Indexed OCR Text

Pages 521-540

[المائدة: ٤٤].
٥٦٩- حدثنا يحيى بن يحيى، ثنا سفيان بن عيينة، عن هشام
يعني ابن حِجير، عن طاوس، عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُوْلِئِكَ هُمُ الكَافِرُوْنَ﴾ [المائدة: ٤٤]
ليس بالكفر الذي يذهبون إليه(١).
٥٧٠- حدثنا محمد بن رافع ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا
عبدالرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال:
سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله،
فَأَوْلِئِكَ هُمُ الْكَافِرُوْنَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: هي ! به كفر.
قال ابن طاوس: ولیس کمن كفر بالله، وملائكته، وکتبه،
ورسله (٢)).
٥٧١- حدثنا إسحاق، أنا وكيع، عن سفيان، عن معمر، عن
ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هو به كفره،
ولیس کمن كفر بالله، وملائكته، وکتبه، ورسله (٣) .
(١) قال الألباني: إسناده صحيح.
(٢) قال الألباني : إسناده صحيح.
(٣) قال الألباني: ((إسناده صحيح)).
والأثر أخرجه الطبري (١٦٦/٦) من طريق وكيع به، ولفظه: هي به كفر،
وليس كفراً بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.
وأخرجه الطبري بسند آخر عن سفيان به نحوه، وأخرجه من طريق
عبدالرزاق، عن معمر به.
- ٥٢١ -

٥٧٢- [ق ١١٩ / أ] حدثنا إسحاق، أنا وكيع، عن سفيان، عن
معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قلت لابن عباس :
من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟!، قال: هو به كفره،
ولیس کمن كفر بالله، وملائكته، وکتبه، ورسله، واليوم
الآخر(١).
٥٧٣- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن
رجل، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كفر لا ينقل عن
الملة (٢) .
٥٧٤- حدثنا إسحاق، أنا وكيع، عن سفيان، عن سعيد المكي،
عن طاوس قال: ليس بكفر ينقل عن الملة (٣).
٥٧٥- حدثنا إسحاق، أنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج،
عن عطاء قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق
دون فسق (٤)!(٥) .
(١) وهو مكرر الذي قبله، وصححه الألباني .
(٢) أخرجه الطبري (١٦٦/٦) عن هناد، وسفيان بن وكيع كلاهما عن وكيع به .
وعن الحسن بن يحيى، عن عبدالرزاق به .
(٣) أخرجه الطبري (١٦٦/٦) بالإِسناد المتقدم عن وكيع به .
(٤) إسناده صحيح .
وأخرجه الطبري (١٦٦/٦) عن هناد عن وكيع به، وعن سفيان بن وكيع عن
وکیع به .
وأخرجه الطبري (١٦٦/٦) عن الحسن بن يحيى، عن عبدالرزاق، عن
الثوري، عن رجل، عن طاوس، عن عطاء.
- ٥٢٢ -

قال أبو عبدالله: (قالوا: (١)) وقد صدق عطاء، قد يسمى
الكافر ظالماً، ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً، فظلم ينقل
عن ملة الإِسلام وظلم لا ينقل.
قال الله: ﴿الَّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:
٨٢].
وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
٥٧٦- فحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: لما نزلت
﴿الَّذِيْنَ آمَنُوْا، وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]
شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله وَّهَ، قالوا: أينا لم
يلبس إيمانه بظلم؟! قال رسول الله رَلو: ليس بذلك، ألا
تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ﴾
وأخرجه (٦ /١٦٥) عن محمد بن بشار عن عبدالرحمن عن سفيان به .
==
وعن محمد بن بشار، عن عبدالرحمن، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن
عطاء مثله .
وعن المثنى، ثنا الحجاج، ثنا حماد، عن أيوب بن أبي تميمة، عن
عطاء بن أبي رباح بنحوه .
(٥) وهذه الفقرة أوردها شيخ الإسلام من أول قوله إلى هنا في الإِيمان (٣٠٧ -
٣١٠)
(١) من الإِيمان.
- ٥٢٣ -

[لقمان: ١٣](١).
٥٧٧- قال إسحاق: أنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بهذا الحديث.
وقال: إنما [ق ١١٩ /ب] هو الشرك (٢).
٥٧٨- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا الحجاج بن المنهال، عن
(١) أخرجه البخاري في الإِيمان، باب ظلم دون ظلم (١ /٨٧) وأحاديث الأنبياء،
باب قول الله: ولقد آتينا لقمان الحكمة (٤٦٥/٦) عن أبي الوليد، وعن
بشربن خالد، عن غندر، وفي التفسير، باب: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم
(٢٩٤/٨) عن بندار عن ابن أبي عدي ثلاثتهم عن شعبة، وفي أحاديث
الأنبياء (٣٨٩/٦) عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، وفيه أيضاً
(٤٦٥/٦) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس وفي التفسير، باب لا
تشرك بالله (٥١٣/٨) عن قتيبة، عن جرير، ومسلم (١١٤/١، ١١٥) عن
إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم كلاهما عن عيسى بن يونس، وعن
منجاب بن الحارث عن علي بن مسهر، وعن أبي كريب، عن ابن ادريس
ستتهم عن الأعمش به.
وأخرجه الترمذي من طريق عيسى (٢٦٢/٥)، والنسائي في الكبرى كما
في تحفة الأشراف من طريق عيسى، وغندر ثلاثتهم عن الأعمش به.
وراجع أيضاً الدر المنثور (٣٠٨/٣)
(٢) أخرجه البخاري: استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأولين (٣٠٣/١٢)
عن إسحاق بن إبراهيم، ويحيى كلاهما عن وكيع به، وأخرجه مسلم: الإِيمان
(١١٤/١) عن ابن أبي شيبة، عن عبدالله بن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع
كلهم عن الأعمش به.
- ٥٢٤ -

حماد يعني ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن
مهران، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل
بيته نشر المصحف، فقرأ، فدخل ذات يوم، فقرأ، فأتى
على هذه الآية: ﴿الَّذِيْنَ آمَنُوْا، وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ
بظُلْمٍ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ٨٢]، فانتعل، وأخذ
رداءه، ثم أتى أبي بن كعب، فقال: يا أبا المنذر! أتيت
قبل على هذه الآية: ﴿الَّذِيْنَ آمَنُوا، وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ
بظُلْمٍ ﴾ وقد ترى أنا نظلم، ونفعل؟! فقال: يا أمير
المؤمنين! إن هذا ليس بذلك، يقول الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ﴾ [لقمان: ١٣] إنما ذلك الشرك (١).
٥٧٩- حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، ثنا حماد بن زيد، عن
علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر أتى على
هذه الآية ﴿الَّذِيْنَ آمَنُوا، وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ فذكر
الحديث(٢).
(١) في سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وعزاه السيوطي لابن المنذر،
والحاكم، وابن مردويه (الدر ٣٠٨/٣)
(٢) وهو مكرر الذي قبله، وإسناده أيضاً ضعيف لضعف ابن جدعان، وذكر شيخ
الإِسلام من أول كلام المؤلف إلى هنا، واختصر حديث ابن مسعود بقوله :
وذكر حديث ابن مسعود المتفق عليه .
- ٥٢٥ -

[أنواع الفسق، والشرك والكفر: ]
قال أبو عبدالله: قالوا(١): وكذلك الفسق فسقان: فسق
ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيُسمى الكافرُ فاسقاً،
والفاسقُ من المسلمين فاسقاً، ذَكرَ الله إبليسَ، فقال: ﴿فَفَسَقَ
عَنْ أَمْرِ رَبِهِ﴾ [الكهف: ٥١] وكان ذلك الفسق منه كفراً.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِيْنَ فَسَقُوْا، فَمَأْوَاهُمُ النّارُ﴾
[السجدة: ٢٠] يريد الكفارَ، دَلّ على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوْا
أَنْ يَخْرُجُوْا مِنْهَا أُعِيْدُوْا فِيْهَا، وَقِيْلَ لَهُمْ: ذُوْقُوْا عَذَابَ النَّارِ الَّذِيْ
كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُوْنَ﴾ [السجدة: ٢٠].
وسمي القاذف من المسلمين فاسقاً [ق ١٢٠ / أ] ولم يُخْرِجِه
من الإِسلام (٢) قال الله: ﴿وَالَّذِيْنَ يَرْمُوْنَ الْمُحْصَنَاتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوْا
بِإِرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَاجْلِدُوْهُمْ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً، وَلاَ تَقْبَلُوْا لَهُمْ شَهَاذَةً
أَبَداً، وَأُوْلِئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
وقال الله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيْهِنَّ الحَجَّ، فَلَ رَفَثَ، وَلاَ فُسُوْقَ،
وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فقالت العلماء في تفسير الفسوق ههنا: هي المعاصي .
قالوا: فكما كان الظلمُ ظلمين، والفسوق(٣) فسقين، كذلك
(١) قوله: (قالوا) غير موجود في كتاب الإِيمان.
(٢) ورد في الأصل (النار) بدل (الإِسلام)، والتصحيح من الإيمان لابن تيمية.
(٣) كذا في الأصل، وفي الإِيمان (الفسق).
- ٥٢٦ -

الكفر كفران: أحدهما ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عنها،
فكذلك الشرك شركان: شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك
في العمل لا ينقل عن الملة، وهو الرياء، قال الله جل وعز:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً، وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ
٤
رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠] [يريد بذلك المراءاة بالأعمال
الصالحة، وقال النبي وَلِّ: الطيرة شرك (١)].
قال أبو عبد الله: فهذان مذهبان هما في الجملة محكيان
عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أصحاب الحديث.
٥٨٠- حكى الشالنجي إسماعيل بن سعيد أنه سأل أحمدَ بنَ
حنبل عن المُصِرِّ على الكبائر يطلبها بجهده(٢)، إلّ أنه لم
يترك الصلاة، والزكاة، والصوم هل يكون مصراً، من
كانت هذه حاله؟! قال: هو مُصِرِّ مثل قوله: ((لا يزني حين
يزني وهو مؤمن)) يخرج من الإِيمان، ويقع في الإِسلام،
ومن نحو قوله: ((لا يشرب الخمر حين يشربها وهو
مؤمن))، ((ولا یسرق حین یسرق، وهو مؤمن))، ومن نحو
قول ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله [ق
١٢٠ / ب] فَأُوْلِئِكَ هُمُ الْكَافِرُوْنَ﴾، [المائدة: ٤٤]
(١) من الإِيمان، وبدونه في الأصل. وكلام المؤلف نقله شيخ الإِسلام في الإِيمان
(٣١١ -٣١٢)
(٢) ورد في الأصل (يطلبه بجهده)، وما أثبتناه فهو في الإِيمان (٣١٢) لابن تيمية .
- ٥٢٧ -

فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفرٌ لا ينقل عن الملة مثل
الإِيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجيء من
ذلك أمر لا يختلف فيه.
٥٨١- وقال ابن أبي شيبة: لا يزني حين يزني وهو مؤمن،
لا يكون مستكمل الإِيمان يكون ناقصاً من إيمانه .
٥٨٢- قال: وسألت أحمد بن حنبل عن الإِسلام والإِيمان؟!
فقال: الإِيمان قول وعمل، والإِسلام إقرار، قال: وبه قال
أبو خيثمة .
٥٨٣- وقال ابن أبي شيبة: لا يكون الإِسلام إلّ بإيمان، ولا
إيمان إلا بإسلام(١). وإذا كان على المخاطبة، فقال: قد
قبلت الإِيمان فهو داخل في الإِسلام، وإذا قال: قد قبلت
الإِسلام فهو داخل في الإِيمان.
٥٨٤- قال: وحكى الميموني عبدالملك بن عبدالحميد بن
ميمون بن مهران أنه سأل أحمد بن حنبل عن رأيه في
مؤمن إن شاء الله؟ فقال: أقول: مؤمن إن شاء الله،
وأقول: مسلم، ولا أستثني .
٥٨٥- وقال: قلت لأحمد: يُفرق بين الإِسلام والإِيمان؟ فقال
(١) أورد شيخ الإسلام ابن تيمية كلام المؤلف من أوله إلى هنا في الإِيمان له
(٣١٢ - ٣١٣)
- ٥٢٨ -

لي: نعم، قلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: قال الله :
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ: آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوْا، وَلكِنْ قُوْلُوْا:
أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وذكر أشياء(١)
٥٨٦- وقال الشالنجي: سألت أحمد عن من قال: أنا مؤمن عند
نفسي من طريق الأحكام، والمواريث، ولا أعلم ما أنا
عند الله؟ فقال: ليس هذا بمرجيء.
٥٨٧- وقال أبو أيوب: الاستثناء [ق ١٢١ / أ] جائز، قال: أنا
مؤمن، ولم يقل عند الله، ولم يستثن، فذلك عندي جائز،
وليس بمرجيء، وبه قال أبو خيثمة، وابن أبي شيبة .
٥٨٨- وحكى غير هؤلاء أنه سأل أحمد عن قول النبي اَلر: (لا
يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن) فقال: من أي هذه
الأربعة أو مثلهن، أو فوقهن، فهو مسلم، ولا أسميه
مؤمناً، ومن أتی دون ذلك يريد دون الكبائر، سميته مؤمناً
ناقص الإِيمان .
[قول طائفة ثالثة باتحاد الإِيمان والإِسلام: ]
قال أبو عبدالله: وقالت طائفة ثالثة وهم الجمهور الأعظم
من أهل السُنة والجماعة وأصحاب الحديث: الإِيمان الذي دعا
الله العبادَ إليه، وافترضه عليهم هو الإِسلام الذي جعله ديناً،
(١) ذكر شيخ الإِسلام في الإِيمان (ص ٣٦٣) رواية الميموني هذه بتفصيل أكثر،
فليراجع للتفصيل .
- ٥٢٩ -

وارتضاه لعباده، ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه،
فقال: ﴿وَلاَ يَرْضِى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
وقال: ﴿وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً﴾ [المائدة: ٣].
وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَه يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾
[الأنعام: ١٢٥].
وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوْ عَلى نُوْرٍ مِنْ رَبِّهِ﴾
[الزمر: ٢٢ ].
فمدح الله الإِسلام بمثل ما مدح به الإِيمان، وجعله اسم ثناءٍ
وتزکیةٍ، فأخبر أن من أسلم، فهو على نور من ربه، وهدی، وأخبر
أنه دينه الذي ارتضاه، فقد أحبَّه، وامتدحه، ألا ترى أن أنبياء الله
ورسله، رغبوا فيه إليه، وسألوه إيّاه، فقال إبراهيم خليل الرحمن،
وإسماعيل ذبيحه: ﴿رَبَّنَا، وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْن لَكَ، [ق ١٢١/ب]
وَمِنْ ذُرِّيَتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقال يوسف: ﴿تَوَقَّنِيْ مُسْلِماً، وَأَلْحِقْنِيْ بِالصَّالِحِيْنَ﴾
[يوسف: ١٠١].
وقال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيْمُ بَنِيْهِ، وَيَعْقُوْبُ: يَا بَنِيَّ! إنَّ الله
اصْطَفَى لَكُمُ الدِّيْنَ فَلَا تَمُوْتُنَّ إِلَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ﴾ [البقرة:
١٣٢ ].
وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابَ، والأُمَّيْنَ: أَأَسْلَمْتُمْ؟ فَإِنْ
أَسْلَمُوْا، فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠].
- ٥٣٠ -

وقال في موضع آخر: ﴿قُوْلُوا: آمَنَّا بِالله، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا، وَمَا
أَنْزِلَ إِلى إِبْرَاهِيْمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَّهُ مُسْلِمُوْنَ، فَإِنْ آمَنُوْا بِمِثْلَ
مَا آمَنْتُمْ بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠].
فحكم الله بأن مَنْ أسلم، فقد اهتدی، ومَنْ آمن فقد اهتدى،
فقد سوى بينهما .
قال أبو عبدالله: وقد ذكرنا تمام الحجة في أن الإِسلام هو
الإِيمان وأنهما لا يفترقان، ولا يتباينان من الكتاب، والأخبار
الدالة على ذلك في موضع غير هذا، فتركنا إعادته في هذا
الموضع كراهيةً التطويل والتكرير، غير أنا سنذكرههنا من الحجة
في ذلك ما لم نذكره في غير هذا الموضع، ونبين خطأ تأويلهم،
والحجج التي احتجوا بها من الكتاب، والأخبار التي استدلوا بها
على التفرقة بين الإِسلام والإِيمان (١).
قال الله عز وجل: ﴿يمنونَ عليكَ أَنْ أسلموا، قل: لاَ تَمُنُّوْا عَلَيَّ
إِسْلَامَكُمْ، بَلِ اللّه يَمُنُّ عَلَيْكُمْ، أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيْمَانِ، إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِيْنَ﴾ [الحجرات: ١٧] فدَلَّ ذلك على أن الإِسلام هو
الإِيمان .
٥٨٩- حدثنا محمد بن رافع، أنا عبد [ق ١٢٢ / أ] الرزاق، أنا
معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ، بَلِ
(١) من أول كلام المؤلف إلى هنا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الإِيمان (٣٤٩)
ثم شرح مقصود المؤلف، وتعقب عليه، فليراجع .
- ٥٣١ -

الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] قال: منوا على النبي
وَالر حين جاءوا، فقالوا: إنا أسلمنا بغير قتال، لم
نقاتلك، كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، وقال الله لنبيه :
﴿ يَمُنُّوْنَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوْا، قُلْ: لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ،
بَلِ اللهَ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيْمَانِ﴾ [الحجرات:
١٧] (١) .
٥٩٠- حدثنا محمد بن عبدة، ثنا أبو وهب محمد بن مزاحم، ثنا
بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان: ﴿يَمُنَّوْنَ عَلَيْكَ أَنْ
أُسْلَمُوْا﴾ [الحجرات: ١٧] إنهم أعراب بني أسد بن
خزيمة، قالوا: يا رسول الله! أتيناك بغير قتالٍ، وتركنا
العشائَر، والأموالَ، وكل قبيلة من الأعراب قاتلتك حتى
دخلوا في الاسلام كرها، فلنا عليك حق، فأنزل الله :
(١) رجاله ثقات، وإسناده مرسل.
وأخرجه الطبري (٢٦ /٩٠) عن بشر، ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة قال:
ولعمري ما عمت هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب من يؤمن بالله، واليوم
الآخر، ولكن إنما أنزلت في حي من أحياء العرب، امتنوا بإسلامهم على نبي
اللّه ◌َ﴿، فقالوا: أسلمنا، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فقال
الله: لا تقولوا: آمنا، ﴿وَلْكِنْ قُوْلُوْا: أَسْلَمْنَا﴾، حتى بلغ (في قلوبكم).
وأخرجه أيضاً عن ابن عبدالأعلى، ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:
﴿لَمْ تُؤْمِنُوْا، وَلَكِنْ قُوْلُوْا أَسْلَمْنَا﴾، قال: لم تعم هذه الآية الأعراب، إن من
الأعراب من يؤمن بالله، واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، ولكنها
طوائف من الأعراب (٢٦ / ٩٠)
- ٥٣٢ -

﴿يَمُنُّوْنَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوْا، قُلْ: لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ
بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيْمَانِ﴾ [الحجرات:
١٧] فله بذلك المنَّ عليكم ﴿إِنْ كَنْتَمْ صَادِقِيْنَ﴾ وفيهم
أنزلت: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوْا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
ويقال في الكبائر التي حتمت بنار: كل موجبة من ركبها ومات
عليها لم يتب منها .
قال أبو عبد الله: وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوْا إلاّ لِيَعْبُدُوْا
الله مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ﴾ الآية [البيّنة: ٥].
وقال: ﴿إِنَّ الدِّيْنَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فسمى
إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ديناً قيِّماً، وسمى الدين إسلاماً، فمن
لم يؤد الزكاةَ، فقد ترك من الدين القيِّم الذي أخبر الله [ق
١٢٢/ ب] أنه عنده الدين، وهو الإِسلام بعضاً.
وقد جامعتنا هذه الطائفة التي فرّقت بين الإِيمان والإِسلام على
أن الإِيمان قولٌ وعملٌ، وأن الصلاة والزكاة من الإِيمان، وقد
سماهما الله ديناً، وأخبر أن الدين عند الله الإِسلام، فقد سمى
الله الإِسلام بما سمى به الإِيمان، وسمى الإِيمان بما سمى به
الإِسلام، وبمثل ذلك جاءت الأخبار عن النبي وَّر، فمن زعم
أن الإِسلام هو الإِقرار، وأن العمل ليس منه، فقد خالف الكتابَ
والسُنةَ، ولا فرق بينه وبين المرجئة، إذ زعمتْ أن الإِيمانَ إقرار
- ٥٣٣ -

بما عمل (١).
فقد بيَّن الله في كتابه، وسُنةٍ نبيه ◌ََّ أن الإِسلامَ والإِيمان
لا يفترقان، فمن صدق الله فقد آمن به، ومن آمن بالله فقد خضع
لله، وقد أسلم لله، ومن صام، وصلى، وقام بفرائض الله، وانتهى
عما نهى الله عنه، فقد استكمل الإِيمان، والإِسلام المفترض
عليه، ومن ترك من ذلك شيئاً، فلن يزول عنه اسم الإِيمان، ولا
(١) ذكر شيخ الإِسلام كلام المؤلف إلى هنا، ثم قال: أما قوله: إن الله جعل
الصلاة، والزكاة من الدين، والدين عنده هو الإِسلام فهذا كلام حسن موافق
الحديث جبريل، وَردُّه على من جعل العمل خارجاً من الإِسلام كلام حسن.
وأما قوله: ((إن الله سمى الإِيمان بما سمى به الإِسلام، وسمى الإِسلام بما
سمى به الإِيمان)) فليس كذلك، فإن الله إنما قال: ﴿إِنَّ الدِّيْنَ عِنْدَ الله
الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] ولم يقل قط: إن الدين عند الله الإِيمان، ولكن
هذا الدين من الإِيمان، وليس إذا كان منه يكون هو إياه، فإن الإِيمان أصله
معرفة القلب، وتصديقه، والعمل تابع لهذا العلم، والتصديق ملازم له، ولا
يكون العبد مؤمناً إلّ بهما.
وأما الإِسلام فهو عمل محض مع قول، والعلم والتصديق ليس جزء مسماه، لكن
يلزمه جنس التصديق، فلا يكون عمل إلا بعلم، لكن لا يستلزم الإِيمان المفصل
الذي بيَّنه الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنْنَ الذِيْنَ آمَنْا بالله ورسوله،
ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوْا، وَجَاهدوا بِأموالِهِمْ، وأَنْفُسِهِمْ فِيْ سَبْلِ الله أولئكَ هُمَّ الصادقوْنَ﴾
[الحجرات: ١٥]
وقوله: ﴿إِنمَا المُؤْمِنُونَ الذيْنَ إذا ذكر الله وجلتْ قُلُوبُهُمْ، وَإذا تلِيتْ عليْهِمْ
آيَاتُهْ، زادتْهُمْ إِيمَاناً، وَعَلَى ربِهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]
وسائر النصوص التي تنفي الإِيمان عمن لم يتصف بما ذكره، فإن كثيراً من
المسلمين مسلم باطناً وظاهراً، ومعه تصديق مجمل، ولم يتصف بهذا الإِيمان .
- ٥٣٤ -

الإِسلام إلّ أنه أنقص من غيره في الإِسلام والإِيمان من غير
نقصان من الإقرار بأن الله، وما قال حق لا باطل، وصدق لا
كذب، ولكن ينقص من الإِيمان الذي هو تعظيم للقدر، خضوع
للهيبة والجلال، والطاعة للمصدق به، وهو الله عز وجل، فمن
ذلك يكون النقصان، لا من إقرارهم، [ق ١٢٣ /أ] بأن الله حق،
وما قاله صدق .
قالوا: ومما يدلك على تحقيق قولنا أَنْ مَنْ فَرّق بين الإِيمان
والإِسلام قد جامعنا أن من أتى الكبائر التي استوجب النار
بركوبها، لن يزول عنه اسم الإِسلام، وشرّ من الكبائر وأعظمهم
ركوباً لها من أدخله الله النارَ، فهم يروون الحديثُ عن النبيِ وَلِّ،
ويثبتونه أن الله يقول: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال
خردلة من إيمان، ومثقال برة، ومثقال شعيرة))، فقد أخبر الله تبارك
وتعالى أن في قلوبهم إيماناً، أخرجوا بها من النار، وهم أشر أهل
التوحيد الذين لا يزول في قولنا، وفي قول من خالفنا عنهم اسم
الإِسلام، ولا جائز أن يكون مَنْ في قلبه إيمانٌ يستوجب به
الخروج من الإِيمان، ودخول الجنة، ليس بمؤمن بالله إذ لا جائز
أن يفعل الإِيمان الذي يثاب عليه بقلبه من ليس بمؤمن، كما
لا جائز أن يفعل الکفر بقلبه من ليس بكافر.
[أجوبة أدلة القائلين بتغاير الإِيمان والإِسلام]
وأما ما احتجوا به مما روى في بعض الحديث في الزاني
أنه يخرج من الإِيمان، وينزع منه الإيمان، ونحو ذلك، فقد روینا
- ٥٣٥ -

عن ابن عباس أنه قال: ينزع منه نور الإِيمان، ونور الإِيمان لیس
هو كل الإِيمان، فإنما أراد بقوله: ((ينزع منه الإِيمان)) بعض
الإِيمان، لا كل الإِيمان حتى لا يبقى فيه شيء من الإِيمان، فلو
[ق ١٢٣ /ب] كان كذلك، لكان كافراً، إذ زال عنه اسم الإِيمان
بأسره، فلما قال النبي ◌َّ عن الله عز وجل: ((أخرجوا مِنَ النار مَنْ
كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان)) لأن من دخل النار، فقد لقى
الله بالكبائر، وقد أخبر النبي وَّ أن في قلوبهم أجزاء من
الإِيمان، استحقوا بذلك اسم الإِيمان، ووجب لهم عليه الثواب،
لولا ذلك ما دخلوا الجنةَ، لأنه لا يدخل الجنة من البالغين
العاقلين مَنْ ليس بمؤمن لأن الله عز وجل قال في كتابه: ﴿وجَنّةٍ
عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّماءِ، وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا بالله
وَرُسِله﴾ [الحديد: ٢١] وقال ◌َله: ((لا يدخل الجنة إلّ نَفَس
مؤمنة))، وفي بعض الحديث: ((لا يدخل الجنة إلّ نفس مسلمة))،
وليس ذلك بمتناقض؛ ولا مختلف، لأن معناهما واحدٌ، ولما
أخبر النبي ◌ّ أن الله يُخْرِجُ من النار من كان في قلبه مثقال خردلة
من إيمان، فيدخله الجنة، علمنا أنه لم يدخله الجنة إلّ وهو
مسلم مؤمن .
قالوا: ومما يدل على بطلان قول من خالفنا، ففرق بين
الإِيمان والإِسلام، وتحقيق قولنا: أنا وجدنا الله عز وجل افترض
الفرائض، وأحلّ الحلال، وحرّمَ الحرام، ووضع الأحكام،
والحدود بين المسلمين على اسم الإِيمان، لا على اسم
الإِسلام، فزعم هؤلاء أن مَنْ أتى كبيرة، فهو خارج [ق ١٢٤ / أ]
- ٥٣٦ -

من الإِيمان، وليس بمؤمن، ثم حكموا عليه، وله بأحكام
المؤمنين، ولو كان الأمر كما قالوا فيمن أتى كبيرةً، للزم إسقاطُ
عامةِ الفرائض والأحكام ، والحدودِ التي أوجبها على المؤمنين
عن من أتى كبيرة، لأن اسم الإِيمان قد زال عنه، وفي ذلك خروج
من أحكام الكتاب، ومما أجمعتْ عليه الأمةُ.
فإن قالوا: إنما أجرينا عليه أحكام المؤمنين، لأنه مسلم
عندنا، وإن لم يكن مؤمناً.
قيل لهم: فإنما أوجب الله عز وجل الفرائض، والحلال،
والحرام على المؤمنين، باسم الإِيمان لا باسم الإِسلام، قال الله
عز وجل :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاَةِ، فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ
الآية [المائدة: ٦].
وقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِيْنَ كِتَاباً مَوْقُوْنَاً﴾
[ النساء: ١٠٣].
وقال: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِيْنَ آمَنُوْا يُقِيْمُوْا الصَّلاَةَ﴾ [إبراهيم:
٣١].
وقال: ﴿يَا أَيُّهُا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا نُوْدِىَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ،
فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:
١٨٣].
- ٥٣٧ -

﴿وَيَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَنْفِقُوْا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ، وَمِمَّا أَخْرَجْنَا
لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧].
﴿وَيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِيْنَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال:
٦٥].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾
[ آل عمران: ١٣٠].
﴿ْوَيَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى،
فَاكْتَبُوْهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
﴿وَيَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تَقْتُلُوْا الصَّيْدَ، وأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:
٩٥].
وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ يَغُضُوْا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [ق ١٢٤/ب]
وَيَحْفَظُوْا فُرُوْجَهُمْ﴾
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ: يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠].
وقال: ﴿الزَّانِيْ لَا يَنْكِحُ إِلَّ زَانِيَةٌ، أَوْ مُشْرِكَةً﴾ إلى قوله:
﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ [النور: ٣].
وقال: ﴿وَتُوْبُوْا إلى الله جَمِيْعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١].
قال أبو عبد الله: فإنما أمرهم بأن يتوبوا من ذنوبٍ أَحْدَثُوْها،
ليست بكفرٍ ولا شركٍ، ولو كانت الذنوبُ أخرجَتْهُمُ من الإِيمان،
لما سماهم الله مؤمنين، ولكن سماهم مؤمنين، وافترض عليهم
- ٥٣٨ -

التوبةَ من الذنوب، فمن زعم أن من أتى كبيرةً، زال عنه اسم
الإِيمان، لزمه أن يسقط عنه هذه الفرائض كلها، لأن الله إنما
أوجبها على المؤمنين باسم الإِيمان، وقال الله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوْا
المُشْرِكَاتٍ حَتَّى يُؤْمِنَّ، وَلاَ تَنْكِحُوْا المُشْرِكِيْنَ، حَتَّى يُؤْمِنُوْاِ
[البقرة: ٢٢١] ثم خَصَِّ المحصناتِ من أهل الكتاب فأحلٌ
نكاحهن، وقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، وطَعَامُ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا
الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٍِّ لَهُمْ، وَالْمُحْصَنَاتٍ مِنَ
الْمُؤْمِنَاتِ، والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا
أَيْتُمُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] فلو أن مسلمة سَرقَتْ، أو
شَربَتْ جرعةً من خمر، لكان اسم الإِيمان قد زال عنها في قول
هؤلاء، فوجب تحريم نكاحها عليهم، لأن الله إنما أباح نكاح
المحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب،
وليست هذه من المؤمنات، ولا من أهل الكتاب [ق ١٢٥ / أ].
وقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ، فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ
الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
فيسألون عن من لا يستطيع طولاً لنكاح المحصنة، وخاف
٤
العنتَ، فأراد أن يتزوج أمة مسلمة تصوم، وتصلي، إلّ أنها قد
سرقتْ درهماً، أيحل له نكاحها؟! فإن أباحوا نكاحها، وليست
عندهم بمؤمنة، خرجوا من حكم الكتاب، وإن حرَّموا نكاحها
خرجوا من لسان الأمة إلا طائفة من الخوارج، وقال الله عز وجل :
- ٥٣٩ -

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلّ خَطَأَ، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً،
فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ الآية [النساء: ٩٢].
فيسألون عن رجل أتى كبيرة، فقتله رجل خطأ: أعليه عتق رقبة
مؤمنة ودية مسلمة؟ ! .
فإن قالوا: نعم! قيل لهم: فمن أين أوجبتم عليه ذلك؟ وإنما
أوجب الله عتق الرقبة، والدية على من قتل مؤمنا، وهذا المقتول
ليس بمؤمن من عندكم، ولا هو من أهل الكتاب الذين بيننا،
وبينهم ميثاق، فلا ينبغي أن یکون علی قاتله عندكم دية، ولا عتق
رقبة، وقال الله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فما تقولون
في أمة، أو عبد مسلم يصوم ويصلي، ويؤدي الفرائض إلّ أنها
سرقت، أو شربت خمراً، هل يجوز عتقها، عن من عليه عتق
رقبة؟ ! .
فإن أجازوا عتقها، فقد أثبتوا لها اسم الإِيمان، وتركوا قولهم،
وإن [ق ١٢٥/ب] قالوا: ليست بمؤمنة، وعتقها جائز، خالفوا
حكم الكتاب، وإن زعموا أن عتقها ليس بجائز، خرجوا من لسان
الأمة، وقد قال النبي ◌ََّ في الْأَمَةِ السوداء حين امتحنها
بالشهادتين، فأقرت: ((أعتقها، فإنها مؤمنة (١)) ولم يقل: إنها
مسلمة .
(١) يشير المؤلف إلى حديث الجارية الصحيح المشهور، وهو حديث معاوية بن
الحكم السلمي قال: كانت لي غنم بين أحد، والجوانية فيها جارية لي،
فاطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة - وأنا رجل من بني آدم - =
- ٥٤٠ -