Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ كتاب الصلاة وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن الوتر ثلاث كصلاة المغرب))(١). فإن قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم کان یوتر بإحدى عشرة، وتسع، وسبع، وخمس))(٢). قيل له: معناه: فيهن الوتر، كما روي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((فأوتِر بواحدة توتِر لك ما صليت))(٣)، يعني أن جملة صلاتك تصير وتراً. وقد روت عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يسلم في ركعتي الوتر))(٤). * ومن جهة النظر أن الوتر لا يخلو من أن يكون نفلاً أو واجباً، فإن كان نفلاً، فالنوافل إنما يُحتذى بها الفروض(٥)، فتُفعل حسب ما تُفعل الفروض(٦)، وإن كان واجباً، فليس له أصل غير صلاة المغرب، (١) سبق تخريجه قريباً. (٢) روي ذلك في عدة أحاديث عنها، أما إحدى عشرة ركعة فأخرجه مسلم ٧٣٦٠ (٥٠٨/١)، ومالك في الموطأ ٨ (١٢٠/١)، والتسع والسبع ركعات أخرجها عنها مسلم ٧٤٦ (٥١٢/١)، والخمس أيضاً عنده برقم: ٧٣٧ (٥٠٨/١). (٣) سبق تخريجه قريباً. (٤) سبق تخريجه قريباً. (٥) في ((ق)): الواجبات. (٦) في ((ق)): الواجب. ٦٨٢ كتاب الصلاة فوجب أن يكون مثلها(١). مسألة: [كيفية القنوت في الوتر](٢) قال أبو جعفر: (وإذا أراد المصلي أن يقنت في وتره: كَبَّر، ورفع يديه، ثم أرسلهما، وقَنَت، وقال أبو يوسف بأَخَرةٍ: يرفع يديه في الدعاء في الوتر)(٣). و ء لأبي حنيفة ومحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كُفْوا أيديكم في الصلاة)) (٤)، و((اسكنوا في الصلاة))(٥). فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تُرفع الأيدي إلا في سبعة مواطن))، وذكر فيها القنوت في الوتر(٦). قيل له: هذا رفع التكبير، لا في حال الدعاء. (١) راجع في ذلك: شرح معاني الآثار للطحاوي ٢٩٢/١-٢٩٣. (٢) راجع: الأصل ١٦٤/١، والحجة على أهل المدينة ١٩٩/١، والمبسوط ١٦٤/١_١٦٥، وبدائع الصنائع ٤٧٣/١. والمحفوظ في كتب الحنفية أن أبا حنيفة يقول بوضع اليمين على اليسار في القنوت، وأبو يوسف يقول برفعهما كالدعاء، ومحمد بإرسالهما، وهو اختيار الطحاوي والكرخي. انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٥١. (٣) سبق تخريجه. (٤) سبق تخريجه. (٥) سبق تخريجه. (٦) سبق تخريجه، وليس في السبعة ذكر القنوت، راجع: نصب الراية ٣٩٠/١-٣٩٢، و١٢٦/٢. ٦٨٣ كتاب الصلاة * ويدل عليه من جهة النظر: أنه لا يرفعهما في آخر الصلاة إذا دعا، ولا في قراءة فاتحة الكتاب وفيها دعاء، فكذلك دعاء القنوت. مسألة : [مقدار القراءة في صلاة السفر والحضر](١) قال أبو جعفر: (والقراءة في الصلوات في السفر سواء، اقرأ بفاتحة الكتاب وأيِ سورةٍ شئت). قال أبو بكر: وذلك لأن حال السفر حال التخفيف، ألا ترى أنه تُقصر فيه الصلاة، ويُفْطِر. وأيضاً: لم يُنقَل عن النبي صلى الله عليه وسلم تطويل القراءة في السفر، مع كثرة أسفاره في مغازيه، فدل على أنه مخيَّر في أن يقرأ فيه بما شاء. * قال أبو جعفر: (وأما القراءة في الحضر، فإن الفجر والأُوليين من الظهر: يقرأ في كل اثنتين منها بأربعين، خمسين، ستين آية، سوى فاتحة الكتاب). قال أبو بكر : وذلك لما روى سليمان التيمي عن أبي مِجْلَز عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الظهر. قال: فرأى أصحابُه أنه قد قرأ بتنزيل السجدة))(٢). وروى المسعودي عن زيد العِمِّي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله (١) راجع: الأصل ١٥٩/١، والمبسوط ١٦٢/١، وبدائع الصنائع ١١٠/١. (٢) أخرجه أحمد في المسند ٨٣/٢. ٦٨٤ ٠٫٠ كتاب الصلاة عليه وسلم، فقاسوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم(١) في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر قراءة ثلاثين آية، وفي الركعتين الأوليين من العصر على قدر النصف من ذلك))(٢). وروي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ: ألم تنزيل السجدة، و: هل أتى على الإنسان)). وذكر زياد بن علاقة عن عمه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في إحدى الركعتين من الصبح بـ: ق(٣). وروى سِمَاك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله عنه مثله في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر (٤). * وأما العصر(٥)، فقد ذكرنا في العصر حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أنه على النصف من قراءة الظهر (٦). وأما العشاء فقد رُوي أن معاذاً رضي الله عنه قرأ بالبقرة في العشاء، (١) أخرجه مسلم ٤٥٢ (٣٣٤/١)، وأحمد في المسند ٢/٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار والعصر ٢٠٧/١، وهذا لفظه. (٢) أخرجه البخاري ٨٥١ (٣٠٣/١)، ومسلم ٨٨٠ (٥٩٩/٢)، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) أخرجه مسلم ٤٥٧ (٣٣٦/١)، والترمذي ٣٠٦ (١٠٨/٢-١٠٩)، وقال: حديث قطبة بن مالك حديث حسن صحيح. (٤) أخرجه مسلم ٤٥٨ (٣٣٧/١). (٥) في (د)): وأما العصر والعشاء. (٦) سبق تخريجه قريباً. ٦٨٥ كتاب الصلاة فشُكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَفتَّانْ أنت يا معاذ. اقرأ بسورة: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَفْشَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا﴾. وفي بعض الأخبار: ((لو قرأتَ: ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا﴾، يصلي خلفَك ذو الحاجة والضعيف))(١). فقد دل ذلك على مقدار القراءة في العشاء، ودل أيضاً على التسوية بین الر کعتین فیها. * وأما المغرب، فيقرأ فيها بدون ذلك، لما روى سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بقصار المفصَّل)) (٢). فإن قيل: قد روى عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت رضي الله عنهم أنه قال لمروان: ((ما يحملك أن تقرأ في صلاة المغرب بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وبسورة أُخْرَى صغيرة، فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بأطول الطويل، وهي: ألمص))(٣). وقال جبير بن مطعم رضي الله عنه: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه (١) أخرجه البخاري ٦٧٣ (٢٤٩/١)، والنسائي في (المجتبى) ٩٩٦ (١٧٢/٢). (٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٩٨١ (١٦٧/٢)، وابن ماجه في السنن ٨٢٧ (٢٧٠/١-٢٧١) مختصراً. (٣) أخرجه البخاري ٧٣٠ (٢٦٥/١)، والنسائي في المجتبى ٩٨٨ (١٦٩/٢)، و(الّصّ): أي الأعراف. ٦٨٦ كتاب الصلاة وسلم يقرأ في المغرب بـ: الطور))(١). قيل له: يحتمل أن يريد به القراءة ببعضها، لأن وقت المغرب لا يتسع لذلك مع ترتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة. وقد روي أنهم «كانوا يصلون المغرب، ثم ينتضلون، وكان أحدهم یری موقع نَيْله))(٢). فهذا لا يكون إلا مع تعجيل الفراغ منها، وبقاء الضياء قبل اختلاط الظلام، ولا يجوز أن يقرأ في مثل هذه المدة: (الَّصّ) بترتيل القراءة. وفي حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه: ((انتهيتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَّوَفِعٌ﴾، فكأنما صُدع قلبي))(٣). فأخبر أنه إنما سمع ذلك منه، ولا دلالة فيه على أنه قرأ تمام السورة. مسألة: [تطويل أُولى الفجر، وتسوية أُولبي الظهر] (٤) قال أبو جعفر : (ويطيل الركعة الأولى من صلاة الفجر على الثانية). (١) أخرجه البخاري في الصحيح ٧٣١ (٢٦٥/١)، ومسلم ٤٦٣ (٣٣٨/١). (٢) أخرجه البخاري ٥٣٤ (٢٠٥/١)، ومسلم ٦٣٧ (٤٤١/١). (٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١١/١، وهذا لفظه، وأصله عند البخاري ٧٣١ (٢٦٥/١)، ومسلم ٤٦٣ (٣٣٨/١)، والآية: ٧ من الطور. (٤) انظر: الجامع الصغير ص٩٦، وبذيله شرحه: النافع الكبير لعبد الحي اللكنوي رحمه الله. ٦٨٧ كتاب الصلاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم(١). * قال : (وركعتا الظهر سواء). وذلك لما دل عليه حديث أبي سعيد رضي الله عنه الذي ذكرناه في قراءة الظهر(٢). وأيضاً: فإن للفجر مزية ليست لغيرها، وذلك لأن العادة فيها أنهم يكونون نياماً قبلها، فيكون تطويل القراءة سبباً لإدراكهم الركعتين، وليس كذلك الظهر وسائر الصلوات. وقال محمد: يطيل الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها أحب إلي كالفجر(٣). مسألة : [إجزاء الصلاة بفاتحة الكتاب، وشيء معها] قال أبو جعفر: (ومَن قرأ في صلاة بدون ما ذكرنا مع فاتحة الكتاب: أجزأه). وذلك لما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعداً))(٤). (١) أخرجه البخاري ٧٢٥ (٢٦٤/١)، ومسلم ٤٥١ (٣٣٣/١). (٢) سبق تخريجه قريباً. (٣) راجع: الجامع الصغير ص٩٦. (٤) أخرجه مسلم ٣٩٤ (٢٩٦/١)، وأحمد في المسند ٣٢٣/٥، والنسائي ٩١٠ (١٣٧/٢). ٦٨٨ كتاب الصلاة وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((أمرني رسول الله أن أنادي في المدينة: أن لا صلاة إلا بقرآن (١)، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد))(٢). وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وشيءٍ معها))(٣). فهذه الأخبار كلها تبيح الصلاة بفاتحة الكتاب، وما شاء من الزيادة عليها. مسألة : [إجزاء الصلاة بغير الفاتحة ](٤) قال أبو جعفر: (ومَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقرأ آية غيرها: أجزأته في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه إلا ثلاث آيات، أو آية طويلة مثل آية الدَّيْن). والحجة لأبي حنيفة لجواز الصلاة بغير فاتحة الكتاب: قولُ الله تعالى: (١) في ((ق)): بقراءة. والذي أثبته من ((د))، وهو الموافق لرواية أبي داود الآتي تخريجها. (٢) أخرجه أبو داود ٨١٩ (٥١٢/١)، والحاكم في المستدرك ٢٣٩/١ وصححه ووافقه الذهبي، والدارقطني في السنن ١٦٠ (٣٢١/١). (٣) أخرجه الترمذي في السنن ٢٣٨ (٣/٢)، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه ٨٣٩ (٢٧٤/١)، ولفظهما: ((بالحمد وسورة))، وهو معلول بأبي سفيان طريف السعدي. راجع: نصب الراية ٣٦٣/١، وأخرجه بلفظ قريب أبو داود ٨١٨ (٥١١/١). (٤) راجع: بدائع الصنائع ١/ ١١٢. ٦٨٩ كتاب الصلاة فَأَقْرَهُ وَأْ مَا تَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾(١)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثم اقرأ ما تيسر من القرآن)»(٢). وحقيقة هذا اللفظ التخيير، كما أن رجلاً لو قال لآخر: ((بعْ عبدي هذا بما تيسر))، كان قد فَوَّض إليه الأمر في بیعه بما شاء. ومَن قصرَ فرض القراءة على شيء بعينه، فقد أسقط حكم الآية والخبر(٣). فإن قال قائل: قد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله تعالى بقوله: ﴿فَاقْرَهُ وَأْ مَا تَيَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ (٤)، بقوله: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) (٥). قيل له: لا يجوز أن يكون هذا القول بياناً لمراد الآية على حسب ما ذهبت إليه، لأن فيه إسقاط التخيير، وهو نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد. فالواجب - إذا كان هذا هكذا - حمله على وجهٍ لا يضاد حكم القرآن، وهو أن يكون لنفي الفضل، لا لنفي الأصل، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾(٦)، ثم قال: ﴿أَلَا تُقَائِلُونَ قَوْمًا (١) المزمل: ٢٠. (٢) سبق تخريجه. (٣) في ((د)): بالخبر. (٤) المزمل: ٢٠. (٥) سبق تخريجه. (٦) التوبة: ١٢. ٦٩٠ كتاب الصلاة تَكَنُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾(١)، فنفاها بدءاً، وأثبتها ثانياً، فعَلمْنا أنه أراد به معنى الکمال، لا معنى الأصل. وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد))(٢)، و: ((مَن سَمِعَ النداء فلم يُجِبْ، فلا صلاة له))(٣). فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾(٤)، فهو يتناول جميع ما يُهْدئ من ثوب وغيره، ثم جعل النبي عليه الصلاة والسلام الهدي من إبل أو بقر أو غنم(٥)، ولم يكن فيه نسخ الآية، فكذلك تعيين فرض القراءة (١) التوبة: ١٣. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٤٦/١ شاهداً لحديث آخر، وسكت عنه الذهبي، والدارقطني في السنن ١-٢ (٤٢٠/١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وفي سنده: محمد بن سكين المؤذن، وهو مجهول، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي: سنده سليمان بن داود اليمامي، وهو متروك. انظر: التعليق المغني على سنن الدار قطني ١ /٤٢٠. (٣) أخرجه من حديث ابن عباس رضي الله عنه الدارقطني في السنن ٤-٦ (٤٢٠/١)، والحاكم في المستدرك ٢٤٥/١-٢٤٦، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (٤) البقرة: ١٩٦. (٥) الهَدْي: اسم لما يُهدى إلى مكة المكرمة تقرباً إلى الله تعالى من شاة أو بقر أو بعير. انظر: أنيس الفقهاء ص ١٤٤، وحَصْرُ الهدي في هذه الأصناف الثلاثة من البقر والإبل والغنم، مأخوذ من عمل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يُهد، ولم يضحِّ بغير الأصناف الثلاثة، والله أعلم. راجع: أبواب المناسك من كتب الحديث. وهو تفسير ابن عباس رضي الله عنه للكلمة، وانظر: مسند أحمد ٢٤١/١. ٦٩١ كتاب الصلاة في فاتحة الكتاب لا يوجب نسخ الآية. قيل له: الفصل بينهما، أن ما اقتضاه اللفظ من إيجاب التخيير، قائم في آية الهدي، غير باقٍ (١) في تفسير فاتحة الكتاب، فمتى ضممنا الخبر إلى آية الهَدْي: كان تخصيصاً، وإذا ضممنا خبر فاتحة الكتاب إلى قوله: فَأَقْرَهُ وَأْ مَا تَبَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾(٢): كان نسخاً. يدلك على ذلك، أنه لا يصح الجمع بين آية القرآن والخبر في لفظ واحد؛ لأنه لا يجوز أن يقول: اقرأ(٣) ما تيسر، وهو فاتحة الكتاب، كما لا يجوز أن يقول: اقرأ ما شئتَ، وهو فاتحة الكتاب، ولا: أنتَ مخيَّرٌ في أن تقرأ ما شئت، وهو فاتحة الكتاب. ويصح أن يقول: فما استيسر من الهدي، وهو ما شئت من هذه الأصناف الثلاثة. وكذلك اقتصار أبي حنيفة على آية واحدة في فرض القراءة، لا يقتضي نسخ حكم الآية؛ لأن التخيير قائمٌ في أيها شاء. فإن قيل: ما يُنْكَر أن يكون قوله: ﴿فَاقْرَءُ وا مَا تَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾(٤): على ما عدا فاتحة الكتاب، وقوله: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))(٥): مستعملاً في (١) في ((د)): غير قائم. (٢) المزمل: ٢٠. (٣) في (د)): اقرؤوا. (٤) المزمل: ٢٠. (٥) سبق تخريجه. ٦٩٢ كتاب الصلاة تعيين فرض القراءة، فلا يكون فيه مخالفة الآية. قيل له: لا يجوز ذلك؛ لأن قوله: ﴿فَأَقْرَهُوا مَا تَيَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾(١): يقتضي الوجوب، وما عدا فاتحة الكتاب: فليس بواجب، فلا يجوز أن یکون هو المراد به. * ويدل على أن قوله: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)»(٢): لم يُرِدْ به نفيَ الأصل، وإنما أُريد به نفي الكمال، ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وشيء معها))(٣). ومعلومٌ أنه لم يُرِدْ فيما عدا فاتحة الكتاب نفيَ الأصل، فكذلك فيها؛ لأنه لفظة واحدة، فلا يجوز أن يراد بها نفي الكمال، ونفي الأصل في حال واحدة؛ لأنها إذا أريد بها نفي الكمال، فقد أفادت إثبات شيء منها، وإذا حُمِلت(٤) على نفي الأصل، لم يثبت منها شيء، ولا يجوز استعمال لفظة واحدة للإثبات والنفي في حال واحدة لشيء واحد، متى حُمِلت على أحد الوجهين انتفى الأخير. فإن قال قائل: روي في حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الصلاة أنه قال: ((ثم اقرأ بفاتحة الكتاب))(٥)، وهو أمر يقتضي (١) المزمل: ٢٠. (٢) سبق تخريجه قريباً. (٣) سبق تخريجه قريباً. (٤) يمكن قراءة هذه الكلمة في النسختين: (حصلت)، والذي أثبته أوضح وأقرب إلى مراد المؤلف، والله أعلم. (٥) سبق تخريج هذا الحديث، وهو حديث ((المسيء صلاته)). ٦٩٣ كتاب الصلاة الإيجاب، كما يقتضيه لفظ الآية، فنستعملهما، ونجعل الآية فيما عدا فاتحة الكتاب. قيل له: قد روي في خبر الأعرابي: ((ثم اقرأ ما تيسر))(١)، وذلك يقتضي التخيير، فإن عارضه قوله: ((ثم اقرأ بفاتحة الكتاب)): فأقل أحوالهما أن يسقطا، ويبقى لنا حكم الآية في إثبات التخيير، عارياً مما يعارضه. وعلى أن أخبار الآحاد لا يُعترض بها على ما كان هذا سبيله من الآي، في صرفها عن الإيجاب إلى الندب. وأيضاً: يجوز هذا عندنا عند تساوي النقل في الخبرين، فأما إذا ورد أحدهما عن طريق الآحاد، والآخر مذكور في القرآن: فإن ذلك لا يكون تعارضاً، ولا يصرف لفظ القرآن من الإيجاب إلى الندب بمثله. وأيضاً: في خبر الأعرابي ما يدل على ما ذكرنا؛ لأن فيه: ((فإذا فعلت ذلك: فقد تمت صلاتك، وإن أنقصتَ منها شيئاً: أسقطتَ من صلاتك))(٢). ومعلومٌ أن النقصان لا يكون إلا (٣) مع بقاء الأصل، فقد دل لفظ الخبر على أن ترك فاتحة الكتاب، يوجب نقصاً فيها، ولا يمنع صحة الأصل. ** ويدل على ما قلنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل صلاة لا (١) عند البخاري ٧٢٤ (٢٦٤/١)، ومسلم ٣٩٧ (٢٩٨/١). (٢) سبق تخريجه. (٣) سقط من ((ق)): (إلا). ٦٩٤ كتاب الصلاة يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)) (١)، فالخداج: النقصان. يقال: أَخْدَجَت الناقة: إذا ألقت ولدها ناقصاً(٢). ومنه ما روي عن علي رضي الله عنه في صفة الخوارج الذين قَتَلَهم: ((أن فيهم رجلاً مُخَدَّج اليد))(٣): أي ناقصاً. فقد أثبتها ناقصة مع ترك فاتحة الكتاب، ولو كانت القراءة من فرضها: لم تكن ناقصة بتركها، بل كانت باطلة، لا يثبت منها شيء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليصلي الصلاة يُكتب له نصفُها، ربعها، عشرها))(٤)، فأثبتها ناقصة على الوجه الذي ذكرنا، ولو كانت غير جائزة: لما كُتِب له منها شيء. فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل صلاة لا قراءة فيها فهي خِداج))(٥)، فينبغي أن يدل ذلك على أن ترك القراءة لا یفسدها، وليس هذا من قولك. قيل له: كذلك يقتضي ظاهر لفظه لولا قيام الدلالة على أن القراءة المذكورة في هذا الحديث هي ما ذُكر في الخبر الآخر، وهي فاتحة الكتاب. (١) سبق تخريجه. (٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١٢/٢، ولسان العرب (خدج). (٣) أخرجه مسلم ١٥٥/١٠٦٦ (٧٤٧/٢)، وأبو داود في السنن ٤٧٦٣ (١٢١/٥). (٤) أخرجه أحمد في المسند ٤٢٧/٣. (٥) لم أقف عليه فيما تيسر لي من المصادر. ٦٩٥ كتاب الصلاة ؛ وإنما اعتبر أبو حنيفة قراءة آية، قصيرةً كانت أو طويلةً بقوله تعالى: فَاقْرَهُوَأْ مَا نَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾(١)، وذلك من القرآن. فإن قيل: يجوز قراءة ما دون الآية بظاهر اللفظ. قيل له: لم يختلف موجبو فرض القراءة في الصلاة، أن قراءة ما دون الآية لا تجزىء به الصلاة، فخصصناه بالإجماع(٢)، واختلفوا في جوازها بالآية الواحدة، فقضى لفظ الآية بجوازها، إذ لم تقم الدلالة على غيرها. مسألة : [عورة الرجل في الصلاة](٣) قال أبو جعفر: (ومَن صلىُ من الرجال فسَتَرَ ما دون سرته إلى رکیتیه، ووارئ ركبتيه في ذلك: أجزأه). وذلك لأن هذا من الرجل عورة، لما حدثنا (٤) عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو ميسرة محمد بن الحسن [ ... ](6) قال: حدثنا محمد بن ثعلبة قال(٦): حدثنا ابن سواء عن سعيد بن أبي عروبة عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه (١) المزمل: ٢٠. (٢) لم أعثر على هذا الإجماع فيما تيسر لي من المراجع. (٣) راجع: الأصل ٢٠٠/١، المبسوط ٣٣/١، ٣٤، ١٨٧، ١٩٨ و١٥٢/١٠، وبدائع الصنائع ١١٦/١، و١٢١/٥. (٤) سقط السند من ((ق))، وجاء محله: (لما روي). (٥) كلمة في ((د)) لم أستطع قراءتها. (٦) ورد عند البيهقي: ثنا محمد بن ثعلبة بن سواء ثنا عمي عن سعيد بن أبي عروبة. ٦٩٦ كتاب الصلاة وسلم مرَّ به وهو كاشف عن فخذه، فقال: ((غَطَّها، فإن الفخذ من العورة)) (١) . ورواه أيضاً معمر بن عبد الله بن نضلة عن النبي صلى الله عليه وسلم(٢). وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الفخذ عورة، والفرج(٣) عورة فاحشة)) (٤). وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فَخِذُ الرجل من عورته))(٥). وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله (١) أخرجه البخاري تعليقاً (١٤٥/١)، وأحمد في المسند ٤٧٨/٣، ٤٧٩، والحاكم في المستدرك ١٨٠/٤، وصححه، ووافقه الذهبي، والترمذي في السنن ٢٧٩٨ (١٠٣/٥)، وقال: هذا حديث حسن. (٢) أخرجه أحمد في المسند ٢٩٠/٥، والطحاوي في معاني الآثار، ٤٧٥/١، والحاكم في المستدرك ٤ /١٨٠. (٣) في ((ق)): (والفخذ). (٤) ذكره البخاري تعليقاً ١٤٥/١، وأخرجه الترمذي ٢٧٩٦ (١٠٣/٥)، والحاكم في المستدرك ١٨٠/٤، كلهم رووا الشطر الأول فقط، ولم أعثر على الشطر الثاني للحديث فيما تيسر لي من المراجع. (٥) أخرجه أحمد في المسند ٢٧٥/١، وصحح أحمد شاكر إسناده برقم: ٢٤٩٣ (١٦٧/٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٧٤/١، والحاكم في المستدرك ١٨١/٤. ٦٩٧ كتاب الصلاة عليه وسلم: ((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته عورة)) (١). حدثنا(٢) عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى المروذي الطهماني قال: حدثنا يعقوب بن الجراح قال: حدثنا المغيرة بن موسى عن سوار بن داود عن محمد بن جحادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بذلك. [السرة ليست عورة، والركبة عورة : ] * فدل هذا الحدیث على معنیین: أحدهما: أن السرة ليست بعورة؛ لأنه قال: ((كل شيء أسفل من سرته ... ). والثاني: أن الر كبة عورة، ودلالته على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لو اقتصر على قوله: ((كل شيء أسفل من سرته عورة)): لدخل فيه سائر بدنه، مما هو أسفل السرة، فلما قال: ((إلى ركبته))، كان ذِكْر الركبة فيه لإسقاط ما عداها، كقوله تعالى: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى اُلْمَرَافِقِ﴾(٣). والثاني: أن: ((إلى)): لما كانت غاية، واحتمل دخول الركبة فيها، واحتمل غيره، كان اعتبار جهة الحظر أولى في إيجاب ستر الركبة. (١) أخرجه أحمد في المسند ١٨٧/٢، والدارقطني في السنن ٢ (٢٣٠/١)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٢٩/٢. (٢) سقط هذا السند كله من (ق)». (٣) المائدة: ٦. ٦٩٨ كتاب الصلاة وحدثنا (١) عبد الباقي قال: حدثنا عبدان بن محمد المروذي قال: حدثنا محمد بن غالب الأنطاكي قال: حدثنا أبان بن سفيان قال: حدثنا أبو هلال عن ابن عقيل عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بين السرة إلى الركبة عورة))(٢). ولما (٣) ثبت أن ما بين السرة إلى الركبة عورة: لم تجز الصلاة مع کشفه. * والدليل على أن ستر العورة من شرائط صحة الصلاة، قول الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٤)، وهذا يدل على وجوب ستر العورة في الصلاة من وجهين: أحدهما: عموم اللفظ المقتضي لحال الصلاة وغيرها. والثاني: تخصيصه إيجاب الستر بالمسجد. ومعلومٌ أن المسجد للصلاة، فدل على أن المراد ستر العورة في الصلاة، ولو كان المراد ستر العورة من الناس فحسب، دون الصلاة، لما کان لتخصيصه إياه بالمسجد معنى(٥). (١) سقط السند من ((ق))، وكُتب مكانه: (وروي أيضاً). (٢) لم أعثر على أحد خرجه غير المؤلف. (٣) في ((د)): (فثبت بما ذكرنا أن ما بين السرة إلى الركبة عورة، فلا تجوز الصلاة مع كشف ذلك). (٤) الأعراف: ٣١. (٥) راجع: أحكام القرآن للمؤلف ٣١/٣. ٦٩٩ كتاب الصلاة ويدل عليه حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يصلي أحدٌ منكم في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيءٍ))(١). فمنع الصلاة في حال كشف العورة. وروى قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))(٢). قال أبو بكر أحمد: والمعنى: مَن بلغت الحيضَ من النساء؛ لأن الحائض لا صلاة عليها، وقد دل هذا الخبر على معنيين: أحدهما: أن من شرائط الصلاة ستر العورة. والثاني: أن رأس المرأة عورة، ويجب ستره في الصلاة. (١) هكذا ورد في النسختين: ((ليس على فرجه منه شيء))، ولم أجده بهذا اللفظ فيما تيسر لي من المراجع، وأخرج البخاري ٣٥٢ (١٤١/١)، ومسلم ٥١٦ (٣٦٨/١). ولفظهما: ((ليس على عاتقيه منه شيء))، وكذا أخرج البخاري ٥٤٨١ (٢١٩٠/٥)، ولفظه: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الملامسة ... وأن يحتبيَ الرجل بالثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء»، وليس فيه ذكر النهي عن الصلاة. (٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١٥٠، وأبو داود ٦٤١ (٤٢١/١)، والترمذي ٣٧٧ (٢٥١/٢)، وقال: حديث عائشة حديث حسن. ٧٠٠ كتاب الصلاة مسألة: [عورة المرأة في الصلاة](١) قال أبو جعفر: (أما المرأة فتواري في صلاتها كلّ شيء منها، إلا وجهها وكفّيْها وقدمَيْها). قال أبو بكر: وذلك لأن جميع بدنها عورة، لا يحل للأجنبي النظر إليه منها إلا هذه الأعضاء (٢). ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾(٣): روي أنها الكحل والخاتم(٤)، فدل أن يديها ووجهها ليسا بعورة(٥). (١) راجع: الجامع الصغير ص ٨٢، ٤٧٨، المبسوط ١٩٧/١-١٩٨، بدائع الصنائع ١٢١/٥. (٢) إلا إذا خُشيت الفتنة، كأن كانت شابة، كما نص على هذا المؤلف الجصاص نفسه في كتابه أحكام القرآن ٢٧٢/٣ في تفسير آية الأحزاب: ﴿يُدْنِينَ عَيِِّنَّ مِن جَبِهِنَّ﴾، فقد قال: ((في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورةٌ بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج؛ لئلا يَطمع أهلُ الريب فیهن)).اهـ، و کتبه المعتني بإخراج الكتاب: د/سائد بكداش. (٣) النور: ٣١. (٤) هو قول ابن عباس وابن عمر وأنس ومجاهد وعطاء وعائشة رضي الله عنهم، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وإبراهيم النخعي وابن سيرين وأبو الجوزاء وغيرهم إنها الثياب. انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣١٥/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٣٨١/٣، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤٥٣/٣. (٥) أقول: في قوله هذا نظر، إذ معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أي ما لا يمكن إخفاؤه من الأجانب، وهو الرداء والثياب، كما صح ذلك عن ابن مسعود