Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الصلاة وخبرُ المثبت أولى. وأيضاً: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلّ عليهم، وأَمَرَ غيرَه(١)، فصلَّى عليهم، لِمَا كان أصابه يومئذ من الشَّجَّة في وجهه، وكَسْر رُباعيته صلى الله عليه وسلم))(٢). وأيضاً: لو تضادَّت الأخبار، كان ما يُشبه الأصول منها أَوْلى بالإثبات، وخبرنا تشهد له الأصول، فإنَّ في الأصول أن سقوط الصلاة على الميت بانقطاع الموالاة، ووجوب البراءة منه كالكفار وأهل البغي، والقَتْل على وجه الشهادة يؤكّد الموالاة، فكيف يسقط الصلاة؟ فإن قيل: لما سقط الغُسْل، وجب أن تسقط الصلاة. قيل له: لم يَسقط الغُسْل، وإنما قام مقامه غيره، وهو قتله شهيداً غير وو جُنُب. فإن قيل: يلزمك عليه أن لا يُغَسَّل الشهيد إذا كان جُنُباً؛ لأن القتل على وجه الشهادة قام مقام الغسل. قيل له: إنما يقوم قتل الشهيد مقام الغُسل، الذي يوجبه الموت، فأما غُسلٌ وَجَبَ قبل الموت، فإن الشهادة لا تُسقطه. (١) في ((د)): أمر غيره بالصلاة عليهم لما كان أصابه إلخ. (٢) أخرج خبر جرحه يوم أحد وكسر رباعيته البخاري ٢٧٥٤ (١٠٦٦/٣). ٢٠٢ كتاب الصلاة مسألة: [يُغَسَّل الشهيد عند الارتثاث](١) قال أبو جعفر: (ولو حُمِل قبل موته، أو أَكَلَ في مكانه الذي جُرح فيه، أو شرب(٢)، أو باع، أو ابتاع، أو بات: غُسِّل). وذلك لأن الشهيد الذي لا يُغسَّل، هو الذي يموت على الحال التي جُرح فيها، فإذا مرض، فصار إلى حالٍ أخرى، يُغسَّل؛ لأن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قُتِلا شهيدين وغُسِّلا(٣)؛ لأنهما لم يموتا في الحال التي وقعت الجراحة فيها، حتى صارا إلى حال التمريض. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يموت تحت الهَدْم، والمبطون، والمرأة تموت نُفَساء، أنهم شهداء(٤)، ولا خلاف أنهم يُغَسَّلون(٥)، فكذلك مَن مرض وخرج عن حال الجراحة إلى حال التمريض و غُسِّل. (١) راجع: الأصل ٤٠٣/١، المبسوط ٥١/٢، بدائع الصنائع ٣٢١/١. ومعنى الارتثاث: يقال: ارتُثَّ الجريح: إذا حُمِل من المعركة وبه رمقٌ. المغرب (رثث). (٢) في ((ق)): أو شرب فيه أو شرب. (٣) أخرج خبر غسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عبد الرزاق في المصنف ٦٦٤٦ (٥٤٤/٣)، وخبر غسل عمر رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ١١٠١٠، ١١٠١١ (٤٥٩/٢)، وعبد الرزاق فى المصنف ٦٦٤٥ (٥٤٤/٣). (٤) أخرج في الهدم والمبطون - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه - البخاري في الصحيح ٢٦٧٤ (١٠٤١/٣)، وأخرج في النفساء - من حديث جابر بن عتيك - أبو داود ٣١١١ (٤٨٣/٣). (٥) انظر: المغني ٤٧٦/٣. ٢٠٣ كتاب الصلاة والأكل والشرب والشراء والبيع ونحوها أشياء من أمور الدنيا، يخرج بها المجروح عن الحال التي كان عليها، فلذلك غُسِّل. ويدل على ذلك أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أسرع، لما أُخبر بموت سعد بن معاذ رضي الله عنه، وقال: ((خشيت أن تسبقني الملائكة إلى غَسْله، كما سبقتنا إلى حنظلة))(١)، فقد كان سعد بن معاذ شهيداً؛ لأنه جُرِح يوم الخندق. [حكم تغسيل الشهيد إن نطق بالوصية](٢) قال أبو جعفر: (وإن أوصى، ولم يفعل شيئاً مما ذكرنا: لم يُغَسَّل). قال أبو بكر أحمد : روى خلف بن أيوب عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه إن لم يُحْمَل حتى أوصى، فهو بمنزلة المحمول، يعني يُغَسَّل(٣). وقال محمد في ((الزيادات))(٤): إن أوصى مثل وصية سعد بن الربيع رضي الله عنه، أو نحوها، ثم مات: لم يُغسَّل. وكانت وصيته أن قال للرجل الذي لَقِيَه: ((أقرِئ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، وقُل له: إن بي كذا وكذا طعنة(٥)، كلها قد أصابت المقتل، وأقرئ الأنصار مني السلام وقال لهم: لا عُذْر لكم إن قُتِل (١) أخرجه الواقدي في المغازي، ذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه ٥٢٨/٢. (٢) راجع: المصادر السابقة. وبدائع الصنائع ٣٢٢/١. (٣) انظر: بدائع الصنائع ٣٢١/١-٣٢٢. (٤) انظر: شرح الزيادات لقاضي خان الورقة ٦/ب، مصورة على الميكرو فيلم رقم: ١٧٠ فقه حنفي، بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. (٥) طعنة، زيادة من شرح الزيادات لقاضي خان، المصدر السابق. ٢٠٤ كتاب الصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيكم، وفيكم عين تطرف))(١). قال محمد: فإن أوصى بمثل ذلك: لم يُغَسَّل، فإن كَثُر ذلك من كلامه في الوصية غُسِّل، وذلك لأن الوصية شيء من أمر الموت، إذا طالت أشبهت أمور الدنيا، فغُسِّل. مسألة : [القتيل مظلوماً لا يُغَسَل](٢) قال أبو جعفر: (ومَن قتله الخوارج، أو قُتِل بحديدة مظلوماً لم يغسَّل). قال أبو بكر أحمد : الأصل فيه: كلُّ مقتول ظلماً، لم يَجب عن نفسه بدل هو مال: فإنه لا يُغَسَّل، ومَن وَجَبَ عن نفسه بدل هو مال، مثل قتل الخطأ، وشبه العمد: فإنه يُغسَّل، كما يغسل لو قُتِل بحق. مسألة: [غَسْل المرأة زوجَها، والعكس](٣) قال أبو جعفر: (وتُغَسِّل المرأةُ زوجَها إذا مات، ولا يغسِّل الرجلُ زوجته). أما غَسْل المرأة لزوجها، فهو اتفاق من الفقهاء (٤). وقالت عائشة رضي الله عنها: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت، ما (١) أخرجه مالك في الموطأ ٤١ (٤٦٤/٢)، وابن هشام في السيرة النبوية ٧٥/٣-٧٦. (٢) راجع: الأصل ٤٠٥/١، المبسوط ٥٢/٢، بدائع الصنائع ٣٢٠/١. (٣) راجع: الأصل ٤٣٣/١، المبسوط ٦٩/٢، بدائع الصنائع ٣٠٤/١. (٤) انظر: الأوسط ٨٤٧ (٣٣٤/٥)، وبداية المجتهد ٣٠١/٤. ٢٠٥ كتاب الصلاة غَسَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه))(١). وإنما يجوز لها غسله إذا كانت عِدَّتُها واجبةً بالموت، ولم يَحْدُث هناك تحريمٌ قبل ذلك. * وإنما لم يجز للرجل غسلها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ينظر الله عز وجل إلى رجل نَظَرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتها))(٢). فلما اتفق الجميع، على أنه جائز له أن يتزوج ابنتها قبل غسلها، إذا لم يكن قد دخل بها، فينظر إلى فرجها(٣)، علمنا أن نظره إليها محرَّم عليه، إلا كما ينظر الأجنبي. وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤)، فلو جوَّزنا له النظر إلى فرجها، وفرج أختها بأن يتزوجها، كان فيه جمعٌ بين الأختين في بعض أحكام النكاح، وذلك محرم بظاهر الکتاب. * ومن وجه النظر: أن جواز نكاح أختها دليل على وقوع الفرقة، (١) أخرجه أبو داود ٣١٤١ (٥٠٢/٣)، وابن ماجه ١٤٦٤ (٤٧٠/١)، والحاكم في المستدرك ٦٠/٣ وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي. (٢) لم أعثر عليه فيما تيسر لي من المراجع. والله أعلم. (٣) نص على الإجماع ابن المنذر في الإشراف على مذاهب العلماء ٢٣٥١ (٤ / ٩٤). (٤) النساء: ٢٣. ٢٠٦ كتاب الصلاة وارتفاع الزوجية؛ لأن نكاحها لو كان باقياً، لما جاز له نكاح أختها، ألا ترى أنه لو طلَّقها في الحياة طلاقاً رجعياً لم يكن له أن يتزوج أختها ما کانت في عدتها، لبقاء نكاحها. وإنما إذا انقضت عدتها، جاز له أن يتزوج أختها؛ لارتفاع النكاح وأحكامه بينهما. والفرق بينه وبين المرأة، أن حكم النكاح باق مع بقاء عدة الموت، والدليل عليه أنه لا يجوز لها أن تتزوج لبقاء حكم النكاح. فإن قيل: لو كانت هذه علة بقاء النكاح، لوجب أن يبقى مع وقوع البينونة قبل الموت مادامت في العدة. قيل له: لم نقل إن العدة على الإطلاق توجب بقاء النكاح مع وقوع الفرقة، وإنما قلنا إن الموت لا يوجب التحريم مع وجوب العدة، وغيرُ ممتنعٍ في الأصول بقاء النكاح لأجل العدة. ألا ترى أن مَن طلَّق امرأةً واحدة قبل الدخول، أن النكاح يبطل فيما بينهما، لأجل عدم العدة، ولو كانت مدخولاً بها: كان النكاح باقياً بينهما ما بقيت العدة، فكذلك الموت ليس يوجب التحريم مع بقاء العدة، ويوجبه مع عدمها بالدلالة التي قدَّمنا. فإن قيل: ما يوجب التحريم لا يختص به أحد الزوجين دون الآخر فيما يوجبه من تحريم النظر، فلما وجدنا فرقة الموت لا يمنعها النظر إليه، كذلك وجب أن لا يمنعه النظر إليها؛ لأنه سبب واحد في حكم الفرقة، فو جب أن یستویا جمیعاً فيما يتعلق به من حكم التحریم. قيل له: هذا غلط؛ لأن الموت إنما يوجب الفرقة مع عدم العدة، ولا یوجبها مع وجودها، كالطلاق سواء، على حسب ما بينا. ٢٠٧ كتاب الصلاة فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل على عائشة رضي الله عنها، وهي تقول: وارأساه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا عليك، لو مِتِّ قبلي فغسَّلتكِ، وكفَّنتك، وحنَّطتك، ودفَتَتُك))(١). فأخبر بغَسْله لها بعد الموت. قيل له: أما الأخبار الصحيحة، فليس في شيء منها ذِكر الغُسْل، وإنما ذكر فيها الدفن(٢). ولو ثبت ذِكر الغسل، لما دلَّ على قولك؛ لأنه يحتمل أن يكون مراده الأمر بغُسْلها، كما روي أن العباس والفضل ورجلاً من الأنصار رضي الله عنهم غسّلوا النبي صلى الله عليه وسلم مع علي رضي الله عنه(٣)، وإنما علي رضي الله عنه غسَّله وحده، وأعانه هؤلاء في الغُسْل، فأضيف الغُسل إلى جماعتهم. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ يُدَيِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَخِىء نِسَآءَهُمْ ﴾(٤)، ومعلوم أنه لم یکن یباشر (١) أخرجه ابن ماجه ١٤٦٥ (٤٧٠/١)، وأحمد في المسند ٢٢٨/٦، والدارقطني في السنن ١١-١٣ (٧٤/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٩٦/٣، وفي سنده كلام. انظر: نصب الراية ٢٥١/٢-٢٥٢. (٢) أخرجه البخاري ٥٣٤٢ (٢١٤٥/٥) وليس فيه ذكر الغسل ولا الدفن. (٣) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢٤٢/٧-٢٤٥، وابن هشام في السيرة النبوية ٢٣٢/٤_٢٣٣. (٤) وتكملة الآية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءِ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ القصص: ٤. ٢٠٨ كتاب الصلاة القتل، وإنما كان يأمر به، وذلك شائع في اللغة، غير مدفوع ولا مستنكَر. وأيضاً: فقد قيل: إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم حُرِّمن على المؤمنين، وكُنَّ أمهاتهم(١)؛ لأنهن نساءه في الجنة، فكان حكم الزوجية قائماً بينهما بعد الموت، فلذلك جاز له غسلها. وأيضاً: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها في مرضه: ((هوَّ على وجهي أن جبريل عليه السلام أخبرني أنكِ زوجتي في الجنة))(٢). فإن قيل: قد روي أن علياً غسَّل فاطمة رضي الله عنها(٣). قيل له: لأنها كانت زوجته في الدنيا والآخرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلّ نَسَبٍ وَسَبَبٍ منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي))(٤). (١) أما كونهن أمهات المؤمنين فقد نص عليه القرآن الكريم: ﴿النَّبِىُّ أَوَلَى بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمّ وَأَزْوَجُ: أُمَّهَدُهُمْ﴾ الأحزاب: ٦. وأما كونهن نساءه في الجنة فهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم. انظر: الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص: ٣٣٤-٣٣٥. فقول المؤلف: (قيل)): صيغة عدم جزم، ولا وجه لها. (٢) ليس بهذا اللفظ، لكن ثبت بما يفيد أنها رضي الله عنها هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، أخرجه الترمذي ٣٨٨٠ (٦٦١/٥-٦٦٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه البخاري - موقوفاً على عمار رضي الله عنه - ٣٥٦١ (١٣٧٥/٣). (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٦١٢٢ (٤١٠/٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٩٦/٣-٣٩٧، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص ١٤٣/٢. (٤) أخرجه أحمد في المسند ٣٢٣/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٦٤/٧. ٢٠٩ كتاب الصلاة فعَلِمْنا أن السبب الذي كان بينهما لم يقطعه الموت. فإن قيل: ثبوت الميراث بينهما دلالة على جواز الغسل أيهما كان الميت. قيل له: إن الحال التي يستحق فيها الميراث، ليست مما (١) لا يأتي فيها الغسل، ولا تزويج الأخت؛ لأن الميراث يجب بعد الموت بلا فصل، وذلك حال تنقصه الحال الثانية والثالثة وما بعدها من الأوقات التي لا يستحق بها ميراث، وهي الحال التي ينافيها الغسل، وتحريم نكاح الأخت، ولا اعتبار بالميراث في إباحة الغسل. يدل على هذا: أن الزوج لو مات بعد ذلك، لم يبطل ميراثه منها؛ لأن هذه الحال ليست حال ميراثه منها. مسألة: [يُغسِّل المسلم قريبَه الكافر](٢) قال أبو جعفر : (ويغسل المسلم ذا قرابته من الكفار). وذلك لما روي ((أن علياً رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأن أبا طالب مات، فأمره بغسله ودفنه))(٣). وأيضاً: فإن ما جاز أن يفعله به في حياته من الغسل والكسوة، جاز بعد موته مثله. (١) في ((د)): كما لا يتأتى فيها. (٢) راجع: الأصل ٤١٣/١، المبسوط ٥٥/٢، بدائع الصنائع ٣٠٥/١. (٣) أخرجه أبو داود ٣٢١٤ (٥٤٧/٣)، والنسائي في السنن ١٩٠ (١١٠/١). وراجع: التلخيص الحبير ١١٤/٢، الحديث: ٧٥٤. ٢١٠ كتاب الصلاة مسألة : [مؤونة التكفين من رأس المال](١) قال أبو جعفر : (والكفنُ والحنوط من رأس المال). وذلك لأنه بمنزلة نفقته في حال حياته، فلما كانت النفقة على نفسه مبتدءاً بها في حياته على ديون الغرماء، وجب أن يكون كذلك بعد الموت، وإذا كان الكفن مقدَّماً على الدَّين، فعلى الوصية والميراث أَوْلى. مسألة : [المشي بالجنازة](٢) قال أبو جعفر : (والمشي بالجنازة ما دون الخبب). وذلك لما روي عن الحسن بن صالح بن حَي عن يحيى الجابر عن أبي ماجد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألنا نبينا عن السَّيْر بالجنازة، فقال: ((دون الخبب، الجنازة متبوعة، وليست تابعة، ليس معها مَن تَقَدَّمها)»(٣). مسألة: [أحق الناس بالصلاة على الميت] (٤) قال أبو جعفر : (وأحق الناس بالصلاة على الميت سلطان بلده). (١) راجع: المبسوط ١٣٦/٢٩، بدائع الصنائع ٣٠٨/١-٣٠٩. (٢) راجع: الأصل ٤١٣/١، المبسوط ٥٦/٢، بدائع النصائح ٣٠٩/١. والخَبَب: ضَرْبٌ من العَدْو دون العَنَق، وهو خطو فسيح، والعنق: السرعة الشديدة. ينظر المصباح المنير (خبب، عنق). (٣) أخرجه أبو داود في السنن ٣١٨٤ (٥٢٥/٣)، والترمذي ١٠١١ (٣٣٢/٣) وعزا تضعيفه إلى البخاري. (٤) راجع: الأصل ٤٢٣/١، المبسوط ٦٢/٢، بدائع الصنائع ٣١٧/١. ٢١١ كتاب الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: ((ولا يؤمُّ رجلٌ رجلاً في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه))(١). * قال: (وقد روي عن أبي يوسف: أن الوليّ أحق، فإن لم يكن: فإمام حیه). وذلك لأنه يصلي بالأحياء، فهو أولى بالصلاة على الموتى؛ لأنه قد استحق الولاية في الصلوات المكتوبات التي هي أوجب من صلاة الجنائز (٢)، ففي صلاة الجنازة أولى. * قال : (فإن لم یکن إمام الحي: فأبوه، فإن لم یکن: فابنه)). قال أبو بكر أحمد : الولاية للابن؛ لأنه أقرب الأولياء، ولكنه يكره له أن يتقدم أباه أو جدَّه، فاستحبوا له تقديمه(٣)، وهو رواية عن أصحابنا (٤). : قال أبو جعفر: (فإن كان فيهم أخوان لأب وأم، أو ولدان أو عمَّان متساويان في القرابة، وأحدهما أكبر من الآخر سناً: فهو أَوْلى بالصلاة عليه). وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحقَّ للأكبر في حال المساواة، وجَعَلَه أَوْلى بالإمامة في الصلاة المكتوبة(٥)، فصلاة الجنازة بذلك أحرئ. (١) أخرجه مسلم ٦٧٣ (٤٦٥/١)، وأبو داود في السنن ٥٨٢ (٣٩٠/١). (٢) ورد هنا فى ((د)): وقد استحق الولاية فيها ففي إلخ. (٣) في ((د)): أن يتقدمه. (٤) راجع: الأصل ٤٢٣/١، والمبسوط ٦٣/٢. (٥) أخرجه البخاري ٦٠٢ (٢٢٦/١)، ومسلم ٦٧٤ (٤٦٦/١). ٢١٢ كتاب الصلاة مسألة: [مقام الإمام في الصلاة على الميت](١) قال أبو جعفر: (ويقوم المصلي على الرجل والمرأة حِذاءَ الصدر منهما، وقال أبو يوسف: يقوم من الرجل عند رأسه، ومن المرأة عند وسطها). وجه القول الأول: ما روى سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه صلى على جنازة امرأة، فقام عليها وَسْطها))(٢). وذهب أبو يوسف إلى ما روى أبو (٣) غالب عن أنس رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم عند رأس الرجل، وعُجَيزة المرأة)) (٤). ويحتمل أن يكون تارة قريباً من الرأس، وتارة من الوَسْط، فظن أنس رضي الله عنه أن ذلك لاختلاف حال الرجل والمرأة، فإذاً لا دلالة فيما روي فيه على اختلاف المقام في الصلاة عليهما. والنظر يدل على ذلك أيضاً؛ لأنهما غير مختلفين في سائر سنن الصلاة عليهما. (١) راجع: الأصل ٤٢٦/١، المبسوط ٦٥/٢، بدائع الصنائع ٣١٢/١. (٢) أخرجه البخاري ١٢٦٦ (٤٤٧/١)، ومسلم ٩٦٤ (٦٦٤/٢)، والمرأة هي أم کعب رضي الله عنها، کما هو مصرح به عند مسلم. (٣) في ((ق)): بن غالب، وهو خطأ. (٤) أخرجه أبو داود ٣١٩٤ (٥٣٣/٣_٥٣٥)، والترمذي ١٠٣٤ (٣٥٢/٣) وقال: هذا حديث حسن. ٢١٣ كتاب الصلاة مسألة : [الأوقات التي لا يُصلىُ فيها على الجنازة] (١) قال أبو جعفر : (ولا يُصلى على جنازة عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا عند قيامها). وذلك لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: ((نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصليَ في ثلاث ساعات، وأن نَقْبُر فيهن موتانا))(٢)، وذكر هذه الساعات. ومعلوم أن الدفن غير مكروه في هذه الساعات، فعلمنا أن المراد به الصلاة على الجنازة. مسألة : [صفة الصلاة على الميت](٣) قال أبو جعفر: (والصلاة على الجنازة أربع تكبيرات، لا يرفع يديه إلا في الأُولى، ثم يسلم، يحمد الله بعد التكبيرة الأولى، ويُثني عليه، وفي الثانية يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثالثة يدعو للميت، ويَشْفَع له، ثم يسلم بعد الرابعة). قال أبو بكر: وذلك لما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنه صلى على النجاشي، فكبَّر عليه أربعاً)) (٤). (١) راجع: الأصل ٤٢٩/١، المبسوط ٦٨/٢، بدائع الصنائع ٣١٦/١. (٢) أخرجه مسلم ٨٣١ (٥٦٨/١_٥٦٩)، وأبو داود ٣١٩٢ (٥٣١/٣). (٣) راجع: الأصل ٤٢٣/١، المبسوط ٦٣/٢، بدائع الصنائع ٣١٢/١. (٤) أخرجه البخاري ١٢٦٨ (٤٤٧/١)، ومسلم ٩٥١ (٦٥٦/٢). ٢١٤ كتاب الصلاة و ((أنه صلى على عثمان بن مظعون، فكبَّر عليه أربعاً)(١). وسئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن تكبيرات الجنازة فقال: ((كلُّ ذلك فُعِل، ورأيت الناس قد أجمعوا على أربع))(٢). وروي ((أن علياً رضي الله عنه صلى على يزيد بن المكفف، فكبّر عليه أربعاً))(٣). مسألة: [لا قراءة في صلاة الجنازة] (٤) قال أبو جعفر: (ولا قراءة في الصلاة على الجنازة، ولا استفتاح، ولا تشهد). وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لم يُوقَّت لنا على الجنازة قول ولا قراءة، كبِّر ما كَبَّر الإمام، واختَرْ من أطيب الكلام)) (٥). (١) أخرجه ابن ماجه ١٥٠٢ (٤٨١/١)، وفي سنده خالد بن إلياس، وهو ضعيف. انظر: تقريب التهذيب، ص ١٨٧، ت: ١٦١٧. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١١٤٢٥ (٤٩٤/٢). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١١٤٢٣ (٤٩٤/٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٩٩/١. (٤) راجع: الأصل ٤٢٤/١، المبسوط ٦٤/٢، بدائع الصنائع ٣١٣/١. قال الكاساني: ((النقل والعادة أن الحنفية يستفتحون بعد تكبيرة الافتتاح، كما يستفتحون في سائر الصلوات)). (٥) أخرج عبد الرزاق في المصنف ٦٤٠٣ (٤٨١/٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٩٧. ٢١٥ كتاب الصلاة وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو ذلك(١). وروى حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أنه كان لا يقرأ على الميت)»(٢). وعن علي بن شماخ(٣) قال: شهدت أبا هريرة رضي الله عنه، وسأله مروان: كنتَ سمعتَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((اللهم أنتَ ربُّها، وأنتَ خلقتَها))(٤)، وذكر دعاءً، ولم يذكر قراءة. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، فقال: ((اللهم اغفر لحينا وميتنا))(٥)، وذكر الدعاء إلى آخره. وروى يونس بن ميسرة عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته (١) ذكره ابن المنذر فقال: ((وروي ذلك [عدم القراءة على الميت] عن أبي هريرة رضي الله عنه)) الأوسط ٤٣٩/٥. (٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣١٦٨ (٤٣٩/٥). (٣) في ((ق)): عثمان بن شماس، وفي ((د)): عثمان بن سيار. وأخطأ شعبة فقال: (عثمان بن شماس))، كما في المصدر الآتي. (٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٥٦/٢، وأبو داود - وهذا لفظه - ٣٢٠٠ (٥٣٨/٣). (٥) أخرجه أحمد في المسند ٣٦٨/٢، وأبو داود ٣٢٠١ (٥٣٩/٣)، والحاكم في المستدرك ٣٥٨/١ وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ٢١٦ كتاب الصلاة يقول: ((اللهم إن فلاناً في ذِمَّتِك، فَقِه فتنة القبر))(١)، وذَكَرَ دعاءً. فهذان قد رويا عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء في الصلاة على الجنازة، ولو كان قرأ فيها بفاتحة الكتاب، لذكراها، كما ذكرا الدعاء في الصلاة على الجنازة. فإن قيل: فقد روي عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليتُ مع ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة، فقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وقال: ((إنها من السنة))(٢). وروى جابر رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بأم القرآن في الصلاة على الجنازة)) (٣). قيل له: أما حديث جابر رضي الله عنه: فلا أصل له، ما نعلم أحداً من أهل العلم رواه. وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فلا حجة فيه؛ لأنه لم يقل له: إنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تكون السنة لغير النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال: ((مَن سنَّ سنة حسنة فله أجرها، وأجر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة)) (٤). (١) أخرجه أبو داود ٣٢٠٢ (٥٤٠/٣). وابن ماجه ١٤٩٩ (٤٨٠/١). (٢) أخرجه البخاري ١٢٧٠ (٤٤٨/١)، وأبو داود ٣١٩٨ (٥٣٧/٣). (٣) أخرجه الإمام الشافعي في ((الأم)) ٢٧٠/١، والحاكم في المستدرك ٣٥٨/١، وفي السند عندهما إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك. انظر: تقريب التهذيب، ص٩٣ ت: ٢٤١. (٤) أخرجه مسلم ١٠١٧ (٧٠٤/٢-٧٠٥). ٢١٧ كتاب الصلاة ولو كان ذلك من سننها، لورد النقل به متواتراً، كوروده في سائر الصلوات. فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)»(١). قيل له: لا يتناولها اسم الصلاة على الإطلاق، وإنما تُسمى صلاة بتقييد، كما يسمى منتظر الصلاة مصلياً. * ومن جهة النظر: إنها لو كانت مسنونة، لجازت قراءتها بعد كل تكبيرة، كما جازت في كل ركعة؛ لأن كل تكبيرة محلها محل ركعة، ألا ترى أن مُدْرِك الإمام في التكبيرة الثالثة، يكبرها معه، ويقضي ما سبق به بعد فراغ الإمام، كمُدْرِك بعض ركعات الصلاة، فدل على أن كل تكبيرة بمنزلة ركعة في حكم النقل، فلما اتفقوا على أنه لا يقرأ بعد كل تكبيرة فاتحة الكتاب، دل على أن القراءة غير مسنونة في الصلاة على الجنازة. وأيضاً: فلو كانت مسنونة وحدها دون السورة، كانت بمنزلة الدعاء، كما يُفْعَل في الأخيرتين من الظهر. ويدل على أنها دعاء: أن قارئها يُعقبها بآمين، وإذا كانت دعاء، وهي مسنونة، وَجَبَ أن يقرأها في الثالثة؛ لأنها موضع الدعاء. ويدل على أنها ذكرٌ من(٢) أذكار الصلاة المفروضة، وهو القيام، فأشبهت سجدة التلاوة، فوجب أن لا قراءة فيها. (١) سبق تخريجه. (٢) في (د)): ركن من أركان. ٢١٨ كتاب الصلاة مسألة: [لا يصلى على الجنازة مرتين](١) قال أبو جعفر: (ولا يُصلَّى على جنازة مرتين، إلا أن يكون الذي صلى عليها غيرُ وليِّها، فيعيد وليُّها الصلاةَ عليها إن كانت لم تُدفَن، فإن كانت قد دُفِنت: أعادها على القبر). وإنما لم يصلَّى عليها مرتين؛ لأن الصلاة الثانية تطوع؛ لأن المفروض هي الأُولى، ولا يُتطوع بالصلاة على الميت؛ لأنه لو جاز ذلك، لجازت الصلاة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلما اتفق الجميع على امتناع جواز الصلاة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم(٢)، دلّ على أنه لا يجوز أن يُتطوع بالصلاة على الميت. فإن قيل: فقد صلى على النبي صلى الله عليه وسلم جماعةٌ بعد جماعة(٣). قيل له: لأن المفروض كان على كل واحد من الحاضرين في نفسه الصلاة عليه، ألا ترى أنه صلى عليه بغير إمام تقدمهم، وكان كل واحد من الحاضرين مؤدياً لفرضه، ومَن لم يحضر لم يلزمه ذلك، فلذلك لم يصلٌّ على قبره مَن حضر بعد دفنه صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أُحُد (١) راجع: الأصل ٤٢٧/١، المبسوط ٦٧/٢، بدائع الصنائع ٣١٧/١. (٢) انظر: المغني ٤٥٥/٣، المسألة: ٣٧٣. (٣) هكذا رواه ابن هشام في السيرة النبوية ٢٣٣/٤، وابن سيد الناس في ((عيون الأثر)) ٤٥٠/٢. ٢١٩ كتاب الصلاة بعد ثمان سنين)) (١)، و((على المرأة المسكينة بعد ما صُلَي عليها، ودُفِنت))(٢)، و((صلى على النجاشي، وهو بالمدينة))(٣). قيل له: أما صلاته على النجاشي، فلم تكن بعد الدفن، ولا بعد ما صلَّى عليه غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخبرهم بموته في الوقت الذي مات فيه. ولو كان صُلِّي عليه بعد الدفن، لم يدل على ما ذكرت من وجوه: أحدها: أنه مات في أرض الكفر، ولم يصلِّ عليه أحد حتى دُفن، و کذلك نقول فیمن دُفن قبل أن يُصلَّى عليه. ولأن لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم مزية ليست لصلاة غيره، وكان هو مخصوصاً بها؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إن القبور مملوءةٌ ظلمة حتى أصليَ عليها))(٤). فلهذه المعاني صلى على قبر النجاشي. وأما صلاته على قتلى أُحُد، فكيف يحتجون بها، وهم لا يرون الصلاة على الشهيد رأساً؟! فإن كان ذلك سنة ثابتة، فقد خالفوها؛ ولأن أَحَداً لا يقول في موتانا أنه يُصلَّى عليهم بعد ثمان سنين. وأما صلاته على قبر المسكينة بعد ما صلى عليها أصحابُه قبل الدفن، (١) سبق تخريجه. (٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٤٤/٣، وابن ماجه ١٥٢٩ (٤٨٩/١)، والطحاوي في شرح معني الآثار ٤٩٤/١. (٣) سبق تخريجه. (٤) أخرجه مسلم ٩٥٦ (٦٥٩/١)، وأحمد في المسند ٢٨٨/٢. ٢٢٠ كتاب الصلاة فوجهها عندنا: ما رواه حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم على قبرِ بعد ما دُفن، فقال: ((إن القبور مملوءة ظلمة حتى أصليَ عليها))(١). وفي حديث آخر أنه قال: ((لا يُصلِّي على موتاكم - ما دمتُ بين ظهرانيكم(٢) - غيري))(٣). فلم يكن فرض الصلاة على الميت يسقط بصلاة غيره حينئذ، فلذلك أعاد الصلاة عليها، وكذلك أعاد الذين صلوا على المسكينة الصلاةَ عليها مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة رضي الله عنه صلاة بعد صلاة)) (٤)، و((صلى على أم سعد رضي الله عنها بعد شهر كان متغيباً)) (٥)، وذلك خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم (٦)، لا يشاركه فيها غيره؛ لأنه لو جاز ذلك، لجاز بعد سنة، وعشرين سنة، وذلك يمتنع عند الجميع. (١) أخرجه أحمد في المسند ١٥٠/٣، والدارقطني في السنن ٤ (٧٧/٢). (٢) في (د)): أظهركم. (٣) أخرجه النسائي ٢٠٢١ (٨٥/٤)، وابن ماجه ١٥٢٨ (٤٨٩/١) كلاهما نحوه. (٤) سبق تخريجه. (٥) أخرجه الترمذي ١٠٣٨ (٣٥٦/٣)، وابن المنذر في الأوسط ٣١١٠ (٤١٤/٥)، وهو مرسل. (٦) في ((ق)): فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه إلخ.