Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب الزكاة
وقال مجاهد: أخرجتْ إلينا عائشة رضي الله عنها عُسَّاً(١) فقالت: ((كان
النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بمثل هذا)).
قال مجاهد: ((فحزرتُه ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال))(٢).
فلم يشك في الثمانية، وشك في الزيادة، فلما كان للنبي صلى الله
عليه وسلم صيعان مختلفة، ومعلوم أن كل صاع منها على حالة، لا يجوز
أن تقدر به الكفارات والصدقات على الانفراد، وأن المقدر به من هذه
الصیعان واحد منها.
ثم رأينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدَّر الصاع لإخراج الكفارات
ثمانية أرطال، بحضرة الصحابة من غير نكير من واحد منهم عليه: صحَّ أن
هذا هو الصاع المقدَّر به للكفارات، والصدقات، إذ كان في نقصانه
وزيادته إبطال تقدير النبي صلى الله عليه وسلم للكفارات.
قال موسى بن طلحة(٣)، وإبراهيم النخعي: ((الحَجَّاجي(٤) هو
والمكوك: مكيال عرفي إقليمي يختلف مقداره حسب اصطلاح الناس عليه في البلاد.
انظر: النهاية ٣٥٠/٤، والقاموس المحيط ص١٢٣١.
(١) بضم العين، وشد السين: القَدَحُ الكبير. القاموس المحيط (عسس).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٨/٢.
(٣) هو موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، أبو عيسى المدني، نزيل الكوفة،
قيل: ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة ١٠٣ هـ. على الصحيح.
انظر: تقريب التهذيب ص٥٥١. ت: ٦٩٧٨.
أما أثره فقد أخرجه يحيى بن آدم القرشي في ((الخراج)) الحديث: ٤٧٦
ص١٣٥، والطحاوي في شرح المعاني ٥١/٢.
(٤) أي القفيز الحجاجي. نسبة إلى واضعه حجاج بن يوسف، الأمير الشهير
=

٣٦٢
كتاب الزكاة
صاع عمر)) (١).
وقال عمر لَيَرْفاً (٢) غلامه: ((إذا حنثتُ في يميني، فأطعِم عني عشرة
مساكين، كل مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو صاع من تمر))(٣).
فأَمَره بإخراج الكفارة، وعلى صاعه الذي ثبت أنه ثمانية أرطال.
فإن قيل: قد نقل أهل المدينة الصاع الذي في أيديهم، وهو خمسة
أرطال وثلث، وعزَوْه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(٤)، كما نقلوا
القبر(٥) والمنبر وذا الحليفة ونحوها، فصاع النبي صلى الله عليه وسلم
أولى بالاعتبار من صاع عمر رضي الله عنه.
قيل له: لو كان نَقْلهم للصاع كنقلهم للقبر والمنبر، لما جاز وقوع
الظالم المبير، ولي إمرة العراق عشرين سنة، وتوفي سنة ٩٥هـ. انظر: تقريب التهذيب
ص١٥٣، وشرح معاني الآثار ٢/ ٥٢.
(١) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج برقم: ٤٧٣-٤٧٤ ص ١٣٥، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ٢/ ٥٢.
(٢) في سنن الدارقطني مصدر الحديث: يسار بن نمير بدل: يرفأ. وهو أيضاً
مولی عمر رضي الله عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف الحديث: ١٢١٩٤، ١٢٢٠٤
(٧٠/٣-٧١).
(٤) وذلك - في مناظرة بين مالك وأبي يوسف رحمهما الله - أخرجها الطحاوي
- مختصراً - في شرح معاني الآثار ٥١/٢، والبيهقي - مطولاً - في السنن الكبرى
١٧١/٤، وراجع نصب الراية ٤٢٨/٢-٤٢٩.
(٥) أي كما نقلوا بالتواتر مكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنبره الشريف،
وموضع ميقات المدينة، وهو ذو الحليفة.

٣٦٣
كتاب الزكاة
الخلاف فيه بين الناس، كما لم يقع في هذه الأشياء، فإذا كان ذلك
كذلك، علِمْنا أن ذلك دعوى منهم في هذا الوقت، وتقليد لبعض
أسلافهم بغير علم.
ويدل عليه أن يزيد بن أبي زياد ذكر عن ابن أبي ليلى أنه قال: ((عيَّرنا
صاع أهل المدينة، فوجدناه يزيد على الحَجَّاجي مكيالاً))(١).
وذكر عبد الله بن داود(٢) أنه سأل مالك بن أنس عن صاعهم الذي في
أيديهم ما أوله؟ قال: ((هو تحري عبد الملك بن مروان(٣) على صاع عمر
بن الخطاب)) (٤)، والتحري يخطئ ويصيب.
وصاع أهل العراق هو صاع عمر رضي الله عنه بغير تحرِّ، على ما
ذكره موسى بن طلحة وإبراهيم النخعي، فهو أولى.
وعلى أنه لو ثبت أن ما في أيديهم صاع النبي صلى الله عليه وسلم،
لَمَا دل ذلك على موضع الخلاف؛ لأنه يحتاج أن يثبت أنه الصاع الذي
كان لإخراج الكفارات والصدقات.
وأيضاً: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: ((صاعاً
(١) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج الحديث: ٤٨٠ ص١٣٦.
(٢) لم أعثر عليه.
(٣) هو عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، أبو الوليد المدني ثم
الدمشقي، كان طالب علم قبل الخلافة، نازع ابن الزبير تسع سنين ثم استقل بالخلافة
ثلاث عشرة سنة، توفي سنة ٨٦هـ. انظر: تقريب التهذيب ص ٣٦٥ ت: ٤٢١٣.
(٤) وأخرج - نحوه عن أبي حازم عن مالك - الطحاوي في شرح معاني الآثار
٥١/٢.

٣٦٤
كتاب الزكاة
من تمر)): كان ذلك لفظاً يتناول أكثر ما يقع عليه الاسم، كقوله تعالى:
﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾(١)، فلا يجوز الاقتصار على أقل الصيعان مقداراً، كما
لا يجوز أن يقال في قوله: ﴿فَقِّئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢): أنه على أقل ما يقع عليه
الاسم.
مسألة(٣):
ويجوز إعطاء القيمة في صدقة الفطر والزكوات.
والحجة فيه: حديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه حين بعثه النبي
صلى الله عليه وسلم مصدّقاً، فأتى على رجل قد وجبت في إبله ابنة
مخاض، فأعطاه ناقة فتيّة سمينة. قال: ((فَأَبَيْتُ أن آخذها، فخرج معي،
حتىُ قَدِمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك(٤) عليك. فإن تطوعتَ خيراً آجرك الله
فيه، وقَبلناه منك))، فَأَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها(٥).
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن بعض الناقة تطوع، وبعضها فرض
مكان ابنة مخاض، وليس في فروض الصدقات بعض الناقة، فثبت أن
أخذه کان على وجه البدل.
(١) التوبة: ٥.
(٢) التوبة: ٥.
(٣) راجع: الأصل ٢٦٠/٢، المبسوط ١٠٧/٣، بدائع الصنائع ٧٣/٢.
(٤) أي ابنة المخاض واجبة عليك، وأما هذه: ففيها زيادة على المطلوب، فإن
تطوعت: بها آجرك الله.
(٥) أخرجه أبو داود الحديث ١٥٨٣ (٢٤٠/٢-٢٤١).

٣٦٥
كتاب الزكاة
وأيضاً: ما روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس أن معاذاً رضي
الله عنه قال لأهل اليمن: ((إِيتوني بعَرْضِ ثيابٍ آخذه منكم مكان الصدقة
من الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة))(١).
ولا يؤخذ الثياب عن الذرة والشعير إلا على وجه البدل.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿لَنْ
نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ﴾ (٤).
ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: ((أَغْنوهم عن
المسألة في مثل هذا اليوم)) (٥)، والغنى يقع بالقيمة.
وإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: ((صاعاً من
تمر، أو صاعاً من شعير)) (٦).
قيل له: نجيز الجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينف بذلك
غيرها.
(١) أخرجه البخاري تعليقاً ٥٢٥/٢.
(٢) التوبة: ١٠٣.
(٣) آل عمران: ٩٢.
(٤) البقرة: ٢٦٧.
(٥) أخرجه ـ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما - الدارقطني في السنن
الحديث: ٦٧ (١٥٣/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٥/٤.
(٦) سبق تخريجه.

٣٦٦
كتاب الزكاة
دليل آخر: وهو ما في حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم في الصدقات: ((ومَن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وليست
عنده إلا حِقّة: فإنها تُقْبل منه، ويعطيه المصدِّق عشرين درهماً أو شاتين،
ومَن بلغت صدقته حِقّة، وليست عنده إلا بنت لبون: فإنها تُقْبل منه،
ويَجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً)) (١).
وهذا يدل من وجوه على جواز أخذ البدل في الصدقات:
أحدها: إجازته لأَخْذ بنت مخاض عن بنت لبون، وأخذ الشاتين عن
البعض الآخر.
والثاني: أنَّ خَيَّر بين شاتين، وبين عشرين درهماً، فدل أن الحكم
ليس بمقصور على المذكور دون القيمة؛ لأن ذِكْر الدراهم للتقويم في
إقامتها مقام الشاتين.
والثالث: قوله: ((إن استيسرتا)): فدل أنه ذَكَرَ الغَنَم والدراهم؛ لأنه كان
أيسر عندهم من غيرها.
والرابع: أنه أجاز أَخْذ الحِقَّة عن ابنة اللبون، وأمرَ المصدِّق بردٍّ شاتين
أو عشرين درهماً، ومعلومٌ أن بعض الحِقَّة مشترى بالشاتين أو بالعشرين
درهماً؛ لأنه جعلهما بدلاً عن ذلك، والبعض الباقي أقامه مقام بنت
اللبون، فدل ذلك على جواز أَخْذ البدل من وجهين:
أحدهما: أنه ليس في سائر فروض الصدقات بعض الحِقّة، فلا يصح
أَخْذه عن بنت اللبون إلا على جهة البدل.
(١) أخرجه البخاري الحديث: ١٣٨٥ (٥٢٧/٢).

٣٦٧
كتاب الزكاة
والثاني: أنه إذا جعل البعض الباقي مشترى بالشاتين أو عشرين
درهماً، وما كان شراء فمعلوم أنه لا يصح بينهما إلا بالتراضي، وأن لهما
أن يعقدا إن شاءا، وإن شاءا لم يعقدا: دل على أن لهما أن يقتصرا على
أخذ بعض الحِقّة عن بنت اللبون بالقيمة من غير أن يرد عليه شيئاً.
والدليل على أن الشاتين أفضل قيمة مما بين بنت اللبون والحقة: أنه
لو كانت عنده حِقّة عجفاء(١) لا تساوي بنت اللبون: لم يجز للمصدِّق
أخذه(٢) لما دون شاتين، فدل أن ذلك مأخوذ على جهة القيمة.
فإن قيل: لما قال: فإن لم يوجد كذا وكذا دل على أن الثاني عند عدم
الأول، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٣)، وقوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ
يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾(٤)، ونحوها من الفروض المنقولة إلى الأبدال
عند عدم الأصول.
قيل له: لما كان عموم الآيات والسنن التي قدَّمنا في أصل المسألة
يقتضي جواز الكل، استعملناه مع ما ورد من التوقيف، وجعلنا قوله: فإن
لم يوجد كذا وكذا: على وجه التيسير على رب المال، وتسهيلِ الأمر
عليه، كما قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: ((خذ من
كل حالم ديناراً، أو عِدْله مَغَافِرٍ))(٥).
(١) هي المهزولة من الغنم وغيرها. انظر: النهاية ١٨٦/٣.
(٢) في ((ق)): أن يأخذها.
(٣) النساء: ٤٣.
(٤) النساء: ٩٢.
(٥) أخرجه أبو داود الحديث: ١٥٧٦ (٢٣٤/٢-٢٣٥)، والترمذي الحديث:
=

٣٦٨
كتاب الزكاة
ولم يمنع ذلك جواز أَخْذ القيمة في الجزية؛ لأن عموم قوله تعالى:
﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾(١): انتظم الجميع.
وكما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوَّلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ ﴾(٢): فلم يمنع
أَخْذ القيمة من الكسوة والطعام.
وأما قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٣)، وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَچِدْ
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾(٤)، ونحوهما من الآي، فلم يَرِدْ فيهما(٥) ما يقتضي
جواز الأداء من كل شيء، وإنما حكمها مأخوذ من هذه الآي، فلم يتعد
منها موضع النص.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه أمر أن لا نجتزئ في
الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار)) (٦)، ثم اتفق الجميع أن الخزف والخشب
ونحوهما يقوم مقام الأحجار (٧) في جواز الاستنجاء بها، لوقوع الإنقاء بها
٦٢٣ (٢٠/٣) وحسنه، والنسائي في المجتبى الحديث: ٢٤٤٩-٢٤٥١ (٢٦/٥)،
و((مغافر)): برودٌ باليمن. انظر: النهاية ٢٦٢/٣.
(١) التوبة: ٢٩.
(٢) البقرة: ٢٣٣.
(٣) النساء: ٤٣.
(٤) النساء: ٩٢.
(٥) في ((د)): فيه لفظ يقتضي إلخ.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) انظر: بداية المجتهد ٢٠٥/٢، والمغني ٢١٣/١.

٣٦٩
كتاب الزكاة
حسب وقوعها بالأحجار.
كذلك الصدقة لما كانت لسد الخَلَّة، والقيمةُ تقوم مقامها في ذلك،
وجب أن يجوز أداؤها.
وإنما لم يجز إعطاء القيمة من الهدايا والضحايا والرقاب؛ لأن القُربة
التي هي في الهدي: في إراقة الدم، وليست معنى(١) يتقوم، وكذلك العتق
هو إتلاف الملك ونفي الرق، وليس هو معنى يتقوم، فلذلك سقط فيه
اعتبار التقويم.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على جواز أداء بعير عن خمسٍ من
الإبل (٢)، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون في خمسٍ من الإبل
إلا شاة؛ لأنه قال: ((في خمسٍ من الإبل شاة، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ
عشراً)(٣)، فدل على أن البعير مأخوذ على وجه البدل.
(١) في ((د)): هو معنى مقوم.
(٢) ذكر صاحب المغني في ذلك خلاف الحنابلة ومالك وداود. انظر: المغني
١٥/٤.
(٣) سبق تخريجه.

٣٧٠
كتاب الزكاة
باب مواضع الصدقات(١)
[مسألة: مصرف الفقراء والمساكين](٢)
قال أبو جعفر: (الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في آية الصدقات هم
في المسكنة أكثرُ من المساكين الذين ليسوا فقراء).
قال أبو بكر أحمد : روى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة:
أن الفقير: الذي لا يَسأل، والمسكين: الذي يَسأل، وهذا يوجب أن يكون
المسكين في الجملة أضعف حالاً من الفقير.
وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: المسكين هو الذي
لا شيء له، والفقير الذي له أدنىُ بُلْغَة، ويحكي ذلك عن أبي العباس
ثعلب(٣). قال(٤): وقال أبو العباس ثعلب: حُكي عن بعضهم أنه قال: قلت
لأعرابي: أفقيرٌ أنت؟ قال: لا، بل مسكين(6)، وأنشد ابن الأعرابي:
(١) متن مختصر الطحاوي ص٥٢-٥٣.
(٢) راجع: الأصل ١٧٢/٢، ١٧٨-١٨١، وأحكام القرآن للمؤلف ١٢٢/٣،
المبسوط ٨/٣، بدائع الصنائع ٤٣/٢-٤٤
(٣) انظر: لسان العرب مادة ((فقر)) ٣٤٤٤/٥.
(٤) سقط من ((د))، والمراد: أي قال أبو الحسن الكرخي، والله أعلم.
(٥) حكى ابن منظور هذه القصة ليونس النحوي مع الأعرابي، انظر لسان العرب
٠٣٤٤٤/٥

٣٧١
كتاب الزكاة
وفق العيال فلم يترك له سبد(١)
أما الفقير الذي كانت حَلُوبته
فسماه فقيراً مع وجود الحَلُوبة.
قال: وحكى محمد بن سلاَّم الجُمَحي عن يونس النحوي(٢) قال:
((الفقير الذي يكون له بعض ما يُغنيه، والمسكين الذي لا شيء له))(٣).
قال أبو الحسن(٤): ويدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المسكين ليس بالطَّواف الذي تردُّه
التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد ما
يُغنيه))(٥).
قال: فَنَفَى المبالغة في المسكين عمن ترده التمرة والتمرتان، وأثبتها
لمن لا يجد ذلك، وسمَّاه مسكيناً.
(١) نسبه ابن منظور وابن السكيت إلى الراعي ((عبيد الله بن حصين))، قال يمدح
عبد الملك بن مروان، ويشكو إليه سُعاته. والسَّبَد: أول ما يطلع من رؤوس النبات.
انظر: لسان العرب مادة ((فقر)) ٣٤٤٤/٥، ومادة (سبد)) ١٩١٨/٣، وإصلاح المنطق
ص٣٢٦.
(٢) هو يونس بن حبيب، الضبي بالولاء، أبو عبد الرحمن، المعروف
بالنحوي، كان إمام نحاة البصرة، شيخ سيبويه والكسائي والفراء وغيرهم. له: ((معاني
القرآن))، و((اللغات))، و((النوادر))، ولد سنة ٩٤هـ، وتوفي سنة ١٨٢ هـ. انظر الأعلام
٢٦١/٨.
(٣) ذكره ابن منظور فى لسان العرب مادة ((فقر)) ٣٤٤٤/٥.
(٤) هو الكرخي، شيخ المؤلف.
(٥) أخرجه البخاري ١٤٠٩ (٥٣٨/٢)، ومسلم ١٠٣٩ (٧١٩/٢).

٣٧٢
كتاب الزكاة
قال: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾(١)، وروي في
التفسير أنه الذي قد لزق بالتراب، وهو (٢) عار لا يواريه عن التراب
شيء(٣)، فدل ذلك على أن المسكين في غاية الحاجة والعدم.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِى
الْبَحْرِ﴾ (٤)، فأثبت لهم ملك السفينة، وسمَّاهم مساكين.
قيل له: روي أنهم كانوا أجراء يعملون فيها، وأنها لم تكن ملكاً
لهم(٥)، وإنما أضافها إليهم بالتصرُّف، والكَوْن فيها، كما قال الله
تعالى: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّيِّ﴾(٦)، وقال في موضع آخر: ﴿وَقَرْنَ فِى
يُوتِكُنَّ﴾(٧)، فأضاف البيوت تارةً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة
إلى أزواجه، ومعلوم أنها لم تكن ملكاً له ولهن جميعاً، لكل واحدٍ
على حِياله، لاستحالة ذلك؛ وأن الإضافة إنما صحت لأجل التصرف
والسكنئ.
(١) البلد: ١٦.
(٢) في ((د)): وهو خانع وهو جائع.
(٣) انظر: أحكام القرآن للمؤلف ٤٧٢/٣-٤٧٣، وتفسير ابن كثير ٨١٣/٤.
(٤) الكهف: ٧٩.
(٥) راجع في ذلك: تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٣٤/١١-٣٦،
وتفسير الجلالين عن هذه الآية الكريمة.
(٦) الأحزاب: ٥٣.
(٧) الأحزاب: ٣٣.

٣٧٣
كتاب الزكاة
وكما يقال: هذا منزل فلان: وإن كان ساكناً فيه غير مالك، وهذا
مسجد فلان: ولا يراد به الملك.
مسألة : [مصرف العاملين والمؤلفة قلوبهم](١)
قال أبو جعفر: (والعاملون على الصدقات هم السعاة، والمؤلفة
قلوبهم قد ذهبوا).
وذلك لأن الله تعالى قد أعزَّ الدين وأهله، واستغنَوْا عن تأليف الكفار
بالمال، وذلك لأنهم قد كانوا يتألفون بالمال لجهتين:
إحداهما: لدفع مَعرَّتهم، وكفِّ أيديهم (٢) عن المسلمين، والاستعانة
بهم على غيرهم من الكفار.
والثانية: لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى الدخول في
الإسلام.
مسالة : [مصرف الرقاب] :
قال: (والرِّقابُ هم المكاتبون).
قال أبو بكر: قال مالك: هم رِقابٌ يُبتاعون من الزكاة ويعتقون،
ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين، دون المعتِقين(٣).
(١) راجع: الأصل ١١٠/٢، ١٧٩، والجامع الصغير ص١٢٢، والمبسوط
٩/٣، بدائع الصنائع ٤٤/٢.
(٢) في ((د)): أذيتهم.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١٠٠/٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٣٠/٢.

٣٧٤
كتاب الزكاة
والحجة للقول الأول(١) ما روى عبد الرحمن بن سهل بن حنيف عن
أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أعان مكاتباً في رقبته، أو
غارماً في عُسرته، أو مجاهداً في سبيل الله: أظله الله تعالى في ظله يوم لا
ظِلَّ إلا ظله))(٢).
فدل أن الصدقة على المكاتب معونة في رقبته حتى يَعتق، وهذا
موافق لقوله: ﴿وَفِ الْرِّقَابِ﴾(٣).
وروى البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله!
علمني عملاً يُدخلني الجنة. قال: ((لئن كنتَ أقصرتَ الخطبة، لقد عَرَضْتَ
المسألة. أعتق النسمة، وفكَّ الرقبة)). قال: أو ليسا سواء؟ قال: ((لا. عِثْق
النسمة يكون تَفرُّدُ بعِتْقها، وفَكُّ الرقبة أن تُعين في ثمنها))(٤).
فجعل صلى الله عليه وسلم عتق النسمة غير فك الرقبة، فوجب أن
يكون قوله: ﴿وَفِي الْرِقَابِ﴾: غير (٥) الموقَع، بل هو المعونة في فك الرقبة
(١) أي القائل بأن معنى الرقاب هو مساعدة المكاتبين لأداء ما عليهم ليكونوا
أحراراً.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٨٧/٣ مسند سهل بن حنيف رضي الله عنه.
والحاكم في المستدرك، المكاتب ٢١٧/٢ وصححه، وقال الذهبي: عمرو بن ثابت
رافضي متروك.
(٣) التوبة: ٦١.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٩٩/٤، والحاكم في المستدرك ٢١٧/٢
وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) في ((د)): العتق الموقع.

٣٧٥
كتاب الزكاة
بأداء الكتابة.
وأيضاً: لما ثبت أن الولاء لمن أعتق، وجب أن يكون ولاء المعتَق من
الصدقة المعتقة، وذلك ينفي جوازه عن الصدقة.
وأيضاً: فليس في العتق تمليك، وإنما فيه إتلاف الملك، وشرط
الزكاة التمليك.
مسألة : [مصرف الغارمين]
قال أبو جعفر : (والغارمون هم المدينون).
وذلك لأن الغُرْمِ: الدينُ، وروي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يستعيذ بالله من المأثم والمَغْرم، فقيل له في ذلك: فقال: إن الرجل إذا غَرِم
حدَّث فكَذَب، ووعد فأخلف))(١)، فأخبر أن الغُرْم الدين.
وعموم اللفظ يوجب جواز إعطائها كل مَن عليه دين، إلا أن الدلالة
قد قامت على أنه إذا فَضَل ماله عما عليه من الدين بمقدار ما يكون به
غنياً، لم يعط من الصدقة.
مسألة : [مصرف سبيل الله](٢)
(وفي سبيل الله هم أهل الجهاد من الفقراء).
قال أبو بكر : وقد روي عن محمد: أن مَن أوصى بثلث ماله في سبيل
(١) أخرجه البخاري الحديث: ٧٩٨ (٢٨٦/١)، ومسلم الحديث: ٥٨٩
(٤١٢/١). كلاهما من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) راجع: المبسوط ١٠/٣، بدائع الصنائع ٤٥/٢-٤٦.

٣٧٦
كتاب الزكاة
الله، أنه يجوز أن يُجعل في الحاج (١) المنقطع به.
وروي عن أبي يوسف: أنهم الغزاة.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنه(٢) مثل قول محمد.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحج والعمرة من
سبيل الله))(٣).
والأظهر مما يقتضيه إطلاق اللفظ: أن يكون الغزاة، وعلى ذلك أكثر
ما جاء من ألفاظ القرآن في سبيل الله. منه قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ (٤).
قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ((نزلت فينا - معاشر الأنصار -
حين استفلنا لعمارة الأرضين، فأنزل الله: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ
إِلَى النَّْكَةِ﴾ (٥): في ترك الجهاد))(٦).
*. وإنما كان لفقرائهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرت أن
(١) في ((ق)): والمنقطع به، بزيادة الواو.
(٢) أخرج ذلك عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨٥/٨، وذكره
المؤلف في أحكام القرآن ١٢٧/٣.
(٣) أخرج - ذلك من حديث أبي معقل وأم معقل رضي الله عنهما - أبو داود في
السنن، الحديث: ١٩٨٨-١٩٩٠ (٥٠٣/٢_٥٠٥).
(٤) البقرة: ١٩٥.
(٥) البقرة: ١٩٥
(٦) أخرجه أبو داود الحديث ٢٥١٢ (٢٧/٣).

٣٧٧
كتاب الزكاة
آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردَّها في فقرائكم))(١).
مسألة : [إعطاء العاملين على الصدقة منها]
قال أبو جعفر: (وينبغي للإمام أن يجعل للعاملين على الصدقة من
الصدقة ما يكفيهم ويكفي أعوانهم).
وذلك لأن كل مَن قام بشيء من أمور المسلمين يستحق على قيامه
رَزْقاً، كالقضاة والمقاتلة، وليس ذلك على وجه الإجارة؛ لأنها لا تجوز
إلا على عملٍ معلوم، أو مدة معلومة، وأجر معلوم، وقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يبعثون عمالاً على الصدقات وغيرها،
فلم يَرِدْ عن أحد منهم أنه استأجر العمال عليها.
مسألة : [صرف الزكاة لصنف واحد](٢)
قال: (وإن أُعطيت الصدقات صنفاً واحداً: أجزأ).
قال أبو بكر : روي عن عمر بن الخطاب(٣) وحذيفة (٤) وابن عباس
رضي الله عنهم(٥).
(١) سبق تخريجه.
(٢) راجع: الأصل ١٤٦/٢، ١٧٢، المبسوط ٨/٣، بدائع الصنائع ٤٦/٢.
(٣) أخرجه أبو يوسف في كتاب الخراج، الحديث: ١٧٩ ص ١٧٧، وابن أبي
شيبة في المصنف، الحديث: ١٠٤٤٨ (٤٠٥/٢).
(٤) أخرجه أبو يوسف في الخراج برقم: ١٨١ ص١٧٨، وابن أبي شيبة في
المصنف برقم: ١٠٤٤٥-١٠٤٤٧ (٤٠٥/٢).
(٥) أخرجه أبو يوسف في الخراج برقم ١٨٠ ص ١٧٧، وأبو عبيد في الأموال،
الحدیث: ١٨٣٩ ص٥٧١.
.

٣٧٨
كتاب الزكاة
وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل
رضي الله عنه («أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروضَ في الزكاة، ويجعلها
في صنف واحد من الناس)) (١).
وعن سعيد بن جبير(٢) وإبراهيم(٣) وأبي العالية (٤).
ولا يروى عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فصار إجماعاً لا يسع
خلافه(٥) .
ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىٌّ وَإِن تُخْفُوهَا
وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (٦)، وهذا عام في جميع الصدقات؛ لأنه
اسم للجنس، لدخول الألف واللام عليه، وتضمنت الآية جواز إعطائها
الفقراء، وهم صنف من الأصناف المذكورين في الآية الأخرى.
لِلِسَّآپِلِ
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِيَّ أَوَلِهِمْ حَقٌ مَعَلُومٌ
(١) أخرج أوله ابن أبي شيبة في المصنف، الحديث: ١٠٤٣٩- ١٠٤٤٠
(٤٠٤/٢)، أما الشطر الثاني، فعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال له:
((خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم))، والفقراء صنف واحد.
(٢) أخرج عنهما ابن أبي شيبة في المصنف، الحديث: ١٠٤٤٩ (٤٠٥/٢).
(٣) أخرج عنهما ابن أبي شيبة في المصنف، الحديث: ١٠٤٤٩ (٤٠٥/٢).
(٤) أخرج عنه ابن أبي شيبة في المصنف رقم: ١٠٤٥٠ (٤٠٥/٢).
(٥) لم أقف على أحد نص على هذا الإجماع أو خلافه.
(٦) البقرة: ٢٧١.

٣٧٩
كتاب الزكاة
وَاَلْمَحْرُومِ ﴾(١)، واقتضى جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما، وذلك
ينفي وجوب قَسْمها على ثمانية.
ويدل عليه ما روي في حديث سلمة بن صخر رضي الله عنه حين
(ظاهر من امرأته، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق إلى صاحب
صدقة بني زريق(٢) ليدفع إليه صدقاتهم))(٣).
فأباح صلى الله عليه وسلم دفع صدقاتهم إلى سلمة بن صخر رضي
الله عنه، وإنما هو من صنف واحد.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين سألاه من الصدقة:
((إن شئتما أعطيتكما))(٤)، ولم يقل لهما من أيِّ الأصناف أنتما، ليحسبهما
من الصنف الذي هما منه.
ويدل على أنها مستحقة بالفقر: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أُمرت أن
آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم)»(٥).
(١) المعارج: ٢٥.
(٢) بنو زريق قبيلة، وإلى بطنها بني بياضة ينتمي سلمة بن صخر رضي الله عنه،
وورد في سنن الترمذي اسم صاحب صدقتهم: (فروة بن عمرو) رضي الله عنه.
(٣) أخرجه أبو داود الحديث: ٢٢١٣ (٦٦٠/٢-٦٦٢)، والترمذي الحديث:
١٢٠٠ (٥٠٤/٣) وقال: هذا حديث حسن.
(٤) أخرجه أبو داود في السنن، الحديث: ١٦٣٣ (٢٨٥/٢)، والنسائي في
المجتبى، الحديث: ٢٥٩٧ (٩٩/٥)، ونقل الزيلعي تحسين إسناده عن الإمام أحمد
انظر: نصب الراية ٤٠١/٢.
(٥) سبق تخريجه.

٣٨٠
كتاب الزكاة
فأخبر أن المعنى الذي يستحق به جميع الأصناف هو الفقر؛ لأنه عم
جميع الصدقة، وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء، وهذا اللفظ مع ما تضمن
من الدلالة على أن المعنى المستحق به الصدقة، فإن عمومه يقتضي جواز
دفع جميع الصدقة إلى الفقراء، حتى لا يعطي غيرهم، بل ظاهر اللفظ
يقتضي وجوب ذلك بقوله: ((أُمرت)).
فإن قيل: فالعامل يستحقه لا بالفقر.
قيل له: لأنه لا يستحقه ولا أحدٌ صدقةً، وإنما قلنا: إن مَن يستحق
الصدقة لا يستحقها إلا بالفقر، وإنما تحصل للفقراء، ثم يأخذه العامل
عوضاً عن عمله، كفقير أطعم صدقة، فأعطاها غيره عوضاً عن عمل
عمله له.
وهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سألته عائشة عن بريرة(١)
رضي الله عنها، وأنه يتصدق عليها، فتهدي لنا فقال: ((هي لها صدقة،
ولنا هدية))(٢).
وأما ذكر الأصناف في الآية فإنما جاء لبيان أسباب الفقر، والدليل
عليه أن الغارم وابنَ السبيل والغازي لا يستحقونها إلا بالفقر والحاجة،
(١) هي مولاة عائشة رضي الله عنها، كانت مولاة لقوم من الأنصار، وتحت
رجلٍ عبدٍ اسمه: مغيث رضي الله عنه، يحبها وتكرهه، فاشترتها عائشة وأعتقتها،
فاختارت نفسها، وفارقت زوجها، ولها قصة. عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية رضي
الله عنها. انظر تقريب التهذيب ص٧٤٤ ت: ٨٥٤٣، والإصابة في تمييز الصحابة
٢٥١/٤.
(٢) أخرجه البخاري في الحديث: ١٤٢٢ (٥٤٣/٢)، ومسلم الحديث: ١٠٧٥
(٧٥٥/٢).