Indexed OCR Text
Pages 21-40
ـو عَلُّ إلى من رآه واقفًاً مع صفية (١)، ولم يعتذر من زيارته أمّ سليم، بل كان يغشاهم الكثير . [١٦] - وفي قوله: ( ما مسست شيئاً قط ألين من كف رسول الله عَّ ): ما يدل على مصافحته، وإذا ثبتت المصافحة دل على تسليم الزّائر إذا دخل . [١٧] - ودل على مصافحته . [١٨] - ودل على أن يصافح الرجل دون المرأة؛ لأنه لم يقل: (فما مسسنا)، وإنما قال: (ما مسست)، وكذلك كانت سنّته عَّه في التسليم على النساء ومبايعته، إنما كان يصافح الرجال دونهن (٢). [١٩] - وفي لين كفه ما يدل على أنه لا ينبغي أن يتعمد المصلي إلى شدة الاعتماد على (١) عن صفية بنت حييّ - رضي الله عنها- قالت: كان النبي ◌َّ معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني- وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد-، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي عَّ أسرعا، فقال النبي عَّهُ: ((على رسلكما، إنها صفية بنت حتَيّ)). فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا)) - أو قال: ((شيئاً)) -. - صحيح البخاري: كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد . - صحيح مسلم : كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خالياً بامرأة وكانت زوجة أو محرماً له أن یقول: هذه فلانة، ليدفع ظن السوء به. مسلم بشرح النووي (١٥٦/١٤). (٢) سنن النسائي (المجتبى): كتاب البيعة، باب بيعة النساء (١٤٨/٧). - سنن ابن ماجة : كتاب الجهاد، باب بيعة النساء (٩٥٩/٢). - الموطأ : كتاب البيعة، باب ما جاء في البيعة (٩٨٢/٢). - ٢١ - اليدين في السجود - كما اختار ذلك بعضهم، لما وجده في صفة النبي عَّ أنه كان شئن الكفين والقدمين (١)، فقال: ينبغي أن يتعمد إلى شدة الاعتماد على اليدين في السجود لیؤثر علی یدیه دون جبهته - . [٢٠] - وفيه ما يدل على الاختيار للزائر إذا دخل على المزور أن يصلي في بيته كما صلى النبي عَّهِ . [٢١] - وفيه ما يدل على ما قاله بعض أهل العلم: أن الاختيار في السنة الصلاة على البساط والجريد والحصير، وقد قيل في بعض الأخبار أنه كان حصيراً باليًا؛ وذلك أن بعض الناس كان يكره الصلاة على الحصير، وينزع بقول الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرينَ حَصِيرًا ﴾ [سورة الإسراء: ٨]. [٢٢] - وفي نضحهم ذلك له وصلاته عليه مع علمه عَّه أن في البيت صبيًا صغيرًاً دليل على أن السنة ترك التقزز. [٢٣] - ودليل على أن الأشياء على الطهارة حتى يعلم يقين النجاسة (٢). و (١) البخاري: كتاب اللباس: باب الجعد، وقوله: شئْن: بفتح الشين وسكون الثاء- وبكسرها- بعدها نون، أي: غليظ الأصابع والراحة، ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم ويذم في النساء . - انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٤٤٤/٢). - وانظر الكلام مستوفى على الحديث في فتح الباري (٣٧١/١٠)، وانظر الترمذي كتاب الفضائل باب ما جاء في صفة النبي ◌َّ . (٢) لتفصيل القول في هذه المسألة انظر الفقه على المذاهب الأربعة، وجاء به: أن الأصل في الأشياء الطهارة = - ٢٢ - [٢٤] - وفي نضحهم البساط لصلاة رسول الله عَّ دليل على أن الاختيار للمصلي أن يقوم في صلاته على أروح (١) الحال وأمكنها، لا على أجهدها وأشدها، لئلا يشغله الجهد عما عليه من أدب الصلاة وخشوعها، كما أمر الجائع أن يبدأ بالطعام قبل الصلاة (٢) ؛ خلاف ما زعم بعض المجتهدين، إذْ زعم أن الاختيار له أن يقوم على أجهد الحال، كما سمع في بعض الأخبار أنهم لبسوا المسحَ (٣) إذا قاموا من الليل وقيدوا أقدامهم. [٢٥] - وفي صلاته في بيتهم ليأخذوا علمها دليل على جواز حمل العالم علمه إلى أهله: إذا لم يكن فيه على العلم مذلة، وأن ما روي في أن: (العلم يؤتى ولا يأتي) : إذا كانت فيه للعلم مذلة، أو كان من المتعلم على العالم تطاول (٤). = ما لم تثبت نجاستها بدليل. كتاب الطهارة، مبحث الأعيان الطاهرة. الفقه على المذاهب الأربعة طبع وزارة الأوقاف المصرية ص (١٣) وما بعدها . (١) انظر فى تفصيل ذلك: المغني لابن قدامة، حيث ذكر أموراً ينبغي تجنبها قبل الصلاة ليكون أفرغ لقلبه وأحضر لباله .. منها: لا يستحب أن يعجل عن عشائه أو غدائه، وإذا كان حاقنا كرهت له الصلاة حتى يقضي حاجته كيلا يقوم إلى الصلاة وبه ما يشغله عن خشوعها وحضور قلبه فيها .. راجع الكلام على ذلك فى المغني (٦٢٩/١) وما بعدها . (٢) صحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال و کراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثین، راجع صحيح مسلم بتحقیق محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله (٣٩٢/١). (٣) المسح: الكساء من شعر .. انظر المعجم الوسيط (٣٠٩/٢). (٤) راجع في هذا كتاب أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي المتوفّى سنة ٤٦٣- رحمه الله -: ((جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله)) طبع إدارة الطباعة المنيرية (١١٥/١) في عرض العالم نفسه على الناس. - ٢٣ - [٢٦] - وفيه دلالة اختصاص لآل أبي طلحة؛ إذْ صلى رسول الله عَّه في بيتهم. [٢٧] - وأخذهم قبلة بيتهم بالنص عن رسول الله عَّه دون الدلائل والعلامات. [٢٨] - وفي قوله: (وكان رسول الله عَّه إذا جاء مازحه ) ما يدل على أنه كان يمازحه کثیرا؛ وإذا کان کذلك كان في ذلك شيئان: [٢٩] - أحدهما: أنَّ ممازحة الصبيان مباح. [٣٠] - والثاني: أنها إباحة سنّةٍ لا إباحة رخصة، لأنّها لو كانت إباحة رخصة لأشبه أن لا يكثرها، كما قال في مسح الحصى للمصلي: «فإن كنت لابدَّ فاعلاً فمرةً(*)، لأنها كانت رُخْصة لا سُنَّةً . (*) مسألة ((مسح الحصى مرةً للمصلي)): عمدتها: حديث معيقيب- رضي الله عنه -: أن النبيّ مَّيُ قال - في الرجل يسوي التراب حيث يسجد- قال: ((إن كنت فاعلاً فواحدة)). أخرجه البخاري في كتاب العمل في الصلاة باب مسح الحصى في الصلاة برقم (١٢٠٧). ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب كراهة مسح الحصى برقم (٤٧/٥٤٦، ٤٨، ٤٩). وأبو داود في الصلاة باب في مسح الحصى في الصلاة برقم (٩٤٦). والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة برقم (٣٨٠). والنسائي في المجتبى كتاب السهو باب الرخصة فيه - أي في مسح الحصى - مرة (٧/٣) ح (١١٩١) - رقمه في الكبرى (٥٣٣) - . وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب مسح الحصى في الصلاة برقم (١٠٢٦). وأحمد فى المسند (٤٢٦/٣)، (٥٢٥/٥، ٥٢٦). كلهم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن معيقيب رضي الله عنه- يرفعه - . - ٢٤ - [٣١] - وفيه - إذْ مازحه عَّهِ- ما يدلُّ على ترك التكبر والترفع . [٣٢] - وما يدلُّ على حسن الخُلُقِ . [٣٣] - وفيه دليل على أنه يجوز أن يختلف حال المؤمن في المنزل من حاله إذا برز، فيكون في المنزل أكثر مزاحاً، وإذا خرج أكثر سكينة ووقارً- إلا من طريق الرياء»- كما روي في بعض الأخبار: كان زيد بن ثابت منْ أَفْكَه النَّاس إذا خَلاَ بأهله، وأزمتهم عند النّاس (١). [٣٤] وإذا كانَ ذلكَ كَما وصَفْنَا ففيه دليلٌ على أَنَّ مَا رُويَ في صفة المُنَافق أنَّهِ يخُالفُ سرّه عَلَاَنَيَتَه ليسَ على العمومِ؛ وإنَّما هُوَ على معنى الرِّيَاءِ والنّفَاقِ، كَمَا قالَ جَلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالوا آمنًّاً وإذا خَلَوْا إِلى شياطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤](٢). (١) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ، كان عمره لما قدم النبي عَّه المدينة إحدى عشرة سنة، كان زيد يكتب لرسول الله عَّ الوحي وغيره، وكانت ترد على رسول الله عَّة كتب بالسريانية، فأمر زيداً فتعلمها، وكان أعلم الصحابة بالفرائض (المواريث)، فقال رسول الله عَّة: ((أفرضكم زيد))، وكان من أعلم الصحابة، والراسخين في العلم، وهو الذي كتب القرآن في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، توفي - رضي الله عنه- سنة خمس وأربعين، وقيل غير ذلك .. ولما توفي قال أبو هريرة: اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً. انظر: أسد الغابة (٢٧٨/٢)، الاصابة (٢٢/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٢٦/٢). (٢) انظر الكلام على المنافقين وعلاماتهم بالأحاديث والآثار التي اوردها السيوطيّ - رحمه الله - في الدر المنثور (٢٩/١)، وفتح القدير للشوكانيّ (٤١/١)، وابن تيمية في الصارم . = ٢٥ - [٣٥] وَفِي قَوْله: (فرَآهَ حَزِينًا) : ما يدلُّ على إثبات التّفَرُّس في الوجوه. وقد احتجّ بهذا ٠٥ # مـ ٠٠,٥ المعنى بعض أهل الفراسة بما يَطولَ ذكره، وأَكْرَه الإكثار إذ الغرض غيرهما (١). [٣٦] وفيه دليل على الاستدلال بالعَبْرَةَ (٢) لأهلها؛ إذ استدلَّ عَّه بالحزن الظَّاهر في ٠٠٠ وجهه على الحزن الكامن في قلبه حتى حداه على سؤال حاله. [٣٧] وَفي قوله: ((مَا بالُ أبي عمير؟)) دليل على أنَّ منَ السنَّة إذا رأيتَ أخاكَ أن تَسْأَلَ عَنْ حاله. [٣٨] وفيه دليلٌ - كما قالَ بَعْضُ أهلِ العلمِ - على حُسنِ الأدبِ بالسنة في تفريقِ اللَّفْظ بین سؤالین: فإِذا سأَلتَ أخاكَ عن حاله قُلْتَ: مالك؟ كما قالَ النبيُّ عَّهُ فِي حديث أبي قَتَادَةَ: ((مالك يا أبا قتادة؟)) (٣) وإذا سأَلتَ غيره عَنْ حالِهِ قُلْتَ: ما بالُ أبي فلانٍ؟ كما قال (١) قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿إِنّ في ذلك لآيات للمتوسمين﴾، وهم المتفرسون الآخذون بالسيما؛ وهي العلامة، يقال: تفرست فيك کیت وكيت وتوسمته، وقال تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم﴾، وقال تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم﴾. انظر الطرق الحكمية في السياسة الشرعية للإمام ابن قيم الجوزية، طبع المدني. (٢) فتح الباري: ((الاستدلال بالعين)) (٥٩٩/١٠). (٣) أبو قتادة الأنصاري اسمه الحارث بن ربعيّ بن يُلْدُمة بن خناس بن عبيد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الأنصاري الخزرجي، فارس رسول الله عَّة، اختلف في شهوده بدرًا، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلها، توفي سنة أربع وخمسين بالمدينة في قول، وقيل: توفي بالكوفة في خلافة عليّ، انظر أسد الغابة لابن الأثير (٢٥٠/٦)، الإصابة لابن حجر (١٥٥/٤)، سير أعلام النبلاء (٤٤٩/٢). - ٢٦ - النبيُّ عَّ في هذا الحديث: ((ما بالُ أبي عُمير)». [٣٩] وَفَي سؤالِهِ عَُّ مَنْ سَأَلَ - عَنْ حالِ أبِي عُميرٍ - دليلٌ على إثباتِ خبرِ الواحدِ. [٤٠] وفيه دليلٌ على أنّهُ يجوزُ أنْ يُكْتَى مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وقد كانَ عمرُ بن الخطاب يكرهُ ذَلِكَ حتى أُخيِر بِهِ عن النبي ◌َّةٍ(١). [٤١] صَّ اللّه وفي قوله: (مات نُغَيْرُه الذي كانَ يلعبُ بهِ) : تركهُ النکیر بعد ما سمع ذلك : دليل على الرُّخْصَةِ في اللّعِبِ للصبيانِ. [٤٢] وفيه دليلٌ على الرُّخْصَةِ للوالدين في تَخْلِيةِ الصِّبِي وَمَا يَروم من اللعِبِ إذا لم يكن من دواعي الفجور. وقد كانَ بعض الصالحينَ يَكْرَه لوالديه أن يخلياه. [٤٣] وفيه دليلٌ على أنّ إنفاقَ المال في ملاعب الصبيان ليس من أكل المال بالباطل ... إذا لم يكن من الملاهي المنهية. [٤٤] وفيه دليلٌ على إمساكِ الطَّير في القَقص. (١) في فتح الباري (٥٩٨/١٠) .. أخرج ابن ماجة وأحمد والطحاوي وصححه الحاكم من حديث صهيب: أن عمر قال له: مالك تکنی أبا یحیی ولیس لك ولد؟ قال: إن النبي ◌َّ کناني. - ٢٧ - [٤٥] وقَص جناح الطير لمنعه منَ الطيران؛ وذلك أنّه لا يَخْلو من أنْ يكونَ النغيرة التي كانَ يلعبُ بها في قَفَصٍ، أو نحوه؛ من شدّ رِجْلٍ، أو غيرِهِ، أو أنْ تكونَ مقصوصةً الجناح. فأيهما كان المنصوص فالباقي قياس عليه، لأنه في معناه، وقد كانَ بعضَ الصَّحابة يَكْرَهُ قَصَّ جَنَاحَ الطّائر، وحبسه في القفص (١). ٠,٥٠ [٤٦] وفيه دليلٌ على أنّ رجلاً لو اصطادَ صَيّدًا خَارِجَ الحرمِ ثم أدخلَ الحرم لم يكن عليه إِرْساله (٢) .. وذلك لأنَّ النّبيَ عَّهُ حرّمَ الاصطيادَ بين لابتي المدينة .. وأجازَ لأبِي عُميرٍ إمسا كه فيها. وكان ابنُ الزبير يُفْتِي بِإمساكِ ذلك .. ومن حُجَّتِهِ فِيهِ: أنَّ مَنِ اصطادَ صَيْدَاً ثم أَخْرَمَ وهو في يده .. فعليه إرسالُه، فكذلك إذا اصْطَادَ في الَحَل ثُمَّ أَدْخَلَهُ الحَرَمَ. وَفَرِّقَ الشَّافِعِي بين المسألتين كمَا وَصَفْنًا، فقال: مَن اصْطَادَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَالصيدُ في مِلْكِهِ فعليهِ إرسالهُ، (١) في فتح الباري (٦٠٢/١٠): وقد نوزع ابن القاصّ في الاستدلال به على إطلاق جواز لعب الصغير بالطير، فقال أبو عبد الملك: يجوز أن يكون ذلك منسوخًاً بالنهي عن تعذيب الحيوان، وقال القرطبي: الحق أن لا نسخ؛ بل الذي رُخِّصَ فيه للصبيّ: إمساك الطير ليتلهى به، وأما تمكينه من تعذيبه- ولا سيما حتى يموت- فلم يبح قطٌ. (٢) في فتح الباري (٦٠١/١٠): وقد بقي من فوائد هذا الحديث أن بعض المالكية - والخطابي من الشافعية- استدلوا به على أن صيد المدينة لا يحرم، وتعقب باحتمال ما قاله ابن القاصّ أنه صِيدَ في الحل، ثم أدخل الحرم، فلذلك أبيح إمساكه، وبهذا أجاب مالك في المدونة، ونقله ابن المنذر عن أحمد والكوفيين، ولا يلزم منه أن حرم المدينة لا يحرم صيده. وأجاب ابن التين بأن ذلك كان قبل تحريم صيد حرم المدينة، وعكسه بعض الحنفية فقال: قصة أبي عمير تدل على نسخ الخبر الدال على تحريم صيد المدينة. وكلا القولين متعقب . - ٢٨ - ومَنِ اصطاده ثُمَّ أَدْخَلَه الحَرَمَ فلا إِرْسَالَ عليه. [٤٧] وفي قوله: ((مَا فَعَلَ النُّغير؟)) دليل على جواز تَصْغير الأسماء كما صَغَّرَ النغيرة، وكذلك المعنى في قوله: كان ابن لأبي طلحةَ يَكْنَى أبا عمير. [٤٨] وكان النّبِيُّ ◌َُّ إذا مَزَحَهُ [ بذلك يبكي](١) أبو عمير، ففي ذلك دليلٌ أنْ قولَ النّبِي عَّهِ في حديث آخر: ((إذا بكى اليتيم اهتز العرش))(٢)، ليس على العموم في جمیع بگائه. وذلك ◌َنَّ بكاء الصبيّ على ضربين: أحدهما: بكاء الدَِّالِ عِنْدَ المِزَاحِ والملاطَفَةَ. والآخر: بكاءُ الحُزنِ أَو الخوفَ عِنْدِ الظُّلْم أو المنْعِ عَمَّا بِه إليه الحاجةُ. و فإِذا مَازِحْت يتيماً أَوْ لاطَفْتَهُ فبكى فليس في ذلك- إن شاء الله تعالى- اهتزاز عرش الرحمن. (١) كلمتان غير واضحتين بالأصل المخطوط، ولعل الصواب ما أثبتناه . (٢) روي من حديث عمر- رضي الله عنه- يرفعه: ((اليتيم إذا بكى اهتز العرش لبكائه)). أورده السيوطى في اللآلئ (٨٤/٢)، وعزاه لأبي نعيم، وتبعه الشوكانيّ في الفوائد ص (٧٣)، قال المعلميّ - رحمه الله - بهامشه: (فيه الحسن بن أبي جعفر: منكر الحديث، وعليّ بن زيد بن جدعان ضعيف). وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة (١٣٦/٢): في سنده من لم أقف لهم على ترجمة. وروي في هذا الباب أيضًاً من حديث أنس- مرفوعاً -: ((إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كفّ الرحمن)). أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٢/١٣)، وقال: منكر جدًا، لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، ورجاله ثقات، إلا موسى بن عيسى، وهو مجهول، وحديثه عندنا غير مقبول. ومن طريقه أورده ابن الجوزيّ في الموضوعات (١٦٨/٢). - ٢٩ - [٤٩] وقد زعم بعض النّاس أنّ الحكيمَ لا يواجه بالخطَاب غير العاقل. وقالَ بعض أصحابنا: م ليس كذلك؛ بل صفةُ الحكيم فِي خطَّبِه أنْ لا يضع الخِطَابَ في غَيْرِ مَوْضِعِه (١)، وكانَ في هذا الحَديث كذلكَ دَلَيْلٌ؛ الا ترِى أَنَّهُ عَّهِ وَجَهَ الصَّغِيرَ بالخطابِ عِندَ المزاحِ فقالَ: ((يا أبا عمير، مَا فَعَلَ النُّغيرُ)، ولم يُواجهْهُ بالسؤالِ عِنْدَ العلمِ والإثباتِ، بَلْ خَطَبُّ غَيْرُهُ، فقالَ: ((مَا بالُ أبي عمير؟)) [٥٠] وفيه دليلٌ على أنَّ للعاقلِ أنْ يُعَاشِرَ النَّاسَ على قَدْرِ عقولِهِمْ ولا يَحْمِلِ النَّاسَ كُلَّهُم على عقله. [٥١] وفي نَوْمِهِ عَّهُ عِنْدَهم دليلٌ على أنَّ عِمَادَ القَسْمِ بالليلِ، وأنْ لا حَرَجَ على الرِّجْلِ ٠ في أنْ يَقيلَ بالنّهارِ عند امرأةٍ في غيرِ يومِها. [٥٢] وفيه دليلٌ على سَنَّةِ القَّيْلُولَةَ (٢). (١) في فتح الباري (٦٠١/١٠): وما أجاب به ابن القاصّ من مخاطبة من لا يميز، التحقيق فيه: جواز مواجهته بالخطاب إذا فهم الخطاب وكان في ذلك فائدة - ولو بالتأنيس له-، وكذا في تعليمه الحكم الشرعيّ عند قصد تمرينه عليه من الصغر، كما في قصة الحسن بن عليّ- رضي الله عنهما- لما وضع التمرة في فيه، قال له- أي النبي عليه -: ((كخ، كخ، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة))، ويجوز أيضاً مطلقاً إذا كان القصد بذلك خطاب من حضر أو استفهامه ممن يعقل، وكثيراً ما يقال للصغير الذي لا يفهم أصلاً إذا كان ظاهر الوعك .. کیف أنت؟ والمراد سؤال کافله أو حامله. (٢) حَسِّنَ الألباني في الصحيحة برقم (١٦٤٧) من حديث أنس - رضي الله عنه- يرفعه: ((قيلوا، فإن الشياطين لا تقیل». - ٣٠ - [٥٣] وفيه دليلٌ على خِلافٍ مَا زَعَمَ بَعْضُهمٍ فِى أدبِ الحُكَّامِ أنَّ نومَ الحُكَّامِ وَالأُمَرَاءِ فِي ٠٠ ـو و منزل الرِّعية- ونحو ذلك من الأفْعَال- دناءة تسقط مروءة الحاكم. [٥٤] وفي نومِه على فِراشِها دليلٌ على خلافٍ قولٍ مَنْ كَرِهَ أنْ يَجْلس الرجلُ فِي مَجْلسٍ امرأةٍ ليستْ لَهُ بِمَحْرَعٍ أَوْ يَلْبَس ثَوْبَها وإن كانَ على تقطيع الرجالِ. [٥٥] وفيه أنَّه يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ المَرْءُ على امرأة في منزلها وزوجُها غائبٌ وإنْ لم تكُنْ ذَاتَ مَحْرم له (١). [٥٦ ] وفي نَضْحِ البِسَاطِ له وَنَومِه على فِرَاشِها دليلٌ على إكرامِ الزائر. [٥٧] وفيه أنّ التّنْعَمَ الخفيفَ غيرُ مُخالفٍ للسُّنّةِ. وَأَنَّ قوله: ((كيفَ أَنْعَمُ وصاحب الصّورِ قد التقمَ الصّور)) (٢): ليس على العموم إلا فيما عدا التنعم القليل. [٥٨] وفيه دليل على أنَّه ليس بفرضٍ على المزور أن يشيع الزائر إلى باب الدار- كما أمر النبيُّ عَّهِ بتشييع الضيف إلى باب الدار (٣)- ؛ إذ لم يذكر في هذا الحديث تشييعهم له ٥ إلى الباب. (١) انظر ما سبق عند الكلام على الفائدة رقم (٣). (٢) صحّ من حديث أبي هريرةَ- مرفوعً -: ((كيف أنعم وصاحب الصّور قد التقم القرن، وأصغى بسمعه ... ) وانظر تفسير النسائي برقم (١٠٢). (٣) روي عن أبي هريرة- يرفعه -: ((إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار)). = - ٣١ - [٥٩] وقد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في تفسير مَا ذُكِرَ مِنْ صِفةِ النّبِيِ لَّهِ فِي حديثِ هِندِ بن أبي هالة (١): كانوا إذا دَخَلُوا عَلَيه لا يفْتَرَقَونَ إلا عَنْ ذواق (٢): قالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ الطعامَ. وقالَ بعضُهم: أرادَ بِهِ ذَوَاقَ العلمِ. ففي تفسير هذا الحديث الدليل على تأويلٍ مَنْ تأَوَّه على ذواقِ العِلْمِ، إِذْ قَدْ أَذَاقَهُمْ = أخرجه ابن ماجة برقم (٣٣٥٨)، وابن الأعرابي في معجمه- كما في الضعيفة (٢٥٨)-، والقضاعي في مسند الشهاب برقم (١١٤٩)، (١١٥٠): من حديث عليّ بن عروة الدمشقي عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة - مرفوعاً -. وهو معلول بعليّ بن عروة هذا: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وكذّبه صالح جزرة وغيره. و کذا روي هذا المتن من حديث ابن عباس: أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (٣٤٠/١)، وابن عديّ في الكامل ص (١١٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٦٤٩) - وقال: في إسناده ضعف وروي من وجهٍ آخر ضعيف عن أبي هريرة- ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٣٦/٢). وفي إسناده سلم بن سالم البلخي: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء . وقال أبو زرعة: لا يكتب حديثه. وكان ابن المبارك يكذبه. (١) هند بن أبي هالة التميميّ، ربيب النبي صَ﴾، أمه خديجة زوج النبي عليه، روى عنه الحسن بن عليّ- رضي الله عنهما - صفة النبي لة، وكان فصيحاً بليغاً، قتل مع علي يوم الجمل. ترجمته في أسد الغابة (٤١٧/٥)، الإصابة (٢٩٣/٦)، تهذيب التهذيب (٧٢/١١). (٢) انظر مختصر الشمائل المحمدية بتحقيق الألباني ص (٢٢) طبع بيروت، وانظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير طبع عيسى الحلبي (١٧٢/٢) مادة ((ذوق))، ولقد ورد به .. ومنه الحديث: (كانوا إذا خرجوا من عنده لا يتفرقون إلا عن ذواق): ضرب الذواق مثلاً لما ينالون عنده من الخير: أي لا يتفرقون إلا عن علم وأدب يتعلمونه، يقوم لأنفسهم وأرواحهم مقام الطعام والشراب لأجسادهم. - ٣٢ - العلْمَ ولم يذكرْ فيه ذواق الطَّعام. [٦٠] وكان من صفته عَّ أنه كان يواسي بين جلسائه (١) حتى يأخذ منه كلّ بحظٌ. وكذلك فعل رسول الله تٍَّ في دخوله على أم سليم: صافح أنسًا، ومازح أبا عُمَّيْر الصغير، ونامَ على فِرَاشِ أمِّ سلَيم، حتى نالَ الجميعُ مِنْ بركتِهِ شَيءٍ (٢). [٦١] وَإذ كان طلبُ العِلْمِ فريضة على كُل مُسْلٍ، فأقلُّ ما في تَحَقُّظ طرقه أن يكونَ نافلةً! وفيه أنّ قَوْمًا أنكروا خَبَرَ الواحد، ثمّ افترقوا فيه واختلفوا: فقال بعضهم بجواز خبر الاثنين قياسًا على الشاهدين. وقال بعضهم بجوازٍ خبرِ الثلاثة، ونَزَعَ بقولِ الله جلَ ذِكْرُه: ﴿فلولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لَيَتَفقَّهوا في الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]. وقال بعضهم بجواز خبر الأربعة قياسًا على أعلى الشهادات وأكبرها. وقال بعضهم بالشائعِ والمستفيضِ. (١) المراد بالمواساة: المشاركة فى المال بغير مقابل. انظر فتح الباري (٢٨/٥). (٢) انظر صحيح مسلم (١٨١٥/٤) كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبيّ ◌َّه والتبرك به، وجاء به .. عن أنس ابن مالك قال: كان النبي ﴾ يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فَأَتَيَتْ فقيل لها: هذا النبي ◌َّه نام في بيتك وعلى فراشك. قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدَتَها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي 4 فقال: ((ما تصنعين يا أم سليم؟)) فقالت: يارسول الله، نرجو بركته لصبياننا. قال: ((أُصبت)). - ٣٣ - فكانَ في تَحفّظ طُرقِ الأخْبَارِ مَا يَخْرجُ به الخبر عن حَدّ الواحدِ إلى حَدّ الاثنين وخبر الثلاثة والأربعة، ولعله يَدْخُلُ في خبرِ الشائعِ المُسْتَفَيضِ! [٦٢] وفيه أنّ الخَبَرَ إذا كانَتْ له طُرق ... وطَعَنَ الطَّاعِنُ على بَعْضِها احتجّ الراوي بطريقٍ آخرَ ولم يلزمه انقطاع؛ ما وجدَ إلى طريقٍ آخر سبيلاً. [٦٣] وفيه أنّ أَهْلَ الحديث لا يَستغْنُونَ عَنْ مَعْرِفَةِ النِّقلة والرُّواة ومقدارهم في كثْرَةِ العِلْمِ والرواية، ففي تحقُّظٍ طُرقِ الأخبارِ ومعرفةٍ مَنْ رَّوَها وَكَمْ رَوَى كُلُّ راوٍ منهم ما يعلَم بِهِ 3,00 مقاديرُ الرُّواةِ ومَرَاتِهُمْ فِى كَثْرةِ الروايةِ. [٦٤] وفيه أنّهُمْ إذا استقْصوا في معْفَةٍ طُرقِ الخبرِ عَرَفَوا بِهِ غَلَطَ الغَالِطِ إذا غَلَطَ، وميزوا به كَذِبَ الْمُدلس * وَتَدْلِيسَ المدلسِ. [٦٥] وإذا لم يُستَقْصِ المرءُ فِي طُرُقِهِ وَقْتَصرَ على طريقٍ واحدٍ كانَ أُقلّ ما يَلْزمه إذا دلْسَ عليهِ في الرواية أنْ يَقَولَ: لَعلَّ قَدْ رَويَ ولم أُسْتقص فيه، فرجع باللائمة والتقصير على نفسِهِ وَالانقطاعِ، وقد حَلّ لخَصْمِهِ. فَذَلَكَ كُله ستونَ وَجْهَا مِنْ فنونِ الفِقْهِ والسُنّةِ وَالفوائد وَالحَكْمَةَ. [٦٦] ثُمَّ نَزيدُ على الستينَ: أنَّ مثلَ هذا الحديث فيه تثبيت الامتحان والتمييز بيننا وبين أمثالهم؛ إذ لم يهتدوا إلى و · كذا بالأصل، والموافق للسياق: الكاذب! = ٣٤ - شيءٍ من تخريجٍ فِقْهِهِ، ويَسْتَخْرِجُ أحدٌنا مِنْهُ- بعونِ اللهِ وتوفيقهِ- كُلِّ هذه الوجوه !! وفيٍ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أحدهما: اجتهاد المستخرج في استنباطه. ء والثاني: تبيين فضيلته في الفقه والتخريج على أغياره. والعين المستنبط منها عين واحدة، ولكن من عجائب قدرة اللطيف في تدبير صنعه: أن تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل! نجز الجزء - والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًاً- ليلة الثلاثاء تاسع عشر(١) جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالبادرلية (*) بمحروسة دمشق، كتبه أحمد بن عليّ بن عيسى الشافعيّ - عفا الله عنه -. (١) مضى في أول الجزء: العشرين. (*) كذا في الأصل، ولم أتمكن من معرفتها في المدن والبلدان . = ٣٥ - ● ذكر ما جاء من الفوائد في كتاب « فتح الباري)) زيادة على ما جاء بشرح ابن القاص ٥ وذكر ابن بطّال من فوائد هذا الحديث أيضاً : استحباب النضح فيما لم یتیقن طهارته. وفيه أن أسماء الأعلام لا يقصد معانيها . وأن إطلاقها على المسمى لا يستلزم الكذب، لأن الصبيّ لم يكن أبًا، وقد دعي: أبا عمير. وفيه جواز السجع(١) في الكلام إذا لم يكن متكلفاً. وأن ذلك لا يمتنع من النبي كما امتنع منه إنشاء الشعر(٢). وفيه إتحاف الزائر بصنيع ما يعرف أنه يعجبه من مأكول أو غيره . وفيه جواز الرواية بالمعنى، لأن القصة واحدة وقد جاءت بألفاظ مختلفة . وفيه جواز الاقتصار على بعض الحديث، وجواز الإتيان به تارة مطولاً، وتارة ملخّصاً، وجميع ذلك يحتمل أن يكون من أنس، ويحتمل أن يكون ممن بعده، والذي يظهر أن بعض ذلك منه، والكثير منه ممن بعده، وذلك يظهر من اتحاد المخارج واختلافها . وفيه مسح رأس الصغير للملاطفة. وفيه دعاء الشخص بتصغير اسمه عند عدم الإيذاء . وفيه جواز السؤال عما السائل به عالم، لقوله: (( ما فعل النغير؟)) بعد علمه بأنه مات. (١) السجع هو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير، وأفضله ما تساوت فقراته. انظر في تفصيل الكلام عليه: ((جواهر البلاغة)) للسيد أحمد الهاشميّ ص(٢٦) وما بعدها. (٢) راجع في بسط الكلام في ذلك تفسير ابن كثير عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾، (٥٧٨/٣) طبع الحلبيّ . - ٣٦ - وفيه إكرام أقارب الخادم وإظهار المحبة لهم، لأن جميع ما ذكر من صنيع النبي تَّه مع أم سليم وذويها كان غالبه بواسطة خدمة أنس له . ومن الفوائد التى لم يذكرها ابن القاصّ ولا غيره في قصة أبي عمير: أن عند أحمد في آخر رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس: ( فمرض الصبيُّ فهلك )، فذكر الحديث في قصة موته، وما وقع لأم سليم من كتمان ذلك عن أبي طلحة حتى نام معها، ثم أخبرته لما أصبح، فأخبر النبي ◌ّه بذلك، فدعا لهما، فحملت، ثم وضعت غلامًا، فأحضره أنس إلى النبي ◌َّه، فحنكه، وسماه: عبد الله، وقد تقدم شرح ذلك مستوفّى في كتاب الجنائز(١)، وتأتي الإشارة إلى بعضه في باب المعاريض (٢) قريباً . وقد جزم الدمياطيّ في أنساب الخزرج بأن أبا عمير مات صغيراً . وقال ابن الأثير(٣) في ترجمته في الصحابة: ((لعله الغلام الذي جرى لأم سليم (١) فتح الباري: كتاب الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة (٢٠١/٣). ولقد ذكر المصنف عند شرح الحديث أن الابن المذكور هو أبو عمير الذي كان النبي عَّه يمازحه .. وانظر الفتح أيضاً (٥٠١/٩) كتاب العقيقة باب تسمية المولود غداة يولد، وانظر صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه (١٩٠٩/٤)، وفيه قصة موت غلام أبي طلحة، وقد ذكر الإمام النوويّ- رحمه الله- في شرح الحديث: ((وهذا الغلام الذي توفّيَ هو أبو عمير صاحب النّغيّرِ)). صحيح مسلم بشرح النووي (١١/١٦). (٢) فتح الباري (٦١٠/١٠). (٣) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير طبع دار الشعب (٢٣٣/٦)، ترجمة أبي عمير بن أبي طلحة، وفيه بعد أن ذكر قصة وفاة غلام أبي طلحة ... وكان أبو عمير هو الصبيّ الذي مات. وذكر ابن الأثير في ترجمة عبد الله بن أبي طلحة .. (٢٨٥/٣) القصة بأتم من هذا، ثم قال: والصبيّ أخوه الذي تُوفِّيَ هو أبو عمير الذي كان النبي ◌َّهِ يمازحه، ويقول: ((يا أبا عمير، ما فعل النغير)). وجاء في أسد الغابة في ترجمة أم سليم (٣٤٥/٧): (( .. فأسلم وتزوجها وحسن إسلامه، فولدت له غلاماً = - ٣٧ - وأبي طلحة في أمره ما جرى))، وكأنه لم يستحضر رواية عمارة بن زاذان المصرحة بذلك، فذكره احتمالاً . ولم أر عند من ذكر أبا عمير في الصحابة له قصة غير قصة النغير، ولا ذكروا له اسماً، بل جزم بعض الشراح بأن اسمه كنيته . فعلى هذا يكون ذلك من فوائد الحديث، وهو جعل الاسم المصدر بأب أو أم اسماً علماً من غير أن يكون له اسم غيره، لكن قد يؤخذ من قول أنس في رواية ربعيّ بن عبد الله: ( یکنی أبا عمير) أن له اسماً غير كنيته . وأخرج أبو داود ، والنسائي، وابن ماجة، من رواية هشيم، عن أبي عمير بن أنس ابن مالك، عن عمومة له: حديثاً، وأبو عمير هذا ذكروا أنه كان أكبر ولد أنس، وذكروا أن اسمه عبد الله- كما جزم به الحاكم أبو أحمد وغيره-، فلعل أنساً سماه باسم أخيه لأمه، وكناه بكنيته، ويكون أبو طلحة سمى ابنه الذي رزقه خلفاً من أبي عمير باسم أبي عمير، لكنه لم يكنه بكنيته، والله أعلم . ثم وجدت في كتاب ((النساء)) - لأبي الفرج ابن الجوزيّ- قد أخرج في أواخره في ترجمة أم سليم عن طريق محمد بن عمرو- وهو أبو سهل البصرى، وفيه مقال-، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس .. أن أبا طلحة زوج أم سليم كان له منها ابن يقال له حفص، غلام قد ترعرع، فأصبح أبو طلحة وهو صائم في بعض شغله .. فذكر قصة نحو القصة التي في الصحيح بطولها في موت الغلام ونومها مع أبي طلحة، وقولها له: (أرأيت لو أن رجلاً أعارك عارية .. ) - إلخ-، وإعلامها النبي ◌َّه بذلك، ودعائه لهما، وولادتها، وإرسالها الولد إلى النبي عَّه ليحنكه . وفي القصة مخالفة لما في الصحيح: منها: أن الغلام كان صحيحاً فمات بغتة، ومنها: = مات صغيرًا، وهو أبو عمير، وكان معجباً به، فأسف عليه، ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة . - ٣٨ - أنه ترعرع، والباقي بمعناه، فعرف بهذا أن اسم أبي عمير: حفص، وهو وارد على من صنف في الصحابة وفي المبهمات، والله أعلم . ومن النوادر التي تتعلق بقصة أبي عمير: ما أخرجه الحاكم(١) في ((علوم الحديث)): عن أبي حاتم الرازي أنه قال: حفظ الله أخانا صالح بن محمد- يعني الحافظ الملقب: جزرة- فإنه لا يزال يبسطنا غائباً وحاضراً (٢)، كتب إليّ أنه لما مات الذهليّ (٣) - يعني بنيسابور-، أجلسوا شيخاً لهم- يقال له: محمش-، فأملى عليهم حديث أنس .. فقال: يا أبا عمير، ما فعل البعير! قاله بفتح عين عمير، بوزن عظيم، وقال بموحدة مفتوحة بدل النون وأهمل العين، بوزن الأول، فصحف الاسمين معاً !!! قلت: ومحمش هذا لقب، وهو بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية، بينهما حاء مهملة ساكنة، وآخره معجمة، واسمه: محمد بن يزيد بن عبد الله النيسابوري السّلميّ، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عن يزيد بن هارون وغيره، وكانت فيه دعابة . تم بحمد الله و کتب صابر أحمد البطاوي (١) هو إمام المحدثين الإمام الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوريّ، كان إمامً جليلاً حافظاً عارفاً ثقة واسع العلم، اتفق الناس على إمامته وجلالته وعظم قدره، ورحِلَ إليه من البلاد لسعة علمه ودرايته، واتفق العلماء على أنه من أعلم الأئمة الذين حفظ الله بهم هذا الدين .. صنف التصانيف النافعة، منها: معرفة علوم الحديث، وتاريخ علماء نيسابور، والمدخل إلى علم الصحيح، والمستدرك على الصحيحين، وفضائل الإمام الشافعي. توفي - رحمه الله - سنة خمس وأربعمائة . للمزيد في ترجمته انظر: وفيات الأعيان (٢٨٠/٤)، طبقات الشافعية للسبكى (٦٤/٣)، تذكرة الحفاظ (١٠٣٩)، شذرات الذهب (١٧٦/٣). (٢) علوم الحديث ص (١٤٦) وفيه: ((لا يزال يضحكنا شاهدًاً وغائباً)). (٣) في علوم الحديث: ((لما مات محمد بن يحيى الذهليّ)). - ٣٩ - ١ - فهرس الآيات (*) الآيـة رقمها رقم الصفحة سورة البقرة (٢) ١٤ ٢٥ ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ سورة التوبة (٩) ﴿ انفروا خفافًا وثقالاً ﴾ ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ سورة الحجر (١٥) ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ سورة الإسراء (١٧) ٧٥ ٢٦ - هـ ﴿ وجعلنا جهنم للكافرین حصیرًا ﴾ سورة يس (٣٦) ٦٩ ٣٦ - هـ ﴿ ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ﴾ ٨ ٢٢ ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ سورة محمد (٤٧) ٢٦ - هـ ٣٠ (*) التخريجات التي بالهامش وضع بجوار رقم الصفحة (هـ). = ٤٠ - ٢٧٣ ٢٦ - هـ ٤١ ١٠ ٣٣ ١٢٢