Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الطهارة
واتفقت الأمة عليه (١): سلمناه للدلالة، وبقي حكم اللفظ فيما عداه.
و﴿اَلْمَحِيضِ﴾: يجوز أن يكون مصدراً، كقولك: سار مسيراً، وقال
مقيلاً، وصار مصيراً.
ويحتمل أن يراد به موضع الحيض، كما يقال: مَقْبَلَ ومَنْبَت(٢).
وعمومُ اللفظ ينتظم الأمرين، فلا نَخُصُّ منه شيئاً إلا بدلالة؛ لأن
المحيض إذا أُريد به المصدر، صار تقدير اللفظ: فاعتزلوا النساء في حال
الحیض، أو في وقت الحیض.
ومن جهة السنة ما حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن
فارس قال: حدثنا أبو الحسن هارون بن سليمان قال: حدثنا أبو محمد
عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا مالك بن مغول عن عاصم بن عمرو أن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: ما
يَحِلَّ للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ((ما فوق الإزار)) (٣).
وروى زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عمير مولى لعمر بن
الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: ((لك منها ما
فوق الإزار، وليس لك ما تحته)) (٤).
(١) انظر: المغني ٤١٤/١. والمجموع شرح المهذب ٣٦٤/٢.
(٢) انظر: لسان العرب مادة حيض ١٠٧٠/٢.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ١٤/١ بسند فيه انقطاع، وأبو يعلى في مسنده. قال
الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ، وابن حزم في المحلى ١٧٨/٢، والبيهقي في
السنن الكبرى ٣١٢/١.
(٤) أخرجه البيهقي في المصدر ٣١٢/١، وابن حزم في المحلى ١٧٨/٢.

٤٦٢
كتاب الطهارة
وحدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا هارون بن سليمان حدثنا
عبد الرحمن بن مهدي حدثنا هشام بن سعد عن صالح بن جبير قال:
ءِ
حدثني رجل من كِنْدة قال: سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما يَحِلُ
لي من امرأتي إذا كانت حائضاً؟ قال: ((ما فوق الإزار))(١).
وحدثنا عبد الله قال: حدثنا هارون قال: حدثنا عبد الرحمن قال:
حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها
قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حِضْتُ يأمرني فاتَّزِرُ، ثم
يباشرني)»(٢).
قال عبد الرحمن بن مهدي: وحدثنا هشام بن سعد عن صالح بن جبير
قال: حدثني رجل من كِنْدة قال: سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما
يَحِلّ لي من امرأتي إذا كانت حائضاً؟ قال: ((ما فوق إزارها))(٣).
ورُوي عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان
يباشرها وهي حائض فوق الإزار)) (٤).
فإن قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٢٣٨ (٣٢٢/١)، وابن المنذر في الأوسط
رقم الأثر: ٧٩١ (٢٠٧/٢).
(٢) وأخرجه البخاري ٢٩٥ (١٠٥/١)، ومسلم ٢٩٣ (٢٤٢/١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٢٣٨ (٣٢٢/١)، وابن المنذر في الأوسط
رقم: ٧٩١ (٢٠٧/٢).
(٤) أخرجه - بهذا اللفظ - أحمد في المسند ٣٣٥/٦، وأصله في صحيح
البخاري ٢٩٧ (١١٥/١)، وصحيح مسلم ٢٩٤ (٢٤٣/١).

٤٦٣
كتاب الطهارة
((كان يباشر نساءه وهنَّ حُيَّض في إزار واحد))(١).
وروي عن عائشة رضي الله عنها من قولها: ((إن كل شيء له منها
حلال إلا الجماع))(٢).
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اصنعوا
كل شيء ما خلا الجماع في الحائض))(٣).
قيل له: إن خبر عمر رضي الله عنه يقتضي حظر ما دون الإزار على ما
بينا، أن السؤال وقع عما يَحِلّ له منها، فلا محالة قد أجابه عن الجميع،
وأخبر بأنه ما فوق الإزار، فإذاً لا يحل له منها غير ما ذُكر، واقتضى حظر
ما دون الإزار.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يباشر نساءه وهُنّ حُيَّض في إزار واحد))، فلا دلالة فيه على إباحة ما دون
المئزر، لأن ظاهره أنهما يجتمعان في إزار واحد، وهو المِلْحَفة التي
تلبسها النساء، على نحو ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوشحني وأنا حائض، وبيني وبينه
توب»(٤)، وقد يجوز عندنا أن يجتمعا في إزار واحد بعد أن تتزر.
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣٣/٦، ٩١.
(٢) أخرج معناه الدارمي في السنن ١٠٣٣ (٢٥٨/١)، ورقم: ١٠٣٩ (٢٥٩/١).
(٣) أخرجه مسلم ٣٠٢ (٢٤٦/١)، وأحمد في المسند ١٣٢/٣، وأبو داود
٢٥٨(١٧٧/١)، والترمذي ٢٩٧٧(١٩٩/٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ١٨٧/٦_٢١٩، والدارمي في السنن الحديث:
١٠٥٢ (٢٦١/١).

٤٦٤
كتاب الطهارة
وقول عائشة رضي الله عنها: ((إن كل شيء له منها حلال إلا الجماع)):
محمولٌ على الجِمَاع في الفرج، وفيما دونه تحت الإزار، ليوافق الخبرَ
الآخر.
وأما حديث أنس رضي الله عنه، فإنه متقدِّم لحديث عمر رضي الله
عنه، وذلك لأن فيه أن المرأة من اليهود كانت إذا حاضت لم يواكلوها،
ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
اَلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾(١) إلى آخر القصة، فأمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يواكلوهن، وأن يشاربوهن، وأن يجامعوهن في البيوت، ويفعلوا
ما يشاءوا إلا الجماع، فقالت اليهود: وما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا
شيئاً إلا خالفنا فيه(٢).
حدثنا بذلك عبد الله بن جعفر بن فارس الأصبهاني قال: حدثنا يونس
بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن
ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فذكر هذه القصة.
فبَيَّن أنس رضي الله عنه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال ذلك في حال ما نُسِخَ ما كانت اليهود تفعله، ونزل به القرآن، وهو
قوله: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ﴾(٣)، فلم يكن بين هذه الآية وبين قوله
(١) البقرة: ٢٢٢.
(٢) حديث أنس هذا سبق تخريجه.
(٣) البقرة: ٢٢٢.

٤٦٥
كتاب الطهارة
صلى الله عليه وسلم: ((افعلوا كل شيء إلا الجماع)) (١) واسطة.
ثم حديث عمر رضي الله عنه لا محالة كان بعد ذلك، لأنه لا يجوز
أن يكون قبله، إذ كان جميع ذلك مباحاً قبل نزول الآية.
ولا يجوز أن يكون عقيب الآية، لأن أنساً قد أخبر أن الذي حَكَمَ به
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عقيب الآية حَظْر الجماع، فلا محالة أنه
واجب أن يكون حديث عمر رضي الله عنه بعده.
وأيضاً: يمكن أن يكون حديث أنس موافقاً لخير عمر، بأن يكون
قوله: ((افعلوا كل شيء إلا الجماع)): يعني به الجماع فيما دون الفرج،
والجماع في الفرج جميعاً.
وأيضاً: في حديث عمر رضي الله عنه حَظْر ما تحت الإزار، وفي
حديث أنس رضي الله عنه إباحته: وإذا ورد الحظر والإباحة، ولم يُعْلَم
التاريخ: فخبر الحظر أولى.
فإن قيل: لما لم يحرِّم من الحائض اللمسَ والقُبْلَة، وَجَبَ أن يكون
كذلك الجماع فيما دون الفرج.
قيل له: هذا الاعتلال ساقط(٢)؛ لأن اللمس والقبلة مباحان للصائم،
ولم يُبُح له الجماع فيما دون الفرج.
ورُوي نحو قول أبي حنيفة عن عمر بن الخطاب(٣)،
(١) سبق تخريجه من حديث أنس رضي الله عنه.
(٢) في ق: هذا غلط.
(٣) أثر عمر رضي الله عنه أخرجه ابن المنذر في الأوسط الأثر: ٧٩١
(٢٠٧/٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٦٨٣٤ (٥٣٢/٣).

٤٦٦
كتاب الطهارة
وميمونة(١)، وعائشة(٢) في إحدى الروايتين(٣)، وشريح(٤) رضي الله
عنهم أجمعين.
: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما(٥) والشعبي(٦) في آخرين(٧)
(١) قول ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها أخرجه عبد الرزاق في المصنف
١٢٣٣ (٣٢١/١)، وأصل الحديث: روي مرفوعاً أخرجه البخاري ٢٩٧ (١١٥/١)،
ومسلم ٢٩٤(٢٤٢/١).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٢٤٠-١٢٤١ (٣٢٣/١)، وابن أبي شيبة
في المصنف ١٦٨٢٠ (٥٣١/٣)، ومالك في الموطأ ٩٥ (٥٨/١).
(٣) سبق تخريج قولها الثاني، وأخرجه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى ٣١٤/١.
(٤) هو شريح بن الحارث الكندي، أبو أمية، القاضي، الفقيه، مخضرم، ولي
القضاء لعمر وعثمان وعلي ومعاوية رضي الله عنهم، كان شاعراً، توفي سنة ٧٨هـ.
انظر: تذكرة الحفاظ الذهبي ٥٩/١، وتقريب التهذيب ص٢٦٥ الترجمة ٢٧٧٤.
أما أثره فقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٢٣٩ (٣٢٣/١)، وذكره ابن
المنذر في الأوسط ٢٦٦ (٢٠٦/٢).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٢٣٣ (٣٢١/١)، وأحمد في المسند
٣٣٦/٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٣/١.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٦٨٢١ (٥٣١/٣)، وذكره ابن المنذر في
الأوسط ٧٩٤ (٢٠٧/٢).
(٧) مثلاً: قول أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه ابن أبي شيبة في
المصنف ١٦٨١٧ (٥٣١/٣)، وسعيد بن المسيب والحكم وسالم والحسن البصري.
أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف ١٦٨٢٧، ١٦٨٢٨، ١٦٨٢٩،
١٦٨٣٣ (٥٣١/٣). ذكر ذلك عنهم وعن سفيان الثوري رحمهم الله ابن المنذر في
الأوسط (٢٠٧/٢).

٤٦٧
كتاب الطهارة
مثل قول محمد.
مسألة : [لا يصيب الرجل زوجته الحائض حتى تغتسل](١)
قال أبو جعفر: (وإذا انقطع دم الحائض لم يُصِبْها حتى تغتسل).
قال أبو بكر : هذا على ثلاثة أوجه:
إما أن تكون أيامها عشراً، أو ما دونها، فإن كانت أيامها عشراً: جاز
له عندنا أن يطأها بعد انقضاء العشرة: اغتسلت أو لم تغتسل.
وإن كانت أيامها دون العشرة: لم يطأها بعد انقطاع الدم إلا بوجود
أحد حالين: إما أن تغتسل، أو يمضيَ وقتُ صلاةٍ أدنى الصلوات إليها:
فيجوز له حينئذ وطؤها(٢).
وقول أبي جعفر: (إنه إذا انقطع دمها لم يُصِبْها حتى تغتسل): على
هذا الإطلاق: ليس هو مذهب أصحابنا، وعسى أن يكون مراده فيمن
انقطع دمها دون العشر، ولم يمض عليها وقت صلاة.
* والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَرْنَ
فَأْتُوُهُرَ﴾(٣)، فقُرِىء: ﴿يَطْهُرْنَ﴾: بالتخفيف والتثقيل:
فأما قراءة التخفيف: فإنها على انقطاع الدم، والخروج من الحيض،
لا يحتمل غيره؛ لأن الاغتسال لا يطهِّرها مع بقاء الحيض.
(١) راجع: الأصل ٣٣١/١، المبسوط ٢٠٨/٣، بدائع الصنائع ٣٨/١.
(٢) انظر: الأصل ١/ ٥١١، والمبسوط ٢٠٨/٣.
(٣) البقرة: ٢٢٢.

٤٦٨
كتاب الطهارة
وأما قراءة التثقيل: فيحتمل الخروج من الحيض؛ لأنه جائز أن يقال:
طهرت المرأة، و: تطهرت، ويكون المراد خروجها من الحيض من غير
فعلٍ من جهتها، كما يقال: تكسَّر الكوز، و: تقطعت، و: تقطّع الحبل،
و: تخلصت المرأة إذا ولدت، وما جرى مجرى ذلك، مما لا يقتضي فعلاً
مِن جهة مَن أُضيف ذلك إلیه.
ويحتمل الاغتسال أيضاً: فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله: ﴿حَتّ ﴾:
غاية: يقتضي أن يكون نهاية لما دخلت عليه، وأن ما عداها فحُكمه
بخلافها، كقوله تعالى: ﴿سَلَمَّ هِىَ حَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١)، وكقوله: ﴿فَقَدِلُواْ
الَّتِى تَبْغِى حَّى تَّفِىّ ◌َّ أَمْرِ﴾ (٢)، و: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اَلْكِتَبُ أَجَلَهُ﴾ (٣).
فوجب بظاهر ذلك: إباحة وطئها بانقطاع الدم، وخروجها من
الحیض: اغتسلت أو لم تغتسل.
وقضى(٤) ذلك بإباحة وطئها إذا كانت أيامها عشراً.
وكذلك يقضي ظاهر اللفظ إذا كانت أيامها دون العشر، إلا أنه لما
كان قراءة التثقيل تحتمل الاغتسال، وكذلك قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾،
استعملنا اللفظَيْن جميعاً على فائدتهما، فقلنا: إذا كانت أيامها عشراً: جاز
وطؤها قبل الغُسْل، وإذا كانت دون العشر: لم يطأها حتى تغتسل ما دامت
(١) القدر: ٥.
(٢) الحجرات: ٩.
(٣) البقرة: ٢٣٥
(٤) في كلتا النسختين: (فقضى).

٤٦٩
كتاب الطهارة
في وقت الصلاة، لأنا متى أمكننا استعمال اللفظين على فائدتين، لم
یسقط حكم إحداهما بالأخرى.
فإن قيل: وفي الآية شرط انقطاع الدم والغُسْل جميعاً في إباحة
الوطء؛ لأنه قال: ﴿حَّى يَظْهُرْنَ﴾، وهذا على انقطاع الدم، ثم قال: ﴿فَإِذَا
تَطَّهَّرْنَ﴾: يعني اغتسلن: ﴿فَأْتُهُرجَ﴾، فصار الغُسْل شرطاً مع الانقطاع.
وهو نظير قوله تعالى: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِن
طَلَقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرَجَعَآَ﴾(١)، فصار شرط إباحة تزويجها وجود
الأمرين جميعاً: من نكاح الزوج الثاني، وطلاقها.
قيل له: نستعمل اللفظين جميعاً، فنقول: قوله: ﴿حَّ يَطْهُرْنَ﴾:
يقتضي إباحة وطئها بانقطاع الدم، ولا يجوز أن يكون قوله: ﴿فَإِذَا
تَطَهَّرْنَ﴾: قاضياً عليه؛ لأنه نافٍ لمقتضاه.
وما تضمنته الغاية من إباحة الوطء، فنقول فيمن كانت أيامها عشراً،
أو خرج وقت صلاة فيما دون العشر، أنها مرادة بقراءة التخفيف، ومن
كان حيضها دون العشر، ولم يمض عليها وقت صلاة أنها مرادة بقراءة
التثقيل، إذا أريد به الاغتسال، كأنه قال: ((ولا تقربوهن حتى يغتسلن فإذا
اغتسلن فأتوهن)) (٢).
(١) البقرة: ٢٣٠
(٢) راجع في ذلك: أحكام القرآن للجصاص ٣٤٨/١ وما بعدها.

٤٧٠
كتاب الطهارة
وأما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُمِنُ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾(١): فإن المقصد
فيه بعد الطلاق الثلاث، حتى تنكح زوجاً غيره، فالتحريم المذكور فيه
مؤقت بالغاية، وبوجودها يرتفع.
وقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾: ليس بشرط في رفع التحريم الموجَب بالطلاق
الثلاث، وإنما هو شرط في جواز نكاحها، ولا يختلف في ذلك الزوج
الأول وسائر الناس.
فأما ما تعلق من التحريم بالغاية، فقد ارتفع بوجودها، فلا فرق في
هذا الوجه بينه وبين ما ذكرنا من قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، إذا قرىء
بالتخفيف، في أن انقطاع الدم يبيح الوطء.
وإنما قلنا فيمن كان أيامها دون العشر: إن لزوجها وَطْأَها بعد مضيِّ
وقت صلاة، من قِبَل أن مِن أصلنا: أن فرض الصلاة يتعلق لزومه بآخر
الوقت(٢)، فإذا لزمها فرض الصلاة: استحال بقاء حكم الحيض معه، إذ
كان بقاء حكم الحيض ينافي لزوم الصلاة، وفي لزومها الصلاة: ما ينافي
بقاء حكم الحيض، فصارت حينئذ بمنزلة امرأة جُنُب، فلا يكون وجوب
الاغتسال عليها مانعاً زوجَها من الوطء.
فإن قال قائل: ليس في لزومها فرض الصلاة ما يبيح وطأها، وإن لم يلزم
ذلك إلا منافياً لحكم الحيض، وذلك لأن لزوم الغُسْل ينافي بقاء حكم
الحيض قبل خروج وقت الصلاة، ولم يوجب ذلك إباحة وطئها لزوجها.
(١) البقرة: ٢٣٠.
(٢) انظر: الفصول في الأصول ١٢١/٢-١٢٩.

٤٧١
كتاب الطهارة
قيل له: الفصل بينهما: أن لزوم الغُسْل من موجَب الحيض، فلا يكون
مانعاً من بقاء حكم الحيض فيما دون العشر، وهو نظير الحَلْق الذي يتعلق
لزومه بالإحرام، فلا يكون وجوبه مخرجاً له من الإحرام، ومثل التسليم
من موجَب التحريمة، وليس لزومه مانعاً من بقاء التحريمة، وأما الصلاة
فليست من موجَب الحيض، ولا تلزم الحائض بحال، فكأن في لزومها
حكم بنفي الحيض، وبقاء حكمه(١).
مسألة : [أحكام المستحاضة](٢)
قال أبو جعفر: (وإذا استُحيضت المرأة: تركت الصلاةَ في أيام
حيضها، ولم يُنْظر في ذلك إلى غيرها من نسائها، ولا إلى لون الدم، فإذا
مضت أيامُها: اغتسلت، وتوضأت لوقت كل صلاة إلى أن يجيء وقتُ
حيضها).
قال أبو بكر أحمد : هذا الفصل يشتمل على مسائل:
منها: أنه لا يعتبر حيضها بنسائها إذا استحيضت.
ومنها: أنه لا اعتبار بلون الدم.
والثالث: أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة.
* والأصل في اعتبار أيامها إذا استحيضت دون لون الدم، ودون
عادة نسائها: قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش رضي
(١) قارن: أحكام القرآن للجصاص ٣٥١/١.
(٢) راجع: الأصل ٣٣٤/١، ٣٣٨، المبسوط ١٥٤/٣، بدائع الصنائع
٣٩/١، ٤١.

٤٧٢
كتاب الطهارة
الله عنها: ((دَعِي الصلاة أيام أقرائك))(١).
وفي حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه
وسلم: ((المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها))(٢).
وهو عام في سائر النساء، فثبت بذلك أن الاعتبار بالوقت دون لون
الدم، ودون عادة نسائها.
فإن قيل: قد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي
حُبَيْش رضي الله عنها:
((دم الحيض أسود يُعْرَف، فإذا كان ذلك فدَعِي الصلاة))(٣).
قيل له: وقد قال لها: ((فلتنظر الأيام والليالي التي كانت تجلس
فيها))(٤)، فعَلِمْنا أنها ممن كانت لها أيام.
(١) أخرجه - بلفظ قريب - البخاري ٢٢٦ (٩١/١)، ومسلم ٣٣٣
(٢٦٢/١).
(٢) أخرجه الترمذي ١٢٦-١٢٧ (٢٢٠/١) وقال: هذا حديث قد تفرد به شريك
عن أبي اليقظان، ونقل عن البخاري أنه لم يعرف اسم جد عدي بن ثابت، وأخرجه
أبو داود ٢٨١ (١٩٣/١).
(٣) أخرجه أبو داود ٢٨٦ (١٩٧/١)، والنسائي في السنن (المجتبى)
٢١٥-٢١٦ (١٢٣/١)، والحاكم في المستدرك ١٧٤/١، وقال: صحيح على شرط
مسلم، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه - بمعناه - البخاري ٣١٩ (١٢٤/١)، والنسائي ٢٠٨ (١٢٠/١)،
وأبو داود ٢٧٤ (١٨٧/١).

٤٧٣
كتاب الطهارة
وقد اتفق الجميع فيمن لها أيام معروفة أن الاعتبار بأيامها، دون لون
(١)
الدم(١).
وأيضاً: فإن فاطمة لم تكن مبتدأة؛ لأنها قالت: ((إني أُستحاض الشهر
والشهرين، فلا أطهر)) (٢).
وأيضاً: فليس يجوز أن يكون لون الدم عَلَماً للحيض؛ لوجوده في
غير أيام الحيض، وفي التي لها أيام معروفة.
* ويدل عليه أيضاً: أن النفاس في حكم الحيض في باب إسقاط
فرض الصلاة، ومَنْع الوطء، ووجوب الغُسْل عند انقطاعه، ثم اتفق
الجميع على سقوط اعتباره بلونه(٣)، فكذلك الحيض.
: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ
أَزْحَامِهِنَ﴾ (٤).
روي في التفسير: من الحيض، والحَبَل(٥)، ولو كان لون الدم عَلَماً
يُعْرَف به، لعرفَتْه النساء، ولما رُجع فيه إلى قولها، كما يُرجع إلى قولها
في الولادة، وسائر ما تطّلع عليه النساء (٦).
(١) انظر: المغني ٤٣٦/١.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٠٢.
(٣) انظر: المجموع شرح المهذب ٥٣١/٢-٥٣٢.
(٤) البقرة: ٢٢٨.
(٥) راجع: أحكام القرآن للجصاص ٣٧١/١-٣٧٢.
(٦) قال الجصاص في أحكام القرآن ٣٧٢/١: «في هذه الآية دلالة على أن
=

٤٧٤
كتاب الطهارة
فصل : [المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة]
وأما قولهم: إن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، فقد روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حَمْنَة بنت جحش رضي الله عنها ((أنه
أمرها أن تغتسل لكل صلاة))(١)، وقال به قوم(٢).
وروي في حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها ((أن
النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تغتسل، وتصلي))(٣)، ولم
الحيض لا يتعلق حكمه بلون الدم، لأنه لو كان كذلك: لما اختصت هي بالرجوع إلى
قولها دوننا؛ لأنها وإيانا متساوون في التفرقة بين الألوان .... ، ووقت الحيض،
والعادة فيه، ومقداره، وأوقات الطهر إنما تُعلم من جهتها ... كل ذلك المرجع فيه إلى
قولها؛ لأنا لا نعلمه نحن ولا نقف عليه إلا من جهتها، فلذلك جُعِل القول فيه
قولها)). اهـ
(١) قصة استفتائها، أخرجها أحمد في المسند ٣٨١/٦، ٤٣٩، وأبو داود
٢٨٧(١٩٩/١)، والترمذي ١٢٨ (٢٢١/١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وكلهم أخرجوا الغسل ثلاث مرات لكل خمس صلوات.
أما الأمر بالغُسْل لكل صلاة، فقد وقع في حديث أم حبيبة بنت جحش زوجة
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، أخرجه البخاري في الصحيح
٣٢١(١٢٤/١)، ومسلم في الصحيح ٣٣٤(٢٦٣/١-٢٦٤).
(٢) وممن قال بوجوب الغُسْل عليها لكل صلاة من الصحابة عبد الله بن عباس
- في إحدى الروايتين عنه - وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم،
ومن التابعين عطاء رضي الله عنه. أخرج ذلك عنهم عبد الرزاق في المصنف الآثار:
١١٧٣، ١١٧٨-١١٨٠ (٣٠٥/١، ٣٠٨-٣٠٩)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٣٥٩،
١٣٦١ (١١٩/١).
(٣) أخرجه البخاري ٣١٤ (١٢٢/١)، ومسلم ٣٣٣ (٢٦٢/١).

٤٧٥
كتاب الطهارة
یذکر فيه الوضوء.
وبه قال مالك بن أنس رضي الله عنه(١).
وروى الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله
عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله
عنها أن تتوضأ لكل صلاة))(٢).
وكذلك روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن
النبي صلى الله عليه وسلم(٣).
وروى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((المستحاضة تقعد أيام أقرائها، وتغتسل وتتوضأ لكل
صلاة))(٤).
وروي عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي
صلى الله عليه وسلم ((أنها تغتسل وتتوضأ لكل صلاة))(٥).
(١) لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة عند مالك، وإنما يستحب فقط. انظر:
بداية المجتهد ٧٥/٢.
(٢) أخرجه أبو داود ٢٩٨ (٢٠٩/١)، والنسائي في السنن (المجتبى) ٢١٥
(١/ ١٢٣).
(٣) أخرجه البخاري ٢٢٦ (٩١/١)، ومسلم ٣٣٣ (٢٦٢/١).
(٤) أخرجه أبو داود ٢٩٧ (٢٠٩/١)، والترمذي ١٢٦ (٢٢٠/١)، وقال: ((هذا
حديث تفرد به شريك عن أبي اليقظان)).
(٥) أخرجه الدارقطني في السنن ٧ (٢٠٧/١)، وقال: ((رواته ثقات))، وابن أبي
شيبة في المصنف ١٣٤٦ (١١٨/١).

٤٧٦
كتاب الطهارة
ويروى هذا القول عن علي (١)، وعبد الله(٢)، وعائشة (٣)، وابن
عباس(٤)، رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين(٥).
فإن قال قائل: لما جاز لها أن تصلي مع سيلان الدم، دلَّ على أن دم
الاستحاضة ليس بحدث.
قيل له: هذا فاسد من قِبَل أن الماسح على الخفين يصلي مع بقاء الحدث
في الرِّجل، والمتيمم يصلي مع بقاء الحدث، لأن التيمم لا يرفع الحدث.
فليس إذاً في جواز الصلاة مع وجود دم الاستحاضة دليل على أنه
ليس بحدث، بل هو حدث مرخِّص لها في فعل الصلاة معه إلى خروج
وقت الصلاة، فمتى ارتفعت الرخصة بخروج الوقت وجب عليها الوضوء
للحدث الذي كان في أول الوقت، كما يجب على الماسح غَسْل الرجلين
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٩٩/١.
(٢) هو عبد الله بن مسعود، ولم أقف على قوله فيما تيسر لي من المراجع.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١١٧٠ (٣٠٤/١)، وابن أبي شيبة في
المصنف ١٣٥١ (١١٩/١)، والدارمي في السنن ٧٩٩(٢٢٤/١).
(٤) أخرجه الدارمي في السنن ٧٨٨، ٧٩٧ (١ /٢٢٢، ٢٢٤)، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ٩٩/١، وهي إحدى الروايتين عنه.
(٥) منهم مثلاً - سعيد بن المسيب ـ أخرج ذلك عنه ابن أبي شيبة في المصنف
١٣٥٤ (١١٩/١).
- ومحمد أبو جعفر، أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣٤٩،
١٣٦٦ (١١٨/١، ١٢٠).
- وسالم، والقاسم، أخرجه عنهما ابن أبي شيبة في المصنف ١٣٦٣ (١٢٠/١).
- وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١١٧٧ (٣٠٨/١).

٤٧٧
كتاب الطهارة
إذا نزع خفيه، أو مضى وقت المسح للحدث الموجود قبله، وقد فعل معه
صلوات كثيرة.
فإن قيل: فقد روي في حديث حَمْنة رضي الله عنها الاغتسال لكل
صلاة، ولم تقولوا به(١).
قيل له: نقول به لمن كان حالها مثل حال حَمْنة، وهي إنما
استحيضت سبع سنين، ولم تعرف أيامها (٢)، وكذلك نقول في المستحاضة
إذا نسيت أيامها: تغتسل لكل صلاة.
(١) الصحيح - كما تقدم التنبيه عليه - أن الغسل لكل صلاة ورد في حديث أم
حبيبة بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وليس في حديث
حمنة بنت جحش، والله أعلم.
(٢) هكذا ذكر المؤلف رحمه الله في أحكام القرآن ٣٤٣/١ أن التي استحيضت
سبع سنين هي حمنة بنت جحش رضي الله عنها، مما يؤكد أنه إما أنه يراهما شخصية
واحدة، وإما أنه وَهْم منه رحمه الله، وجلَّ مَن لا يسهو.
ويدل على ذلك ما أورد البخاري في الصحيح ٣٢١ (١٢٤/١)، وعند مسلم في
الصحيح ٣٣٤ (٢٦٣/١)، وعند أبي داود والنسائي والدارمي في السنن، راجع:
المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي ٣٩٧/٢ كلمة ((سبع)) عندهم كلهم من
حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة، بنت جحش، وزوج عبد الرحمن بن عوف
هي التي استحيضت سبع سنين ، والله أعلم.
وقد ذكر السيوطي في شرحه على سنن النسائي (المجتبى) (١١٧/١) أن اللاتي
ذُكر أنهن استحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع: فاطمة بنت أبي
حبيش، وأم حبيبة بنت جحش، وأختها حمنة، وأختها زينب أم المؤمنين إن صح،
وسهلة بنت سهيل، وسودة أم المؤمنين، وأسماء بنت مرثد الحارثية، وزينب بنت أبي
سلمة، وبادنة بنت غيلان الثقفية رضي الله عنهن، والله أعلم.

٤٧٨
كتاب الطهارة
فصل :
وقدَّر أصحابنا رخصة المستحاضة بالوقت دون فعل الصلاة؛
لاحتمال لفظ الخبر: للصلاة والوقت جميعاً، ولا يجوز أن يكونا جميعاً
مرادَيْن؛ لتنافيهما، واتفاق الجميع على خلافه (١)، فإذاً المراد أحدهما، لا
هما جميعاً.
ثم وجدنا الأصول شاهدة لاعتبار الوقت، دون فعل الصلاة؛ لأنا
وجدنا فيها رخصة مقدرة بالوقت، وهو المسح على الخفين، ولم نجد
رخصة مقدرة بفعل الصلاة.
والدليل على احتمال اللفظ للوقت، قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((جُعِلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فحيثما أدركتني الصلاة
صليت))(٢).
والمعنى: حيث أدركني وقت الصلاة، ويقول القائل: آتيك الظهر،
ولقيته العصر، وهو يريد الوقت.
وعلى أن مخالفنا لم يقدرها بفعل الصلاة؛ لأنه يُجوِّز لها فعل النافلة
بعد الفرض بتلك الطهارة، فدل على بقاء حكم طهارتها مع فعل الصلاة،
وأنه جائز لها أن تصليَ بها فرضاً آخر ما دامت في الوقت؛ لأن الفرض
والنفل لا يختلفان في حكم الطهارة.
(١) لم أقف على هذا الإجماع فيما تيسر لي من المراجع.
(٢) سبق تخريجه، وفي المصادر: ((فحيثما أدركتك الصلاة فصلٍ))، أو: ((فأيما
رجل أدركته الصلاة، صلى حيث كان))، والله أعلم.

٤٧٩
كتاب الطهارة
مسألة : [المرأة المبتدأة مستحاضةً](١)
قال أبو جعفر: (ولو ابتدئت مستحاضةً: أمسكتْ عن الصلاة عشرة
أيام، ثم اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة عشرين يوماً).
قال أبو بكر أحمد : والدليل على أنها تستوفي لها في كل شهر حيضةً
وطهراً: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم لحَمْنة بنت جحش رضي الله عنها:
((تحيَّضي(٢) في علم الله ستاً أو سبعاً، كما تحيض النساء في كل شهر))(٣).
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الغالب من عادة النساء في كل شهر
حيضة، وطُهِرٌ، ولم يفرِّق بين المبتدأة وغيرها، فهو على الجميع حتى
تقوم الدلالة على غيره.
فإن قيل: فهلا اعتبرت ستاً وسبعاً، كما قال عليه الصلاة والسلام
لحمنة رضي الله عنها!؟
قيل له: يحتمل أن تكون حمنة رضي الله عنها قد كانت علمت أن
أيامها ستة أو سبعة، فعرفت العدد، ولم تعرف الوقت، واستُحيضت،
فأُمرت بذلك(٤) ، ولا دلالة فيه إذا كان كذلك؛ إذ حكم جميع النساء
كذلك، وإنما موضع الدلالة من الخبر استيفاء حيضة وطهر في كل شهر؛
(١) راجع: الأصل ٤٥٧/١، المبسوط ١٦١/٣، وبدائع الصنائع ٤١/١.
(٢) تحيَّضي: أي اقعدي أيام حيضك، ودعي فيها الصلاة والصيام، كما جاء في
حاشية نسخة ق.
(٣) أخرجه أبو داود ٢٨٧ (١٩٩/١)، والترمذي في السنن ١٢٨ (٢٢١/١)،
وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))، وأحمد في المسند ٣٨١/٦، ٣٨٢، ٤٣٩.
(٤) ينظر شرح الخطابي على سنن أبي داود (مطبوع بذيله) ١/ ٢٠١.

٤٨٠
كتاب الطهارة
لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كما تحيض النساء في كل شهر)).
: وأيضاً: لما أقام الله تعالى الشهور مقام الحيض، جعل بدل كل
حيضةٍ وطهرٍ شهراً كاملاً، فوجب أن يُستوفى لها ذلك في كل شهر، ما لم
يظهر لها غيره.
وإذا ثبت وجوب استيفاء حيضة وطهر في كل شهر بما قدَّمنا، جعلنا
الحيض عشرة أيام؛ لأنا قد علمنا كونها حائضاً حين رأت الدم ثلاثاً، ولم
نعلم زوال حكم الحيض بالزيادة، بل قد حكمنا لها بحكم الأصل بالاتفاق
حين أمرناها بترك الصلاة إلى تمام العشر، فلا يتغير حكمها بزيادة الدم
على العشر، إذ لا دلالة فيه على أن أيامها أقل منها.
مسألة : [أقل مدة الحيض وأكثره](١)
قال أبو جعفر : (أقلُّ الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام).
والأصل فيه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة
بنت أبي حُبَيْش رضي الله عنها :. ((دعي الصلاة أيام محيضك))(٢)، وفي
بعض الألفاظ: ((أيام أقرائك من كل شهر))(٣).
وقال: ((المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها))(٤)، في أخبارٍ أُخَر.
(١) راجع: الأصل ٣٣/١، المبسوط ١٤٧/٣، بدائع الصنائع ٣٩/١.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٢/٦، ٢٠٤، وابن أبي شيبة في المصنف
١٣٤٥(١١٨/١).
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٢٠٤/٦ بدون لفظة: ((الشهر)).
(٤) أخرجه أبو داود ٢٨١ (١/ ١٩٢).