Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الطهارة
الصحابة رضي الله عنهم (١).
وليس يخلو قوله عليه الصلاة والسلام ذلك من أن يكون المراد به
تعريف موضع الأذنين، أو تعريف حكمهما في المسح مع الرأس، فلما
انتفى الوجه الأول؛ لخلوه من الفائدة: صحَّ الثاني.
فإن قيل: معناه أنهما يُمسحان كما يُمسح الرأس، ولا دلالة فيه على
أنهما یمسحان معه.
قيل له: لا يصح أن يقال: هما من الرأس من أجل أنهما يمسحان
كالرأسٍ؛ لأنه لو كان كذلك كان أن يقال: الرِّجلان من الوجه؛ لأنهما
يُغسلان كما يغسل الوجه، فلما بَطَلَ هذا: علمنا أنه أراد أنهما تابعتان
للرأس في المسح، فلذلك قال: هما ((مِن الرأس))؛ لأن ((مِن)): للتبعيض،
فكأنه جعلهما بعضَ الرأس في الحكم.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في سجوده:
(سَجَدَ وجهي للذي خَلَقَه وشَقَّ سمعه وبصره))(٢)، فدل أن السمع من
الوجه.
قيل له: إنما أراد بالوجه نفسَه وذاتَه، لا العضو، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ
المصنف ١٧١ (٢٥/١).
(١) روي عن عثمان: أخرجه الدار قطني برقم: ٤٦ (١٠٤/١-١٠٥)، وعن
عائشة: أخرجه الدارقطني برقم: ٤٧ (١٠٥/١)، وعن ابن عباس: أخرجه ابن أبي
شيبة، المصنف ١٦٠ (٢٤/١).
(٢) أخرجه الترمذي ٥٨٠ (٤٧٤/٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو
داود ١٤١٤ (١٢٧/٢)، والنسائي في السنن (المجتبى) ١١٢٩ (٢٢٢/٢).

٣٢٢
كتاب الطهارة
شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾(١): يعني ذاته، ولأن السجود ليس للعضو، وإنما
هو لجملة الإنسان، فكذلك سمعه وبصره.
وأيضاً: فقد قال الشاعر:
إلى هامةٍ قد وَقَرَ الضربُ سَمْعَها
وليست كأخرى سَمْعها لم يُوقَر(٢)
فأضاف السمع إلى الهامة، فهذا يوجب أن يكونا من الرأس.
فإن قيل: فجوِّز المسح عليهما دون الرأس إذا كانا من الرأس.
قيل له: لأنهما دخلا في حكم الرأس على وجه التبع، ولا يجوز أن
يقوم الأتباع مقام الأصل.
فإن قيل: قد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ لهما ماءً
((٣)
جديداً(٣).
قيل له: لو صحَّ: لوَرَدَ به النقل متواتراً كوروده في سائر الأعضاء (٤).
(١) القصص: ٨٨.
(٢) في ((د)): بدل: (الضرب): (الصوت)، وقد ذكر هذا البيت ابنُ قتيبة في
غريب الحديث ١٤/١ غير منسوب لأحد.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٥١/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٦٥/١،
وقال الحاكم: هذا حديث على شرط الشيخين إذا سلم من ابن أبي عبيد هذا، فقد
احتجا جمیعاً بجمیع رواته اهـ
(٤) قال الزيلعي: وما ذهب إليه أصحابنا أولى؛ لكثرة رواته وتعدد طرقه،
والتجديد إنما وقع بياناً للجواز. نصب الراية ١/ ٢٢.
وقال الغماري: «إنه حديث معلول، وذلك أن هارون بن معروف وهارون بن
=

٣٢٣
كتاب الطهارة
وأيضاً: لو كانتا من الوجه: لوجب غسلهما معه، ولما جاز تركه؛
لأن الغسل يوجب استيعاب العضو، وفي جواز مسحهما أو تركهما دلالة
على أنهما ليستا من الوجه، وأنهما من الرأس؛ لأن مسح الرأس موضوعه
التخفيف، فلذلك جاز تركهما ومسحهما جميعاً.
مسألة [فرضية غَسل المِرْفقَيْن والكعبَيْن في الوضوء](١)
قال أبو جعفر : (وعلى المتوضئء غسل مِرفقيه وكعبيه في الوضوء).
قال أبو بكر: وذلك لأن قوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ﴾(٢): اقتضى ظاهرُ لفظه غسلهما إلى المَنْكِب لولا ذكر الغاية؛
لأن اليد اسمٌ للعضو إلى المنكب (٣).
وكذلك الرِّجْلُ اسمٌ للعضو إلى الفخذ(٤)، فلما ذكَرَ الغاية: كانت
لإسقاط ما عداها، وبقي حكم اللفظ في المرفق والكعبين، فدَخَلا فيه.
وأيضاً: فلما كانت الغاية مشكوكاً فيها؛ لأنها قد تدخل في الحكم
سعيد الأيلي وأبو الطاهر وعلي بن خشرم وسريج بن النعمان رووه عن ابن وهب على
موافقة الجمهور، فقالوا: «فمسح رأسه بماء غير فضل يده))، بدل قوله: ((وأخذ
للأذنين ماء خلاف الذي مسح به رأسه ... ، ثم قال: هي رواية ضعيفة جداً، وإن كان
ظاهر إسنادها الصحة)). ينظر الهداية في تخريج أحاديث البداية ١٥٤/١ الحديث: ٢٠.
(١) راجع: المبسوط ٦/١، ٨، بدائع الصنائع ١/ ٤-٦.
(٢) المائدة: ٦.
(٣) انظر: المصباح المنير ص ٦٨٠.
(٤) انظر: المصباح المنير ص ٢٢٠.

٣٢٤
كتاب الطهارة
تارة، ولا تدخل أخرى. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُوْ اَلْضِيَامَ إِلَىَ أَلَيْلِ﴾(١)، وهو
غير داخل فيه.
ولو قال رجل لآخر: والله لا كَلَّمتُك إلى أن تدخل الدار: كان الدخول
داخلاً في اليمين، والكلام بعده، وذلك متعارف في العادة.
ولأن: ((إلى)): في هذا الموضع غاية، بمنزلة: ((حتى))، فيقتضي ظاهرُه
دخوله فيه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾(٢): عُقِلَ
به إباحة الصلاة بعد الغسل.
فلما كان كذلك، ولم يكن في ظاهر اللفظ دلالة على دخولها، ولا
على خروجها، ثم كان الحدث يقيناً: لم يرفعه بالشك، ولا يحصل اليقين
إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وأيضاً: لما كان حكم الغاية على ما وصفنا، كانت بمنزلة اللفظ
المُجْمَل المفتقر إلى البيان.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال:
حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا العقيلي عن ابن عقيل عن جابر بن
عبد الله رضي الله عنه قال: قلنا: أرنا وضوء رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومَسَحَ رأسه مرة، فرأيت الماء في أصول
الشعر، وكان إذا بلغ المرفقين أدار الماء عليهما(٣).
(١) البقرة: ١٨٧.
(٢) النساء: ٤٣.
(٣) أخرجه مختصَراً الدارقطني في السنن، الحديث: ١٥ (٨٣/١)، والبيهقي
=

٣٢٥
كتاب الطهارة
فكان فعلُه صلى الله عليه وسلم وارداً مورد البيان، وفعلُه صلى الله
عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان: فهو عندنا على الوجوب.
[مسألة: فرضية غَسْل الرِّجلين في الوضوء](١)
وأما فرض الرِّجلين: فهو الغسْل في حال ظهورهما؛ وذلك لأن قوله
عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾(٢): لمَّا قُرىء على وجهين: بالنصب،
والخفض، وكلّ واحدٍ من الوجهين يحتمل أن يكون راجعاً إلى الممسوح،
وإلى المغسول، صار كاللفظ المُجْمَل المفتقر إلى البيان، وفعلُ النبي
صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان: فهو على الوجوب، ولم
يثبت عنه البيان إلا بالغَسْل، فكان على الوجوب، فدل على أنه هو المراد
بالآية.
* ومن جهة أخرى: هي أنه إذا احتمل الوجهين على ما بيّنًّا، صار
كالآيتين، في إحداهما مَسْحٌ، وفي الأخرىُ غَسْلٌ، فالواجب علينا
استعمالهما باستيعاب حكمهما، وذلك لا يكون إلا بالغَسل، لأن المسح
يدخل فيه، والغَسل لا يدخل في المسح.
فإن قيل: هلا جعلتَه على التخيير؟
قيل له: لا يجوز إثبات التخيير إلا مع وجود لفظ التخيير، وأما ظاهر
هذا اللفظ فيقتضي الإيجاب.
في السنن الكبرى ٥٦/١.
(١) راجع الأصل ٣/١، المبسوط ٨/١، بدائع الصنائع ٥/١ وما بعدها.
(٢) المائدة: ٦.

٣٢٦
كتاب الطهارة
وأيضاً: لما كان قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾(١) محتملاً
للوجهين، وكان الحدث يقيناً: لم يَزُل إلا بيقينٍ، وهو الغَسل.
وأيضاً: لما قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾(٢): دلَّ التحديد على
معنیین :
أحدهما: الاستيعاب.
والآخر: الغسل، كقوله: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾(٣): أوجب
الاستيعاب والغسل جميعاً.
وأيضاً: رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى قوماً تلوح
أعقابهم لم يُصِبْها الماء، فقال: ((ويلٌ للعراقيب من النار))(٤).
وأَمَرَ رجلاً قد بقي من رِجله موضعُ ظُفْر لم يُصِبْه الماء، فقال: ((ارجع
فأحسن وضوءك)) (٥).
وأيضاً: الحاجة إلى معرفة فرض طهارة الرِّجلين عامة، فلو كان
المسح ثابتاً، لوَرَدَ النقل به متواتراً، فلما لم يَرِد: عَلِمنا أنه غير ثابت.
(١) المائدة: ٦.
(٢) المائدة: ٦.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) أخرجه - بهذا اللفظ - أحمد في المسند ٢٠١/٢، ٦٨٨٣ (١٠٠/١١)،
وصحح شاكر إسناده، ٣٦٩/٣، ٣٩٣، و٤٠/٦، وابن ماجه ٤٥٢ (١٥٤/١)،
ورقم: ٤٥٤ (١٥٥/١)، ومسلم ٢٤٢ (٢١٥/١).
(٥) أخرجه مسلم ٢٤٣ (٢١٥/١)، وغيره من أصحاب السنن.

٣٢٧
كتاب الطهارة
فإن قيل: روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه
وقدمیە))(١).
قيل له: هو على ما بيَّنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين توضأ،
ومسح على نعليه وقدميه، وقال: ((هذا وضوء مَنْ لم يُحْدِث))(٢).
* ولاستعمال القراءتين وجه آخر: وهو أنه لما احتمل المسح
والغسل، استعملناهما في حالين:
- المسح في حال لبس الخفين، إذ جائزٌ أن يقال لمَن مَسَحَ على
خفيه: أنه مسح على قدميه، كما يقال: ضرب رأسه وإن كان عليه عمامة.
- والغسل في حال ظهور الرجلين، حتى نكون مستعمِلِين للقراءتَيْن
جميعاً.
وقد استقصينا هذه المسألة في ((مسائل الخلاف)).
مسألة : [عدم وجوب الموالاة ولا الترتيب في الوضوء](٣)
قال أبو جعفر: (ومَن والى وضوءَه، أو فرَّقه، أو قدَّم شيئاً على
شيء: لم يضرَّه).
قال أبو بكر : أما جواز التفريق؛ فلأنه مطابقٌ للفظ الآية، إذ ليس فيها
إيجاب المتابعة.
(١) أخرجه أبو داود ١٦٠ (١١٤/١).
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١١٦/١، ٩٤٣ (١٨٩/٢) وقال شاكر: إسناده
صحيح، والنسائي في السنن (المجتبى) ١٣٠ (٨٤/١).
(٣) راجع: الأصل ٣٠/١، المبسوط ٥٦/١، بدائع الصنائع ٢١/١-٢٢.

٣٢٨
كتاب الطهارة
وأيضاً: رُوي عن عمر (١) وأنس رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم رأى رجلاً، وقد توضأ وترك على قدميه مثل موضع الظّفُر،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع فأحسن وضوءك))(٢).
ورُوي أنه رأى قوماً تلوح أعقابهم لم يُصِبْها الماء، فقال: ((ويلٌ
للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء))(٣).
وهذا يدل على جواز التفريق، لأنه أَمَرَ بإتمامه، ولم يأمر باستئنافه.
فصل :
وأما وجه جواز ترك الترتيب فيه؛ فلقوله عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٤) الآية، والذي في الآية:
الغَسْل دون الترتيب؛ لأن الواو لا توجب الترتيب في اللغة. قاله ثَعْلب(٥)،
(١) سبق تخريجه قريباً.
(٢) أخرجه أبو داود ١٧٣ (١٢٠/١)، وابن ماجه ٦٦٥ (٢١٨/١).
(٣) أخرجه مسلم ٢٤١ (٢١٤/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٩/١.
(٤) المائدة: ٦.
(٥) ثعلب هو أحمد بن يحيى أبو العباس، إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان
محدّثاً ثقة، وله كتب عديدة منها: الفصيح في اللغة، ومجالس ثعلب، وغيرها، ولد
سنة ٢٠٠هـ، وتوفي رحمه الله سنة ٢٩١هـ، له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٢١٤/٢،
الأعلام ١/ ٢٦٧.
وينبه هنا أن المؤلف الجصاص في كتابه: الفصول ٨٤/١ نقل هذا القول عن
غلام ثعلب، لا عن ثعلب، وغلام ثعلب هو محمد بن عبد الواحد، تلميذ ثعلب،
أحد أئمة اللغة وحفاظها، وهو شيخ للجصاص، ولد سنة ٢٦٠هـ، وتوفي سنة
=

٣٢٩
كتاب الطهارة
والمُبُرِّد(١) جميعاً.
قالا: لأنك إذا قلت: رأيتُ زيداً وعمراً: فجائز أن تكون رأيتَهما معاً،
أو عمراً قبل زيد (٢)، فليس في الواو زيادة في النص، والزيادة في النص
توجب نسخه؛ لأنك تَحْظُر بها ما أباحته الآية.
فإن قيل: لو كانت الزيادة في النص توجب النسخ، لوجب أن يكون
زيادةُ فروضٍ أُخَر غير الأول توجب النسخ؛ لأن الفرض المتقرر علينا
نعتقد فيه أن لا فرض غيره، فإذا ورد فرضٌ آخر زال الاعتقاد الأول؛ لأنا
نحتاج أن نعتقد أن الفرض هو وغيره.
قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن العلة الموجبة لكون الزيادة في المنصوص
نسخاً، ليست ما ذكرتَ، وإنما هي أن ورود الفرض المفسَّر يوجب علينا
الحكم بجوازه وكماله، فإذا وردت زيادة: لم يقع الأول موقع الجواز،
وكان وجوده وعدمه سواء حتى تفعل الزيادة معه، فمن أجل ذلك صارت
الزيادة نسخاً.
وأما ورود فرضٍ آخر غير متعلِّق بالأول، فليس فيه ما يغيِّر حكم
الأول، ويبين ذلك أن الزيادة مع الأصل لو وَرَدًا: كان الإخلال بالزيادة
٣٤٥هـ، له ترجمة فى تذكرة الحفاظ ٨٦/٣، الأعلام ٢٥٤/٦.
(١) هو أبو العباس، محمد بن يزيد، الأزدي المعروف بالمبرد، أديب،
نحوي، لغوي، ولد سنة ٢١٠ هـ بالبصرة، وتوفي سنة ٣٨٥هــ ببغداد. له: معاني
القرآن، والكامل، وغير ذلك. انظر: تاريخ بغداد ٣٨٠/٣ ومفتاح السعادة ١٤٩/١.
(٢) ينظر قول ثعلب في: مجالس ثعلب ٣٨٦/٢ لأبي العباس أحمد بن يحيى
ثعلب المتوفى ٢٩١ هـ شرح وتحقيق: عبد السلام محمد هارون.

٣٣٠
كتاب الطهارة
يَسْلُب الأول حكمه، حتى يصير وجوده وعدمه بمنزلة سواء حتى تفعل
الزيادة.
وأما الفرضان فلو وَرَدا معاً، لم يكن الإخلال بأحدهما مؤثراً في
الآخر، ألا ترى أن ترك الصلاة لا يؤثر في فعل الصوم، وكذلك ترك
الصوم لا يؤثر في صحة فعل الزكاة.
وترك الترتيب في الوضوء عند مخالفنا يؤثر في حكم الغَسْل، حتى
يجعله كَلاَ غَسْل، وكذلك ترك النية فيه، وكذلك عتق الرقبة الكافرة في
الظهار لو شرطنا فيها الإيمان، كان عدمه مانعاً من ثبوت حكمها كفارة.
فهذا هو حد الزيادة الموجبة للنسخ إذا وردت بعد الفرض، وليس
هذا موضع الكلام في هذه المسألة، إلا أنه لما عرض منها ما وصفنا أحببنا
أن لا نُخليها من جملة تدل عليها(١).
فإن قيل: ما يُنْكَر على مَن سَلَّم لكم أن الواو لا يقتضي الترتيب، إلا
أن الآية توجبه من حيث كانت الفاء للتعقيب، ولا خلاف بين أهل اللغة
فيه (٢)، فلما قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾(٣):
لزم أن يكون الذي على حال القيام: غَسْلُ الوجه؛ لأنه معطوف عليه
بالفاء، فلزم تقديم غسله على سائر الأعضاء، وإذا لزم الترتيب في غسل
(١) للتفصيل في هذه المسالة راجع: الفصول في الأصول ٢٧٦/٢ وما بعدها.
(٢) أما كون الفاء للتعقيب فانظر لذلك: لسان العرب، باب الفاء ٣٣٣٣/٥،
وكتاب حروف المعاني للزجاجي ص٣٩، أما الاتفاق فلم أعثر على أحد نص عليه.
والله أعلم.
(٣) المائدة: ٦.

٣٣١
كتاب الطهارة
الوجه: لزم في سائر الأعضاء؛ لأن أحداً لم يفرِّق بينهما.
قیل له: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾(١) متفق على أنه ليس
المراد به حقيقة اللفظ؛ لأن الحقيقة تقتضي إيجاب الوضوء بعد القيام إلى
الصلاة؛ لأنه جعله شرطاً فيه، ومعلوم أن شرط صحة القيام إلى الصلاة
تقديم الطهارة عليه، فثبت أنه ذَكَرَ القيامَ، والمراد به غيره، وأن فيه ضميراً
غير مذكور في اللفظ؛ والحكم متعلق به، .
وما كان هذا سبيله(٢) من الألفاظ: لم يصح استعماله إلا بقيام الدليل
عليه؛ لأنه مجاز، والمجاز لا يجوز اعتباره إلا بانضمام الدلالة إليه.
فإذاً لا يصح اعتبار غسل الوجه مرتباً على المذكور في الآية، لأجل
إدخال الفاء عليها، إذ كان المعنى الذي ترتب عليه الغسل، فيحتاج إلى
دلالة في إثباته، فهذا وجهٌ يسقط به سؤال السائل.
الثاني : وإن سلّمنا لهم جواز اعتبار اللفظ فيما يقتضيه من الترتيب،
فقلنا لهم: إذا ثبت أن الواو لا توجب الترتيب، صار تقدير الآية: إذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا هذه الأعضاء، فيصير الجميع مرتَباً على القيام، لا
غسل الوجه دون سائرها إذا كانت الواو للجمع، فكأنه عطف الأعضاء
كلها مجموعة بالفاء على حال القيام، فلا دلالة فيه على الترتيب، بل
يقتضي إسقاط الترتيب.
(١) المائدة: ٦.
(٢) في ((د)): وصفه.

٣٣٢
كتاب الطهارة
* ودليل آخر: وهو أنا وجميع فقهاء الأمصار متفقون(١) على أن قوله:
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: معطوف على المغسول في المعنى، وأنه غير معطوف
على الرأس في المعنى، وإن كان يليه؛ لأنه لو كان كذلك، لكانت
ممسوحة كالرأس، فثبت بما وصفنا أن الرِّجْلَ معطوفةٌ على الوجه
واليدين، مقدّمة على الرأس في المعنى وإن كانت مؤخرة عنه في اللفظ.
* ودليل آخر: وهو قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾(٢) .
وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ
◌ِيُطَهِّرَكُمْ﴾(٣).
وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَّطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٤).
فاقتضت هذه الآيات وقوع الطهارة بوجود الغَسل، وفي ظاهرها ما
يقتضي ببطلان الترتیب من وجوه:
أحدها: أنه تعالى جعله مطهِّراً، وخَصْمُنا يأبى ذلك إلا مع وجود
الترتيب، وفي ذلك زيادة في النص، وذلك لا يجوز.
والثاني: أن الله أخبر أن قَصْدَه تطهيرُنا بالماء، والتطهير واقعٌ مع عدم
الترتيب، فموجَبُ الترتيب مزيلٌ لما أخبر الله تعالى به عن مقصده من
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر ٤١٣/١، والمغني ١٨٤/١، ١٨٧.
(٢) الفرقان: ٤٨.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) الأنفال: ١١.

٣٣٣
كتاب الطهارة
وقوع الطهارة به.
والثالث: نفيه الحرج فيما تعبَّدَنا به من حكم الطهارة، والحرج:
الضيق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(١)، وفي إيجاب
الترتيب إثبات الحرج، لأن فيه ضرباً من التضييق.
وأيضاً: روي عن علي (٢) وعبد الله(٣) وأبي هريرة رضي الله عنهم: ((ما
أبالي إذا أتممتُ وضوئي، بأي أعضائي بدأتُ))(٤).
ولا نعلم عن أحد من السلف خلافَه، فصار إجماعاً(٥).
وأيضاً: اتفقنا جميعاً على أنه لو بدأ من المرفق إلى الزند في الغسل:
(١) الحج: ٧٨.
(٢) أثر علي رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤١٨_٤١٩
(٤٣/١)، والدارقطني في السنن ١-٦ (٨٧/١-٨٩) كلاهما بأسانيد فيها: زياد مولى
بني مخزوم، وفيه كلام، وفي بعضها: عبد الله بن عمرو بن هند عن علي، وهو
منقطع.
(٣) أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة في المصدر برقم:
٤٢٠ (٤٣/١)، والدارقطني في المصدر، برقم: ٨٧ (٨٩/١) وقال في الأول:
مرسل، وفي الثاني: صحيح.
(٤) أثر أبي هريرة رضي الله عنه: ذكره الحافظ ابن حجر عن أبي عبيد في
((الطهور)) له: أن أبا هريرة كان يبدأ بميامنه، فبلغ ذلك، فبدأ بمياسره. التلخيص
الحبير ٨٨/١، الحديث: ٩٠، والدارقطني، المصدر رقم: ٣ (٨٨/١).
(٥) انظر: المغني ١٥٣/١، والمجموع ٤٤٣/١.

٣٣٤
كتاب الطهارة
جاز، وقال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾(١)، فلما لم يجب الترتيب
فيه، مع أن اللفظ يقتضيه، فما لا يقتضي اللفظ ترتيبه من الأعضاء، أحرى
أن لا يجب فيه الترتيب.
فإن قيل: ما العلة الجامعة بينهما؟
قيل له: هي أنهما جميعاً من أعضاء الطهارة، فلما سقط الترتيب في
أحدهما، سقط في الآخر، إذ كان من أعضاء الطهارة.
وأيضاً: لما لم يلزم الترتيب بين الصلاة والزكاة، إذ كل واحدة منهما
يجوز سقوطها مع ثبوت فرض الأخرى، كان كذلك الترتيب في الوضوء،
إذ جائز سقوط فرض غسل الرِّجلين لعلَّةٍ بهما، مع لزوم غسل فرض
الوجه.
وأيضاً: لما لم يَسْتَحِلْ جَمْعُها: سقط فيها الترتيب، كما أنه لما لم
يستَحِلْ جمع فعل الصلاة والزكاة في حال واحدة: سقط فيهما الترتيب.
فإن قيل: رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فغسل وجهه،
ثم يديه، وسائر أعضاء الوضوء على الترتيب، ثم قال: ((هذا وضوء مَن لا
يقبل الله له صلاة إلا به))(٢)، وذلك يقتضي وجوب الترتيب، لأنه أشار إلى
وضوء مرتب.
قيل له: هذا غلط، لأن الحديث الذي ذُكر فيه هذا اللفظ: لم يُذكر فيه
الترتيب، وإنما هو حديث زيد العمِّي عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أن
(١) المائدة: ٦.
(٢) سبق تخريجه.
٠

٣٣٥
كتاب الطهارة
النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ثم قال: ((هذا وضوء مَن لا يقبل
الله صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين))(١) إلى آخر الحديث، ولم يُذكر
فيه كيفية فعله في الترتيب.
وليس يمتنع أن يكون قد بدأ باليدين قبل الوجه، أو بمسح الرأس
قبله، ومَن ادعى أنه فعله مرتَّباً، لم يمكنه إثبات ذلك إلا برواية، ولا
سبیل إلى إيجاد ذلك.
وأيضاً: لو ثبت أنه فَعَلَه مرتباً، ثم قال ذلك، لكان ذلك إشارة منه إلى
الوضوء، والوضوء هو الغَسْل، دون الترتيب.
فإن قيل: رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين صعد
الصفا: ((نبدأ بما بدأ الله به))(٢)، فدلَّ أن ترتيب الفعل وجب لأجل ترتيب
اللفظ.
قيل له: هذا يدل على أن اللفظ لم يوجب الترتيب، لأنه لو أوجبه لم
يحتَجْ عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم ذلك، وهم أهل اللسان قد عقلوا
حکم اللفظ.
وأيضاً: فإنما وجب ذلك في الصفا والمروة، ولا يدخل غيره فيه إلا
بدلالة.
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود ١٩٠٥ (٤٥٩/٢) عن جابر رضي الله عنه مطولاً، ومسلم
١٢١٨ (٨٨٨/٢) مطولاً بلفظ: ((أبداً))، والترمذي ٨٦٢ (٢٦/٣). وقال: هذا حديث
حسن.

٣٣٦
كتاب الطهارة
فإن قيل: رُوي أنه قال: ((ابْدؤوا بما بدأ الله به))(١)، ولم يذكر فيه الصفا
والمروة، وهو على العموم.
قيل له: الحديث حديثٌ واحدٌ، رُوي في قصة واحدة، وعسى أن
يكون بعضُ الرواة أسقط ذِكْر السبب، واقتصر على حكاية قول النبي
صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: فإذا لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في حالين، لم
يجز لنا أن نجعله حديثين؛ لأنه غير جائز إثبات الأخبار بالشك.
فإن قيل: ما يُنكر أن يكون الوضوء قياساً على الصفا والمروة في
إيجاب الترتيب، والمعنى الجامع بينهما أنهما قد دخلا تحت فرض
واحد، لا يصح بعضه دون بعض.
قيل له: قد تصح طهارة بعض الأعضاء دون بعض؛ لأنه لو كان برأسه
أو بذراعه علة تمنع الغسل، صحَّت له طهارة باقي الأعضاء، فقولك: إنه
لا يصح بعضه دون بعض: خطأ.
وأيضاً: حكى محمد بن شجاع(٢) عن أبي حنيفة أنه إن بدأ بالمروة ثم
(١) أخرجه من حديث جابر رضي الله عنه النسائي في السنن (المجتبى) ٢٩٦٢
(٢٣٦/٥)، والدارقطني في السنن ٧٩-٨٢ (٢٥٤/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى
٥ / ٩٤.
(٢) هو محمد بن شجاع بن الثلجي البغدادي، القاضي، أبو عبد الله، فقيه أهل
العراق في وقته، من أصحاب الحسن بن زياد، له ((المناسك))، و((تصحيح الآثار))،
و((النوادر))، توفي سنة ٢٦٦ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٦٢٩/٢. الترجمة: ٦٥٥.
والجواهر المضية في طبقات الحنفية ١٧٣/٣_١٧٥.

٣٣٧
كتاب الطهارة
بالصفا، أمرتُه بإعادة ذلك الشوط، فإن لم يُعِدْه أجزأه(١)، فلم يوجب
الترتيب في الصفا والمروة.
وأيضاً: فالمعنى في الصفا والمروة أنه لا يصح جمعهما، فلزم
الترتيب، وقد يصح جمع الأعضاء في الغسل.
فإن قاسوه على ترتيب السجود على الركوع، فإنه فرض واحد يضمن
بعضه ببعض: كان الجواب فيه ما قدمناه من الوجهين:
أحدهما: أن جمعهما مستحيل، ولا يستحيل جمع الغسل.
والثاني: أنه قد يصح ثبوت فرض بعض الأعضاء وسقوط البعض،
ولا يصح سقوط فرض الركوع دون السجود، ولا ثبوت أحدهما دون
الآخر.
فإن قيل: رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن توضأ
فغسل وجهه كما أمره الله، ثم غسل يديه ... )) (٢)، وذلك يقتضي
الترتيب.
قيل له: هذا حكاية عن فعل العبد، لا عن أمر الله، لأن أمر الله مذكور
في غسل الوجه، لا في اليدين.
وأيضاً: ذَكَرَ فيه المضمضة والاستنشاق، وليسا بواجبَيْن.
(١) انظر: هذه الرواية الثانية: بدائع الصنائع ١٣٤/٢، والمعتمد عند الحنفية
وجوب إعادة هذا الشوط.
(٢) هذا جزء من حديث إسلام عمرو بن عنبسة رضي الله عنه، أخرجه عنه
مسلم في الصحيح ٨٣٢ (١ / ٥٧٠).

٣٣٨
كتاب الطهارة
مسألة : [وجوب المضمضة والاستنشاق في الغُسْل دون الوضوء](١)
قال أبو جعفر: (فإذا ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء: كره
له، ولم يُعِد الصلاة، وإن تركهما في الجنابة أعاد الصلاة).
قال أبو بكر: إنما لم يكونا فرضاً في الوضوء؛ لأن فرض الوضوء
ورد مفسَّراً غير مفتقر إلى البيان، فلو جعلنا المضمضة والاستنشاق فرضاً
فيه: كان زيادةً في النص، ولا يجوز ذلك عندنا، لما بيَّنَّاه.
فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بالغ في
الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(٢)، وما روي من أنه ((توضأ مرة مرة،
وقال: هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به))(٣).
قيل لهم: لا يجوز عندنا الزيادة في حكم النص(٤) بأخبار الآحاد،
فحملناه على الندب.
وأما الخبر الذي فيه: أنه توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل
الله الصلاة إلا به)): فإنه لم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق.
وأيضاً: قد اتفق الجميع على أنه ليس عليه غسل الباطن(٥)؛ لأنه لا
(١) راجع: الأصل ٤١/١، المبسوط ٦٢/١، بدائع الصنائع ٢١/١.
(٢) أخرجه أبو داود ١٤٢ (١٠٠/١)، والترمذي ٧٨٨ (١٥٥/٣)، وقال: هذا
حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن (المجتبى) الحديث: ٨٧ (٦٦/١)، وابن
ماجه ٤٠٧ (١ / ١٤٢).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في ((د)): الزيادة في القرآن.
(٥) قال ابن قدامة: ((ومذهب أكثر أهل العلم أن ذلك - غسل باطن شعر الوجه -
=

٣٣٩
كتاب الطهارة
يبلغ بالماء أصول الشعر، وداخل الأنف والفم باطن كأصول الشعر، فلا
يلزمه تطهيرهما.
فصل :
وإنما قلنا إنهما فرضان في الجنابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا
فاطّهَرُوا﴾(١)، وهذا یمکن أن نحتج به من وجهين:
أحدهما: أن يكون عموماً في كل ما يلحقه حكم التطهير، وداخل
الفم والأنف يلحقهما ذلك.
فإن قيل: هو على أقل ما يتناوله الاسم.
قيل له: بل هو على جميع ما يتناوله الاسم، كقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ
اٌلْمُشْرِكِينَ﴾(٢): اقتضى جميع ما دخل تحته، ولا يجوز أن يقال: إنه على
ثلاثة، أقلُّ ما يتناوله الاسم.
والوجه الآخر: أن يكون مُجْمَلاً، مفتقراً إلى البيان، ثم لما تمضمض
النبي صلى الله عليه وسلم، واستنشق في الجنابة، كان فعله ذلك على
وجه البيان، فهو على الوجوب، كفعله لأعداد ركعات الصلاة ونحوها،
إذ كان لفظاً مُجْمَلاً مفتقراً إلى البيان.
لا يجب)) المغني ١٤٩/١، وهذا في الوضوء.
(١) المائدة: ٦.
(٢) التوبة: ٥.

٣٤٠
كتاب الطهارة
ولا يلزم على ذلك الوضوء؛ لأنه فرض (١) مفسَّرٌ ظاهرُ المعنى، بَيِّن
المراد، غير مفتقِرٍ إلى البيان، فلم يكن فعله للمضمضة والاستنشاق على
جهة البيان، فلم يكن على الوجوب.
وأيضاً في الفرق بينهما: أن المفروض في الجنابة غَسْل الظاهر
والباطن الذي يلحقه حكم التطهير، بدلالة أن عليه إبلاغ الماء أصولَ(٢)
الشعر، ولا يجب ذلك عليه في الوضوء.
فإن قيل: فأوجِبْ طهارةَ داخل العين، لعموم الآية في الجنابة.
قيل له: خصصناه بالإجماع(٣).
فإن قيل: ليس فيه إجماع، لأن ابن عمر رضي الله عنه كان يُدْخِل
الماءَ عينه في الجنابة(٤).
قيل له: لم يُرْوَ عنه أنه كان يراه واجباً، وعسى كان يستحبه.
على أنه لو رآه واجباً، كان اتفاق مَن بعده على خلافه قاضياً عليه؛
لأن إجماع أهل الأمصار عندنا حجة.
* وأيضاً من جهة السنة : ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا
(١) في ((د)): لفظ.
(٢) في ((د)): إلى أصول الشعر.
(٣) انظر: المجموع شرح المهذب ٣٦٦/١، ٣٦٩.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠٦٩ (٩٦/١)، ومالك في الموطأ رقم:
٦٩ (٤٥/١)، وعبد الرزاق في المصنف ٩٩٠ (٢٥٩/١)، والحديث: ١٠٧٧
(٢٧٩/١)، والبيهقي، في السنن الكبرى (١٧٧/١).
قال النووي في المجموع ٣٦٨/١: وهذا الأثر عن ابن عمر صحيح.