Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الصلاة
عليه؛ لأنه على ما يغلب في الظن، إلا أنه مع ذلك لابد من أن يكون
هناك جهة بها يُغلَّب في الظن هذا المقدار دون غيره.
فنقول: إن جهة تغليب الرأي في اعتبار أبي يوسف شبراً في شبر، هي
أن الشبر أقل المقادير التي قُدِّرت للمساحة؛ لأن ما دون الشبر ليس له
مقدار معلوم في العادات إلا بالنسبة إلى الشبر، فلما حصلت النجاسة في
هذا القدر، دخلت في حد الكثير الفاحش، إذ ليس ما فوقه من المقادير
بأولی بالاعتبار من مقدار آخر فوقه.
* ولمحمد في اعتبار الربع: أن الربع قد ثبت له حكم الأصول
عندهم، وهو ربعٍ شعر المرأة إذا انكشفت، أو ربع ساقها في باب منع
الصلاة، فلما تَعَلّق الحكم بالربع فيما وصفنا، جَعَل ذلك حدَّ الكثير
الفاحش.
وكذلك لو حلق المحرم ربع رأسه: وجب عليه دم، ويُحِلّ بحلق
الربع من إحرامه.
وأيضاً: فإن الرائي لربع الشخص، يُطلِقِ اللفظَ برؤية الشخص؛ لأنه
يقول: رأيت فلاناً، والذي يلاقيه من جهاته الأربع جهةً واحدة، وهي
ربعه، فلما أطلق عليه اسم الرؤية، برؤية ربع الشخص، دلّ على أن الربع
هو حد الكثير، إذ قد أقيم مقام الكل.
[مسألة : نجاسة الرَّوْث]
* وقال أبو حنيفة في الروث: إذا كان أكثر من قدر الدرهم: يعيد
الصلاة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعيد حتى يكون كثيراً فاحشاً.
قال أبو بكر أحمد : والدليل على نجاسة الروث: قولُ النبي صلى الله
عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين ناوله الروثة: ((إنها

٤٢
كتاب الصلاة
رِجْس))(١)، وفي بعض الألفاظ: ((إنها رِكْس))(٢).
ولكل واحد من اللفظين فائدة ليست للآخر.
فأما قوله: ((إنها رجس))، فإنه يدل على النجاسة؛ لأن الرجس هو ما
يلزم اجتنابه(٣)، ولا يلزم اجتناب الروث إلا للنجاسة.
فإن قيل: قد قال تعالى في الأنصاب والأزلام إنها: ﴿رِجْسُ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِ﴾(٤)، ولم يدل على نجاستها.
قيل له: قد دلَّ على لزوم اجتنابها، إلا أنا خصصنا جهة النجاسة
بدلالة، ولولا الدلالة جعلناها نجسة، ولا تجوز الصلاة فيها.
والمعنى في الأزلام والأنصاب، أنهم كانوا يستعملونها في الجاهلية
على وجوهٍ حرَّمها الله في الإسلام، فانصرف الأمر باجتنابها إلى تلك
الجهة، وأما الروث فلا وجه للأمر باجتنابه إلا للنجاسة.
فإن قيل: لأنه قال في الروث: ((إنه عَلَفٌ لدواب الجن))(٥)، كما قال
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) قال المؤلف رحمه الله: ((الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه ... إما
لنجاسته، وإما لقبح ما يفعل به من عبادة أو تعظيم)). أحكام القرآن ٤٦٣/٢، ٤٦٥.
(٤) المائدة: ٩٠.
(٥) كون الروث والبعر علفاً لدواب الجن أخرجه ـ من حديث ابن مسعود رضي
الله عنه - مسلم ٤٥٠ (٣٣٢/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٢٤.

٤٣
كتاب الصلاة
في العَظْم: ((إنه طعام إخوانكم من الجن))(١).
قيل: ليس كونه عَلَفاً لدوابهم، مانعاً من نجاسته، إذ لا يمتنع أن
يكون محرَّماً علينا، نَجِساً في حكمنا، مباحاً لهم.
* وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((ركس))، فإنه يفيد اعتبار النجاسة
لوجود هذا الضرب من الاستحالة؛ لأن معنى قوله: ((إنها رِكْس))، أنه
مستحيل متلف(٢)، ومعلوم أنه لم يكن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم
في ذلك، تعريفَ عبد الله رضي الله عنه أنه مستحيل؛ لأنَّ ذلك كان
معلوماً عنده بالمشاهدة، فإذاً المعنى فيه تنبيهٌ على العلة الموجبة
للتنجیس.
* ويدل على نجاسته ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن
جعفر بن نجیح قال: حدثنا أبي قال حدثنا عبد الله بن موسى قال: حدثنا
حفص أبو الوفاء(٣) قال: حدثنا أبي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلع نعليه، فخلعنا، فقال:
((إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيها سِرْجيناً))(٤).
* واعتبر أبو حنيفة فيه مقدار الدرهم، لما قدمنا، من أن فيه نصاً
(١) أخرجه البخاري ٣٦٤٧ (١٤٠١/٣)، ومسلم ٤٥ [٣٣٢/١].
(٢) قال ابن الأثير: ركس هو شبيه المعنى بالرجيع، يقال: ركست الشيء
وأركسته: إذا رددته ورجعته. انظر: النهاية: ٢٥٩/٢.
(٣) في ((د)): جعفر أبو الورقاء.
(٤) لم أجد هذا الحديث - عن ابن عمر - عند غير المؤلف فيما تيسّر لي من
المراجع.

٤٤
كتاب الصلاة
متأوَّلاً في تنجيسه(١).
* واعتبر أبو يوسف ومحمد فيه الكثير الفاحش؛ لأنه أخف عند
الناس من سائر النجاسات، ألا ترى أنهم يدوسونه في طرقهم، ويَسْجُرُون
به، فدل على تخفیف حکمه.
* وأما خَرء الدجاج، فالاعتبار فيه قدر الدرهم عندهم جميعاً؛ لأن
استحالته كاستحالة الغائط ونحوه، وقد يجتنبه الناس كاجتنابهم سائر
الأنجاس.
[بول ما لا يؤكل لحمه نجس : ]
قال أبو جعفر: (وأما ما لا يؤكل لحمه، فبوله نجس في قولهم
جميعاً).
وذلك لما قدمنا(٢).
وفرَّق محمد بينه وبين بول ما يؤكل لحمه، بحديث العرنيين.
مسألة: [نجاسة بول الصغار والكبار من الذكور والإناث](٣)
قال أبو جعفر : (أبوال الصبيان الذّكران والإناث ممن لا يأكل الطعام،
كأبوال من سواهم).
قال أبو بكر: وذلك لأن الآثار الموجبة لتنجيس الأبوال، لم تفرِّق
بين أبوال الكبار والصغار، فهي موجبة لتنجيس الجميع.
(١) راجع: مسألة نجاسة الأبوال كلها.
(٢) أي: عموم الأدلة القاضية بنجاسة الأبوال كلها كما سبق.
(٣) راجع: شرح معاني الآثار للطحاوي ٩٤/١، وبدائع الصنائع ٨٨/١.

٤٥
كتاب الصلاة
وأيضاً: فلما كان المعنى الموجب لتنجيس بول الكبير وجودَه على
ضرب من الاستحالة، وكان ذلك موجوداً في بول الصغير، وجب أن
یکون مثله، وفي حُكمه.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ بغسل بول الجارية،
وبنَضْح بول الغلام(١).
قيل له: النضح هو صَبُّ الماء عليه(٢)، وذلك يقتضي الغسل؛ لأنه إن
كان المراد صب الماء عليه من غير إزالته، فهذا يوجب زيادةً في تنجيسه،
لاتساعه في الثوب بالنضح.
ويدل على أن النضح هو الصب: قولهم: ((بعير ناضح)): إذا كان
يستقي الماء ويصبُّه، فهو ناضح(٣).
فإن قيل: فما وجه الفرق بينهما في اللفظ؟
قيل له: لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بينهما في خطاب
واحد، ولا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله في وقتين،
فجمعه الراوي في لفظة.
(١) أخرجه أبو داود - من حديث أم الفضل لبابة بنت الحارث رضي الله عنها .
٣٧٥ (٢٦١/١-٢٦٢)، وابن ماجه ٥٢٢ (١٧٤/١).
(٢) قال الخطابي: قلت: ((معنى النضح في هذا الموضع [حديث لبابة بنت
الحارث]: الغسل ... وأصل النضح: الصب)). معالم السنن، (له: بذيل سنن أبي داود)
٢٦٢/١، وقد ورد الصب مصرَّحاً به في حديثها عند الطحاوي في شرح معاني الآثار
٩٤/١.
(٣) انظر: المصباح المنير ص٦٠٩، ولسان العرب (نضح) ٤٤٥١/٦.

٤٦
كتاب الصلاة
وأيضاً: فليس يمتنع أن يكون المعنى واحداً، مع اختلاف اللفظ،
كقول الله تعالى: ﴿وَغَرَبِيبُ سُوءٌ﴾(١)، والغرابيب هي السود.
قال الشاعر:
(وألفى قولَها كذباً ومَيْنا)(٢)، والمَيْن هو الكذب.
مسألة : [نجاسة الخمر](٣)
قال : (والخمر نَجسَةٌ كالبول).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا أْخَفِرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَِّبُوهُ﴾(٤)، فدلت الآية على
نجاستها من و جھین:
أحدهما: أن قوله: ﴿يَجْسُُ﴾: يقتضي اجتنابها للنجاسة.
والثاني: قوله: ﴿فَأَجْتَنِبُوهُ﴾: وهو على سائر الأحوال، في الصلاة
وغيرها(٥).
فإن قيل: قال في الأنصاب والأزلام مثله، ولم يدل على النجاسة.
(١) فاطر: ٢٧.
(٢) وصدر البيت: فَقدَّدَت الأديمَ لراهِشيه ... وهو لعدي بن زيد، كذا ورد
منسوباً إليه في لسان العرب مادة (مين)) ٤٣١١/٦.
(٣) راجع: الأصل ١١٣/١، ٢٠، والمبسوط ٥٢/١، وبدائع الصنائع ٦٦/١.
(٤) المائدة: ٩٠.
(٥) راجع أحكام القرآن للمؤلف ٤٦١/٢.

٤٧
كتاب الصلاة
قيل له: ظاهر اللفظ يقتضيه، وإنما خرج بدليل(١).
مسألة: [إزالة النجاسة من الخُفِّ والثوب](٢)
قال أبو جعفر: (في الخف يُصيبه الروث والقذر، أو المنيُّ فييبس،
فیحگّه: يجزئه، وإن کان رطباً: لم يجزه حتى يغسله.
والثوب لا يجزئه حتى يغسله إلا في المنيِّ).
قال أبو بكر أحمد: وقال محمد في الخف: لا يجزئه أيضاً حتى
يغسله، إلا في المني خاصة.
فأما في الخف، فالأصل فيه ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو
داود قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني محمد بن كثير يعني
الصنعاني عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا وطئ
أحدُكم الأذىُ بخُفَّيْه، فطَهورهما الترابُ))(٣).
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمود بن
خالد قال: حدثنا محمد يعني ابن عائذ قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن
الأوزاعي عن محمد بن الوليد قال: أخبرني أيضاً سعيد بن أبي سعيد عن
القعقاع بن حكيم عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه
(١) راجع مسألة: نجاسة بول ما يؤكل من هذا الكتاب.
(٢) راجع: الأصل ٣٥/١، ٦٢، المبسوط ٨٥/١، ٩٢، ٩٦، بدائع الصنائع
٨٣/١.
(٣) سنن أبي داود ٣٨٦ (٢٦٨/١).

٤٨
كتاب الصلاة
وسلم بمعناه(١).
وظاهر هذا الخبر يقتضي جواز تطهيره بالمسح، سواء كان رَطْباً أو
يابساً، إلا أن الدلالة قد قامت على أنه لا يجزئ في الرطب إلا الغسل؛
لأن النداوة القائمة لو لم يكن غيرها، لمنعت الصلاة، والمسحُ لا يزيلها،
فدل ذلك على أن المراد بعد الجفاف.
فإن قيل: إنما ذكر الأذى، وقد يجوز أن يريد به الطين ونحوه.
قيل له: لما قال: ((طَهورهما التراب)): عَلِمنا أنه أراد النجاسة؛ لأن
تطهير الخف لا يكون إلا من جهة النجاسة(٢)، إذ ليس يلحقه حكم
العبادة.
وأيضاً: فالأذى يعم النجاسة وغيرها (٣)، فهو على الكل، حتى تقوم
دلالة التخصيص.
وأيضاً: فإن جرْم النجاسة سخيف متخلخل(٤)، فينشف الرطوبة
الحاصلة في الخف إلى نفسه عند الجفاف، وجرْم الخف مستخصف (٥)
(١) سنن أبي داود ٣٨٧ (٢٦٨/١).
(٢) في ((د)): من نجاسته.
(٣) قال الفيومي: ((أذى الشيء بمعنى قذر)) انظر: المصباح المنير ص١٠.
(٤) في (ق)): متخلل ينشف، وكلاهما بمعنى واحد، أي غير متضام، كأن فيه
منافذ وفرجاً، وسخف الثوب: إذا رق لقلة غزله. انظر: المصباح المنير ص ١٨٠،
٢٦٩. ولسان العرب مادة ((خلل)) ١٢٥٠/٢.
(٥) المستخصف: من الخصف، وهو الضم والجمع. والكثيف الملتف والغليظ.
انظر: لسان العرب مادة «كثف)) ٣٨٢٩/٥.

٤٩
كتاب الصلاة
كثيف، لا ينشف الرطوبة إلى نفسه، فإذا أزيلت عين النجاسة منه بعد
الجفاف، فقد زالت النجاسة؛ وما كان يلحقه من نداوة النجاسة، ولم يبق
هناك إلا أجزاء يسيرة، لا حكم لها، فلا تمتنع الصلاة فيه.
وليس هذا بمنزلة البول؛ لأنه ليس له جِرْم قائم يزول بالحك، فأجزاء
النجاسة التي حلته باقية فيه.
وأما الثوب، فإنه متخلخل ينشف أجزاء النجاسة إلى نفسه، ولا يزول
بالحك ما داخله من أجزائها، فلذلك لم يجز فيه غير الغَسْل.
وقال محمد: الخف مثل الثوب؛ لأنه لو لم يصبه إلا البِلَّة التي في
النجاسة، لم يطهرها إلا الغَسل، كذلك إذا كان معها جِرْم(١) النجاسة.
مسألة : [تطهير الأرض من البول](٢)
قال أبو جعفر: (ومَن بال على الأرض، فطهارة ذلك المكان إن كان
مما إذا صُبَّ عليه الماء نَزَل إلى ما هو أسفل منه من الأرض: صُبَّ عليه
الماء حتى يغسل وجه الأرض، وينخفض إلى ما تحتها.
وإن كانت حجراً: فحتى يُغْسلِ غَسْلاً يطهره.
وإن كانت أرضاً صُلبة: فأن يُحفَرَ مكانُ البول منها حتى تعود طاهرة
منه، ولا توقيت في الماء الذي يُصَبُّ عليه).
قال أبو بكر أحمد : إذا كانت الأرض رخوةً ينزل الماء فيها، فذلك
(١) في ((د)): جزء من النجاسة.
(٢) راجع: بدائع الصنائع ٨٩/١، واللباب للمنبجي ٨٠/١-٨٣، وتبيين
الحقائق ٧٢/١.

٥٠
كتاب الصلاة
بمنزلة جريان الماء عليها، فيُطهِّرها كما يطهِّر الثوب والبدن، بجريان الماء
عليهما.
وإذا كانت حجراً: فحتى يجريَ الماء عليها كالبدن والثوب؛ لأن الماء
لا ينزل فيه.
وإن كانت صُلبة: فحتى يحفرَ مكانها، لما قدمناه من حديث عبد الله
بن مسعود وغيره في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر مكان بول
الأعرابي(١).
وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن
إسماعيل قال: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت عبد الملك بن عمير
يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن رضي الله عنه قال: صلى أعرابي مع
النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بال في ناحية المسجد، وذكر الحديث.
قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا ما بال عليه من التراب،
فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء))(٢).
* ومن جهة النظر: إنه معلوم أن الماء إذا لم يحمل النجاسة،
وخالطته أجزاؤها، صار جميعها(٣) نجساً، فإنما يزيد الموضع تنجيساً،
والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بغسل الموضع تطهيراً له.
* ولا مقدار لذلك الماء الذي تُغسل به النجاسة من الأرض، كما لا
(١) سبق تخريجه.
(٢) سنن أبي داود ٣٨١ (٢٦٥/١)، وقال: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي
صلى الله عليه وسلم.
(٣) مرجع الضمير إلى أجزاء الأرض.

٥١
كتاب الصلاة
مقدار لغسل سائر النجاسات.
فإن قيل: أَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بغسل بول الأعرابي بذَنوب
من ماء(١)، وهي الدلو الكبيرة.
قيل له: هذا يختلف في المواضع، فإن احتيج إلى مثل ذلك: غُسِل
به، وإن احتيج إلى أكثر: استُعمل فيه، وإن اكتفي بأقل منه: جاز الاقتصار
عليه؛ لأنه معلوم أن القصد فيه تطهير الموضع بإزالة نجاسته.
والعجَب ممن يقدِّر في غَسْل البول من الأرض سبعة أمثاله من الماء،
اعتباراً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصَبِّ الذّنوب على بول الأعرابي(٢).
فتراه لو كان وزَنَ بولَ الأعرابي، أكان يجوز له أن يجعل الذنوب
الذي لم يَزِنه، ولم يعرف مقداره سبعة أمثال البول، فكيف وهو لا يعرف
قَدْر البول، ولا يعرف قدر الذنوب، ولم يرجع فيه أيضاً إلى عادة،
فيجتهد فيها؛ لأنه معلوم أن الدلو الكبير هو أكثر من سبعة أمثال بول
الرجل في العادة بشيء كثير.
مسألة: [تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام صحةً وفساداً](٣)
قال أبو جعفر: (ومَن صلَّى بالناس جُنُباً: أعاد وأعادوا).
قال أبو بكر أحمد: الأصل في ذلك: تعلق صلاة المأموم بصلاة
(١) في قصة بول الأعرابي في المسجد أخرجها البخاري ٢١٧ (٨٩/١).
(٢) هو قول الشافعي وبعض الخراسانيين والعراقيين من الشافعية. انظر: الأم
٥٢/١-٥٣، والمجموع شرح المهذب ٥٩٢/٢.
(٣) راجع: الحجة على أهل المدينة ٢٦٥/١، المبسوط ٢١٣/١، ٢١٦، بدائع
الصنائع ٢٣٨/١.

٥٢
كتاب الصلاة
الإمام، وأنها تفسد بفسادها.
والدليل عليه: ما روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإمام ضامِنٌ، والمؤذِّن
مؤتَمَن))(١).
فقوله: ((الإمام)): يقتضي أن يكون قد تضمن صحة صلاة المأموم،
بصحة صلاته، وإن أخليناه من هذه الفائدة: سقط معناه.
* ويدل عليه أيضاً: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام
لیؤتم به))(٢).
والجُنُب ليس بمصلَ، فلا يصح الائتمام به، وإذا نوى صلاة الإمام،
ثم لم يفعل الائتمام به: فسدت صلاته؛ لأنه لم يفعل الصلاة التي نواها،
كمن افتتح الصلاة، ثم قطعها، ولم يمض فيها، وكما لو أنه اقتدى به مع
العلم بكونه جنباً.
* ويدل على تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام قوله صلى الله عليه
وسلم: ((إذا ركع فاركعوا، وإذا قرأ فأنصتوا))(٣).
وقوله: ((مَن كان له إمام، فقراءته له قراءة))(٤).
(١) أخرجه الترمذي ٢٠٧ (٤٠٢/١)، وأبو داود ٥١٧ (٣٥٦/١)، وأحمد في
المسند ٤١٩/٢، وصحح أحمد شاكر إسناده برقم: ٩٤١٨، وانظر: شرحه على
الترمذي ٤٠٥/١، ومسند أحمد ١١١/١٨ بتحقيقه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.

٥٣
كتاب الصلاة
وقوله: ((يكفيك قراءة الإمام))(١).
وسائر الأخبار الواردة في النهي عن القراءة خلف الإمام، مع اتفاق
الجميع على أن قراءة الإمام تجزئ لمُدْرِكه في الركوع(٢)، ولو كان
مصلّیا(٣) لنفسه، لما تغيَّر حکمه بإمامه.
* ويدل عليه ما روي من الآثار في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة
الفذ(٤)، فلو لم تكن صلاة المأموم معقودةً بصلاة إمامه، لكان اجتماعهم
وانفرادهم سواء؛ لأنهم لو حضروا فصلُّوا منفردين، لما استحقوا فضيلة
الجماعة.
* ويدل عليه أن مِن شرط صحة الجمعة: الجماعة، ولو حَضَرتِ
الجماعة، وصلَّى كلُّ واحدٍ منفرداً لنفسه، لما صحَّت لهم الجمعة، وفيه
دليل على أن صلاتهم معقودة بصلاة إمامهم، من أجله صحَّت لهم
الجمعة عند اشتراکھم فیھا.
* ويدل عليه تحمُّل الإمام سهوَ المأموم، ولزوم المأموم سهو
الإمام.
* ويدل عليه أنه لو صلَّى خلفه مع علمه بالجنابة، أو كان إمامه
كافراً، أو أمياً: لم تصح صلاته، فدلَّ على أن صحة صلاة الإمام، شرطٌ
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق توثيق هذا الإجماع.
(٣) في (د)): ولو كان كل مصل.
(٤) مثلاً حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «صلاة الجماعة تفضل صلاة
الفذ بخمس وعشرين درجة)). أخرجه عنه البخاري ٦١٩ (٢٣١/١)، وغيرها.

٥٤
كتاب الصلاة
في صحة صلاة المأموم؛ لأن ما كان شرطاً في صحة الصلاة، لا يختلف
فیه حکم العلم والجهل.
ألا ترى أن المصلي لو كان جنباً: لم يكن جهله بجنايته موجباً لجواز
صلاته، فكذلك الإمام إذا كان جنباً، وَجَبَ أن يمنع ذلك صحة صلاة
المأموم، كما لو علم بكونه جنباً، لم تصح لهم صلاتهم.
فإن قيل: روى الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر، فكِبَّر، ثم أومأ بيده أنْ
مكانكم، ثم جاء ورأسُه يقطر ماء، فصلَّى بهم، فلما فرغ قال: ((إنما أنا
بشر، وإني كنتُ جُنُباً)(١).
وروي في بعض الألفاظ أنه قال لهم: ((علىْ رِسْلكم))(٣).
واحتجوا أيضاً بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا عياش بن الأزرق عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي
سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أقيمت الصلاة، وصفَّ الناسُ
صفوفهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مقامه،
ذَكَرَ أنه لم يغتسل، فقال للناس: مكانكم، فلم نزل قياماً ننتظره حتى خرج
علينا، وقد اغتسل))(٣).
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤١/٥، وأبو داود ٢٣٤ (١٦٠/١).
(٢) لم أعثر على هذه اللفظة فيما تيسر لي من المراجع.
(٣) سنن أبي داود ٢٣٥ (١٦١/١)، وأصل الحديث عند البخاري ٢٧١
(١٠٢/١)، ومسلم ٦٠٥ (٤٢٢/١-٤٢٣).

٥٥
كتاب الصلاة
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى بهم جنباً، ثم أعاد، ولم
يعيدوا(١).
قالوا: فلما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم القوم باستئنافها، دل
على جواز صلاتهم.
ولما قال لهم: ((مكانكم))، وبقوا على حال القيام: دلّ أنهم كانوا في
الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا
تقوموا حتى ترَوْني))(٢).
قيل له: ليس في الخبر أن القوم قد كانوا كبّروا.
وليس في قوله صلى الله عليه وسلم للقوم: ((مكانكم))، دلالة على
أنهم كانوا في الصلاة، وإنما فيه أَمْرُهم بأن لا يتفرَّقوا حتى يرجع.
وقيامهم لانتظاره لا يدل على أنهم كانوا في الصلاة.
وأيضاً: قد ذكر أبو داود هذا الحديث، فرواه عن ابن عون وأيوب
وهشام عن محمد بن سيرين وقال فيه: ((فكبّر، ثم أومأ إلى القوم أن
اجلِسوا، فذهب فاغتسل، ثم عاد))(٣).
فقد صحَّ بأمره إياهم بالجلوس، أنهم لم يكونوا في الصلاة.
وما ذُكر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أنهم لم يزالوا قياماً
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٧٩-٨٣ (٤٨/١-٥٠)، وابن أبي شيبة في المصنف
٩٠١ (٨٢/١)، ولم يجر في الخبر - عندهما - ذكر إعادتهم الصلاة نفياً أو إثباتاً.
(٢) أخرجه البخاري ٦١١ (٢٢٨/١)، ومسلم ٦٠٤ (٤٢٢/١).
(٣) لم أجد: (ثم عاد): في نسخة سنن أبي داود المطبوعة، وهو عنده في
الطهارة برقم: ٢٣٤ (١٦٠/١).

٥٦
كتاب الصلاة
ينتظرونه)): لا يعارض ما ذُكر؛ لأن فعل القوم لا يعارَضُ به أمر النبي
صلى الله عليه وسلم.
وقد يجوز أن يكون مَن سمع منهم قوله صلى الله عليه وسلم:
((إِجلسوا)): جلس، ومَن لم يسمع ذلك، بقي قائماً.
وأيضاً: لو صح أنهم كبروا مع النبي صلى الله عليه وسلم بدءاً، كانت
دلالة هذا الخبر على موضع الخلاف معدومة، إذ ليس فيه أنهم لم
يستقبلوها بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: لما لم يفصِّل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم باستئناف
الصلاة، ولا أنهم كَبَّروا بعد مجيئه، علمنا أنهم لم يستقبلوها؛ لأنهم لو
استقبلوها، لنُقِل.
قيل له: ولو كانوا كبروا بدءاً، لنُقِل، فلما لم يُنقل أنهم كبروا، علمنا
أنهم لم يكونوا كبروا حتى انصرف النبي صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا كبر الإمام،
فكبروا))(١)، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد كَبَّرَ (٢) لافتتاح
الصلاة، علمنا أنھم کبّروا معه حین عاد.
وأيضاً: لو صح لهم جميع ما ادعوه في هذا الخبر، أو سلمناه لهم،
لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف، لجواز أن تكون(٣) هذه الحادثة
(١) سبق تخريجه.
(٢) ورد ذلك فى حديث خروجه من المسجد للاغتسال لما تذكر الجنابة عند
الشیخین، وقد سبق تخريجه.
(٣) في ((د)): لجواز أن موضع هذه الحادثة في حال إلخ.

٥٧
كتاب الصلاة
كانت في حالٍ ما لم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام؛ لأنهم قد
كانوا في أول الإسلام يبدؤون بقضاء الفائت قبل متابعة الإمام، ومعلوم أن
فاعل ذلك غيرُ متَبعِ للإمام.
فلما نُسِخَ ذلك بحديث معاذ رضي الله عنه، حين تابع النبيَّ صلى الله
عليه وسلم، وترك قضاء الفائت، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سَنَّ
لكم معاذٌ، فكذلك فافعلوا))(١)، وقال أيضاً: ((إنما الإمام ليؤتم به))(٢)،
ونظائر ذلك من الأخبار التي فيها الأمر باتباع الإمام: صارت(٣) صلاة
المأموم مضمَّنة بصلاة الإمام، تصح بصحتها، وتفسد بفسادها.
* ويدل على ذلك أن في خبرهم لو ثبت(٤) افتتاح المأموم قبل
الإمام، فليس ذلك من سنة الاقتداء، ولا تصح لمن فعل ذلك صلاة مع
الإمام، فدلَّ على أنه كان قبل تضمين صلاة المأموم بصلاة الإمام.
* وأما حديث عمر رضي الله عنه، فليس فيه دلالة على موافقة
قولهم؛ لأن عمر رضي الله عنه إنما أعاد الصلاة، لأنه رأى في ثوبه أثر
الاحتلام، ولو لم يكن متيقناً بفعل الصلاة جنباً، فأَخَذَ لنفسه بالاحتياط،
ولم يوجب على القوم الإعادة بالشك.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه نسي القراءة في صلاة المغرب،
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) هذا جواب ((لما)) في قوله: فلما نسخ بحديث معاذ.
(٤) في ((د)): صح.

٥٨
كتاب الصلاة
فأعاد بهم الصلاة (١)، فدل ذلك على ما وصفنا من قولنا.
مسألة: [المني نجس يطهره الغَسْل رَطْباً، والفَرْكُ يابساً](٢)
قال أبو جعفر : (والمنيُّ نجسٌ إن وقع في ماء نجَّسَه، وإن أصاب ثوباً
لم يطهره ما كان رَطْباً إلا غَسْله، ويجزئه إذا كان يابساً فَرْكُهُ).
قال أبو بكر أحمد : الدليل على نجاسته ما حدثنا عبد الباقي بن قانع
قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي(٣) قال: حدثنا بشر بن
بكر(٤) عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة
رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتِ
المنيَّ يابساً فحُتِيه، وإِن كان رَطْباً فاغسليه)) (٥).
(١) أخرجه محمد في الحجة على أهل المدينة ٢٣٧/١-٢٣٨، وعبد الرزاق في
المصنف ٢٧٥٤ (١٢٥/٢).
(٢) انظر: الأصل ٦١/١، المبسوط ٨١/١، شرح معاني الآثار للطحاوي
٤٨/١-٥٣، بدائع الصنائع ٦٠/١-٦١.
(٣) في ((د)): الجهني. والصواب ما أثبت من ((ق))، والحميدي هو عبد الله بن
الزبیر یروي عن بشر بن بكر.
(٤) الاسم غير مقروء في النسختين، وتم التحديد بالرجوع إلى كتب الرجال،
مثلاً انظر: خلاصة تذهیب تهذيب الكمال ص٤٨.
(٥) لم أجد - بعد طول البحث - هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها عند غير
المؤلف، وإنما الوارد أنها هي التي كانت تغسله، وتحتّه أو تفركه من ثوب رسول الله
صلى الله عليه وسلم. قال ابن حجر: ((وقد ورد الأمر بفركه من طرق صحيحة، وأما
الأمر بغسله فلا أصل له)). التلخيص الحبير ٣/١( ٢٣)، وقد أخرجه الطحاوي في
شرح معاني الآثار - عن الحميدي إلى آخر السند - ولفظه: «كنت أفرك المني من ثوب
=

٥٩
كتاب الصلاة
فَأَمَرَها بغسله، والأمر على الوجوب، وإذا وجب غَسْله: لم يجب إلا
لنجاسته؛ لأن كل مَن قال هو طاهر: لا يرى غسله واجباً، ومَن رأى
وجوب غسله، فإنما يغسله لنجاسته (١).
وأيضاً: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى وعبد الله
بن أحمد بن حنبل قالا: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا
ثابت بن حماد أبو(٢) زيد الخراز قال: حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن
المسيب عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: مرَّ بي رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأنا أسقي راحلتي، وتنخَّمتُ، فأصابتني نخامتي،
فجعلتُ أغسل ثوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما نخامتك
ودموع عينيك إلا بمنزلة، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط، والمني من
الماء الغليظ، والدم، والقيء))(٣).
وقد روي عن سريع الخادم عن إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد
بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي
صلى الله عليه وسلم عن المنيِّ يصيب الثوب؟ فقال: ((إنما هو بمنزلة
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله أو أمسحه إذا كان رطباً))
٤٩/١.
(١) قال الشوكاني: قالوا: الأصل الطهارة، فلا يُنتقل عنها إلا بدليل، وأجيب
بأن التعبد بالإزالة غسلاً أو مسحاً أو فركاً أو حتاً أو سلتاً أو حكاً ثابت، ولا معنى
لكون الشيء نجساً إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع، فالصواب أن المني
نجس، يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة)). نيل الأوطار ٥٥/١.
(٢) في ((ق)): ثابت بن حماد بن زيد الخراز.
(٣) سبق تخريجه.

٦٠
كتاب الصلاة
البصاق والمخاط يصيبه))(١).
قال لنا عبد الباقي: ((هذا حديث منكر))، وسريع ليس بشيء (٢)، وإنما
يُروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله(٣)، وقد روي عنه
خلاف ذلك.
فإن قيل: لو كان نجساً، لما أجزأ فيه الفرك إذا كان يابساً.
قيل له: هذا كلامٌ فيما به تزال النجاسة، لا في النجاسة والطهارة.
وعلى أن جواز الفرك فيه لا يدل على الطهارة، كما أن جواز الصلاة
مع الاستنجاء بالأحجار لا يدل على طهارة ما هناك.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أصاب نعل أحدكم أذى،
فليمسحها بالأرض، وليصلِّ فيها))(٤)، ولم يدل على طهارة ما أصابه.
ودليل آخر: وهو أن خروجه يوجب نقض الطهارة، فدل على
نجاسته، کدم الحيض.
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ١ (١٢٤)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار
٥٠١٧ (٣٨٣/٣).
(٢) إذا كان هو سريع بن عبد الله فهو مجهول، كذا قال الذهبي في ميزان
الاعتدال ٣٠٦/٢. الترجمة: ٣٠٨٥.
(٣) أخرجه - موقوفاً من قوله - ابن أبي شيبة في المصنف ٩٢٤ (٨٣/١)،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ١ / ٥٢. أما خلاف ذلك - وهو القول بنجاسته - فقد
أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٨٩٧ (٨١/١)، وقال البيهقي في المعرفة
٣٨٣/٣: هذا هو الصحيح، موقوف.
(٤) سبق تخريجه.