Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الصيام
يخرج من البدن لا ينقض الصوم، مثل البول والغائط وغيرهما، إلا أنهم
تركوا القیاس فیه للأثر.
فإن قيل: قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث لا يفطرن
الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام)) (١).
قيل له: معناه: إذا ذرعه القيء، على ما روي في خبر أبي هريرة (٢)
رضي الله عنه.
مسألة: [يجب القضاء بلا كفارة في السعوط والحقنة وقطرة الأذن](٣)
قال: (ومَن استَعَطَ(٤)، أو احتقن وهو صائم ذاكر لصومه: كان عليه
القضاء بلا كفارة، وكذلك من قَطَر في أذنه).
قال أبو بكر أحمد : الأصل فيه حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بالِغْ في الاستنشاق، إلا أن تكون
صائماً))(٥).
فأمر بالمبالغة في الاستنشاق، ونهى عنها لأجل الصوم.
فلولا أن ما يصل إلى حلقه من الماء بالاستنشاق يوجب الإفطار، لما
كان للنهي عن المبالغة فيه فائدة، فصار ذلك أصلاً في أن كل ما وصل إلى
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) راجع: الأصل ٢٠٢/٢، المبسوط ٦٧/٣، بدائع الصنائع ٩٣/٢.
(٤) أي صبَّ الدواء في أنفه. مختار الصحاح (سعط).
(٥) سبق تخريجه في كتاب الطهارة.

٤٦٢
كتاب الصيام
الجوف من غير مجرى الطعام والشراب: فإنه يوجب الإفطار.
فلذلك قال أبو حنيفة في الجائفة(١): إذا داواها بدواء رطب: فطَّره؛
لوصوله إلى الجوف، وفي اليابس: لا يفطره؛ لأنه لا يصل إلى الجوف،
ولو علم وصوله إلى الجوف: فطَّره.
ولم يختلف الجواب في الرطب واليابس من جهة الرطوبة واليبوسة،
وإنما اختلف من جهة أن اليابس لا يصل في العادة إلى الجوف، والرطب
يصل، فهذا اعتبارٌ جارٍ في كل ما وصل إلى الجوف، واستقر فيه، مما
يستطاع منه الامتناع في العادة.
* وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما يَعتبران وصولَه إلى الجوف من
مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان، قياساً على ما يصل
بالاستنشاق، وهو الذي ورد فيه النهي.
مسألة : [أثر القطر في الإحليل للصائم]
قال أبو جعفر: (وإن قطر في إحليله: فلا قضاء عليه في قول أبي
حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: عليه القضاء).
قال أبو بكر أحمد: محمد مع أبي حنيفة في الأصول(٢) في هذه
المسألة.
وقد حكي عن محمد: أنه وقف في ذلك.
(١) هي الطعنة التي تنفذ إلى الجوف. النهاية: ٣١٧/١.
(٢) أي في كتب ظاهر الرواية، راجع: الأصل ٢١٢/٢.

٤٦٣
كتاب الصيام
وجه قول أبي حنيفة: أنه ليس من المثانة مجرى إلى الجوف(١)، وما
يصير إلى هناك من البول، فإنما يصير فيها بالرشح، فإذا لم يصل من هناك
إلى الجوف: لم يفطر، كما أن مَن أخذ في فِيه ماءً: لم يفطره؛ لأنه لم
يصل إلى الجوف، كذلك ما حصل في المثانة.
فإن قيل: إذا اسْتَعَطَ ووصل الدهن إلى دماغه: فطَّره ذلك.
قيل له: لأنه ينزل منه إلى الحلق، ويصل إلى الجوف.
* ولأبي يوسف: أن المثانة جوف، فيفطُّره ما يحصل فيها.
مسألة: [من أكل أو شرب عمداً بعد ما أكل أو شرب ناسياً] (٢)
قال أبو جعفر: (ومَن أكل ناسياً في شهر رمضان، فظنَّ أن ذلك
يفطره، فأكل بعد ذلك متعمِّداً: فإن عليه القضاء، ولا كفارة عليه).
لأن الأكل لو وقع عمداً: فطَّره، فقد يشتبه مثله على بعض الناس،
فيظن أن الأكل ناسياً يفطِّره، وهو القياس أيضاً عندنا، فصار ذلك شبهة
في سقوط الكفارة، إذ كانت كفارة شهر رمضان تسقطها الشبهة.
ولو كان الرجل عالماً بأنه لم يفطِّره، ثم أكل متعمِّداً: وجبت عليه
(١) لقد اعتمد الشارح في توجيه قول أبي حنيفة على ما وصل إليه علم التشريح
في عصره، والأحوط في مثل هذه الأمور تركها لأهل الخبرة والاختصاص، ولقد
ثبت في علم التشريح حديثاً أن بين المثانة والجوف مجرى، ولا يوجد مجرى بين
الجوف والأذن، فقطرة الإحليل على هذا: تفطر، بخلاف قطرة الأذن. راجع: الطب
النبوي والعلم الحديث ٣١٤/١، ٣٣١، ٣٣٢، تأليف الطبيب الدكتور محمود ناظم
النسيمي، الشركة المتحدة للتوزيع، ط١ عام ١٤٠٤ هـ، دمشق.
(٢) راجع: الأصل ٢٣٥/٢، المبسوط ٧٩/٣، بدائع الصنائع ١٠٠/٢.

٤٦٤
كتاب الصيام
الكفارة؛ لأنه لا شبهة هناك مع العلم، ألا ترى أن مَن وطئ جاريةَ امرأتهِ
مع العلم بتحريمها عليه: وجب عليه الحد، ولو ظن أنها تحل له: لم يجب
الحد.
وليس هذا مثل مَن احتجم، فظنَّ أن ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك
متعمداً، فتكون عليه الكفارة، ولا تصير الحجامة شبهة في سقوط
الكفارة؛ لأنه لو تعمدها: لم تفطره، وأكل المتعمد يفسد الصوم إلا أن
يكون سمع الحديث الذي جاء في الحجامة، فرأى أن ذلك يفطره، أو
أفتاه به مُقْتٍ، فحينئذ لا تجب الكفارة.
مسألة: [مَن لم ينو الصوم في رمضان وأفطر: فإنه يقضي](١)
قال أبو جعفر : (ومَن أصبح في يوم من شهر رمضان، ولم يكن نوى
الصوم، ثم أكل أوشرب أو جامع متعمِّداً، فإن أبا حنيفة كان يقول: عليه
القضاء بلا كفارة، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان ذلك منه قبل الزوال:
فعليه القضاء والكفارة، وإن كان بعد الزوال: فعليه القضاء بلا كفارة).
قال أبو بكر أحمد : المشهور أن محمداً مع أبي حنيفة، وإنما روى ما
ذكره عن أبي يوسف وحده هشام.
ووجه قول أبي حنيفة: أن وجوب الكفارة متعلق بإفساد الصوم على ما
وُصِف، وهو لم يُفْسِد صوماً، فلا تجب عليه كفارة؛ لأنه لا يجوز إثبات
الكفارة قياساً، ألا ترى أنه لو لم يأكل حتى أمسى: لم يكن صائماً، ولم
تجب عليه كفارة لترك الصوم، فهذا إنما ترك أن يصوم، فلا يجب عليه
شيء.
(١) راجع: الأصل ٢٢٦/٢، المبسوط ٨٦/٣، بدائع الصنائع ١٠١/٢.

٤٦٥
كتاب الصيام
* وذهب أبو يوسف إلى أنه لو نوى الصوم في تلك الحال: صح
صومه فيما مضى من حال الإمساك، بمنزلة حال الصوم ما لم تَزُلٍ
الشمس، فإذا زالت الشمس: امتنعت صحة الصوم فيه، فلا تلزمه كفارة.

٤٦٦
كتاب الصيام
باب الاعتكاف(١)
مسألة: [اشتراط الصوم في الاعتكاف](٢)
قال أبو جعفر : (والاعتكاف سُنَّةٌ، ولا يجوز إلا بصوم).
قال أبو بكر أحمد : يعني بقوله: سُنَّة: أن النبي صلى الله عليه وسلم
قد فعله، ولیس یعني به الوجوب.
ورُوي أن لا اعتكاف إلا بصوم عن علي(٣) وابن عباس(٤) وابن
عمر(٥) وعائشة رضي الله عنهم.
قالت عائشة: ((من سنة المعتكف أن يصوم))(٦).
والدليل على أن مِن شرطه الصوم: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُ وهُرَ
(١) متن مختصر الطحاوي ص٥٧-٥٨.
(٢) راجع: الأصل ٢٦٨/٢، المبسوط ١١٥/٣، بدائع الصنائع ١٠٩/٢.
(٣) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٩٦٢٠ (٣٣٣/٢).
(٤) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٩٦٢١ (٣٣٣/٢)، وعبد الرزاق في
المصنف ٨٠٣٣ (٣٥٣/٤).
(٥) المصدر السابق، وعبد الرزاق في المصنف ٨٠٣٤ (٣٥٣/٤).
(٦) ابن أبي شيبة في المصنف ٩٦٢٣ (٣٣٤/٢)، وعبد الرزاق المصنف ٨٠٣٧
(٣٥٤/٤)، والدار قطني ١٢ (٢٠١/٢).

٤٦٧
كتاب الصيام
وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾(١)، والاعتكاف لفظٌ مُجْمَلٌ مفتقِرٌ إلى البيان؛
لأنه وإن كان في اللغة موضوعاً لِلَّبْثِ، فقد وُضع في الشرع لمعان أُخر مع
الُّبْث، لا يتناولها الاسم في اللغة.
ألا ترى أنه ليس كل لابث في المسجد معتكفاً، كما لو لزم رجل
لماله غريماً له في المسجد، أو حَبَسَه رجل فيه، لم يكن معتكفاً.
وإذا كان كذلك افتقر إلى البيان، ووجدنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم
لم يعتكف إلا صائماً، فوجب أن يكون الصوم من شرطه؛ لأن فعل النبي
صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان، فهو على الوجوب.
ومن جهة السنة: ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم
النيسابوري قال: حدثنا محمد بن سنان البصري القزاز أبو الحسن ببغداد
قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد قال: حدثنا عبد الله بن بديل قال:
حدثني عمرو بن دينار عن ابن عمر ((عن عمر رضي الله عنهما أنه قال
للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الحِعْرَانة: يا رسول الله! إن عليَّ يوماً
أعتكفه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فاعتكف، وصُم))(٢).
فأمره بالصوم في الاعتكاف على الوجوب، فثبت أن مِن شرطه
الصوم.
فإن قيل: قد روي أن عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه
(١) البقرة: ١٨٧.
(٢) أخرجه أبو داود ٢٤٧٤ (٨٣٧/٢)، والدار قطني ٩٨ (٢٠٠/٢) وضَعَّف
ابن بديل، والحاكم - بسند المؤلف - في المستدرك ٤٣٩/١ وصححه.

٤٦٨
كتاب الصيام
وسلم: نذرتُ أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال له: ((أوفِ بنَذْرِك))(١)،
والليل ليس فيه صومٌ، فدل على جوازه بغير صوم.
قيل له: قد اختلف في لفظ هذا الحديث، فقال بعضهم: (يوماً))(٢)،
وقال بعضهم: ((ليلة))(٣)، وقال بعضهم: ((يوماً وليلة)) (٤).
والجمع بين هذه الأخبار يوجب أن يكون: ((يوماً وليلة)): أكثرَ ما روي
منه، ويُجمَع إليه ما روي في الخبر الذي رويناه من الأمر بالصوم، فاقتضى
اعتكافاً بصوم.
* ومن جهة النظر: أنه لُبْثٌ في مكان، فلا يصير قربة إلا بانضمام
معنى آخر إليه هو قربة في نفسه، كما أن الوقوف بعرفة لما كان لُبْئاً في
مكان، لم يكن قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه قربة في نفسه، وهو
الإحرام، ولم يشترط أحد في ضمِّ قربة(٥) إليه إلا الصوم، فثبت أن الصوم
من شرطه.
وأيضاً: قد اتفق الجميع على لزوم الاعتكاف بالنذر(٦)، فلولا ما
تضمَّنه من الصوم لما لزم بالنذر؛ لأن ما ليس له أصل في الفرض، لا يلزم
(١) أخرجه البخاري ١٩٢٧ (٧١٤/٢)، ومسلم ١٦٥٦ (١٢٧٧/٣).
(٢) عند البخاري ٢٩٧٥ (١١٤٦/٣)، ومسلم ٢٨/١٦٥٦ (١٢٧٧/٣).
(٣) عند البخاري ومسلم في الصحيحين كما سبق قريباً.
(٤) لم أعثر على هذه الرواية.
(٥) في ((د)): هنا كلمة مطموسة نصفها، ولم أتبينها، ولعلها: (قربة).
(٦) انظر: بداية المجتهد ٢٤٩/٥، المغني ٤ /٤٥٦.

٤٦٩
کتاب الصيام
بالنذر، فدل أن لزومه بالنذر لأجل ما تضمنه (١) من الصوم الذي له أصل
في الفرض.
فإن قيل: فلو نذر عُمرةً لزمته، وليس لها أصل في الفرض عندكم؟
قيل له: العمرة هي الإحرام والطواف والسعي، ولها (٢) أصل في
الفرض، وهو إحرام الحج وطوافه وسعيه.
فإن قيل: لما صح بالليل مع عدم الصوم، دل على أنه ليس من شرطه
الصوم.
قيل له: إنما يصح بالليل تبعاً للنهار ، كما يصح مع خروجه من
المسجد لحاجة الإنسان، ولم يدل ذلك على أنه ليس من شرطه اللبث في
المسجد، وكما يكون الكون بمِنى قربة بالليل لأجل الرمي المفعول نهاراً.
فإن قيل: لو كان من شرطه الصوم لما صح في شهر رمضان؛ لأن
صوم يوم واحد لا ینوب عن نفسه وعن غيره.
قيل له: لم نقل إنه يوجب الصوم، وإنما قلنا مِن شرطه الصوم، كما
نقول: مِن شرط دخول مكة أن لا يدخلها إلا مُحْرِماً، ولو دخلها محرماً
بحجة الإسلام: لم يلزمه للدخول إحرام آخر.
وكما نقول: لا يصلي إلا بطهارة، وإلا بستر العورة، ولا نقول: إن
الصلاة توجب طهارة ولا ستراً، ألا ترى أنه لو توضأ لنافلة قبل دخول
الوقت: لم تلزمه بدخول الوقت طهارة للصلاة، كذلك الصوم في الاعتكاف.
(١) في ((ق)): تضمن.
(٢) فى ((د)): ليس لها أصل. والصواب ما أثبت من ((ق)).

٤٧٠
كتاب الصيام
مسألة: [المسجد الذي يجوز فيه الاعتكاف](١)
قال: (ويجوز الاعتكاف في كل مسجد له إمام ومؤذَّن، كان مسجد
جماعة أو لم يكن).
قال أبو بكر أحمد : يعني بقوله: مسجد جماعة: مسجد الجامع؛ لأن
کل مسجد له إمام ومؤذن، فهو مسجد جماعة.
ويجوز الاعتكاف فيه، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ
عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِ﴾(٢)، فعمَّ المساجد كلها، وأجاز الاعتكاف فيها.
وقد روى أبو وائل أن حذيفة قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
((إن قوماً عكفوا بين دارك ودار أبي موسى، وأنتَ لا تغيِّر؟! وقد علمتَ
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا اعتكاف إلا في المساجد
الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)).
فقال عبد الله: (لعلهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت))(٣).
وروى جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة أن ابن مسعود رضي
الله عنه قال: ((لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام))، فقال حذيفة رضي الله
عنه: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كل مسجد له إمام
(١) راجع: الأصل ٢٦٩/٢، المبسوط ١١٥/٣، بدائع الصنائع ١١٣/٢.
(٢) البقرة: ١٨٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٨٠١٤ (٣٤٧/٤)، وابن أبي شيبة في
المصنف ٩٦٦٩ (٣٣٧/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٦/٤.

٤٧١
كتاب الصيام
ومؤذِّن: فإنه يُعتَكف فيه))(١).
ويحتمل أن يكون ذلك كله صحيحاً، ويكون معنى قوله(٢): ((لا
اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)): أنه أفضل الاعتكاف، وأن غيرها من
المساجد ليس كهي في فضيلة الاعتكاف فيه.
كما روى الحارث عن علي رضي الله عنه: ((إنما الاعتكاف في مسجد
إبراهيم ومسجد محمد صلى الله عليهما، فمَن اعتكف في سواهما: فلا
يعتكف إلا في المسجد الجامع الذي تُصلى فيه الجماعة))(٣).
مسألة (٤) :
قال أبو جعفر : (ويخرج المعتكِفُ لحاجة الإنسان عن المسجد).
وذلك لما روت عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان لا يخرج من مُعتَكفه إلا لحاجة الإنسان))(٥).
مسألة : [ما يباح للمعتكف فعله]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بأن يبيع، ويبتاع، ويشهد، ويتحدث،
ويتزوج، ويراجع في اعتكافه من غير جماع).
(١) أخرجه محمد بن الحسن في الأصل ٢٦٩/٢. والدارقطني في السنن ٥
(٢٠٠/٢).
(٢) في ((د)): قول من قال.
(٣) أخرجه - مختصراً - عبد الرزاق في المصنف ٨٠٠٩ (٣٤٦/٤)، وابن أبي
شيبة في المصنف ٩٦٧٠ (٣٣٧/٢).
(٤) راجع: الأصل ٢٧٣/٢، المبسوط ١١٧/٣، بدائع الصنائع ١١٤/٢.
(٥) أخرجه البخاري ١٩٢٥ (٧١٤/٢)، ومسلم ٦/٢٩٧-٧ (٢٤٤/١).

٤٧٢
كتاب الصيام
وذلك لأن اللبث في المسجد والصوم لا يحظران هذه الأشياء، فلا
يمنع الاعتكافُ منها.
مسألة : [الجماع يفسد الاعتكاف](١)
قال أبو جعفر: (وإن أصاب أهله في ليل أو نهار: خرج بذلك من
اعتكافه).
لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾(٢)، ولا
يختلف فيه الليل والنهار؛ لأن الاعتكاف يحظر المباشرة بالليل وإن لم
یکن فیه صوم.
قال أبو جعفر: (فإن كان قد أوجبه(٣) قبل ذلك الوقت: انتقض(٤)،
ووجب عليه استئنافه).
لأن الجماع يفسد الاعتكاف، كما يفسد الصوم بالنهار، فيستقبل
اعتكافاً صحيحاً، كما يستقبل صوماً صحيحاً إذا جامع نهاراً.
مسألة : [مكان اعتكاف المرأة](٥)
قال أبو جعفر: (ولا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها).
(١) راجع: الأصل ٢٧٤/٢، المبسوط ١٢٣/٣، بدائع الصنائع ١١٥/٢-١١٦.
(٢) البقرة: ١٨٧.
(٣) أي الاعتكاف، والله أعلم.
(٤) في ((د)): لم ينقض، وكذلك في المختصر المطبوع ص٥٨، لكن صوّبت ما
في ((ق))، لاقتضاء المعنى والشرح.
(٥) راجع: الأصل ٢٧٤/٢، المبسوط ١١٩/٣، بدائع الصنائع ١١٣/٢.

٤٧٣
کتاب الصيام
قال أبو بكر أحمد : يعني أن اعتكافها في مسجد بيتها أفضل من
اعتكافها في مسجد جماعة، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا
تمنعوا إماء الله مساجدَ الله، وبيوتُهن خيرٌ لهن))(١).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير صلاة المرأة في بيتها))(٢).
مسألة : [خروج المعتكف لصلاة الجمعة]
قال أبو جعفر: (ويخرج المعتكِفُ لصلاة الجمعة بمقدار ما يصلي
قبل الجمعة أربع ركعات أو ستاً، وكذلك مقامه بعد الصلاة، فإن زاد على
ذلك أو نقص منه: لم يضره).
وذلك لأن حضور الجمعة مستثنى من الاعتكاف، كحاجة الإنسان؛
لأنه معلوم أنه لم يعقد على نفسه الاعتكاف على أن يترك فرض الجمعة،
ولا تضره الزيادة على النافلة؛ لأنه في مسجد يصح الاعتكاف فيه، فطُوْل
مُكْته فیه لا يفسد اعتكافه.
مسألة : [الخروج الذي يفسد الاعتكاف](٣)
قال أبو جعفر: (وإن خرج المعتكِفُ إلى جنازة، أو إلى عيادة
مريض، أو غير ذلك، سوى خروجه للغائط والبول والجمعة: فَسَد
اعتكافه في قول أبي حنيفة.
(١) أخرجه أحمد في المسند ٧٦/٢، وأصله عند البخاري ٨٥٨ (٣٠٥/١)،
ومسلم ١٣٦/٤٤٢ (٣٢٧/١).
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٣٧١/٦.
(٣) راجع: الأصل ٢٧٣/٢، المبسوط ١١٧/٣، بدائع الصنائع ١١٤/٢،
٠١١٦

٤٧٤
كتاب الصيام
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان ذلك أقلّ من نصف يوم: لم يفسد (١)
اعتكافه، وإن كان أكثر من ذلك: نَقَضَ اعتكافه).
قال أبو بكر أحمد : المشهور من قولهما: أنه إذا كان أكثر من نصف
يوم: فسد اعتكافه، والذي ذكره أبو جعفر من قولهما لا نعرفه(٢).
وجه قول أبي حنيفة: أن مِن شرط الاعتكاف اللبث في المسجد،
والخروجُ من المسجد ينافي الاعتكاف، والخروجُ للجمعة والغائط والبول
کالمستثنى منه ؛ لأنه لابد منه.
ولما روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج من معتَكَفه إلا
لحاجة الإنسان))(٣).
وقالت عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يمرُّ بالمريض وهو معتكف، فما يعرِّج عليه يسأل عنه ويمضي))(٤).
* وأما أبو يوسف ومحمد: فإنما ذهبا إلى أنه لما كان خروجه للوقت
اليسير لا يفسد اعتكافه، والكثير يفسده، فاعتبرا أكثر اليوم؛ لأن (٥) الأكثر
في حكم الكل في كثير من الأصول، ألا ترى أن (٦) وجود النية في أكثر
(١) في ((د)): لم ينقض.
(٢) لكن بالتأمل تجد أن ما ذكره الشارح عنهما، هو ما ذكره الطحاوي، والله
أعلم.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه أبو داود ٢٤٧٢ (٨٣٦/٢).
(٥) في ((د)): مصير الأكثر في حكم الجميع.
(٦) في (د)): كما كان وجود النية إلخ.

٤٧٥
كتاب الصيام
النهار في الصوم الذي يجوز ترك النية فيه من الليل، بمنزلة وجوده في
جميعه في جواز الصوم.
مسألة :
قال أبو جعفر: (وصعود المعتكف المئذنةَ للأذان: لا يُفسد اعتكافه
وإن كانت خارجة عن المسجد).
وذلك لأنها في حكم المسجد؛ ولأن خروجه للأذان کالمستثنى؛
لأنه لم يعقد الاعتكاف على نفسه لترك الأذان.
مسألة: [أقل مدة الاعتكاف](١)
قال أبو جعفر: (ويجوز الاعتكاف يوماً فما فوقه من الأيام).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾(٢)، ولم يقدِّره
بوقت، والاعتكاف هو اللَّبْث على وصف، وأي جزء حصل منه على
الوصف المشروط: فهو اعتكاف.
وقد قال محمد بن الحسن: إنه لو اعتكف نصف(٣) يوم: جاز؛ لأن
مقدار ما فعله فيه لبث صحيح، إلا أنه لا ينبغي له أن يفطر حتى يمسي؛
لأن الصوم الذي قد دخل فيه، قد لزمه إتمامه بالدخول.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إذا دخل في اعتكاف: لزمه
أن يتمه يوماً.
(١) راجع: الأصل ٢٧٩/٢، المبسوط ١٢٢/٣، بدائع الصنائع ١١٥/٢.
(٢) البقرة: ١٨٧.
(٣) في (د)): بعض.

٤٧٦
كتاب الصيام
مسألة : [أوجب على نفسه اعتكاف أيام](١)
قال: (ومَن أوجب على نفسه اعتكاف الأيام: فإنها تلزمه متتابعة،
سواء نوى التتابع أو لم ينوه).
وذلك لأن الاعتكاف يصح(٢) بالليل والنهار، وذِكْر الأيام ينطوي(٣)
تحت الليالي، فصار كقوله: والله لا كلَّمتُ فلاناً أياماً: فيكون تَرْك الكلام
متصلاً إلى انقضائه بالیمین.
وليس هذا بمنزلة قوله: لله عليَّ أن أصوم أياماً: فلا يلزمه فيها التتابع؛
لأن الصوم لا يكون متصلاً فيها؛ لأن الليل يقطعه، فلا يلزمه التتابع فيه إلا
باللفظ، وإنما يلزمه من الليالي بعدد الأيام، من قِبَل أن ذِكْر جميع الأيام
يقتضي دخولَ مثلها من الليالي، وكذلك ذكر الليالي يقتضي دخولَ مثلها
من الأيام.
والدليل عليه: قول الله تعالى في قصة زكريا عليه السلام: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامِ
إِلَّا رَهْزًا﴾ (٤)، وقال في موضع آخر: ﴿ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾(٥)، فالقصة
واحدة، فعبّر بأحد العددین اكتفاء به عن ذکر العدد الآخر.
(١) راجع: الأصل ٢٧٥/٢، المبسوط ١١٩/٣، بدائع الصنائع ١١٠/٢.
(٢) في (د)): (لا يصح)، والصواب ما أثبت من ((ق)).
(٣) في ((د)): ينتظم.
(٤) ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾. آل عمران: ٤١.
(٥) ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. مريم: ١٠.

٤٧٧
كتاب الصيام
ألا ترى أنه لما اختلف العددان، لم يَكْتَفِ بذِكْر أحدهما دون(١)
الآخر في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾(٢).
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (ومَن أوجب على نفسه اعتكافَ ليلةٍ: فلا شيء
عليه).
لأن اعتكاف الليلة الواحدة لا يتبعها النهار، ولا يصح فيها صوم،
والاعتكاف لا يكون قُربة إلا بصوم، فلم يوجَب به قربة، فلم يلزمه.
[مسألة : ]
قال: (ومَن أوجب على نفسه اعتكاف ليلتين أو أكثر: لزمه من الأيام
بعدد الليالي).
لِما قدَّمنا من أن ذِكْر جمْع أحد العددین ینتظم مثله من العدد الآخر،
وليس ذلك كالليلة الواحدة، ولا كاليوم الواحد؛ لأن اليوم الواحد لا
تنطوي تحته الليلة، ولا الليلة ينطوي تحتها اليوم، وأما الليلتان فما فوقهما
فإنهما تنتظمان الأيام، فكذلك اليومان فما فوقهما؛ لأنه لا يوجد جمع من
أحد العددين إلا ويتخلله من العدد الآخر.
[مسألة : ]
قال: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف شهر: كان عليه اعتكافه بلياليه
وأيامه).
(١) في (د)): حتى ذكر الآخر.
(٢) الحاقة: ٧.

٤٧٨
کتاب الصيام
لأن الشهر عبارة عن العددين جميعاً.
* (فإن نوى الليالي دون الأيام، أو الأيام دون الليالي: كانت نيته
باطلةً).
كما لو نوى عشرين يوماً: بطلت نيته؛ لأنه عبَّر عن الجميع، ونوى
البعض، فلا يُعمل بنيته، ألا ترى أنه لو قال: والله لا كلَّمتُ فلاناً شهراً: لم
يُعمل بنيته في تخصیص أحد العددین دون الآخر.
مسألة : [عدم جواز النيابة في الصوم أو الاعتكاف]
قال أبو جعفر: (ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولا يعتكف أحدٌ عن
أحدٍ).
وذلك أنه عبادة على البدن، كالإيمان والصلاة ونحوهما.
آخر كتاب الصوم

٤٧٩
كتاب المناسك
كتاب المناسك
باب وجوب الحج(١)
قال أبو بكر أحمد: ما كنا عَلَّمْناه قديماً من شرح كتاب المناسك(٢)
لمحمد بن الحسن رحمه الله، ينتظم مسائل هذا الكتاب، ولا يشذ عنه
منها إلا القليل، وفيه غنّى عن إعادة جميعه، إلا أني لا أُخلي هذا الكتاب
من ذكر النكت التي عليها مدار المسائل، لئلا ينقطع نظام الكتاب، ونسأل
الله حسن التوفیق برحمته.
مسألة: [من يجب عليه الحج](٣)
قال أبو جعفر : (ومَن لم يستطع الثبوت على الراحلة، أو كان يستطيع
الثبوت عليها إلا أنه زَمِنٌ مِن رِجليه: سقط عنه فرض الحج.
وإن كان واجداً لما يَحُجُّ به غيرُه عنه: أحجَّه، وأجزأه ذلك عن حجة
(١) هذا العنوان: (باب وجوب الحج) غير مثبت في النسختين، وأضفتُه من متن
المختصر ص٥٩، وأما عنوان: (كتاب المناسك) فهكذا جاء في مخطوطات الشرح،
وأما في المختصر المطبوع فجاء: ((كتاب الحج)).
(٢) شرح كتاب المناسك لمحمد بن الحسن الشيباني، للمؤلف الجصاص،
وذكره له ابن النديم في الفهرست ص٢٦١، وسماه: ((كتاب المناسك)).
(٣) راجع: المناسك من الكافي للحاكم الشهيد، المطبوع ضمن الأصل
٥٠١/٢، المبسوط ٢/٤، ١٥٤، بدائع الصنائع ١٢٠/٢ -١٢٣.

٤٨٠
كتاب المناسك
الإسلام إن بقي كذلك حتى يموت، وإن صحَّ قبل موته، وأطاق الحج:
كان عليه الحج عن نفسه).
قال أبو بكر أحمد: هذا الفصل لا اختلاف فيه بين أصحابنا في
الرواية المشهورة إلا شيء رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في المُقْعَد،
والأعمى: أن عليهما فرض الحج بأنفسهما إذا وجدا زاداً وراحلة.
ووجه الرواية الأولى: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ
اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾(١)، والاستطاعة تنتظم صحة الجوارح التي بها يصل إلى
فعل الحج.
وشَرَطَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مع ذلك في الاستطاعة وجودَ الزاد
والراحلة(٢).
فإذا وجد الزاد والراحلة، صارت الاستطاعة في الرجال المكلفين
ثلاثة أشياء: الصحة، والزاد، والراحلة.
وإذا وَجَدَ الزاد والراحلة، ولم يكن ممن يقدر على المشي والركوب،
لزَمَانةٍ به: لم يلزمه فرض الحج بنفسه، ولزمه في ماله.
والدليل على صحة ذلك أيضاً: حديث الزهري عن سليمان بن يسار
(١) آل عمران: ٩٧.
(٢) جاء رجل فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة. أخرجه
الترمذي ٨١٣ (١٧٧/٣) وقال: هذا حديث حسن، ومثله عند الدارقطني في السنن
٦-٧ (٢١٦/٢)، والحاكم في المستدرك ٤٤٢/١، وقال: صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي.