Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب المناسك
مَن أخَّر الرمي إلى الليل: لم يلزمه شيء عند مَن يرى التأخير نقصاً(١).
* قال: (وإن طلع الفجر قبل أن ينفِر: فقد وجبت عليه الإقامة إلى
النفر الآخر).
لأنه قد تأخر إلى اليوم الثالث، وإنما أبيح ترك الرمي لمن عجّل النفر.
* فإن رمى في اليوم الثالث قبل الزوال : أجزأه في قول أبي حنيفة،
لأنه وقت الرمي، والدليل عليه أن وجوبه متعلق بكونه هناك وقت طلوع
الفجر، ومحال أن يكون وقتاً للوجوب، ولا يجوز فيه الفعل.
[طواف الوداع (الصَّدَر)]
قال : (ثم يخرج إلى مكة، فيأتي البيت، فيطوف به سبعاً، وهو طواف
الصَّدَر).
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن حج هذا البيت فليكن آخر
عهده بالبيت الطواف))(٢).
· قال: (ولا ينبغي له أن يُقدِّم ثَقَلَه)(٣).
قال أبو بكر أحمد : يعني قبل النفر، روي عن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قال: ((مَن قدَّم ثَقَلَه: فلا حج له))(٤).
(١) راجع: بدائع الصنائع ١٣٧/٢-١٣٩.
(٢) أخرج نحوه البخاري ١٦٦٨ (٦٢٤/٢)، ومسلم ١٣٢٧ (٩٦٣/٢)،
والترمذي ٩٤٦ (٢٨٢/٣)، وهذا لفظه، وقال: حديث غريب.
(٣) الثَّقَل: بفتحتين: متاع المسافر وحَشَمه. مختار الصحاح (ثقل).
(٤) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١٥٣٩٢ (٤٠٥/٣).

٥٤٢
كتاب المناسك
ولأن في تقديم ثَقَله شُغْل فِكْره عن استيفاء ما يفعله من النسك.
ومعنى آخر: وهو أنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما سأله
قوم من الأنصار أن ينزل عندهم حين قدم المدينة، وقد كان أبو أيوب
رضي الله عنه أخذ رَحْلَه وحوَّله(١) إلى منزله، قال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((المرء حيث رَحْله))(٢).
فإذا قدَّم تَقلَه، فكأنه قد نَفَر، وصار إلى حيث ثَقَله قَبْلَ وقت النفر.
[النزول بالأبطح]
قال : (ولا بأس أن يَنْزِل الأَبْطَحَ(٣)، فيقيم بها ساعة قبل أن يمضي إلى
مكة لطوافه لوداعه).
لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نزل بالأبطح، ثم رَحَل
منه (٤).
[جواز ترك الحائض لطواف الوداع]
قال: (وللحائض أن تترك طواف الصَّدَر، وتخرجَ ولا شيء عليها).
لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أَمَرَ صفية رضي الله عنها
أن تنفر قبل أن تطوف للصدر، ولم يوجب عليها شيئاً(٥).
(١) في ((د)): حمله.
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٥٠٩/٢.
(٣) الأبطح موضع بين منى ومكة، وهو مكان معروف مشهور داخل مكة الآن.
(٤) أخرجه البخاري ١٦٧٤ (٦٢٦/٢)، ومسلم ١٣٠٩ (٩٥٠/٢).
(٥) أخرجه البخاري ٣٢٢ (١٢٤/١)، ومسلم ١٢٨/١٢١١ (٨٧٨/٢).

٥٤٣
كتاب المناسك
[وجوب الدم على مَن لم يطف للوداع]
(ومن ترك طواف الصَّدَر سوى الحائض والنُّفَساء حتىُ رَجَعَ إلى أهله:
فعلیه دم).
لأنه واجب عندنا كالسعي والرمي ونحوهما؛ لأمر النبي صلى الله
علیه وسلم به(١).
(والدم يُذْبَح بمكة).
لا يجزيه في غيرها، والأصل فيه أن كل دم تعلق وجوبه بالإحرام: لم
يجز ذبحه إلا بمكة، لقول الله تعالى: ﴿هَدِيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾(٢)، ولقوله
تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(٣).
ولاتفاق الفقهاء على أن هدي جزاء الصيد والمتعة لا يجزيان إلا في
الحرم(٤).
والمعنى فيه أن وجوبه متعلق بالإحرام، وكذلك كل هدي هذا وصفه.
[مسألة : ]
قال: (ومَن ترك الطواف للزيارة، وطاف طواف الصَّدَر: أجزأه من
طواف الزيارة، وكان عليه دمٌ لطواف الصَّدَر).
(١) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده
بالبيت)) أخرجه مسلم ١٣٢٧ (٩٦٣/٢)، وأخرجه البخاري ١٦٦٨ (٦٢٤/٢).
(٢) تمام الآية: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدَيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾. المائدة: ٩٥.
(٣) الحج: ٣٣.
(٤) انظر: مراتب الإجماع ص ٤٥، وبداية المجتهد ٥ /٤٨٠.

٥٤٤
كتاب المناسك
وذلك لأن فعل طواف الزيارة مستَحقٌّ عليه بالإحرام، كما استُحِقَّ
عليه فعل الركعة الأولى من الظهر قبل الثانية بالتحريمة، فلا يقع إلا عن
المستَحق، وإن نوى غيره لم يكن لنيته تأثير.
[حكم مَن لم يطف للإفاضة ولا للوداع]
قال: (ومَن لم يطف طواف الزيارة، ولا طواف الصدر، حتى رجع
إلى أهله: كان حراماً أبداً، حتى يرجع فيطوف للزيارة).
قال أبو بكر أحمد : يعني أنه حرام من النساء، فأما من غيرهن فلا،
وقد بيَّنَّاه فيما سلف(١).
[مسألة : ]
قال : (والقارن يطوف طوافَيْن، ويسعىُ سعيّيْن).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَأَتِّقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٢)، والطواف والسعي
لكل واحد منهما على الانفراد من إتمامهما، بدلالة أن المنفرد لكل واحد
منهما يلزمه إفراد الطواف والسعي له، وإذا صح أنهما من إتمامهما بحال:
لزمه فعلهما بعموم اللفظ، ولا يجوز إسقاطه إلا بدلالة.
وأيضاً: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه طاف لهما
طوافين، وسعى سعيين، وقال: ((هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم
(٣)
فَعَل))(٣).
(١) تقدم قريباً في هذا الباب.
(٢) البقرة: ١٩٦.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٤٣١٣ (٢٩١/٣)، والطحاوي في شرح
=

٥٤٥
كتاب المناسك
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عني مناسككم))(١).
فوجَبَ بمجموعي الخبرين وجوبُ الطوافين والسعيين.
وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف لهما طوافاً واحداً (٢):
فمعناه للقدوم، أو على صفة واحدة.
وأيضاً: لا خلاف أن القارن يجوز له الحلق بعد الرمي والذبح(٣)، ولو
كان طواف الزيارة نائباً عن العمرة، لمنع الحلق قبله؛ لأن بقاء طواف
العمرة يمنع الحلق.
[الذبح ثم الحلق]
قال: (فإذا كان يوم النحر ورمى: ذبح الهدي الذي لِقرانه إن كان
يَجِدُ، ثم حلق).
لقول الله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾(٤)، وقال: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْرُءُ وسَكُمْ حَّ
يَبْغَ الْحَدْىُ عِلَّهُ,﴾(٥)، وهو عموم في سائر الهدايا التي معها حلق.
* (فإن لم يجد الهدي: صام ثلاثة أيام، آخرها يوم عرفة).
معاني الآثار ٢٠٥/٢، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ١٠٠٤٥ (٢٧٨/٧ _٢٧٩).
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي ٩٤٧ (٢٨٣/٣) وقال: حديث حسن، والنسائي في
(المجتبى) ٢٩٣٤ (٢٢٦/٥).
(٣) انظر: مراتب الإجماع ص٤٤.
(٤) البقرة: ١٩٦.
(٥) البقرة: ١٩٦.

٥٤٦
كتاب المناسك
لقول الله تعالى: ﴿فَ لَّ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ﴾(١)، ويكون آخرها يوم
عرفة؛ لأنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر وأيامَ التشريق؛ لنهي النبي
صلى الله عليه وسلم عن صوم هذه الأيام(٢).
ولم يختلفوا أنه لا يصوم يوم النحر(٣)، فكذلك أيام التشريق؛ لأن
النهي قد ورد في الجميع.
وكما لا يجوز صوم هذه الأيام(٤) من قضاء شهر رمضان، ومن سائر
الصيام الواجب، كذلك صوم المتعة.
[مسألة : ]
قال : (ومَن اعتمر في غير أشهر الحج، وطاف أكثر طواف عمرته في
أشهر الحج، ثم حجَّ من عامه، وليس من أهل مكة: فهو مُتَمَتِّع).
لأن حكمَ الأكثر حكمُ الكل في باب الجواز، وكذلك قالوا: إن مَن
طاف أربعة أشواط لعمرته، ثم جامع، لم تفسد عمرته، وكذلك لو طاف
أربعة أشواط من طواف الزيارة، وتَرَكَ الباقي حتى رجع: أنه يجزئه دم لما
بقي منه.
والأصل في ذلك كله: أن فرائض الحج ثلاثة أشياء: الإحرام،
والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، ثم قام الأكثر منها مقام الكل في باب
(١) البقرة: ١٩٦.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٢٤٤/٢، وأبو داود ٢٤١٨ (٨٠٣/٢).
(٣) انظر: مراتب الإجماع ص ٤٠، والمغني ٤٢٤/٤.
(٤) في ((د)): ولم يختلفوا أنه لا يصوم من قضاء رمضان.

٥٤٧
كتاب المناسك
الجواز، والامتناع من ورود الفساد علیه بعده.
ألا ترى أنه لو جامع بعد الوقوف بعرفة: لم يفسد عليه حجه مع بقاء
طواف الزيارة، فصار ذلك أصلاً في أن كلَّ ما تعلّق بالإحرام من الأفعال:
فحُكْمُ أكثره حُكْمُ جميعه في باب الجواز، وامتناعٍ ورود الفساد عليه.
[مسألة : ]
قال: (وإذا توجَّه القارن إلى عرفة قبل أن يطوف لعمرته، فإن أبا
حنيفة كان يقول: قد صار بذلك رافضاً لعمرته حين توجه، وعليه لرفضها
دم، وعمرة مكانها، ويمضي في حجته.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون رافضاً لعمرته حتى يقف بعرفة
لحجته بعد زوال الشمس).
قال أبو بكر أحمد : هذا الخلاف الذي ذكره لا نعرفه، وإنما نعرف
عن أبي حنيفة فيها روايتين: فأما في رواية ((الجامع الصغير)) (١)،
و((الأصل))(٢)، فإنه لا يكون رافضاً بالتوجه، حتى يقف بعرفة بعد الزوال.
وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يكون
رافضاً بالتوجه.
ووجه رواية الأصل التي لا تجعله رافضاً فيها: أن توجهه إلى عرفات
ليس بنسك في نفسه، فهو كتوجهه إلى سائر الآفاق، وإنما الذي ينافي بقاء
إحرام العمرة، حصول فعل الحج، وليس التوجه من أفعال الحج.
(١) انظر: الجامع الصغير ص ١٦٤.
(٢) انظر: مناسك المختصر الكافي مع الأصل ٣٩٢/٢.

٥٤٨
كتاب المناسك
والفصل بينه وبين من توجه إلى الجمعة بعد ما صلى الظهر: أن
التوجه إلى الجمعة فرض من فروضها، لقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ﴾(١)، فصار كدخوله فيها في باب انتقاض الظهر به.
وفصل آخر: وهو أن الإحرام آكد في باب البقاء من الصلاة، والدليل
عليه أن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها، وترك بعض فروض الإحرام لا
يفسده، ألا ترى أنه لو لَبِسَ، أو تطيب، أو اصطاد: لم يفسد إحرامه، ولو
تكلم أو أكل في الصلاة: فسدت صلاته.
ووجه الرواية الأخرى: أن الرفض قد يقع عنده بما لا يكون نسكاً في
نفسه، ألا ترى أن مِن قوله: إن مَن أحرم بحجتين، ثم سار: كان بنفس
السير رافضاً لإحداهما.
[مسألة :]
قال: (وإذا دخلت المرأة مكة معتمرة، وهي تريد الحج بعد العمرة،
أو دخلتها قارنةً، فحاضت قبل أن تطوف للعمرة: رفضت العمرة، وكان
عليها لرفضها دم، وعمرة مكانها، ومضت في حجها إن كانت قارنة، أو
أحرمت بالحج ومضت فيه).
وذلك لأن الوقوف بعرفة ينافي بقاء العمرة، ما لم تكن قد تمّت قبل
ذلك، والدليل على ذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت محرمة بعمرة،
فحاضت قبل أن تطوف، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقض
(١) الجمعة: ٩.

٥٤٩
كتاب المناسك
رأسها، وترفض العمرة، وتُهلَّ بالحج(١).
فلو كان الوقوف بعرفة يجامعه بقاء العمرة، لما أمرها صلى الله عليه
وسلم برفضها، ومن أجل ذلك قلنا إن القارن إذا وقف بعرفة قبل أن
يطوف للعمرة، صار رافضاً لها.
* وإنما وجب عليها دم لرفض العمرة؛ لأن كل مَن حَلّ مِن إحرامه
بغير طواف: فعليه دم، والأصل فيه المحصر(٢).
* وعليها القضاء؛ لأنها قد لزمتها العمرة في ذمتها.
[مسألة: لو جامع زوجته الحاجَّة قبل عرفات]
قال: (وإذا جامع الحاج امرأته الحاجَّة قبل الوقوف بعرفة، فَسَدَ
حجهما، مطاوعةً كانت أو مُكْرَهة، وعليهما قضاء الحج، ودمٌ على كل
واحدٍ منهما، ولا يتفرَّقان إذا عادا للقضاء).
أما فساد الحج في حال الطَّوْع: فلا خلاف فيه(٣)، وروي نحوه عن
عمر(٤)، وجماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم(٥).
(١) أخرجه البخاري ١٤٨١ (٥٦٤/٢)، ومسلم ١٢١١ (٨٧٠/٢).
(٢) هو المحرم الذي منعه الخوف أو المرض من الوصول إلى تمام حجته أو
عمرته، فيجب عليه الدم بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. البقرة:
١٩٦، وراجع: أنيس الفقهاء ص ١٤٣.
(٣) انظر: مراتب الإجماع ص ٤٢، والمغني ١٦٨/٥.
(٤) أخرجه - بلاغاً عنه - مالك في الموطأ ١٥١ (٣٨١/١)، والبيهقي في معرفة
السنن والآثار ١٠٣٣٨ (٣٦١/٧).
(٥) أخرجه - عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة رضي الله عنهم - مالك
=

٥٥٠
كتاب المناسك
ولا يختلف حكم الطّوع والإكراه عندنا؛ لأن الأشياء المحظورة في
الإحرام، لا يختلف فيها حكم المعذور وغيره، ألا ترى أنه لو حلق رأسه
من أذى أو من غيره: لم يَخْل من وجوب الفدية، وكذلك اللابس
والمتطيب، وكذلك الصيد إذا أصيب عمداً أو خطأ.
ويدل على صحة هذا الأصل: أنه لا فرق بين أن يفوته الحج بقصد
منه إلى ذلك، أو بعذر فيما تعلق به من الحكم.
* وعلى كل واحد منهما دم؛ لأنه جامع وهو مُحْرِم.
* ولا يفترقان؛ لأن الفُرقة ليست بنسك(١) في الابتداء قبل الجماع(٢).
[مسألة: لو جامعها بعرفة بعد الزوال]
قال: (فإن جامع بعد ما وقف بعرفة بعد الزوال: فعليه بدنة، وعلى
المرأة بدنة، ويمضيان في حجهما، ولا يَفْسُد).
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أدرك عرفة ليلاً أو نهاراً،
فقد تمَّ حجه))(٣).
ولفظ: ((الإتمام)»: يطلق على أحد وجهين:
والبيهقي في المصدرين السابقين، وفي السنن الكبرى للبيهقي ١٦٧/٥.
(١) في ((د)): والدليل عليه أنها ليست بنسك في الابتداء من الجماع.
(٢) قال الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي (مخطوط) لوحة ١٣٥ نسخة
ترکیا: «وقال بعضهم: يفترقان إذا انتھیا إلى الموضع الذي وقع لهما الجماع فیہ) اهـ.
(٣) أخرجه أبو داود ١٩٥٠ (٤٨٧/٢)، والترمذي ٨٩١ (٢٣٨/٣-٢٣٩) وقال:
حسن صحيح.

٥٥١
كتاب المناسك
إما لاستيفاء كمال الأفعال، أو لانتفاء ورود الفساد عليه، فلما لم يُرِدْ
بقوله: ((مَن أدرك عرفة ليلاً)): استيفاء فروضه، عَلِمْنا أنه أراد نفي ورود
الفساد علیه.
وأيضاً: فقد وافقنا المخالف على أن جماعه بعد رمي الجمار: لا
يُفْسِد عليه حجه، ومعلوم أن الرمي من توابع الحج، لا يتعلق به حكم
الفساد، فدل على أنه إنما لم يفسد؛ لأجل حصول الوقوف.
* وعلى كل واحدٍ منهما بدنة؛ لأن كل مَن يفسد حجه أوجب
بدنة.
* ولا ترجع عليه بشيء لإكراهه، من قِبَل أن حصول المتعة لها
بالجماع، هو الذي ألزمها ذلك، فلا ترجع به عليه، ألا ترى أنه لو حَبَسَها
حتى فاتها الحج: لم ترجع عليه بنفقة الحج التي أنفقتها، وكذلك إذا
جامعها مكرهة قبل الوقوف، لا ترجع عليه بنفقة الطريق، فكذلك دم
الجماع.
* قال أبو بكر أحمد: والبدنة لا تجب في الإحرام إلا في
موضعين :
أحدهما: الجماع الذي يكون من الحاج بعد الوقوف بعرفة، وهو أول
جماع يكون منه، ولو جامع جماعاً ثانياً، لم تلزمه له بدنة، وإنما تلزمه
شاة.
والموضع الآخر: إذا طاف للزيارة جنباً، ورجع إلى أهله قبل أن
یعید، فتكون علیه بدنة.

٥٥٢
كتاب المناسك
وإنما أوجبنا البدنة بالجماع في مسألتنا؛ لأن الناس فيه على قولين:
منهم مَنْ يُفْسِد حجَّه، ويوجب(١) بدنة(٢)، ومنهم مَن لا يفسده،
١
ويوجب بدنة(٣)، وكل مَن أفسد حجه، ومَن لم يفسد حجَّه يوجب
بدنة.
فلما ثبت عندنا جواز حجه، وجبت البدنة بالإجماع، وروي نحوه
عن ابن عباس رضي الله عنهما (٤).
[مسألة : جامع قبل عرفة]
قال: (ومَن جامع في حجه مراراً قبل وقوفه بعرفة(٥)، فإن كان ذلك
في موطن واحد: فعليه دم واحد، وإن كان في مواطن كثيرة: فعليه لكل
موطن دم.
وقال محمد: عليه دم واحد ما لم يُهْدِ، فإن أهدى، ثم جامع: فعليه
دم آخر).
(١) في ((ق): لا يوجب. والفرق أثبته من ((د))، وهو الصواب.
(٢) وهو قول مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى. انظر: بداية المجتهد
٤٦٥/٥-٤٦٧، والمغني ١٦٧/٥.
(٣) وهم الحنفية، وتجزئ الشاة عند الثوري وإسحاق أيضاً. انظر في ذلك:
المغني ١٦٧/٥، وبدائع الصنائع: ٢١٧/٢.
(٤) أخرجه عنه البيهقي في معرفة السنن والآثار ١٠٣٤٢ (٣٦٢/٧).
(٥) ((فسد حجه، وعليه شاة، ويمضي في الحج كما يمضي مَن لم يفسده، وعليه
القضاء)). اهـ من الهداية ١٦٤/١.

٥٥٣
كتاب المناسك
لأبي حنيفة: أن الجماع الواحد، وإن حصل فيه إيلاج کثیر لا يوجب
بالاتفاق إلا دماً واحداً، والمعنى فيه حصول الجميع في مجلس واحد،
فوجب أن يكون كذلك حكم الجماعين والثلاثة؛ لوقوع الجميع في
مجلس واحد، وإن كان كل واحد لو انفرد: أوجب دماً، كما أن الإيلاج
لو انفرد أوجب دماً، ثم إذا جُمع الكثير في مجلس واحد: لم يجب إلا دم
واحد.
وإذا كان ذلك في مجالس مختلفة: وجب لكل جماع دم، من قِبَل أن
كل جماع قد صادف إحراماً هو محظور فيه في مجلس لم يقع فيه جماع
غیره، فکان کمن أهدئ، ثم عاد.
* وجعله محمد ككفارة شهر رمضان، أنها لا تجب ثانياً بإفطار آخر،
حتى یکفِّر له.
والفصل بينهما عند أبي حنيفة: أن كفارة شهر رمضان مما تسقطه
الشبهة، ولا تجب على المعذور، وكفارات الإحرام تثبت مع الشبهة
والعذر.
[مسألة: قَبَّل زوجته وهو مُحْرِم]
قال: (وإذا قبَّل امرأته، وأنزل أو لم ينزل: فعليه دم، ولا يفسد
إحرامه).
وذلك لأن فساد الإحرام مخصوص بالجماع، والدليل عليه أن اللبس
والطيب لا يفسدانه، وما كان مخصوصاً بالجماع، فإنما يتعلق الحكم فيه
بالجماع في الفرج.

٥٥٤
كتاب المناسك
والدليل عليه الزنى والإحصان ونحوهما(١).
ويجب دم؛ لحصول المنفعة بما يحظره الإحرام كاللبس والطيب.
(١) أي: لا يثبت الزنى والإحصان الذي يشترط لحد الرجم ونحوهما، مثل حِلّ
المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول المطلِّق، ووجوب الغسل، وفساد الحج والصوم إلا
بالجماع في الفرج.

٥٥٥
كتاب المناسك
باب ما يجتنبه المُحْرِمِ(١)
[محظورات الإحرام](٢):
قال أبو جعفر: (ومَن أحرم من الرجال لم يتطيب، ولم يلبس ثوباً
مصبوغاً بوَرْس، ولا زعفران، ولا بعُصْفر، ولا قميصاً، ولا قَبَاء، ولا
بُرْنُساً، ولا سراويل، ولا خُفَّيْن).
أما الطيب؛ فلما روى يعلى بن منية رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جُبَّة، وهو متضمِّخ بخَلُوق، فسأله عما
يصنع في عمرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أُنزل عليه
الوحي: ((ما كنتَ تصنع في حجك؟ فقال: أنزع عني هذه الجبّة، وأغسل
عني هذا الطيب، فقال: ((فاصنع في عمرتك ما كنتَ صانعاً في حجك))(٣).
وروى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((لا يلبس المحرم القميص ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا
الأقبية، ولا القلانس، ولا الخِفاف، ولا ثوباً مسَّه وَرْس ولا زعفران، إلا
(١) متن مختصر الطحاوي ص ٦٧ -٧٠.
(٢) راجع: مناسك الكافي مع الأصل ٣٤٧/٢، المبسوط ٨٧/٤، بدائع
الصنائع ١٨٣/٢.
(٣) أخرجه البخاري ١٤٦٣ (٥٥٧/٢_٥٥٨)، ومسلم ١١٨٠ (٨٣٦/٢).

٥٥٦
كتاب المناسك
أن يكون غسيلاً))(١).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((ومَن لم يجد نعلين، فليلبس خفين،
وليقطعهما أسفل من الكعبين))(٢).
وروي: ((مَن لم يجد إزاراً، فليلبس سراويل))(٣).
وهذا عندنا على الوجه الذي أُمر فيه بلبس الخفين بعد قطعهما أسفل
من الكعبين، كذلك السراويل يتزر بها من غير أن يشتمل عليها بخياطتها
أو يضيقها.
وأما تغطية الرأس والوجه× فلنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس
(٤)
العمائم(٤).
وقال في المَحْرِم الذي مات حين بقي له حكم إحرامه: ((لا تغطّوا
.43
و
وجهه ولا رأسه))(٥).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إحرام المرأة في
وجهها)) (٦)، والرجل بذلك أَوْلى؛ لأن المرأة أخف حكماً في اللبس
(١) أخرجه البخاري ١٤٦٨ (٥٥٩/٢)، ومسلم ١١٧٧ (٨٣٤/٢)، وأحمد
٤١/٢، وهذا لفظه.
(٢) جزء من حديث ابن عمر السابق تخريجه قريباً.
(٣) أخرجه البخاري ١٧٤٦ (٦٥٤/٢)، ومسلم ١١٧٨ (٨٣٥/٢).
(٤) ورد النهي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وسبق تخريجه قريباً.
(٥) أخرجه مسلم ١٢٠٦ (٨٦٥/٢-٨٦٧).
(٦) أخرجه الدارقطني ٢٩٤/٢، والبيهقي ٤٧/٥، وهو ضعيف، وروي
موقوفاً عن ابن عمر رضي الله عنهما. راجع: التلخيص الحبير ٢٧٢/٢ (١٠٨٣).

٥٥٧
كتاب المناسك
من الرجل.
وجُملة الأمر في اللبس عندنا: أنه لا ينبغي له أن يلبس ما يشتمل عليه
بخياطة.
[النهي عن قتل الصيد، والجماع، وجَزِّ الشعر، وقَلْم الظفر](١)
* قال: (ولا يقتل صيداً من صيد البر).
لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُواْالصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾(٢)، وقال: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ
اَلْبَرِّ مَادُهْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣).
* (ولا يجامِعُ).
لقول الله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى
اٌلْحَجَ﴾(٤)، والرَّفَثُ: الحِماع.
* قال: (ولا يُجَزُّ شعره، ولا يقلّم ظفره).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ حَتَّى بَلْغَ الْهَدْىُ مِلَّهُ ﴾(٥)، وقال
(١) راجع: مناسك الكافي مع الأصل ٤٣٠/٢، ٤٣٥، ٤٣٧، ٤٧١، المبسوط
٧٩/٤، ١١٨، بدائع الصنائع ١٩٣/٢، ١٩٤، ١٩٥.
(٢) المائدة: ٩٥.
(٣) المائدة: ٩٦.
(٤) البقرة: ١٩٧.
(٥) البقرة: ١٩٦.

٥٥٨
كتاب المناسك
تعالى: ﴿ثُمَ لْيَقْضُوْتَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾(١): يعني بعد الذبح.
[النهي عن الدهن، وعقد النكاح، وقطع شجر الحرم](٢)
* (ولا يَدَّهن بدهن مطيّب ولا غيره).
لأن الدهن في نفسه طِيْب.
* (ولا بأس بأن يتزوج، ولا يطأ).
وقد بيَّنا ذلك في النكاح(٣).
* (ولا يَقطع من شجر الحرم إلا الإذخر).
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يُختلى خَلَاَها، ولا يُعْضَد
شجرها، فقال العباس: إلا الإذخر. فقال: إلا الإذخر))(٤).
* (وكذلك الحلال في شجر الحرم بهذه المنزلة).
لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخصَّ المُحْرِم.
[ما تجتنبه المرأة في إحرامها](٥)
قال: (والنساء كالرجال في اجتناب الطيب)، ولا خلاف فيه نعلمه(٦).
(١) الحج: ٢٩.
(٢) راجع: الحجة على أهل المدينة ٢٠٩/٢، ٤٠٦. المبسوط ٨٦/٤، ١٠٣،
١٢٢. بدائع الصنائع ١٩٠/٢، ٢١٠ وما بعدها.
(٣) راجع كتاب النكاح، باب ناح الشغار، مسألة: حكم نكاح المحرم.
(٤) أخرجه البخاري ١٢٨٤ (٤٥٢/١)، ومسلم ١٣٥٥ (٩٨٨/٢).
(٥) راجع: مناسك الكافي مع الأصل ٣٨٣/٢، المبسوط ٣٣/٤، ١٢٨، بدائع
الصنائع ١٨٥/٢.
(٦) النووي على مسلم ٧٤/٨، والمغني ١٤٠/٥، وبداية المجتهد ٣١٠/٥.

٥٥٩
كتاب المناسك
(ويلبَسن ما شِئْنَ من اللباس، ولا يغطِّين وجوههن، وليَسْدُلن
عليها، ويجافين عنها).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس إحرام
المرأة إلا في وجهها)).
حدثنا بذلك عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يونس بن
موسى قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا أيوب بن محمد أبو
الجمل عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس على المرأة إحرام إلا في
وجهها))(١).
وفي حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((ولا تَنْتَقِب المرأة الحرام)»(٢).
* قال: (ولا بأس بأن تغطيَ المرأة فاهاً في إحرامها، إلا في الصلاة
فإنها لا تغطِيه فيها).
وهذا ينبغي أن يكون على سبيل سدل الخمار، لا على جهة النقاب،
لأنه لا ينبغي لها أن تنتقب.
ويكره تغطية الفم في الصلاة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
(٣)
فیه(٣).
(١) وأخرجه الدار قطني في السنن ٢٥٩ (٢٩٤/٢)، وتقدم قريباً وأنه ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري ١٧٤١ (٦٥٣/٢).
(٣) أخرجه أبو داود ٦٤٣ (٤٢٣/١)، وابن ماجه ٩٦٦ (٣١٠/١).

٥٦٠
كتاب المناسك
[إذا لبس المحرم القميص ونحوه](١)
قال: (وإن لبس المُحْرم قميصاً أو نحوه يوماً كاملاً من غير ضرورة:
فعليه دم، لا يجزئه غير ذلك).
وذلك لأنه متعدٍّ فيه، بمنزلة المتطيِّب، وحالق الرأس من غير أذى.
وإنما اعتبر لبسه يوماً كاملاً؛ لأنه اللبس المعتاد، ألا ترى أن في
العادة أن یغیر اللبس بالليل.
* قال : (فإن لبسه من ضرورة: فعليه أيُّ الكفارات شاء: إن شاء ذبح
شاة، وإن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء تصدق على ستة مساكين، لكل
مسكين نصف صاعٍ من بُرّ، أو صاعٌ من شعير).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهَِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِّن
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْنٍُ﴾(٢).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((النسك شاة، والصيام
ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين)) (٣).
وفي خبر آخر: (ستة آصع من تمر على ستة مساكين)) (٤).
(١) راجع: مناسك الكافي مع الأصل: ٤٨٠/٢، المبسوط ١٢٦/٤، بدائع
الصنائع ١٨٣/٢.
(٢) البقرة: ١٩٦.
(٣) أخرجه البخاري ١٧٢٠ (٦٤٤/٢)، ومسلم ٨٤/١٢٠١ (٨٦٠/٢)، وهذا
أقرب لفظ له.
(٤) لم أقف على: ((ستة آصع)): فيما تيسر لي من المصادر .