Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَرْحَ الْصِ الطَّوَاِي
(٢٢٩ - ٣٢١ هـ)
(في اُلْفِقْهُ الْجَنَفِيّ)
لِلإِمَامِ أبِى بَكْرِالرَّازِي الْتَضَّاصْ
(٣٠٥- ٣٧٠ هـ)
المَجَلّد الثّالِثْ
تحقيق
أ.د/ سائد بكداش
أعدّالكتَابَ للطّبَاعَةِ وَرَجَعَه وصَحُّ
أ.د/ سائد كراش
دَارُ الَِّ الإسْلامِيَّة
دَارُ السَّرة
CA٧،٧

3

شَعَ الُخْصِ الطَّوَاِيِّ
٣

حُقُوْقُ الطّبْعِ مَحْفُوظَة لِلْمُعْتَنِىِ بِالْكِتَابُ
الطّبْعَة الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠م
شركة دار البشائر الإسْلاميّة
لِلِطُبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَوزيعِ ش. م.م
أنتتها الشيخ رمزي ومشقية رحمه الله تعالى سنة ١٤٠٣هـ -١٩٨٣م
بَيروتُ - لبنانُ صَبْ: ١٤/٥٩٥٥ هَاتفُ: ٧٠٢٨٥٧
e-mail: bashaer@cyberia.net.lb
فاكس : ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
دَارُ السَّمَةِ - اْمَدِيْنَةُ المُنَوَّرَةُ
يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى الْعِنَانِ التَّالي:
البريد الإلكتروني SRAJ1000@hotmail.com

٥
کتاب البيوع
كتاب البيوع
مسألة : [عدم وجوب خيار المجلس إلا بالشرط]
قال أبو جعفر : (وإذا تعاقد الرجلان البيعَ بلا شرطِ خيارِ: فليس
لواحدٍ منهما فسخُه بعد ذلك، تَفَرَّقا بأبدانهما عن مواطن البيع، أو لم
يَتَفرَّقا)(١).
قال أحمد: وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ
أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْتَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ (٢).
فأباحَ الأكلَ بوجود التراضي عن التجارة، والبيعُ تجارة، فدَلَّ على
نفي الخيار، وصحة وقوع الملك للمشتري بنفس العقد، وجوازٍ تصرُّفه
فیه.
ويدل عليه أيضاً: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾(٣).
وذلك عقدٌ، فيلزم الوفاء به بظاهر الآية، وفي إثبات الخيار نفيٌ للزوم
الوفاء به.
(١) مختصر الطحاوي ص٧٤.
(٢) النساء: ٢٩.
(٣) المائدة: ١.

٦
كتاب البيوع
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١)، فنَدَبَ اللهُ تعالى
إلى الإشهاد على العقد توثقةً لهما، ووجوبُ الخيار لكل واحد منهما ينفي
معنى التوثقة بالإشهاد، إذْ لا يلزم أحدهما لصاحبه به حق، فلما كان في
إثبات الخيار إبطالُ معنى الآية، كان القول بإيجاب الخيار ساقطاً، وحكم
الآية ثابتاً.
ومن جهة السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن اشترى طعاماً،
٩
فلا يَبِعْه حتى يَقْبِضَه))(٢).
فأجاز بيعه بعد القبض، ولو كان هناك خيارٌ للبيِّع(٣) امتنع جوازٌ
تصرف المشتري فيه.
((ونهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يَجْرِيَ فيه
الصاعان: صاع البَيِّعِ، وصاع المشتري)» (٤).
فأباح بيعَه بعد جريان الصاعين فيه من غير شرط الافْتِرَاق.
ويدل عليه أيضاً: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ باع نخلاً
(١) البقرة: ٢٨٢.
(٢) صحيح البخاري - مع الفتح - ٣٤٤/٤، صحيح مسلم ١١٦١/٣.
(٣) البيِّع لغة: هو البائع، وستتكرر هذه اللفظة بهذه الصورة كثيراً.
(٤) سنن ابن ماجه ٧٥٠/٢، سنن الدارقطني ٨/٣، سنن البيهقي ٣١٦/٥،
قال البيهقي: ((هذا الحديث روي موصولاً من أوجه، إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض قَوِي))
كما في التلخيص الحبير لابن حجر ٢٧/٣.
قال الحافظ ابن حجر في الدراية ١٥٥/٢: ((وأخرجه البزار من حديث أبي
هريرة بسند جيد))، وحسَّن إسناده في الفتح ٣٥١/٤.

٧
كتاب البيوع
مؤبَّراً، فثمرتُه للبيِّع إلا أن يشترطه المبتاع، ومَن باع عبداً له مال، فماله
للبيِّع إلا أن يشترطه المبتاع))(١).
فأزال ملك البيِّع عن الثمرة والمال بنفس العقد، وأوجبه للمشتري،
ولو كان للبيِّع خيارٌ: ما استَحقَّ عليه ذلك بالعقد.
ويدل عليه أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يَجْزي ولدٌ
والدَه إلا أَنْ يَجِدَه مملوكاً، فيشتريَه، فيعتقَه))(٢).
فَأَعْتَقَه عليه بنفس الشراء، مِن غير شرطِ افتراق، فَدَلَّ على انتفاء
الخيار.
ويدل عليه أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون عند
شروطهم))(٣)، وكلُّ واحدٍ منهما قد عَقَدَ على نفسه التمليك بنفس العقد،
فواجبٌ أن يملك به، وأن لا يَقِفَ على الافتراق.
وكذلك إن شَرَطَ بنفس العقد بيعاً بتاتاً بلا خيار، كان بتاتاً بمضمون
(١) صحيح البخاري ٤٠١/٤، صحيح مسلم ١١٧٣/٣.
(٢) صحيح مسلم ١١٤٨/٢.
(٣) أخرجه البخاري معلقاً ٤٥١/٤، وأخرجه الترمذي في جامعه ٦٣٥/٣
وقال: حديث حسن صحيح، سنن أبي داود ٤ /٢٠ وسكت عنه، وأخرجه الحاكم في
المستدرك ٤٩/٢، قال الذهبي في تلخيص المستدرك: لم يصححه، وكثير: ضعَّفه
النسائي، ومشّاه غیره. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٥١/٤: ((كثير بن عبد الله: ضعَّفه الأكثر، لكن
البخاري ومَن تبعَه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره)). اهـ وينظر التلخيص الحبير
٢٣/٣.

٨
كتاب البيوع
الخبر، وليس نفي الخيار من الشروط الفاسدة فيفسده، وإذا انتفى ثبوت
الخيار في هذا الوجه، انتفى بنفس العقد وإن لم يكن شَرَط؛ لأن أحداً لم
يفرِّق بينهما (١)، ولأن دخوله في العقد رضا بإيجاب الملك من غير خيار.
* ومن جهة النظر: إن النكاح، والخلع، والعتق على مال، والكتابة
متفقٌ(٢) على صحة وقوعها بالعقد من غير خيار، فوجب أن يكون البَيْعُ
مثله، والمعنى الجامع بينهما: أنَّ العاقد راضٍ بما تضمَّنه عقدُه من إيجاب
الملك من غير شرط خيار.
وأيضاً: يَجمع بينهما بأنه عَقْد معاوضة لم يُشترط فيه خيار، فلا يجب
به خیار المجلس.
وأيضاً: فلو وجب الخيار بالعقد، لما صحَّ عقد الصرف؛ لأن شرط
صحته وتمامه أن يفترقا عنه وليس بينهما شيء، كما رُوي عن النبي صلى
الله عليه وسلم في حديث ابن عمر أنه قال في الدراهم بالدنانير: ((لا بأس
به ما لم تفترقا، وليس بينكما شيء))(٣).
(١) أي في حالة اشتراط البيع بتاتاً، وحالة عدم هذا الشرط، لأن الدخول في
العقد أصلاً هو رضا بإيجاب الملك من غير خيار، والله أعلم.
(٢) الإفصاح لابن هبيرة ٢٠٩/١.
(٣) سنن النسائي ٢٨١/٧، سنن الترمذي ٥٤٤/٣ وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً
إلا من حديث سِمَاك بن حرب، وروي موقوفاً على ابن عمر. اهـ، سنن أبي داود ٦٥٠/٣،
المستدرك ٤٤/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، وصححه ابن حبان (موارد الظمآن) رقم
١١٢٨، وقد حسَّن هذا الحديث السبكي في تكملته لمجموع النووي ١١١/١٠.
هذا عن تخريجه وحكمه، أما عن وقفه ورفعه، فقد رجَّح رفعَه ابنُ الملقن في
تحفة المحتاج ٢٣٣/٢، وكذلك ابنُ الهمام في فتح القدير ١٤٢/٦، أما ابن حجر
=

٩
كتاب البيوع
فلو وجب الخيار لم يملك واحدٌ منهما على صاحبه بالعقد،
وافتراقُهما قَبْل تمام الملك يُبْطل الصرف، فلا يجوز أن يكون السببُ الذي
يبطلُ به العقد قبل تمامه، هو الذي يصححه قبل تمامه.
[الجواب عن أدلة القائلين بوجوب خيار المجلس]
وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المتبايعان
بالخيار ما لم يتفرَّقًا))(١).
فإنه رواه ابن عباس، وحكيم بن حزام، وابن عمر، وأنس، وسَمُرة،
وعبد الله بن عَمْرو عن النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظٍ مختلفة، ليس في
شيءٍ منها ما يدل على خلاف قولنا، بل فيها ما يدل على صحة مذهبنا.
وذلك لأن قوله: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقًا)): إذا حُمِل على حقيقته
يتناول حالَ العقد قبل وقوعه وتمامه؛ لأن هذا الاسم إنما يستحقه فاعلُه
في حال الفعل، كما يقال: المتقابلان، والمتضاربان: يتناول ذلك حال
فعلهما، ومتى انقضت حالُ الفعل، لم يسمَّيا بذلك إلا مجازاً.
ويدل على ذلك: أنهما لو تفَاسَخًا العقدَ بعد صحته، كانا متفاسخين
على الحقيقة، ولا جائز أن يكونا متبايعين متفاسخين في حالٍ واحدةٍ على
الحقيقة، فدلَّ ذلك على أن انقضاء حال البيع يُخرجهما من أن يكونا
متبايعين على الحقيقة، وإنما يقال: إنهما كانا متبايعين.
ويصح أن يقال: هما متبايعان إذا دَخَلاً في سَوْم البيع، كما روي عن
فقد رجَّح وقفه، كما في الدراية ١٥٥/٢، وقد توسع في الكلام عنه الزيلعي في
نصب الراية ٣٣/٤، وابن حجر في التلخيص الحبير ٢٥/٣.
(١) صحيح البخاري ٣٢٦/٤، صحيح مسلم ١١٦٣/٣.

١٠
کتاب البيوع
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يبيعنَّ أحدُكم على بيع أخيه))(١).
وروي في لفظٍ آخر: ((لا يسومَنَّ أحدُكم علىُ سَوْم أخيه))(٢).
فعبَّر تارة بلفظ البيع، وتارة بلفظ السَّوْمِ، فدلَّ على أن أحدَ اللفظين
ینبیء عن معنى الآخر.
ويدل عليه حديث عبد الله بن دينار، ونافع عن ابن عمر أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((كلّ بيِّعين فلا بَيْع بينهما حتى يفترقا، إلا بيعَ
الخیار))(٣).
فنفى وقوعَ البيع إلا بعد الافتراق، فعَلِمْنَا أن مراده السَّوْم؛ لأنهما إذا
تعاقدا بتراضيهما، فالبيع واقعٌ لا محالة، ووجوب الخيار لا ينفي وقوع
البيع، ولا یسلبه اسمه.
ألا ترى إلى قوله: ((إلا بَيْعَ الخيار)): فأثبتَه بيعاً مع الخيار، فدلَّ على أن
قولَه: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقًا)): إنما أراد به حالَ البيع، وهو السَّوْمِ.
[معنى التفرُّق بين المتبايعين]
والفُرْقة المذكورة في قوله: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا)): عندنا على
وجھیْن:
(١) صحيح البخاري ٣٥٢/٤، صحيح مسلم ١١٥٤/٣ كلاهما بلفظ ((لا يبع
بعضکم ... )».
(٢) صحيح البخاري ٣٢٤/٥، صحيح مسلم ١١٥٤/٣ كلاهما بلفظ ((نهى أن
یستام الرجل على سوم أخيه)).
(٣) صحيح البخاري ٣٢٦/٤، صحيح مسلم ١١٦٣/٣، وقد جاء في الأصل:
(نافع عن عمر)، والتصويب من كتب السنن.

١١
کتاب البيوع
يجوز أن يريد بها فُرقة الأبدان، ويجوز أن يريد فُرقة الأقوال:
فمتى أراد فُرقة الأبدان: كان معناه أن كلَّ واحدٍ من المتعاقدين إذا قال
لصاحبه: قد بعتُك هذا العبد: فله قبوله في المجلس ما لم يفارِقْه، ولهذا
الرجوعُ فيه قبل قبول الآخر، فإن افترقا قبل القبول، وتمام البيع، لم يكن
له القبول، وانفسخ الإيجاب، وأفادَنَا بذلك أن هذا الخيار مقصور على
المجلس دون غيره.
وأما فُرقة القول: فهي أنه إذا قال له: قد بعتُكَ هذا العبد: فله الرجوع فيه
قبل قبول الآخر، فإن قَبِلَه الآخر، فقد فارقه بالقول، فلا خيار له بعد ذلك.
وأفاد به الفَرْق بين البيع، وبين العتق على مال، والخلع؛ لأنه لو قال
لعبده: أنتَ حُرٌّ على ألف درهم: كان للعبد القبول في المجلس، وليس
للمولى الرجوع فيه قَبْل قبول العبد.
وقد يجوز أن يسمى ذلك فرقة وإن لم يفترقا من المجلس، كما قال
الله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَنْهُمُ الْبَيْنَةُ﴾ (١)، ومعلومٌ
أنه لم يُرِدْ تفرَّق الأبدان.
ويقول القائل: اجتمع القوم على كذا، وافترقوا على كذا: وهم حضورٌ
في المجلس.
ويدل على صحة تأويلنا: حديثُ ابنِ عَجْلاَن عن عَمْرو بن شعيب
عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((البيِّعان
بالخيار ما لم يتفرَّقا، إلا أن تكون صفقةَ خيار، ولا يحل له أن يفارق
(١) البينة: ٤.

١٢
كتاب البيوع
صاحبه خشية أن يَستقيله))(١).
فقوله: ((بالخيار ما لم يتفرَّقًا)): معناه تفرُّق الأقوال؛ لأنه لو أراد التفرُّق
بعد البيع، لم يصح معه معنى قوله: ((خشية أن يستقيله))؛ لأن الاستقالة لا
تكون إلا في بيع البتات الذي لا خيار فيه، لأن الاستقالة هي مسألتُه
الإقالةَ، ووجوبُ الخيار لكل واحد منهما، ينافي ذلك، فثَبَتَ أن قوله:
((ما لم يتفرقا)): معناه تفرق القول.
ثم قال: ((ولا يحل له أن يفارقه ببدنه، خشية أن يندم، فيستقيله)):
وليس ذلك على جهة التحريم، إنما هو على جهة الندب والحث على
سماحة الأخلاق.
وقد روي عن عمر أنه قال: ((البَيْع صفقةٌ، أو خيار))(٢)، فنفى(٣)
وجوب الخيار، موقوعَ الصفقة، إلا مع الشرط.
قال أبو جعفر في فرقة الأبدان نحو ما ذکرنا.
(١) أصل الحديث: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا))، هو في الصحيحين، كما
تقدم، واللفظ الذي أورده المصنف أخرجه النسائي ٢٥١/٧، وأبو داود ٧٣٦/٣،
والترمذي ٥٥٠/٣ وقال: حديث حسن.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧/٧، مصنف عبد الرزاق ٥٣/٨، سنن البيهقي
٢٧٢/٥، وضعفه البيهقي وقال: قد ذهب كثير من أهل العلم إلى تضعيف الأثر عن
عمر، وقد تكلم عن ضعفه أيضاً ابن حزم في المحلى ٣٦٣/٨، والزيلعي في نصب
الراية ٣/٤، وينظر الأم للشافعي ٩/٣، لكن قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في
الحجة على أهل المدينة ٦٩١/٢ عن أثر عمر هذا بأنه معروف مشهور. وانظر إعلاء
السنن ٢٥/١٤ فقد ذكر له عدة طرق، وناقش مَن تكلم في ضعفه، مرجحاً قبوله.
(٣) في الأصل: (فبقي).

١٣
كتاب البيوع
* وقال: (إنما يجوز له القبول من صاحبه ما لم يكن أَخَذَ في عملٍ
آخر، أو كلامٍ آخر)، وذلك لأن الإيجاب يقتضي جواباً من الموجَب له،
فإذا اشتغل عن الجواب، وأعرض عنه، فكأنه قد فَسَخَه، واختار تركه.
مسألة : [مدة خيار الشرط]
قال أبو جعفر : (ولا يجوز اشتراطُ الخيار في البَيْع أكثر من ثلاثة أيام
في قول أبي حنيفة، ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد أكثر من ثلاثة أيام
إذا كان إلى نهاية معلومة).
وَجْه قول أبي حنيفة: ((نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع
الغَرَرَ))(١)، والبيعُ على شرط الخيار فيه تجوُّزٌ؛ لأنه لا يدري ما الذي
يحصل له به: المبيع أو الثمن؟ فاقتضى عمومُه بطلانَ البيع على شرط
الخيار في قليلِ المدة وكثيرِها، فلمَّا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
((أنه جَعَلَ رجلاً بالخيار في كل بَيْع يشتريه ثلاثة أيام)) (٢)، واتفقت الأمة(٣)
على جوازه، خصصناه من عموم الخبر، وبقي ما عدا الثلاثة محمولاً على
لفظ الخبر.
(١) صحيح مسلم ١١٥٣/٣.
(٢) سنن ابن ماجه ٧٨٩/٢، المستدرك للحاكم ٢٢/٢، ووافقه الذهبي على
تصحيحه، سنن الدارقطني ٥٥/٣، سنن البيهقي ٢٧٣/٥، نصب الراية ٦/٤،
التلخيص الحبير ٢١/٣.
وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣٣٧/٤ في زيادات الباب ضِمْنَ الفوائد
المتنية والإسنادية، فهو صحيح أو حسن على قاعدته في هذه الزيادات، وقد ذكر هذه
القاعدة في مقدمته للفتح (هدي الساري) ص٤.
(٣) بداية المجتهد ٢٠٩/٢.

١٤
كتاب البيوع
ولأبي يوسف ومحمد: أن الغرر فيما عدا الثلاثة كهو في الثلاثة، فلما
جاز بشرط الثلاثة، جاز ما فوقها.
ولأبي حنيفة: أن زيادة المدة في الخيار زيادة في الغرر، ألا ترى أن
الصرف قد عُقِيَ فيه عن ترك القبض مقدار المجلس، ولم يجز أكثر منه.
مسألة :
قال أبو جعفر : (وعِثْق المشتري فيما فيه شَرْطُ الخيار للبيِّع: باطل)
وذلك لأن شَرْط الخيار يمنع خروجه من ملكه؛ لأنه حين شَرَطَ
الخيار لنفسه، لم يَرْضَ بخروجه من ملكه إلا بعد بطلان الخيار، فلم يجز
عِثْق المشتري فيه، لأنه غيرُ مالك.
وعِثْق المشتري فيما له فيه الخيار جائز؛ لأنه قد خَرَج من ملك البِّع،
وانقطعت حقوقه عنه، وبقي موقوفاً لم يدخل في ملك المشتري عند أبي
حنيفة، فإذا أعتقه فقد رضي بإدخاله في ملكه، فنَفَذَ عتقه فيه، وتمَّ البيع.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو في ملكه، فيجوز عتقه منه أيضاً.
مسألة : [ضمان العبد المشترَى إذا مات حال الخيار]
قال: (وإن مات في يد المشتري فيما له فيه الخيار، كان عليه ثمنه للبيِّع).
قال أحمد : يعني إذا لم يكن خيار البَيْع مشروطاً معه، وذلك لأنه
لزمه البيع بموته.
وإنما لزمه البَيْع؛ لأن العبد صار معيباً في آخر أجزاء حياته قبل
الموت، ومتىُ حَدَث به عيب في يد المشتري، بَطَل خيار المشتري؛ لأنه
لا يمكنه رده معيباً على البيِّع، وقد قبضه صحيحاً، فتمَّ البَيْع فيه قبل
الموت لما وصفنا.

١٥
كتاب البيوع
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (وإن مات في يد المشتري ما لبيِّعه فيه الخيار: كان
علیه ضمان قيمته).
وذلك لأنه مات على ملك البِّع، لما بيًّّا من أن خيار البيِّع يُبقي
الشيء على ملكه، وحصوله معيباً في آخر أجزاء حياته لا يبطل خيار
البيِّع، ألا ترى أنه لو حدث به عيب في يد المشتري، كان خيار البيِّع باقياً
في إجازته أو فسخه، فلما كان كذلك، ثم مات قبل بطلان خيار البيِّع،
مات على ملك البَيِّع، وبطل البيع؛ لأنه لا يصح نَقْل الملك فيه بعد
الموت، وقد قبضه المشتري مضموناً، فيضمن قيمته؛ لأن الثمن لا يلزم
إلا مع صحة البيع.
مسألة : [خيار الشرط لا يورث]
قال أبو جعفر : (والخيار لا يُورَث).
وذلك لأن خيار الشرط حقٌّ [لا](١) يملك به، فأشبه خيار القبول،
وأشبه أيضاً الوصية، أن للموصي الخيار في فسخها قبل الموت، ولا
ينتقل هذا الخيار إلى وارثه، للعلَّة التي ذكرناها.
وأيضاً: فإن الخيار مشروط للفسخ، لا للإجازة، ألا ترى أن مضيَّ المدة
يوجب جواز البيع، فصار خيار الشرط بمنزلة إيجاب الإقالة، فلو قال: لقد
أقلتُك: ثم ماتَ قبل أن يَقْبَلها: لم ينتقل الخيار إلى وارثه، كذلك ما وصفنا.
(١) ساقطة من الأصل، وفي شرح الإسبيجابي على مختصر الطحاوي ١ / لوحة
١٤٦ / ب: (ولا يوجب الملك للمشتري قبل قبول صاحبه، ولا يكون موروثاً)).

١٦
كتاب البيوع
وليس خيار الشرط بمنزلة خيار العيب؛ لأن خيار العيب يتعلق وجوبه
بفَوات جزءٍ من المبيع، فله الخيار في استدراكه، ألا ترى أن العبد لو مات
في يده قبل الرد، رجع بأرش العيب، فلما كان خيار العيب قد يصير
مالاً، انتقل إلى الورثة، وخيار الشرط ليس بمال، ولا يصير مالاً، وكذلك
خيار الرؤية، فلذلك افترقا.
* *

١٧
كتاب البيوع
باب الربا والصرف
مسألة: [بيع الذهب بالذهب]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا مِثْلاً بمِثْل،
وكذلك الفضة بالفضة، ويتقابضان قبل أن يفترقا).
قال أحمد : ورَوى تحريمَ التفاضلِ في الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة (١)، حتى صار وروده من
طريق التواتر الموجب للعلم.
منهم أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وعثمان، وعُبادة بن الصامت،
وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وفَضَالة بن عُبَيْد، ورُوَيْفع بن ثابت،
وأنس بن مالك، وأبو بَكْرة، والبراء بن عازب.
وقد كان ابن عباس يُجيز التفاضل في الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، يداً بيد، ويَروي فيه عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((لا ربا إلا في النَّسيئة))(٢)، ثم لمَّا تواتر عنده الخبر عن النبي
صلى الله عليه وسلم بتحريم التفاضل في الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، رَجَعَ إليه، وترك قولَه الأول(٣).
(١) صحيح البخاري ٣٧٩/٤، صحيح مسلم ١٢٠٨/٣.
(٢) صحيح البخاري ٣٨١/٤، صحيح مسلم ١٢١٨/٣.
(٣) كما في مصنف عبد الرزاق ١١٧/٨، سنن ابن ماجه ٧٥٩/٢، شرح معاني
الآثار ٦٨/٤، ٧١، المستدرك للحاكم ٤٢/٢، سنن البيهقي ٢٨٢/٥، لكن في
=

١٨
کتاب البيوع
قال جابر بن زيد: رَجَعَ(١) ابنُ عباسٍ عن قوله في الصرف، وفي
المتعة.
وقال محمد بن سِيْرين: أشهدُ على اثني عشر من أصحاب ابن مسعود
شهدوا ابنَ عباس حين رَجَعَ عن الصَّرْف، منهم عَبِيْدة السَّلْمَاني(٢).
وخبر أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ربا إلا
في النسيئة)): غير منافٍ للأخبار الأُخر، لاحتمال كون مراده في الجنسين،
نحو الذهب بالفضة، والفضة بالذهب.
مسألة : [بيان علة الربا]
قال أبو جعفر: (ويدخل الربا في كل مكيل وموزون، مأكولاً كان أو
غير مأكول).
قال أحمد : الربا اسمٌ مُجْمَلٌ في الشرع، يتناول معاني مختلفة، فقد
يكون الربا في التفاضل، إذا كان على وَصْف، وقد يكون في النسيئة، وقد
يتناول ضرباً من الجهالة فيما في الذمة، فهو لفظ مُجْمَل يجب استعمال
مصنف عبد الرزاق ١١٨/٨ ذكر أثراً آخر أنه لم يرجع، ولهذا قال الحافظ ابن حجر:
اختُلِفَ في رجوعه، كما في الفتح ٣٨٢/٤، ثم ذكر حديث الحاكم في المستدرك في
رجوعه، مما يشعر بترجيحه قول الرجوع، وأيضاً فإن رواية ابن ماجه عنه فيها تصريح
تام برجوعه.
(١) في الأصل: (ترك)، وفي أحكام القرآن للجصاص ٤٦٦/١ بلفظ (رجع)،
وهي أصح والله أعلم، وينظر في رجوع ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة: فتح
الباري ٩/ ١٧٣.
(٢) ينظر حاشية (٣) في الصفحة السابقة.

١٩
کتاب البيوع
حكمه على حسب قيام الدلالة.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار مستفيضة شائعة(١)،
النصُّ على تحريم التفاضل في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبُرُّ،
والشعير، والملح، والتمر.
رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عمرُ بن الخطاب وعبادة بن
الصامت، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم.
* واتفق الفقهاء(٢) على استعماله، ثم اختلفوا في العلة الموجبة
لتحريم البيع عند وجود التفاضل في هذه الأصناف:
فقال أصحابنا: علة تحريم البيع في ذلك زيادة كيل في جنس، ووزن
في جنس.
وقال آخرون: العلة في تحريم البيع في هذه الأشياء المذكورة في
الخبر - ما عدا الذهب والفضة - كونه مقتاتاً مدَّخراً في جنس.
وقال آخرون: مأکولٌ في جنس.
فاتفق الجميع على اعتبار الجنس في إيجاب تحريم التفاضل،
واختلفوا في المعنى المضموم إليه على الوصف الذي قدَّمنا، وأنا أذكرُ
بعضَ ما يدل على صحة اعتبار أصحابنا من جهة العموم، ثم أُعقبه
بتصحيح اعتلالنا من طريق النَّظَر.
فأحَدُ ما يُخْتَجَّ به في ذلك: ما حدثنا عبد الباقي بن فَانِع قال: حدثنا
(١) صحيح البخاري ٣٧٧/٤، وصحيح مسلم ١٢١٠/٣.
(٢) المغني لابن قدامة ١٢٤/٤.

٢٠
كتاب البيوع
موسى بن الحسن عن أبي عباد قال: حدثنا القَعْنَبِي قال: حدثنا سليمان بن
بلال عن عبد المجيد(١) بن سُهيل بن عبد الرحمن بن عوف أنه سَمِع سعيد
بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدَّثاه ((أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعث أخا بني عدي من الأنصار أمَّره علىْ خَيْيَر، فَقَدِمِ عليه
بتَمْر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أَكُلَّ تمر خيبر هكذا؟
قال: لا والله يا رسول الله، إنَّا لنشتري الصاع بالصاعين، والصاعين
بالثلاثة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا، ولكن مِثْلاً بمِثْل، أو
بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان))(٢).
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((وكذلك الميزان)): عمومٌ في تحريم
التفاضل في سائر الموزونات، إذ كان معلوماً أنه لم يُرِدْ بقوله: ((وكذلك
الميزان)): ما تُوزَن به الأشياء، وإنما أراد الموزونات، وإذا ثَبَتَ ذلك في
الموزونات، كان المكيل مثلها؛ لأن أحداً لم يفرِّق بينهما(٣).
وقد انتظم هذا الخبر أحكاماً:
أحدها: تحريم التفاضل في التمر بالتمر.
والثاني: بيان حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الموزونات.
والثالث: إباحة الحِيْلة في التوصُّل إلى جواز البيع.
(١) في الأصل: (عبد الحميد)، والصواب عبد المجيد، كما هو في سند
الحديث عند البخاري ومسلم.
(٢) صحيح البخاري ٣٩٩/٤، و٣١٧/١٣، صحيح مسلم ١٢١٥/٣.
(٣) المغني ١٢٨/٤، الإفصاح لابن هبيرة ٢١٣/١.