلفظ: ((نهى عن بيع ما لم يقبض))، كما ذكره الجصاص هنا، ولما جاء الحافظ ابن حجر ليخرج الحديث في التلخيص الحبير ٢٥/٣ ذكر لفظ: النهي عن بيع ما ليس عندك. وجاء بلفظ: ((لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه)) عند البيهقي في السنن ٣١٣/٥ وقال: هذا إسناد حسن متصل، وتعقبه ابن التركماني، فلم يرتض تحسينه. (١) وبهذا اعترض الإسبيجابي أيضاً في شرحه ١ / لوحة / ١٧١. (٢) يريد هنا - والله أعلم - أنه لا خلاف بين فقهاء المذهب، كما يظهر من = ٥٧ كتاب البيوع يجوز، فدل أنها فسخ. قال : (وهي بعد قبض المبيع فسخٌ أيضاً في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد (١): بعد قبض المبيع بيعٌ مستقبل، وقبل قبضه: فسخٌ للبيع). قال أحمد : وجه قول أبي حنيفة: أن الإقالة في اللغة(٢): رَفْع العقد، والأصل فيها قولهم: أقال الله عَثْرَتَك، يعني: رَفَعَها وأزالها. فإذا كانت رَفْعاً للعقد الأول، وهما دخلا فيها على هذا الوجه، لم يجز لنا أن نجعلها بيعاً مستقبلاً؛ لأنها تكون حينئذ غير ما تعاقدا عليه، كما لو أنهما عَقَدَا عقدَ هبة، لم يجز لنا أن نجعله عقدَ بيع. وأيضاً: لا يختلفون أنها تصحُّ بغير تسمية ثمن، ولو كانت بيعاً مستقبلاً: لما صحَّت بغير تسمية ثمن. وأيضاً: تجوز الإقالة على القيمة بالاتفاق، والبيع المستقبل لا يصح على القيمة. وأما مذهب أبي يوسف: فهو كما قال. وأما محمد: فإنها عنده إذا كانت بجنس الثمن الأول: فهي فسخ، ولا كلامه الآتي في الإقالة بعد القبض، وإلا فالخلاف واقع بين الفقهاء في ذلك، كما في المغني ٢٢٦/٤. (١) هكذا: محمد مع أبي يوسف، لكن في المطبوع من مختصر الطحاوي ص ٧٩ لم يذكر مع أبي يوسف محمداً، وسيأتي في كلام الجصاص بيان اختلاف قول محمد عن قول أبي يوسف. (٢) القاموس المحيط (قيل)، المصباح المنير (قيل). ٥٨ كتاب البيوع تصح إلا بالثمن الأول، وإن كانت بغير جنس الثمن: فهي بيع مستقبَل، كما قال أبو يوسف(١). وذهب أبو يوسف إلى أنها لمَّا وقعت بتراضيهما في حال يصح فيها عقد البيع، وجب أن تكون بيعاً، ألا ترى أن حكمها حكم البيع في حق الغير في باب وجوب الشفعة بها، وامتناع رد المبيع بالعيب على بيِّعه. ولا خلاف بينهم أنها في حق الغير بمنزلة البيع المستقبل، وكذلك إذا وقعت قبل القبض؛ لأنه عاد إلى البيِّع بتراضيهما، وقال الله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْتَكُونَ تِكَرَةً عَن تَاضٍ مِّنْكُمْ﴾(٢). فمن حجة الغير أن يقول: ليس عليَّ مِن حكم العقد الأول شيء، وهذا قد عاد إلى البِّع ببدل عن تراضٍ منهما، وفسخكما لا يجوز علي، فهي بيع في حقي. مسألة : [ما يجوز فيه التصرُّف قبل القبض] قال أبو جعفر : (ومَن وجب له حق من قرض، أو ثمن مبيع، أو غصب، فابتاع به شيئاً بعينه: جاز، قَبَضَه أو لم يقبضه). قال أحمد : الأثمان التي لا يُسْتَحق قبضها في المجلس، يجوز التصرف فيها قبل القبض. والأصل فيه: حديث ابن عمر قال: كنتُ أبيع الإبل بالبقيع، فآخذ بالدراهم الدنانير، وبالدنانير الدراهم، فسألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم (١) ومثله في الهداية، وفتح القدير ١١٨/٦-١١٩. (٢) النساء: ٢٩. ٥٩ كتاب البيوع فقال: ((لابأس به ما لم تفترقا، وبينكما شيء))(١). فثبت بذلك جواز التصرُّف في الأثمان التي لا يُستحق قبضها في المجلس قبل الافتراق. فأما ما يُستحق قبضه في المجلس نحو ثمن الصرف، ورأس مال السَّلَم، فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل القبض؛ لأن في إسقاط قبضه إفساد العقد. ألا ترى أنه لو أبرأ منه، لم تصحَّ براءته إلا أن يقبلها الآخر، فيكون حينئذ إقالةً وفسخاً للعقد. [مسألة : ] قال أبو جعفر: (وإن ابتاع به شيئاً بغير عينه، فإن قبضه قبل أن يتفرقا: تمَّ البيع، وإلا: بطل). قال أحمد : هذا على وجهين: إن كان الأصل فيه دراهم أو دنانير أو فلوساً، فاشترى بها طعاماً، أو نحوه من مكيل، أو موزون في الذمة، لم يصحَّ العقد رأساً؛ لأن هذه الأشياء إذا لاقت الأثمان كانت مبيعة، ولا يصح العقد على مبيع عندنا في الذمة إلا في السَّلَم خاصة. وإن كان الأصل غير الدراهم والدنانير، وإنما هو طعام أو غيره من المكيل والموزون، ثم عَقَدَ به على مكيل أو موزون في الذمة، فهذا أيضاً علی وجھین: (١) تقدم. ٦٠ کتاب البيوع إن جعل الأصل ثمناً، بأن قال: اشتريتُ منك كذا من طعام موصوف بما في ذمتك: لم يصح العقد؛ لأن الطعام المشترَى في هذه الحالة مبيع في الذمة. ولو قال: قد بعتُك الطعام الذي لي في ذمتك بكذا وكذا من زيت موصوف أو غيره: جاز البيع، واحتاج إلى قبضه في المجلس؛ لأنه دَیْن بدَيْن، والدَّيْن بالدّيْن معفو عنه مقدار المجلس، غير معفو عنه بعد المجلس. ولو باع الطعام الذي في ذمته بدراهم أو دنانير: جاز أيضاً إذا قبض في المجلس؛ لأنهما أثمان. مسألة : [جواز بيع الطعام قبل نقله إن كان قبضه بالتخلية] قال أبو جعفر : (ومَن اشترى طعاماً صُبْرة(١)، فقَبَضَه، جاز له بيعه، نَقَلَه عن موضعه الذي ابتاعه فيه، أو لم يَنْقُلْه). وذلك لأن القبض في مثل هذا يقع بالتخلية؛ لأن هذا هو التسليم المستحق على البيِّع، فإذا فَعَل ما عليه: استحق الثمن، ونَقْلُ المشتري غير مستحق بالبيع، فلا يتعلق به حكم فيما بينهما، ألا ترى أن المؤجِّر إنما يستحق الأجر بالتخلية، سكنَها المستأجر، أوْ لا. مسألة : [جهالة جملة الثمن] قال أبو جعفر: (وإذا اشترى صُبْرَةَ طعامٍ على أن كلَّ قَفِيز(٢) منها (١) الصبرة: واحدة صُبَر الطعام، واشترى الشيء صبرة: أي بلا وزن ولا كيل، مختار الصحاح (صبر). (٢) القفيز: مكيال، وهو ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، كما في المغرب ١٩٠/٢، ٢١٤.