Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر الفصل الأول لمحة موجزة عن عصر الإمام الطحاوي مقدمة : كُتِبت عن الإمام الطحاوي أكثر من دراسة متخصصة، كانت شاملة جامعة، بدءاً بكتابة العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله في: (الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي رضي الله عنه)، وكتابة الشيخ يوسف الكاندهلوي رحمه الله في: (أماني الأحبار)، وكتابة فضيلة الأستاذ الدكتور عبد المجيد محمود في كتابه: (أبو جعفر الطحاوي، وأثره في الحديث)، وكتابة الزميل الأخ الكريم الفاضل الدكتور عبد الله نذير، في رسالته التي قدَّمها في مرحلة الدكتوراه: (الإمام أبو جعفر الطحاوي فقيهاً)(١)، وغيرها من الكتابات العديدة، ولهذا لم أتوسَّع في ترجمته رحمه الله تعالی * وفيما يلي نبذة موجزة عن عصر الإمام الطحاوي، تُكوِّن لدى القارئ تصوُّراً عاماً عن تلك الحياة، التي كان يتصل بها الإمام الطحاوي رحمه الله تعالی. (١) وقد طبع غالب مضمون هذه الرسالة في سلسلة أعلام المسلمين، بدار القلم بدمشق، سنة ١٤١١هـ، رقم (٣٦)، بعنوان: (الإمام أبو جعفر الطحاوي: الإمام المحدِّث الفقيه). ٢٢ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر الحالة السياسية : · عاش الإمام الطحاوي في القرن الثالث الهجري، وربع القرن الرابع الهجري، وكانت الخلافة العباسية آنذاك في بغداد قد بدأت بالانحلال، وظهرت فيها الفوضى والاضطرابات، وبدأت تتفكك إلى دويلات هنا وهناك. وقد عاصر الطحاويُّ عدداً من خلفاء الدولة العباسية، وهم: ١- المتوكّل على الله جعفر بن المعتصم، وكانت مدة خلافته (٢٣٢هـ ـ ٢٤٧ هـ). ٢- المنتصر بالله محمد بن المتوكل (٢٤٧هـ ــ ٢٤٨هـ)، وقد بقي في الخلافة أشهراً معدودة. ٣- المستعين بالله أحمد بن المعتصم (٢٤٨ هـ - ٢٥٢ هـ). ٤- المعتز بالله محمد بن المتوكل بن المعتصم (٢٥٢ هـ - ٢٥٥هـ). ٥- المهتدي بالله محمد بن الواثق بن المعتصم (٢٥٥هـ - ٢٥٦ هـ). ٦- المعتمد على الله أحمد بن المتوكل بن المعتصم (٢٥٦ هـ ـ ٢٧٩ هـ). ٧- المعتضد بالله أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم (٢٧٩ هـ - ٢٨٩ هـ). ٨- المكتفي بالله علي بن المعتضد (٢٨٩ - ٢٩٥ هـ). ٩- المقتدر بالله جعفر بن المعتضد (٢٩٥ هـ - ٣٢٠ هـ). ١٠- القاهِر بالله محمد بن المعتضد (٣٢٠ هـ - ٣٢٢ هـ). * ولد الإمام الطحاوي رحمه الله في مصر، التي صارت منذ عهد الخليفة العباسي المعتصم محمد بن هارون الرشيد (٢١٨ هـ - ٢٢٧ هـ) ٢٣ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر تحت حكم الأتراك، وكان الأتراك هم أصحاب النفوذ على الخلفاء العباسيين، يولّون مَن شاؤوا، وينزِعون مَن شاؤوا(١). واستمر الأمر كذلك حتى سنة ٢٥٤هـ، ثم تسلم ولاية مصر أحمدُ بن طولون، وقد قَوِيَ أمره فيها جداً، ثم ضمَّ إلى مصر الشام، وبقيت الدولة الطولونية في مصر حتى زالت سنة ٢٩٢هـ، ((وكانت من غُرَرِ الدول، وأيامُهم من محاسن الأيام)) (٢). وقد عاصر الطحاويُّ كلّ أمراء الدولة الطولونية، وكانت له مكانة مرموقة عند بعضهم، أما أمراؤها فهم: ١-أحمد بن طولون، مؤسسها، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ. ٢-خُمارَوِیه بن أحمد (٢٧٠ هـ - ٢٨٢ هـ). ٣- أبو العساكر جَيْش بن خُمَارَوِيْه (٢٨٢ هـ ــ ٢٨٣ هـ). ٤-هارون بن خمارويه (٢٨٣ هـ - ٢٩٢ هـ). ٥- شَيْبَان بن أحمد بن طولون (٢٩٢ هـ)، وكانت ولايته أياماً معدودة(٣). * وبعد انتهاء الدولة الطولونية، عادت تبعية مصر إلى الخلفاء العباسيين في بغداد، يُولُّون مَن شاؤوا، فسلَّمت ولايةَ مصر بعد شيبان لمحمد بن سليمان، بأمرٍ من المكتفي بالله، ثم عَهِد إلى عيسىُ النَّوْشَرِي، أحدٍ قُوَّاد محمد بن سليمان، وبقي إلى سنة ٢٩٧هـ، مع حصول فِتَنٍ (١) ينظر تاريخ الخلفاء ص ٣٤٦ - ٣٩٠. (٢) النجوم الزاهرة ١٣٩/٣. (٣) ينظر عن حياة الدولة الطولونية: النجوم الزاهرة ٣/٣-١٤٣. ٢٤ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر واضطرابات في زمنه. ثم ولي تَكِيْن بن عبد الله الحربي، بأمر المقتدر بالله، واستمر حتى سنة ٣٠٢هـ، ثم ولي ذُكا الرومي بأمرٍ من المقتدر، حتى مات ذُكا سنة ٣٠٧هـ، فولي تكين ثانية بأمر المقتدر حتى سنة ٣٠٩هـ، ثم بعده هلال بن بدر حتى سنة ٣١١هـ، ثم أحمد بن كَيْغَلَغ، بقي حوالي سبعة أشهر، ثم تولى مرة أخرى تكين، وبقي حتى سنة ٣٢٠هـ، حيث مات المقتدر، وجاء القاهر بالله، فولَّى محمد بن طُغْج، الذي لُقُّب بالإخشيد، أي ملك الملوك(١). الحياة الاجتماعية : عاشت مصر في عهد الطولونيين متنعِّمةً باستقرارٍ ورَخاء وهدوء، وشهدت مصر في عهدهم نهضةً شملت كل ناحية: عمارةً، وتجارةً، وكَثُرت الأموال، وعمَّ الازدهار كلِّ شيء. أما الحياة في عهد مَن كان قبلهم، ومَن جاء بعدهم، فقد كانت قَلِقَةً بالفتن والمِحَن، ولم تكن مستقرة كما هي في عهد الطولونيين(٢). الحياة العلمية : كانت الحياة العلمية في عصر الإمام الطحاوي قد ازدهرت بالرغم من القلاقل السياسية، والضعف الحاصل في الدولة العباسية، وتفككها إلى دويلات، وكان من أسباب ازدهارها: اهتمامُ بعض و الأمراء والحكام بشؤون العلم، وإكرام العلماء، وتَنَافَسِ بعضهم بجمع (١) النجوم الزاهرة ١٤٤/٣-٢٣٧. (٢) النجوم الزاهرة ٣/٣-٢٣٧. ٢٥ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر المكتبات العظيمة الفريدة. وبرَز في عصره أئمةٌ أعلام كثيرون، تفتّنوا في علوم شتى، وقاموا بخدمتها من كل جانب، نَشْراً وتعليماً وتصنيفاً، وسَمَا العلم سمواً ظاهراً. أما بالنسبة لعلم الفقه خاصة، فقد كان في ذلك العصر في طور تهذيب المذاهب الفقهية الأربعة وتحريرها، ونشوء غيرها، كمذهب ابن جرير، وداود الظاهري(١). ، (١) كتب الأخ الكريم الدكتور عبد الله نذير في مقدمة رسالته في مرحلة الدكتوراه («الإمام أبو جعفر الطحاوي فقيهاً»، مبحثاً جيداً عن الحياة العلمية في عصر الطحاوي بتوسع، ینظر ص (٥٠-٧٣). ٢٦ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر الفصل الثاني حياة الإمام الطحاوي ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول : اسمه، ونسبه : هو أحمد بن محمد بن سلامة بن سَلَمة بن عبد الملك بن سَلَمة بن سُلَيْم بن سليمان بن جَنَابِ الأَزْدي(١). الحَجْري، المِصري، الطَّحَاوي(٢)، وكنيته أبو جعفر(٣). المبحث الثاني : مولده، ووفاته : ولد الإمام الطحاوي في قرية طَحَا بصَعِيد مصر، سنة ٢٣٩هـ، ومنهم مَن قال سنة ٢٢٩هـ، على اختلاف في تحديد ذلك، وترجيح أحدهما على الآخر (٤). (١) نسبةً للأزد، من أعظم قبائل قحطان العربية، ويقال للأزد التي ينتسب إليها الطحاوي: أزد الحَجْر، تمييزاً لها عن: أزد شنوءة، وغيرها، حيث حَجْر: بطن من بطون الأزد، ينظر الأنساب للسمعاني ١ /١٨٠. (٢) نسبة إلى (طحا): قرية من صعيد مصر، كما في معجم البلدان ٢٢/٤. (٣) الجواهر المضية ٢٧١/١، وغيره. (٤) الجواهر المضية ٢٧٣/١، الحاوي ص ٤_٥. ٢٧ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر وتوفي رحمه الله ليلة الخميس، مستهل ذي القعدة، سنة ٣٢١هـ، ودفن بالقَرَافة في القاهرةُ(١). المبحث الثالث : أسرته : - والده محمد بن سلامة، من أهل العلم والأدب والفضل، كما يظهر ذلك من سؤال الطحاوي لأبيه محمد بن سلامة، فيما ذكره في ((مشكل الآثار)) (٢)، وقد ذكر القرشي(٣) أن الطحاوي سمعَ من أبيه، وكانت وفاته رحمه الله سنة ٢٦٤ هـ(٤). - وأما والدته، فهي أخت الإمامِ المُزَنِي، صاحبِ الإمام الشافعي، وكانت معروفة بالعلم والفقه والصلاح، حيث ذكرها السيوطي رحمه الله فيمن كان بمصر من الفقهاء الشافعية(٥)، رحمها الله تعالى. - وخاله هو الإمام المُزَني إسماعيل بن يحيى (١٧٥ هـ - ٢٦٤ هـ)، الذي تفقه عليه في نشأته. - وأبوه من الرضاعة(٦) عيسى بن إبراهيم بن عيسىُ المَثْرُودي الغافقي، وكان ثقة ثبتاً، المتوفى سنة ٢٦١ هـ، رحمه الله تعالى. - وقد أكرم الله تعالى الطحاوي بولدٍ مِن أهل العلم أيضاً، سار على (١) وفيات الأعيان ١/ ٧٢، الحاوي ص ٤٣. (٢) ١/ ١١١. (٣) الجواهر المضية ٢٧٤/١. (٤) وفيات الأعيان ٧٢/١. (٥) حسن المحاضرة ٣٩٩/١. (٦) تهذيب التهذيب ٢٠٥/٨. ٢٨ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر سير أبيه، اسمه علي، وترجم له القرشي(١)، وذكر أنه تفقه على أبيه، وروى عنه، وتوفي سنة ٣٥١ هـ، رحمه الله تعالى. - أما حفيد الطحاوي، فهو الحسين بن علي، ذكره السمعاني في الأنساب(٢) . - وتُذْكَرُ بنتٌ للطحاوي، كانت تقرأ عليه الفقه(٣). المبحث الرابع : نشأته : نشأ الإمام الطحاوي في هذا الجو العلمي بين أبيه العالم، وأمِّه الفقيهة الشافعية، وخاله الإمام المزني، وأبيه من الرضاعة أحد المحدِّثين، ينهَل من مَعينهم، متفقهاً عليهم، راوياً عنهم، فترعرع وشبَّ على العلم، حتى استوى سُوقُه، وترقَّى حتى أصبح إماماً من كبار أئمة المسلمين في علومٍ شتى. وقد تفقه الطحاوي في نشأته على مذهب خاله المزني، مذهب الإمام الشافعي، ثم تحول إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، وكان سبب ذلك، كما يذكره الطحاوي نفسه فيما رواه عنه الخليلي في ((الإرشاد)) (٤): ((عن محمد بن أحمد الشروطي أنه قال للطحاوي: لمَ خَالفتَ مذهب خالك، واخترتَ مذهب أبي حنيفة؟ (١) الجواهر المضية ٥٤١/٢، وذكره السمعاني في الأنساب ٥٤/٩. (٢) ٥٤/٩. (٣) البحر الرائق لابن نجيم ٣٨/٤، الكليات لأبي البقاء الكفوي ١٧٤/٢ - ١٧٥. (٤) ٤٣١/١ - ٤٣٢، وفيات الأعيان ٧١/١، وهناك روايات أخرى في سبب انتقاله، فصَّلها ومخَّصها الكوثري رحمه الله في ((الحاوي)» ص ١٥. ٢٩ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر فقال: لأني كنتُ أرى خالي يُديم النظر في كُتُب أبي حنيفة، فلذلك انتقلتُ منه)). اهـ وهكذا «أخذ الطحاوي يطّلع على المنهج الفقهي عند أهل العراق، فاجتذَبَه، حتى أَخَذَ يتفقه على أحمد بن أبي عمران (١) القادم من العراق، بعد أن اطلع على ردِّ بكّارِ بن قتيبة على كتاب المزني، فأصبح في عداد المتخيِّرِين لهذا المنهج)»(٢). (١) وكان مكيناً في العلم، حَسَنَ الدراية بألوانٍ من العلم كثيرة، وممن تولى التدريس والقضاء بمصر، المتوفى سنة ٢٨٠هـ، له ترجمة في الجواهر المضية ٣٣٧/١. (٢) الحاوي ص ١٦. ٣٠ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر الفصل الثالث رحلاته، شيوخه، تلاميذه ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول : رحلاته : لم تَذْكُرُ كتبُ التراجم للطحاوي - فيما وقفت عليه - إلا رحلةً واحدة دامت سنة واحدة، رَحَل فيها من مصر إلى الشام، سنة ٢٦٨ هـ، فسمع ببيت المقدس، وغزة، وعَسْفلان، وتفقّه في دمشق على يد القاضي أبي حازم عبد الحميد بن جعفر، ورجع إلى مصر سنة ٢٦٩ هـ (١). وكأنَّ الطحاوي رحمه الله اكتفى بما في مصر، حيث كانت في زمنه قلعةً أخرى من قلاع العلم، كبغداد ونحوها، وفي هذا يقول القرشي (٢): ((وسمع الحديث من خلقٍ من المصريين، والغرباء القادمين إلى مصر)). المبحث الثاني : شيوخه : أكثر الطحاويُّ رحمه الله من تلقِيه عن العلماء، ((وتصانيفُهُ تَطْفَح بذكر شيوخه))(٣)، وقد جَمَعَ مشايخَه في جزء واحد عبدُ العزيز بن أبي طاهر (١) الجواهر المضية ٢٧٤/١، لسان الميزان ٢٧٥/١. (٢) الجواهر المضية ٢٧٥/١. (٣) الجواهر المضية ٢٧٥/١. ٣١ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر التميمي(١)، الإمامُ الحافظ محدِّث دمشق، المتوفى سنة ٤٦٦هـ (٢). وكان من أبرز شيوخه، وممن أكثر الرواية عنه، شيخه وخاله الإمام المزني، وابن أبي عمران، وبكار بن قتيبة، وغيرهم كثير. ((ومَن اطّلع على تراجم شيوخ الطحاوي، عَلِمَ أن بينهم مصريين، ومغاربة، ويمنيين، وبصريين، وكوفيين، وحجازيين، وشاميين، وخراسانيين، ومن سائر الأقطار، فتلقى منهم ما عندهم من الأخبار والآثار، وقد تنقّل في البلدان المصرية، وغير المصرية، لِتَحَمُّل ما عند شيوخ الرواية فيها، من الحديث وسائر العلوم، وكان شديد الملازمة لكل قادم إلى مصر من أهل العلم من شتى الأقطار، حتى جمع إلى علمه ما عندهم من العلوم))(٣). وقد جَمَعَ الشيخُ محمد يوسف الكاندهْلَوِي في ((أماني الأحبار))، أسماءَ شيوخه الذين روى عنهم الطحاوي في ((معاني الآثار))، و((مشكل الآثار))، مع ما ذُكر في كتب التراجم، فبلغ عددهم (٢٧٢) شيخاً. والآن وقد وُجِدَ كتابه: ((أحكام القرآن))، الذي أكثر فيه من مروياته، فيُتوقَّع أن يوقف فيه على شيوخ آخرین، یزید بهم عدد شيوخه عما ذکر، (٤) والله أعلم (٤). (١) مغاني الأخيار، للعيني ١ / لوحة / ٣أ. (٢) سير أعلام النبلاء ٢٤٨/١٨. (٣) الحاوي ص ٢٠. (٤) ينظر الحاوي ص ٦، مقدمة أماني الأحبار، المطبوعة أيضاً في أول شرح معاني الآثار ص ١١ - ٢٦. ٣٢ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر المبحث الثالث : تلاميذه : قال الإمام بدر الدين العيني رحمه الله: روى عن الطحاوي خلقٌ كثير، وجَمَعَ بعضُهم مَن روى عنه في جزء(١)، ثم ذكر رحمه الله جملةً منهم، من كبار حفاظ الحديث والفقهاء، رضي الله عنهم أجمعين(٢). (١) مغاني الأخيار ١ / لوحة / ٣أ. (٢) وينظر الحاوي ص ٧، ١٢-١٣، وعدَّ منهم الشيخ الكاندهلوي في مقدمة ((أماني الأحبار)) ص ٢٦: (٤٩) تلميذاً. ٣٣ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر الفصل الرابع أخلاقه العالية الكريمة ١- أدبُه الرفيع مع العلماء، وتواضعه الجَمّ : ومما جاء عنه في ذلك. ((أنَّ أبا عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد، كان في ولايته القضاء بمصر يلازم أبا جعفر الطحاوي، يسمع عليه الحديث، فدخل رجل من أهل أَسْوار، فسأل أبا جعفر عن مسألة، فقال أبو جعفر: مِنْ مذهب القاضي أيَّده الله كذا وكذا - وكان مالكياً -، فقال: ما جئتُ إلى القاضي، إنما جئتُ إليك، فقال له: يا هذا، مِن مذهب القاضي ما قلتُ لك، فأعاد القول. فقال أبو عثمان: تُفْتِيه أيَّدك الله برأيك، فقال: إذا أَذِنَ القاضي أيَّده الله أَفتيتُه، فقال: قد أَذِنْتُ، ثم أفتاه. قال: فكان ذلك يُعَدَّ من أدب الطحاوي وفَضْلِهِ(١). * ومن ذلك: ((أن أحمد بن طولون، أراد أن يكتب وثائقَ أحباسه التي حبسها على المسجد العتيق، والبِيْمارستان (المستشفى)، فتولَّى كتابة ذلك أبو خازم قاضي دمشق، فلمَّا جاءت الوثائق، أُحْضِر علماءُ الشُّروط ليَنْظروا: هل فيها شيء يُفسدها؟. (١) الحاوي ص ٢٥، نقلاً عن ابن زولاق. ٣٤ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر فنظروا، فقالوا: ليس فيها شيء، فنظر أبو جعفر الطحاوي الفقيه، وهو يومئذ شاب، فقال: فيها غَلَطْ، فطلبوا منه بيانَه، فأبى، فأحضره أحمدُ بن طولون، وقال له: إن كنتَ لم تَذكر الغلط لرُسُلي، فاذْكُرْه لي، فقال: ما أفعل، قال: لمَ؟ قال: لأن أبا خازم رجلٌ عالِم، وعسى أن يكون الصوابُ معه، وقد خفي عليّ. فَأَعْجَبَ ذلك ابنَ طولون، وأجازه، وقال له: تَخرج إلى أبي خازم، وتوافقه على ما ينبغي، فخَرَج إليه، فاعترف أبو خازم بالغلط. فلمَّا رجع الطحاويُّ إلى مصر، وحَضَرَ مجلسَ ابن طولون، سأله، فقال: كان الصواب مع أبي خازم، وقد رجعتُ إلى قوله، وسَتَرَ ما كان بينهما، فزاد في نفس ابن طولون، وقَرَّبَه وشَرَّقه(١). رَحِمَ الله تلك النفوس الطاهرة، ورَحِمَ الله الطحاويَّ ما أكثر تواضعه وأدبه وعلمه! وهو بعدُ في ريعان شبابه. ٢- جُرأته في الحق، وصفاء سَريرته : ((كان لأبي عبيد بن حَرَبُوْيَه القاضي بمصر في كل عَشِيَّة مجلسٌ لواحدٍ من الفضلاء يذاكره، وقد قَسَم أيام الأسبوع عليهم، منها عشية لأبي جعفر الطحاوي، فقال له في بعض كلامه ما بلغه عن أُمَنَاء القاضي، وحضَّه على محاسبتهم. فقال القاضي أبو عبيد: كان إسماعيل بن إسحاق لا يحاسبهم، فقال أبو جعفر: قد كان القاضي بكّار يحاسبهم، وتناقشا في ذلك، فلما بَلَغَ ذلك الأُمَنَاء، لم يزالوا حتى أوقعوا بين أبي عبيد وأبي جعفر، وتغيَّر كلٌ (١) مجموعة حِكَم وآداب، لياقوت المستعصمي ص ٧٤. ٣٥ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر منهما للآخر. وكان ذلك قربَ صَرْف أبي عبيد عن القضاء، فلما صُرِفَ أبو عبيد عن القضاء، أرسل الذي وَلِيَ بعده إلى أبي جعفر بكتاب عَزْله، قال: فحدثني عليُّ ابن أبي جعفر، قال: فجئتُ إلى أبي، فهنَّتُه، فقال لي أبي: ويحك، وهذه تهنئة! هذه والله تعزية، لِمَنْ أذاكر بعده؟ أو لِمَن أجالس؟))(١). رحم الله تلك القلوب النقية وصفاءها، وما أعظم هذا الأدب مع وجود ذلك الخلاف! * وكان نتيجة لهذا التواضع، وهذا الصفاء عند أبي جعفر، أَنْ كَتَبَ الله له في القلوب احتراماً وإكراماً، ومن ذلك: أنه «لما تولَّى عبدُ الرحمن بن إسحاق الجَوْهَري القضاءَ بمصر، كان يركب بعد أبي جعفر، وینزِل بعده، فقيل له في ذلك؟ فقال: هذا واجب؛ لأنه عالِمُنَا وقُدْوَتُنَا، وهو أسنُّ منِّي بإحدى عشرة سنة، ولو كانت إحدى عشرة ساعة، لكان القضاء أقلّ من أن أفتخر به على أبي جعفر)) (٢). ٣-زهده في الدنيا، وصَدْعه بنصح الأمراء : ((يقال إن أمير مصر أبا منصور تَكِين الخَزْري، دَخَلَ على الطحاوي يوماً، فلما رآه: داخله الرُّعب، فأكرمه الأمیر، وأحسن إلیه، ثم قال له: يا سيدي. أريد أن أزوِّجكَ ابنتي، فقال له: لا أفعل ذلك، فقال له: ألك (١) لسان الميزان ٢٨٠/١ - ٢٨١، ٦٢٧/١ (طبعة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة) بتصرف قليل. (٢) الحاوي ص ٢٥. ٠٠ ٣٦ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر حاجة بمال؟ قال له: لا، قال: فهل أَقْطَعُ لك أرضاً؟ قال: لا، قال: فاسألني ما شئت، قال: وتَسْمَعْ؟ قال: نعم. قال: احفَظْ دينك لئلا ينفَلِتْ، واعمَلْ في فِكاك نفسك قبل الموت، وإِيَّاك ومظالم العباد. ثم تَرَكَه ومضى، فيقال: إنه رَجَعَ عن ظلمه لأَهل مصر)) (١). (١) الحاوي ص ٢٥ - ٢٦. ٣٧ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر الفصل الخامس ثناءُ العلماء عليه ١-قال الإمام أبو سعيد بن يُونس (ت٣٤٧ هـ): ((كانَ الطحاوي ثقةً ثَبْتاً، فقيها عاقلاً، لم يُخلِّف مثلَه))(١). ٢- وقال المحدث مَسْلمة بن القاسم (ت٣٥٣ هـ): ((كان الطحاوي ثقة جليل القدر، فقيه البَدَن، عالماً باختلاف العلماء، بصيراً بالتصنيف))(٢). ٣- وقال ابن النديم (ت٣٨٥ هـ): ((كان الطحاوي أوحد زمانه علماً وزهداً)(٣). ٤- وقال الإمام ابن عبد البَرِّ (ت٤٦٣ هـ): ((كان الطحاوي كوفي المذهب، وكان عالماً بجميع مذاهب الفقهاء))(٤). ٥- وقال أيضاً: ((كان مِن أعلم الناس بسِيَر الكوفيين، وأخبارهم، وفقههم، مع مشاركته في جميع مذاهب الفقهاء)»(٥). ٦- وقال سِبْط ابن الجوزي (ت ٦٥٤ هـ): ((إنه مُجْمَع على فضله (١) لسان الميزان ٢٧٦/١، ٦٢١/١ (طبعة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة). (٢) المصدر السابق. (٣) الفهرست ص ٢٩٢. (٤) مغانى الأخيار ١/ لوحة / ١٣. (٥) لسان الميزان ٢٧٦/١. ٣٨ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر وزهده وعلمه وورعه))(١). ٧- وقال الإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ): ((الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدِّث الديار المصرية وفقيهُهَا، أبو جعفر الطحاوي، صاحب التصانيف، برَّز في علم الحديث والفقه، مَن نَظَرَ في تواليف هذا الإمام: عَلِم محله من العلم، وسَعة معارفه)) (٢). ٨- وذكر الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) ((أن مَنْ جَمَعَ بين حفظ الأحاديث على طريقة الفقهاء، وعلى طريقة أهل الحديث، يكون الحافظ الكامل، وقَلَّ مَنْ جَمَعَهُما بعد أهل العصر الأول، كابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والبيهقي، وفي المتأخرين شيخنا العراقي))(٣). ٩- وقال الإمام بدر الدين العَيْني (ت ٨٥٥ هـ): ((أما الطحاوي فإنه مُجْمَع عليه في ثقته، وديانته، وأمانته، وفضيلته التامة، ويده الطولى في الحديث وعِلَله، وناسِخِه ومنسوخه، ولم يَخْلُفْه في ذلك أحد، ولقد أثنى عليه السلف والخلف))(٤). ١٠- وقال أيضاً: ((لقد أثنى عليه كلُّ مَن ذَكَرَه من أهل الحديث (١) مرآة الزمان لوحة ١٠٥ - ١٠٦، مخطوط في مركز البحث العلمي، برقم (١٩٩٠) تاريخ. (٢) سير أعلام النبلاء ٢٧/١٥. (٣) فهرس الفهارس للكتاني ص ٧٣، نقلا عن ((إنباء الغمر))، وهو في ((الإنباء)) ٦٢/١. (٤) الحاوي ص ١٣، نقلا عن ((نخب الأفكار)). ٣٩ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر والتاريخ، من المتقدمين والمتأخرين))(١). ١١ - وقال عنه الإمام اللَّكْنَوي (ت ١٣٠٤ هـ): ((إمامٌ جليل القَدْر، مشهور في الآفاق، ذِكْرُه الجميل مملوء في بطون الأوراق))(٢). (١) الحاوي ص ١٤. (٢) الفوائد البهية ص ٣١. ٤٠ دراسة عن الإمام أبي جعفر الطحاوي صاحب المختصر الفصل السادس مؤلفاته لقد أكثر الطحاوي رحمه الله من التأليف في فنون متعددة، وكتُّبُه فَيَّاضة بالفوائد، غاية في الإتقان والدقة والجَوْدة، حتى قال عنه الإمام ابنُ كثير: ((صاحبُ المصنَّفات المفيدة، والفوائد الغزيرة)) (١). وقال الإمام الذهبي: ((صاحب التصانيف البديعة))(٢)، ((مَن نَظَرَ في تواليفه، عَلِمَ مَحلَّه من العلم، وسعةَ معارفه))(٣)، كأنَّه كُنَيْف مُلِئ علماً، وكل بالذي فيه يَنْضَح. ويقول الإمام اللَّكْنَوِي: ((له تصانيف جليلة معتبرة))(٤). ويقول العلامة الكوثري: ((أما تصانيف أبي جعفر الطحاوي، ففي غاية الحُسْن والجمع والتحقيق، وكثرة الفوائد، ولو كان مِثْل هذا العالم في الغرب، لانتَدَبَ أهلُ الشأن لدراسة كتبه وتحقيقها رجالاً خاصة)»(٥). (١) البداية والنهاية ١٧٤/١١. (٢) تذكرة الحفاظ ٨٠٨/٣. (٣) سير أعلام النبلاء ٣٠/١٥. (٤) الفوائد البهية ص ٣٢. (٥) الحاوي ص ٣٣.