Indexed OCR Text
Pages 781-800
بعينها، أن الإِقرار عبارة عن الإِيمان في القلب، وقد يسمي فعل الجوارح (١) أيضاً تصديقاً، لو قال قائل لرجل : إن فلاناً قتل ولدك، فشدّ على قاتله من غير أن يقول للمخبر له: صدقت، لشهدتِ القلوبُ، أنه قد صدقه بفعله، ومع شهادتهما فهي عالمة أن ذلك الفعل تحقيق لتصديق قلبه، لا أنه في نفسه إيمان بالقلب، ومن ذلك تصديقاً منهم تحقيقاً لما في قلوبهم من تعظيم الله، وطاعته، ولم يخبرنا أنهم قالوا: صدقت هو علينا، ثم سجدوا، وأبى إبليس أن يسجد، ولم يقل: إنك لم تأمرني بالسجود [ق ٢٠٨/ب] فكان إباؤه كفراً، لا أنه جحد بلسانه، فكان سجودهم إيماناً، كما كان إباؤه كفراً. فكذلك المؤمن إذا أقرّ، شهدتِ القلوبُ أنه مصدق للظاهر، وإن لم يقطعوا بالغيب، وهم عارفون أن قول اللسان ليس هو الإِيمان بالقلب، وإنما هو عبارة عما في القلب، ولن تجدوا بين ذلك فرقاناً إلّ بالمكابرة. ويقال لهم: أرأيتم إن سوغنا لكم أن العبارة عما في القلب بالإِقرار، هو في عينه إيمان كالمعرفة بالقلب، أرأيتم هذا الإِقرار الذي هو إيمان، متى يكون إيماناً، إذا كان كافراً قبل ذلك، فإذا أقر، فبدل الجحد الأول، أو (١) ورد في الأصل ((الخوارج)) وهو تصحيف. - ٧٨١ - ? أقر، كان إيماناً، أو إذا جاء بالإِقرار، وإن كان ناسياً على غير جحد، فأتى بالإِقرار في وقت البلوغ، أو خلقه الله بالغاً، فأقر بعد البلوغ؟ فإن قالوا: إنما يكون الإِقرار باللسان إيماناً، فمن كان جاحداً من قبل، فقد أخرجوا الملائكة، وآدم صلى الله عليه، وكل ناشىء على الإِسلام من أن يكون آمن بالله قط، ولا يقول هذا أحد. وإن زعموا أنه إيمان من كلّ أحد جاحداً كان، أو ناسياً، أو خُلِقَ بالغاً، أو خُلِقَ بغير طفوليةٍ كالملائكة وغيرهم . قيل لهم: فإذا كان هكذا، فلم يُسَمَّ إقراراً، إلّ أنه. اعتراف للرب بوحدانيته، وبما [ق ٢٠٩ / أ] قال، أو لأنه اعتراف، وهو واجب؟ فإن قالوا: لأنه اعتراف في عينه لا أنه أوجبه . قيل لهم: فكلما جاء بالاعتراف، فهو إيمانٌ. وإن قالوا: لأنه اعتراف، وأن الله أوجبه. قيل لهم: فكلما جاء به اعترافاً واجباً فهو إيمان. فإن قالوا: لا، ناقضوا قولهم. وتفسير ذلك أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله من قلب - ٧٨٢ - صادق، فقد أقرَّ، ومعنى أقرَّ: اعترف، فإذا كان هذا إيماناً، فكلما وحد الله أبداً إلى أن يموت بلسانه، فهو معترف عن قلب صادق، فهو في كل يوم، وفي كل ساعة يوحد فيها، يزداد إيماناً، وكل وقت يشتغل قلبه بالمعاصي، فلا ينشرح للقول بالاعتراف، ولا يعظم في قلبه الرب تبارك وتعالى، فيفزع إلى توحيده، فهو أنقص منه في الحال الأولى التي عظم بقلبه المعترف به، حتى حمل ذلك على القول بلسانه من غير أن يكون نقصاً بتصديقه بقلبه، أن الله حق لا باطل، ولكنه نقص من تركه الاعتراف الذي هو عليه واجب كالتشهد، والذّكر في الصلاة الذي كان يأتي به اليوم مراراً كثيرةً من تعظيم الله بقلبه . فإن قالوا: إن ذلك التكرار للتوحيد، ليس هو بواجب [ق ٢٠٩/ ب] عليه، ولا يكون من الإِيمان. قيل لهم: فقد ثبتم عن ضمائركم أن الاعتراف إنما يكون توحيداً، وإيماناً مع الوجوب، أفرأيتم التشهدَ في الصلاة، والتوحيدَ في الأذانِ، أتوحيد له؟ وكذلك الإِخلاصُ الله بالحمد، إذا قرأ في صلاته، فقال: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ﴾ فقد أخلص لله بالتوحيد، وأقر أنه رب الخلائق، وكذلك التشهد في كل صلاة مفترضة، - ٧٨٣ - وكذلك التلبية أول ما يحرم لا بد أن يأتي بها مرة، فكذلك جميعاً كله إيمان، إن كان كل اعتراف واجب يكون إيماناً. فإن قالوا: ليس هو إيماناً لأنه واجب، ولكنه اعتراف في عينه في أول ما يصدق به. قيل لهم: هذه دعوى منكم، فما جعله أولاً إيماناً، وآخراً لا إيمان، والمعنى واحد؟! فإن قالوا: وجدنا جميع المسلمين إذا أقر الرجل أول ما یسلم . قيل: آمن، وإذا كررها بعد ذلك لم يقل: آمن . قيل لهم: فقد ثبتم أن معناكم على قياس قولكم: إن الإِقرار إنما يكون إيماناً، فمن كان جاحداً من قبل فقط، وهذه الشهادة على كل ملك، ورسول، وناشيء على الإِسلام، أنه لم يؤمن بلسانه قط؟ فإن قالوا: لسنا نقول ذلك، ولكنا نقول له: إن الطفل إذا بلغ، فأقرّ في [ق ٢١٠ /أ] وقت بلوغه، فذلك منه : إيمان، فإنه وجب عليه إيمانُ تلك الساعةِ. قيل لهم: فهل رأيتم المسلمين يقولون لطفل إذا بلغ، فيشهد: آمن الساعة؟ أو يعملون أنه لم يجب عليه - ٧٨٤ - الإِيمان، إلّ تلك الساعة، ثم أتى بما وجب عليه، ولا يقولون: إنه آمن الساعة، فیوهمون أنه کان کافراً من قبل، ولكن يقولون: الآن وجب عليه الإِيمان، وقد كان من قبل أن تأتي به مؤمناً، ولم يكن واجباً عليه، وهذا اعتراف في عينه أول ما وجب عليه، ولم يكن اعتراف لأنه واجب، ولو كان كذلك ما كان أحد يشهد أن لا إله إلّ الله، فيكون ذلك اعترافاً، وخضوعاً لله، إلّ مرة واحدة، ولكنه معقول أنه لا يزايله اسم الاعتراف متى أتى به، لأنه اعتراف في عينه، فلما كان بعد ما أداه في أول الوجوب، لا يزايله اسم الاعتراف، لم يزايله اسم الإِيمان أبداً، إلّ أنه يأتي به واجباً في أول الوجوب، ثم هو يكرره في الفرائض وغيرها، ولو كان في عينه هو الإِيمان، لا لأنه اعتراف عما في القلب، لكان إذا سكت كفرَ، لأن ضد الكلام السكوت، كما أن ضد المعرفة الإِنكار. وإنْ قلتم: إنما يأتي بضده إذا جحد بلسانه. قيل: كيف يأتي بضده بعد ما قد نقض؟ [ق ٢١٠/ب] وهل يكون للفاني ضد يزيله، وكيف يزيل الموجود ما ليس بموجود، لأنّه قد فنى الكلام الأول، وأعقبه السكوت، ثم جاء بالجحد بلسانه، فزال السكوت، ثم زعمتم أنه قد زال ما كان قد زال من قبل، - ٧٨٥ - ولو كان كذلك لكان النهار إذا ذهب، ثم جاء الليل، ثم جاء الصبح في اليوم الثاني، كان اليوم الثاني ضداً للأول، فأزال ما قد زال، وقد كانت بينهما واسطة، وهو الليل، كما كان السكوت بين الإِقرار والجحد. فإن زعموا: أن الاعتراف كان عن خضوع من القلب، فلما جاء الجحد، لم يأت حتى زال خضوع القلب. قيل: فقد ثبت أن الإِيمان هو الخضوع مع المعرفة، وأن القول عبارة عنه، فلما جاء بقولٍ ، خلاف ذلك، لم يأت به إلا عن زوال الخضوع عن القلب، وهو الإباء، أن يقر بلسانه لاستنکاف، أو طمع في دنيا، أو طلب رياسة، فكذلك كل ما أتى بالقول، والخضوع في القلب على حاله، فإنه يزداد إيماناً، إذا كان عبارة عن الخضوع في القلب، لم يتغير، ولم يتقلب إلا زاله، أو لا يحق فيه الوجوب، لم يكرره، واجباً وغير واجب، إن الخضوع دائم في القلب بحاله، والقول كالقول الأول ليس بين ذلك [ق ٢١١ / أ] فرقان، وقد قال النبي وَيقول: ((الإِيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله (١))). فسمي الشهادة إيماناً، فمتى ما وجدت الشهادة من (١) متفق عليه، وقد تقدم. - ٧٨٦ - قلب مخلص، مصدق فهي إيمانٌ، وقائلها مزداد إيماناً إلی إیمانه . ٧٩٩- وقد حدثني محمد بن إسماعيل، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا صدقة أبو المغيرة، وهو ابن موسى الدقيقي، ثنا محمد بن واسع، عن سمير بن نهار(١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: جددوا إيمانكم، قالوا: وكيف نجدد إيماننا، يا رسول الله؟! قال: تقولوا: لا إله إلّ الله (٣). قال أبو عبدالله: ففي هذا دلالة على أن المؤمن متى قال: لا إله إلّ الله مخلصاً، متقرباً بذلك إلى الله، كان ذلك منه إيماناً . وتحقيق ذلك الأخبارُ التي رويناها عن جماعة من أصحاب النبي وَّالّ أن بعضهم كان يقول لبعض: اجلس (١) كذا ورد في الأصل: سمير بن نهار، وهو العبدي البصري، صدوق، ويقال: شتير، قال الحافظ ابن حجر: صدوق، (التقريب ٣٣٣/١). وقال الذهبي في الميزان: سمير بن نهار عن أبي هريرة نكرة (٢٣٤/٢). (٢) أخرجه أحمد (٣٥٩/٢) والحاكم (٤ /٢٥٦) من طريق صدقة به . وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وردّه الذهبي بقوله: قلت: صدقة ضعفوه، والحديث ضعفه الألباني، وأعله بصدقة وسمير (الضعيفة ٨٩٦، وضعيف الجامع الصغير ٧٨/٣). - ٧٨٧ - بنا، نؤمن ساعة، يعني نذكر الله(١). والذكر من أهل الإِيمان إيمانٌ، متى أتوا به ازدادوا إيماناً . ٨٠٠- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا إبراهيم بن حمزة، ثنا بشربن السري، عن عمر بن سعيد، عن المغيرة بن الحكيم الصنعاني، قال: ذكر لي أن التلبية إنما جعلت يجدد بها الإِيمان، ويثبت بها الإِسلام. قال أبو عبد الله: [ق ٢١١/ب] وزعم بعض المرجئة أن الإِقرار باللسان هو التصديق، فهو وتصديق القلب معنى واحد، وإن اختلفا في أعيانهما. (١) أخرج ابن أبي شيبة في الإِيمان (رقم ١٠٥) عن معاذ قال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة، يعني نذكر الله تعالى. وأخرجه أيضاً عن الأسود بن هلال قال: كان معاذ يقول للرجل من إخوانه : ((اجلس بنا، فلنؤمن ساعة، فليجلسان، فيذكران الله، ويحمدانه)) وكذا أخرجه أبو عبيد في الإِيمان (رقم ٢٠). وقال الشيخ الألباني : إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرج ابن أبي شيبة (١٠٨) عن ذر قال: كان عمر ربما يأخذ بيد الرجل، والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا، نزداد إيماناً. وهكذا أخرج ابن أبي شيبة عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: امشوا بنا نزداد إيماناً (رقم ١٠٤) وإسناده حسن قاله المحدث الألباني . - ٧٨٨ - يقال لهم: كيف يختلف شيئان في أعيانهما، ويتفقان في الاسم من جهة ما اختلفا؟! فإن قالوا: ذلك موجود في اللغة، كما يقول القائل : ديني، ودين محمد مرٌَّ واحدٌ، وفعل محمد غير فعله، لأن ضميره غير ضميره، وقوله غیر قوله . فيقال لهم: إنما يقول القائل ذلك، يريد أن الدين الذي شرعه الله لمحمد وَالر، هوديني، ولا يريد أن ضمير محمد هو ضميري، لأن اسم الإِيمان في مجاز اللغة يقع على وجهين: أحدهما على الأمر به، والدلالة عليه في الظاهر، والآخر حقيقة في المعنى، فأما الظاهر في اللسان الذي هو على المجاز، فقول المسلمين: جاءنا محمد بالإِيمان، وشرح لنا الإِيمان، وجاءنا بالدين، فإنما يعنون بيان الإِيمان، وتفسيره، كيف هو، لأن الله عز وجل أمر بالإِيمان، ثم فسّر لنا: ما الإِيمان، فسمي تفسير الإِيمان إيماناً، فأما على الحقيقة في المعنى، فإنما الإِيمان فعل من المؤمن، ولا جائز أن يكون كلام الله فعلاً للمؤمنين، وسمى الله الدلالة على الإِيمان، [ق ٢١٢ / أ] والأمر به إيماناً، والإِيمانُ في عينه فعلُ المؤمن كما يقول: جاءنا محمد # بالصلاة، وإنما يريد أمرنا بالصلاة، واستخرجها لنا، والصلاة في عينها ليست بالأمر، - ٧٨٩ - وبالشرح، ولكنها المأمور بها المشروحة للعباد، لأنها في عينها افتتاح بتكبير، وقراءة، وركوع، وسجود، وذلك غير الأمر. فقول القائل: ((ديني، ودين محمدٍ وَ﴾ واحد))، يريد أنى أدين بالدين الذي أمر الله به محمداً وَّله واحد إنما يعني أنا قد صلينا الصلاة التي أمر بها جميعاً إلّ أن حركاته، وسكونه في الصلاة هي حركاتي وسكوني، ولو کان ذلك معنى واحداً لكان ديني، ودين محمد ◌َّ على معنى أن فعله فعلي بمعنى واحد، لكان لي من الأجر مثل ما له، فساويته في الأجر من الله، ولا يقول هذا مسلم، فكذلك لم يعن أن التصديق هو القول باللسان، بل القول في عينه حروف مؤلفة، وصوت، وحركات، والتصديق في القلب عقد ضمير، لا صوت، ولا حروف، ولا حرکات، فمحال أن يكون أحدهما الآخر، لو جاز أن يكون القول تصديقاً، لجاز أن يكون التصديق قولاً ، فكان من قال [ق ٢١٢/ب] بلسانه، فقد صدق بقلبه، وقد وجدنا المنافقين قد قالوا بألسنتهم، فكذّبهم الله، ولم يجعله منهم تصديقاً. قال: ويقال لهم: أخبرونا عن الإِيمان: هوبعينه، لا يتقلب أبداً، أم للطاعة بالأمر، والنهي؟ - ٧٩٠ - فإن قالوا: بعينه، قيل لهم: فلا يتقلب أبداً ما كانت العين موجودة . فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فهل تعلمون أن الله حَرَّمَ السبتَ على بني إسرائيل، وشحومَ البطون، وكل ذي ظفر؟ فكان ذلك عندهم محرَّماً، وكانوا بالإِيمان به مؤمنين، ثم إن الله عز وجل أحلَّه للنبي وَلّ، فلو أن أمة محمد حرَّمته بعدما أحله الله، ما حكمهم عندكم؟ فإن قالوا: كفاراً، قيل لهم: فالأمر الذي كان من بني إسرائيل إيماناً، لو أتى به أمة محمد وسير كان كفراً، فقد بيّن أن الإِيمان ليس بعينه، ولو كان بعينه لما انقلب أبداً، فقد ثبت أنه للطاعة بالأمر، والنهي لا بعينه. إن كان في حال منهم إيماناً، ثم صار في الحال الأخرى كفراً، فقد ثبتوا أنه بعينه، وأنه كيف ما قلبهم الله بالأمر، والنهي، كان ذلك منهم إيماناً، وكان تركه كفراً. فإن قالوا: إن الإِيمان هو التصديق [ق ٢١٣/أ] فعليهم أن يصدقوا في كل حال بما يأمرهم به . قيل لهم: أرأيتم لو قالوا حين حوَّلهم الله عن بيت المقدس إلى الكعبة: الله صادق بهما جمیعاً، وقد صدقنا بقوله، فآمنا به، ولكنا نصلي إلى بيت المقدس، كما كنا - ٧٩١ - أولاً مخافةً عيب الناس أن يقولوا: بدَّل دينهم، ونحن نعلم أن الله صادَقٌ وأنه قد نسخها. فإن قالوا: هم كفار، قيل: ولِمَ؟ فإن قالوا: ليذعنوا، ويخضعوا بالطاعة. قيل لهم: وأين وجدتم ذلك في اللغة إيماناً، وهم يقولون: نعم، هو علينا حق، نقر به، ونصدق، ولكنا نصلي إلى بيت المقدس كراهة اللائمة. فإن قالوا: لم يقروا بعد، قيل لهم: لم يقروا بالفعل، ولم يقروا أنه حق واجب. فإن قالوا: لم يقروا بالفعل، قيل لهم: فالإِقرار بالفعل إنما هو إرادة يعبّروا عنها، أنا نفعل، وإن لم يفعلوا كفروا في قولكم، فقد ثبت أن الإِيمان إرادة، ووعد بالقول أن يفعلوا، وهنا خلاف ما ادعيتم في اللغة. ويقال لهم: ما تقولون في من زعم أن الخمر حلال، هل کفر؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فهل ترك إيماناً بتحليله الخمر؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فهو كافر بالله، وبالقرآن؟. فإن قالوا: نعم، قيل: فما تقولون في رجل أقر بالله، - ٧٩٢ - وبالرسول وَله، وبما افترض الله عليه، [ق ٢١٣/ب]. وأن الخمر عليه حرام، ثم استحلها، هل كفر بالله، وبرسوله أم بالخمر؟ فإن قالوا: بالله وبر سوله، قيل: فما على الإِمام أن يستتيبه منه؟ أيستتيبه من تحليل الخمر، أم يستتيبه من الجحد بالله، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقر بجميع الفرائض؟ فإن قالوا: نعم، زعموا أن الإِقرارَ بتحريم الخمر الإِقرارُ بجميع الدين، والكفر بها الكفر بجميع الدین، مع خروجهم من الإِجماع، لأنهم قد أجمعوا أنه لا يستتاب من تحليل الخمر. أفي ذلك دليل أنه مؤمن بما سواها، فقد كفروه، وفيه أكثر الإِيمان، لأنه لو قال بعد استحلاله الخمر: الزنا حلال، ازداد بذلك كفراً إلى كفره الأول . فإن قالوا: إنه يزداد كفراً، ولا يكون بازدياده الكفر تاركاً للإِيمان، فقد أصابوا، لأنه إن كان لم يترك بذلك إيماناً، فهو إذا رجع عن تلك الخلة، لم يصب بها إيماناً. فإن قالوا: قد يزداد كفراً إلى كفرٍ بلا ترك إيمان، قد يزعم أن الشمس ربه، ثم يضيف إليها القمر، فيزداد كفراً، ولم يترك بذلك إيماناً . - ٧٩٣ - قلنا: ليس عن كافر لم يؤمن بشيء سألناكم، إنما سألناكم عن من زعم أن الله ربه، ثم قال: إن الشمس أيضاً ربه [ق ٢١٤/ أ] هل ترك إيماناً بالتوحيد، ولم ينكر الخالق، فإنما يصاب الإِيمان بترك الكفر، وإنما عليه أن ينفي الشريك، وليس عليه أن يقر أن الله خالقه، لأنه مقر بذلك، ولكن عليه أن يقر أن الله خالقه وحده، وينفي الشريك الذي أدخله، وذلك لو أقرَّ أن الله خالقه، وربه، وحده لا شريك له، ولم يقر بتحريم الزنا، وإنما عليه أن يقر بتحريم الزنا، ويؤمن به، ومنه يستتاب، ولا يقال له : أقرَّ بأن الله خالقك . قال أبو عبدالله: ويقال لهم: خبرونا عمن اعتقد أن الله ولداً، ثم عبّر بلسان عما في قلبه، هل العقد منه، كفر منه؟! فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فهل قوله: لله ولد، أو شريك، أو ليس بإلّه، إذا قاله مقراً بلسانه، عما في قلبه، هل يكون العبارة منه بذلك كفراً؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فكذلك إقراره بلا إله إلا الله، يكون إيماناً . فإن قالوا: إن إقراره الأول إيمان، وتكراره ليس بإيمان . - ٧٩٤ _: قيل لهم: وكذلك الكفر. فإن قالوا: نعم، قيل لهم: عبارة كعبارة أولها المبتدأ بها كفر، والثاني : لا كفر، وهذا التناقض. فإن قالوا: إن جميع ذلك إيمان، لأنه من جنس الإِقرار، قيل لهم: فقد ازداد العبد إيماناً، فإذا أمسك عن · التكرار، وكرر [ق ٢١٤/ب] غيره، كان هذا المكرر أكثر إيماناً من الذي لم يكرره، وقد دخلتم في أعظم مما عبتم على مخالفيكم، إذْ زعموا أن الفرض من الإِيمان، وجعلتم أنتم النافلة من الإِيمان، فقد ثبتم التطوع إيماناً، فيجب أن يكون في قوله: تركه كفر، إذ كان ضده إيماناً. فإن قالوا: إن تكراره في الفرائض: لا إله إلا الله إيمان، ولا يكون التكرار في التطوع إيماناً. قيل لهم: وإذا جاء بفريضة كالصلاة، فيها التشهد، والذكر، حمله على ذلك خوف الله، وطلب رضاه، ثم ضيَّعها من الغد، أيضيعها، وهو على خوفه الأول وخضوعه لله بأداء الفرائض؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فهل نقص من إيمانه إذا زال خوفه الأول، ورغبته التي هاجته على الصلاة؟ فإن قالوا: ليس تكراره من إيمانه في فرض، ولا غيره. - ٧٩٥ - قيل لهم: فكذلك ليس تكرار الكافر الجحد بلسانه، وإضافته إلى الله الولد، والشريك من كفره. فإن قالوا: ليس هو من كفره، قيل لهم: فما جعل أول الجحد بلسانه كفراً، ولم يجعل الجحد الثاني بلسانه كفراً، وهما واحدٌ في معناهما، لا يختلفان، والنهي عنهما ثابت، وإنما هما عبارة عن الجحد، فلئن كان كلاهما [ق ٢١٥ /أ] جحداً، واحدهما كفر، والآخر ليس بكفر، ليجوز أن يكونا كلاهما كفراً، واحدهما جحدٌ، والآخر ليس بجحدٍ، إذْ لا معنى لِلْكفر إلّ الجحد، وهل يختلف الناس في اللغة، أن رجلاً لو جحد رجلاً حقه، ثم عاد إليه، فسأله، فجحده أن يقال: كلما سأله حقه، جحده، وكذلك يقال: كفره حقه، فلا فرقان بين الجحدین. فإن زعمتم أن الأول كفرٌ، والثاني ليس بكفر، فقد خرجتم من اللغة، ولا بد من أن تأتوا بحجة. فإن قالوا: إن الأول، والآخر ليس بكفر، فقد ثبت أن الكفر عقد في القلب، وليس الجحد باللسان مِنَ الكفر في شيء، فكذلك المعرفة بالقلب إيمان، وليس الإِقرار باللسانِ مِنَ الإِيمان في شيء. فإن قالوا: بينهما فرقان، سئلوا عن الفرقان، ولن يأتوا به. - ٧٩٦ - ويقال لهم: أخبرونا عمن كان يوحد الله في الفترة، كزيد بن عمروبن نفيل، وأدرك النبي وَلهم، فآمن به، هل ازداد إيماناً؟ فإن قالوا: نعم، قيل: كذلك مَنْ كان يكفر بالله، قبل أن يبعث النبي ◌َلّر، فكفر به، فقد ازداد كفراً؟! فإن قالوا: نعم، كلاهما يزداد، هذا الكافر يزداد كفراً، وهذا المؤمن يزداد إيماناً، لأنهما لم يخرجا من [ق ٢١٥/ب] باب تصدیق، وجحد . قیل لهم: أليس هو جحدٌ بعد جحدٍ، فكذلك إذا کرر الجحد، فتكراره كله كفر؟ فإن قالوا: إذا أتى بجحدين في أول البداية المعنيين مفترقين كان كفراً، فإذا أتى بجحدين لمعنى واحدٍ، كانت البداية كفراً، والثاني ليس بكفر. قيل لهم: هذا تحكم، فَاتَّوْا بلغةٍ، أو معقولٍ ، ونحن موجدوهم في اللغة، مثل ذلك: أن العامة إذا سمعت النصراني تشهد أن الله ولداً، قالوا له: تكلمتَ بالكفر، وهذا يا عدو الله! الكفر، وإن كان يكررها إن بلغ مائة سنة، فهو متكلم بالكفر مكرر، فكذلك المكرر للشهادة الله بالتوحيد، ولرسوله وَج# بالرسالة، يتكلم بالإِيمان أبداً. - ٧٩٧ - قال أبو عبدالله: وحكى عن بعض الأكابر من أستاذي المرجئة: النعمان بن ثابت وغيره، أنهم قالوا: المعرفة، والإِقرار باللسان كالدابة البلقاء لا يسمى بلقاء حتى يجتمع فيها اللونان: السواد، والبياض، فإذا انفرد أحدهما لم يسم الدابة بلقاء، ولا يسمى كل واحد من اللوين على الانفراد بلقاء، فإذا احتمعا في الدابة، سميا بلقاء، فكذلك المعرفة، والإِقرار إذا انفرد كلّ واحدٍ منهما لم يسميا إيماناً، ولا يسمى الإِنسان [ق ٢١٦ /أ] به مؤمناً. فإذا اجتمعا، سميا إيماناً، ويسمى المؤمن باجتماعهما مؤمناً . قالوا: وذلك أيضاً كالنورة، والزرنيخ لا يتحلق كل واحد منهما على الانفراد، فإذا اجتمعا حلقا. فيقال لهم: إن هذين المثلين اللذين ضربتموهما، هما عليكم، لا لكم، لأن الدابة إذا انفردت بأحد اللونين، لم تسم بلقاء أبداً، ولا يسمى اللون بلقاء على حال من الأحوال ما لم يجتمعا في الدابة، وأنتم قد تسمون المؤمن مؤمناً، إذا اعتقد المعرفةَ، والإِيمانَ بالقلب، وإن لم يقر بلسانه، إذا كان أخرس، أو حيل بينه، وبين الكلام، ويسمون ذلك الفعل منه إيماناً. - ٧٩٨ - وكذلك لو أقر بلسانه مرة، ثم سكت عن الكلام، فلم يتكلم أبداً، لكان عندكم مؤمناً، ولو أن الدابة البلقاء زال عنها البياض، وبقي السواد، أو زال عنها السواد، وبقي البياض، لزال عنها اسم البلق، فلم يسم بلقاء أبداً، ولم يسم اللون الواحد إذا بقي بلقاء أبداً. وكذلك المؤمن المولود على الإِيمان، الناشيء عليه، المعتقد للمعرفة، والتصديق بالقلب، هو مؤمن عندكم، وإن لم يتكلم بلسانه أبداً، ولو أن الدابة نتجت، ولونها کلھا بیاض، لا سواد فیه، أو سواد لا بیاض فیه، لم يسم بلقاء أبداً. [ق ٢١٦ /ب] فقد بطل أن يكون الدابة مثلاً للمؤمن، والبلق مثلاً للإِيمان إذا افترق معناهما، ولأن المعرفة والإِقرار فعلان يزول أحدهما، ويثبت الآخر، وفعل القلب يسمى تصديقاً في اللغة، إذا كان الفاعل له معتقداً للمعرفة، والاعتراف بالقلب خاضعاً مذعناً، وإنْ لم يتكلم بلسانه، ويكون ذلك الفعل منه إيماناً، ولو أقر بلسانه إيماءً، ولم يعلم ما في قلبه، يسمى مؤمناً، ويسمى ذلك الإقرار منه إيماناً، وحکم له بحکم الإِيمان، وجرى على فاعله اسم المؤمن، وأحكامه، فكان مؤمناً في الاسم، والحکم معاً، والدابة إذا ظهر فيها أحد اللونین، - ٧٩٩ - ولم يظهر الآخر، لم يسم بلقاء، ولم يسم ذلك اللون المنفرد بلقاء أبداً، فقد افترق معنى الإِيمان، واسمه من معنى البلق في الدابة، واسمه، وفارق المؤمن الدابة البلقاء في الاسم والمعنى جميعاً، فبطل أن يكون أحدهما مثل الآخر. وأما ضربكم المثل بالنورة، والزرنيخ، فذلك أبعد في المثل، وليس يخلو ضربكم المثل بهما مِنْ أن تكونوا مثلتم النورة، والزرنيخ بالإِيمان، أو بالمؤمن، فإن كان بالمؤمن، فينبغي أن يكون المؤمن جسمين، يجتمعان، فيكون منهما الإِيمان كالنورة [ق ٢١٧/أ] والزرنيخ، يكون منهما الحلق، وهذا محال من الكلام. وإن تكونوا مثلتموهما بالإِيمان، وكل واحد منهما غير جنس صاحبه، ولا جوهره، فإذا اجتمعا، وهما جنسان مختلفان، كان منهما الحلق، فإن يكن الحلق مثلاً للإِيمان، فالإِيمان إذاً معنى متولد عن الإِقرار، والمعرفة، وليس الإِقرار، والمعرفة بإيمانٍ، كما أن الحلق ليس بزرنيخ ، ولا نورة. وإن تكونوا مثلتموهما(١) على الإِيمان لأن الحلق يتولد عنهما كالطاعة يتولد عن المعرفة، والإِقرار، فقد جعلتم (١) ورد في الأصل: (وأن يكونوا مثلوهما) وما أثبتناه مناسب للسياق. - ٨٠٠ -