Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
کتاب الوصايا
الأشياء وصية بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح. وجه قول أبي حنيفة: إن المعتبر
في وصيتهم ما هو قربه عندهم، لا ما هو قربة حقيقة؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقيّة؛
ولهذا لو أوصى بما هو قربة عندنا، وليس بقربة عندهم - لم تجز وصيته؛ كالحج، وبناء
المسجد للمسلمين؛ فدل أن المعتبر ما هو قربة عندهم، وقد وجد ولكنا أمرنا ألا نتعرض لهم
فيما يدينون؛ كما لا نتعرض لهم في عبادة الصليب، وبيع الخمر، والخنزير فيما بينهم.
ولو بنى الذمي في حياته بيعة، أو كنيسة، أو بيت نار - كان ميراثاً بين ورثته في قولهم
جميعاً على اختلاف المذهبين. أما على أصلهما - فظاهر؛ لأنه معصية، وأما عنده - فلأنه
بمنزلة الوقف، والمسلم لو جعل داراً أو وقفاً، إن مات - صار ميراثاً. كذا هذا.
فإن قيل: لِمَّ لا يجعل حكم البيعة فيما بينهم كحكم المسجد فيما بين المسلمين
- فالجواب: أن حال المسجد يخالف حال البيعة؛ لأن المسجد صار خالصاً لله - تبارك
وتعالى - وانقطعت عنه منافع المسلمين، وأما للبيعة - فإنها باقية على منافعهم؛ فإنه يسكن فيها
أساقفتهم، ويدفن فيها موتاهم؛ فكانت باقية على منافعهم؛ فأشبه الوقف فيما بين المسلمين،
والوقف فيما بين المسلمين لا يزيل ملك الرقبة عنده. فكذا هذا.
ولو أوصى مسلم بغلة جاريته أن تكون في نفقة المسجد ومؤنته، فانهدم المسجد، وقد
اجتمع من غلتها شيء - أنفق ذلك في بنائه، لأنه بالانهدام لم يخرج من أن يكون مسجداً، وقد
أوصى له بغلتها فتنفق في بنائه وعمارته. والله أعلم.
ومنها: ألا يكون مملوكاً للموصي؛ إذا كانت الوصية بدراهم، أو دنانير مسماة، أو بشيء
معين من ماله سوى رقبة العبد، حتى لو أوصى لعبده بدراهم، أو دنانير مسماة، أو بشيء معين
من ماله سوى رقبة العبد، - لا تصح الوصية؛ لأنه إذ ذاك يكون موصياً لنفسه.
ولو أوصى له بشيء من رقبته؛ بأن أوصى له بثلث رقبته ــ جاز؛ لأن الوصية له بثلث
رقبته تمليك ثلث رقبته معه، وتمليك نفس العبد منه يكون إعتاقاً؛ فيصير ثلثه مدبراً في قول
أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعندهما يصير كله مدبراً؛ لأن التدبير يتجزأ عنده؛ كالإعتاق،
وعندهما لا يتجزأ.
ولو أوصى له بثلث ماله - جازت وصيته، وعتق ثلثه بعد موته؛ لأن رقبته دخلت في
الوصية؛ لأنها ماله؛ فوقعت الوصية عليها، وعلى سائر أملاكه، ثم ينظر إن كان ماله دراهم
ودنانير - ينظر إلى ثلثي العبد؛ فإن كانت قيمة ثلثي العبد مثل ما وجب له في سائر أمواله
- صار قصاصاً، وإن كان في المال زيادة - تدفع إليه الزيادة، وإن كان في ثلثي قيمة العبد زيادة

٥٠٢
کتاب الوصايا
- تدفع الزيادة إلى الورثة، وإن كانت التركة عروضاً - لا تصير قصاصاً إلا بالتراضي؛ لاختلاف
الجنس، وعليه أن يسعى في ثلثي قيمته، وله الثلث من سائر أمواله، وللورثة أن يبيعوا الثلث
من سائر أمواله حتى تصل إليهم السعاية؛ وهذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأما عندهما
صار كله مدبراً؛ فإذا مات - عتق كله، ويكون العتق مقدماً على سائر الوصايا؛ فإن زاد الثلث
على مقدار قيمته - فعلى الورثة أن يدفعوا إليه؛ فإن كانت قيمته أكثر - فعليه أن يسعى في
الفضل. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها: ألا يكون مجهولاً جهالة لا يمكن إزالتها؛ فإن كان - لم تجز الوصية له؛ لأن
الجهالة التي لا يمكن استدراكها تمنع من تسليم الموصى به إلى الموصى له؛ فلا تفيد الوصية.
وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بثلث ماله لرجل من الناس أنه لا يصح بلا خلاف، ولو
أوصى لأحد هذين الرجلين - لا يصح في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما يصح،
غير أن عند أبي يوسف - رحمه الله - الوصية تكون بينهما نصفين، وعند محمد - رحمه الله -
الخيار إلى الوارث يعطي أيهما شاء وجه قول محمد: إن الإيجاب وقع صحيحاً؛ لأن
أحدهما، وإن كان مجهولاً، ولكن هذه جهالة تمكن إزالتها.
ألا ترى أن الموصي لو عين: أحدهما: حال حياته لتعين. ثم إن محمداً يقول: لما مات
- عجز عن التعيين بنفسه؛ فيقوم وارثه مقامه في التعيين، وأبو يوسف يقول: لما مات قبل
التعيين - شاعت الوصية لهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، كمن أعتق أحد عبديه، ثم
مات قبل البيان: أن العتق يشيع فيهما جميعاً؛ فيعتق من كل واحد منهما نصفه. كذا ههنا يكون
لكل واحد منهما نصف الوصية. ولأبي حنيفة أن الوصية تمليك عند الموت؛ فتستدعي كون
الموصى له معلوماً عند الموت، والموصى له عند الموت مجهول؛ فلم تصح الوصية من
الأصل؛ كما لو أوصى لواحد من الناس؛ فلا يمكن القول بالشيوع، ولا يقام الوارث مقام
الموصي في البيان؛ لأن ذلك حكم الإيجاب الصحيح، ولم يصح، إلا أن الموصي لو بين
الوصية في أحدهما حال حياته - صحت؛ لأن البيان إنشاء الوصية لأحدهما؛ فكان وصية
مستأنفة لأحدهما عيناً، وإنها صحيحة.
ولو كان له عبدان؛ فأوصى بأرفعهما لرجل، وبأخسهما لآخر، ثم مات الموصي، ثم
مات أحد العبدين، ولا يدري أيهما هو - فالوصية بطلت في قول أبي حنيفة، وزفر - رحمهما
الله - اجتمعا على أخذ الباقي، أو لم يجتمعا.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إن اجتمعا على أخذ الباقي - فهو بينهما نصفان، وإن لم
يجتمعا على أخذه ـ فلا شيء لهما.

٥٠٣
کتاب الوصايا
وروي عن أبي يوسف أنه بينهما نصفان، اجتمعا، أو لم يجتمعا.
وعلى هذا يخرج الوصية لقوم لا يحصون أنها باطلة؛ إذا لم يكن في اللفظ ما ينبىء عن
الحاجة، وإن كان فيه ما ينبىء عن الحاجة - فالوصية جائزة؛ لأنهم إذا كانوا لا يحصون، ولم
يذكر في اللفظ ما يدل على الحاجة - وقعت الوصية؛ تمليكاً منهم، وهم مجهولون، والتمليك
من المجهول جهالة لا يمكن إزالتها لا يصح.
ثم اختلف في تفسير الإحصاء، قال أبو يوسف: إن كانوا لا يحصون إلا بكتاب، أو
حساب ـ فهم لا يحصون.
وقال محمد: إن كانوا أكثر من مائة ــ فهم لا يحصون. وقيل: إن كانوا بحيث لا
يحصيهم محصٍ حتى يولد منهم مولود، ويموت منهم ميت - فهم لا يحصون. وقيل: يفوض
إلى رأي القاضي، وإن كان في اللفظ ما يدل على الحاجة - كان وصيته بالصدقة، وهي:
إخراج المال إلى الله - سبحانه وتعالى - والله - سبحانه وتعالى - واحد معلوم، فصحت
الوصية. ثم إذا صحت الوصية - فالأفضل للوصي أن يعطي الثلث لمن يقرب إليه منهم؛ فإن
جعله في واحد؛ فما زاد - جاز عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد لا يجوز، إلا أن
يعطي اثنين منهم فصاعداً، ولا يجوز أن يعطي واحداً إلا نصف الوصية.
وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا أوصى بثلث ماله للمسلمين - لم تصح؛ لأن المسلمين
لا يحصون، وليس في لفظ المسلمين ما ينبىء عن الحاجة؛ فوقعت الوصية، تمليكاً من
مجهول؛ فلم تصح.
ولو أوصى لفقراء المسلمين، أو لمساكينهم - صحت الوصية؛ لأنهم وإن كانوا لا
يحصون، لكن عندهم اسم الفقير والمسكين ينبىء عن الحاجة؛ فكانت الوصية لهم تقرباً إلى
الله - تبارك وتعالى - طلباً لمرضاته، لا لمرضاة الفقير؛ فيقع المال الله - تعالى عز وجل - ثم
الفقراء يتملكون بتمليك الله - تعالى - منهم. والله - سبحانه وتعالى عز شأنه - واحد معلوم؛
ولهذا كان إيجاب الصدقة من الله - سبحانه وتعالى - من الأغنياء على الفقراء صحيحاً، وإن
كانوا لا يحصون. وإذا صحت الوصية؛ فلو صرف الوصي جميع الثلث إلى فقير واحد - جاز
عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز إلا أن يعطي منهم اثنين فصاعداً، ولا
يجوز أن يعطى واحداً منهم إلا نصف الثلث.
وجه قول محمد أن الفقراء اسم جمع، وأقل الجمع الصحيح ثلاثة، إلا أنه أقام الدليل
على أن الاثنين في باب الوصية يقومان مقام الثلاث؛ لأن الوصية أخت الميراث، والله
- تعالى - أقام الثنتين من البنات مقام الثلاث منهن في استحقاق الثلثين، وكذا الاثنان من

٥٠٤
کتاب الوصايا
الإخوة والأخوات يقومان مقام الثلاث في نقص حق الأم من الثلث إلى السدس، ولا دليل
على قيام الواحد مقام الجماعة، مع ما أن الجمع مأخوذ من الاجتماع، وأقل ما يحصل به
الاجتماع اثنان، ومراعاة معنى الاسم واجب ما أمكن. ولهما أن هذا النوع من الوصية وصية
بالصدقة، وهي إلزام المال حقًّا لله - تبارك وتعالى - وجنس الفقراء مصرف ما يجب لله - عز
. وجل - من الحقوق المالية؛ فكان ذكر الفقراء؛ لبيان المصرف، لا الإيجاب الحق لهم؛ فيجب
الحق الله - تبارك وتعالى - ثم يصرف إلى من ظهر رضا الله - سبحانه وتعالى - بصرف حقه
المال إليه، وقد حصل بصرفه إلى فقير واحد؛ ولهذا جاز صرف ما وجب من الصدقات
الواجبة بإيجاب الله - عز وجل - إلى فقير واحد، وإن كان المذكور بلفظ الجماعة بقوله تبارك
وتعالى: ﴿إِنَّمَّا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] وقد خرج الجواب عما ذكره محمد - رحمه الله -
على أن مراعاة معنى الجمع إنما تجب عند الإمكان؛ فأما عند التعذر - فلا، بل يحمل اللفظ
على مطلق الجنس؛ كما في قوله: ((والله لا أتزوج النساء)). وقوله: ((إن كلمت بني آدم، أو إن
اشتريت العبيد)) أنه يحمل على الجنس، ولا يراعى فيه معنى الجمع حتى يحنث بوجود الفعل
منه في واحد من الجنس، وههنا لا يمكن اعتبار معنى الجمع؛ لأن ذلك مما لا غاية له؛ ولا
نهاية؛ فيحمل على الجنس؛ بخلاف ما إذا أوصى لمواليه، وله مولى واحد - أنه لا يصرف كل
الثلث إليه، بل نصفه؛ لأن هناك ما التزم المال حقًّا لله - تعالى عز وجل - بل ملكه للموالي،
وهو اسم جمع؛ فلا بد من اعتباره. وكذا ذلك الجمع له غاية ونهاية؛ فكان اعتبار معنى الجمع
ممكناً؛ فلا ضرورة إلى الحمل على الجنس؛ بخلاف جمع الفقراء.
وكذلك لو أوصى لفقراء بني فلان دون أغنيائهم، وبنو فلان قبيلة لا تحصى، ولا يحصى
فقراؤهم - فالوصية جائزة؛ لما قلنا، بل أولى، لأنه لما صحت الوصية لفقراء المسلمين - مع
كثرتهم - فلأن تصح لفقراء القبيلة أولى؛ فإن لم يقل لفقرائهم، ولكنه أوصى لبني فلان، ولم
يزد عليه - فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان فلان أبا قبيلة، وإما إِن لم يكن أبا قبيلة،
بل هو رجل من الناس يعرف بأبي فلان؛ فإن كان أبا قبيلة، مثل: تميم، وأسد، ووائل؛ فإن
كان بنوه يحصون - جازت الوصية لهم؛ لأنهم إذا كانوا يحصون - فقد قصد الموصي تمليك
المال منهم؛ لأن الإخراج إلى الله تعالى - فكان الموصى له بالثلث معلوماً؛ فتصح الوصية له؛
كما لو أوصى لأغنياء بني فلان، وهم يحصون.
ويدخل فيه الذكور والإناث؛ لأن الإضافة إلى أب القبيلة إضافة النسبة؛ كالإضافة إلى
القبيلة، ألا يرى أنه يصح أن يقال: هذه المرأة من بني تميم؛ كما يصح أن يقال: هذا الرجل
من بني تميم؛ فيدخل فيه كل من ينتسب إلى فلان، ذكراً كان، أو أنثى، غنيًّا كان، أو فقيراً؛
لأنه ليس في اللفظ ما ينبىء عن الحاجة، وصار كما لو أوصى لقبيلة فلان؟.

٥٠٥
کتاب الوصايا
ولو كان لبني فلان موالي عتاقة يدخلون في الوصية، وكذا موالي مواليهم وحلفائهم
وعبيدهم. وكذا لو كان لهم موالي الموالاة؛ لما ذكرنا: أن المراد من قوله: بني فلان؛ إذا كان
فلان أبا قبيلة - هو القبيلة، لا أبناؤه حقيقة؛ فكان المراد منه: المنتسبين إلى هذه القبيلة،
والمنتمون إليهم، والحلفاء والموالي ينتسبون إلى القبيلة وينتمون إليهم في العرف والشرع. قال
عليه الصلاة والسلام: ((مَوَالِي القَوْمِ مِنْهُمْ))(١) وفي رواية: ((مَوَالي القوْمِ من أنفسِهِمْ وحليفُهُمْ
منهم)) .
وروي أنه قال في جملة ذلك: ((وعَبِيدُهُمْ مِنْهُمْ))، ولأن بني فلان إذا كانوا لا يحصون
- سقط اعتبار حقيقة البنوة؛ فصار عبارة عمن يقع بهم، لهم التناصر، والموالي يقع بهم، لهم
التناصر. وكذا الحليف والعديد؛ إذ الحليف: هو الذي حلف للقبيلة أنه ينصرهم، ويذب
عنهم، كما يذب عن نفسه، وهم حلفوا له كذلك. والعديد: هو الذي يلحق بهم من غير
حلف .
ولو أوصى لقبيلة فلان - دخل فيه الموالي؛ لأن المراد من القبيلة: الذين ينسبون إليه،
والموالي ينسبون إليه. هذا إذا كانوا يحصون؛ فإن كانوا لا يحصون - لا تجوز الوصية؛ لما
قلنا في الوصية لبني فلان؛ بخلاف ما إذا أوصی لبني فلان، وهم يحصون، وفلان أب خاص
لهم، وليس بأبي قبيلة؛ حيث كان الثلث لبني صلبه، ولا يدخل فيه مواليه؛ لأنه ما جرى
العرف هناك أنهم يريدون بهذه اللفظة: المنتسب إليهم؛ فبقيت اللفظة محمولة على الحقيقة؛
ولهذا لا يدخل في الوصية بنو بنيه.
والدليل على التفرقة بين الفصلين: أن زيداً لو أعتق عبداً - لا يقول المعتق: أنا من بني
زيد؛ إذا كان زيد أباً خاصاً، وإن كان زيد أبا قبيلة - يقول المعتق: أنا من بني زيد.
(١) رواه أبو داود (١٢٣/٢) كتاب الزكاة، باب الصدقة على بني هاشم الحديث (١٦٥٠).
والترمذي (٣٧/٣) كتاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي وَّر وأهل بيته ومواليه الحديث
(٦٥٧). والنسائي (١٠٧/٥) كتاب الزكاة، باب مولى القوم منهم وأحمد في المسند (٨/٦، ١٠، ٣٩٠)
وابن خزيمة في صحيحه (٧٥/٤) رقم (٢٣٤٤) كلهم من طريق الحكم بن عتيبة عن ابن أبي رافع عن أبي
رافع .
(أن النبي وَل بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كيما نصيب منها فقال:
لا حتى آتي رسول الله وَلير فأسأله فانطلق إلى النبي ◌َّر فسأله فقال: ((إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي
القوم من أنفسهم» .
وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى كما في التحفة رقم (١٨ - ١٢) من طريق الحكم عن بعض أصحابه أن
النبي ◌َّل بعث أرقم بن أبي أرقم على الصدقة فقال لأبي رافع: هل لك أن تتبعني؟ ... فذكره.

٥٠٦
کتاب الوصايا
هذا هو المتعارف عندهم؛ ولأن بني فلان إذا كانوا لا يحصون ــ لم تصح الوصية؛ لأن
الوصية وقعت لهم تمليك المال منهم، وهم مجهولون، ولا يمكن أن يجعل هذا وصية
بالصدقة؛ لأنه ليس في لفظ ((الابن)) ما ينبىء عن الحاجة لغة؛ فلا يصح؛ كما لو أوصى
للمسلمين أنه لا يصح؛ لجهالة الملك منه، ولم يجعل وصية بالصدقة؛ لما قلنا كذا هذا.
وإن كان أبا نسب، وهو رجل من الناس يعرف، كابن أبي ليلى، وابن سيرين، ونحو
ذلك؛ فإن كانوا كلهم ذكوراً - دخلوا في الوصية، لأن حقيقة اسم البنين للذكور؛ لأنه جمع
الابن؛ فيجب العمل بالحقيقة ما أمكن، وقد أمكن، وإن كانوا كلهم إناثاً - لا يدخل فيه واحدة
منهن؛ لأن اللفظ لا يتناولهن عند انفرادهن، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً - فقد اختلف فيه.
قال أبو حنيفة، وأبو يوسف - رضي الله عنهم -: الوصية للذكور، دون الإناث.
وقال محمد - عليه الرحمة -: يدخل فيه الذكور والإناث. وهو إحدى الروايتين عن أبي
حنيفة، رواه يوسف بن خالد السمتي.
وذكر القدوري في ((شرحه مختصر الكرخي)) الخلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه، وجه
قول محمد - رحمه الله - أن الذكور مع الإناث إذا اجتمعا - غلب الذكور الإناث، ويتناول اسم
الذكور: الذكور والإناث، وإن كان لا يتناولهن حالة الانفراد؛ ولهذا تتناول الخطابات التي في
القرآن العظيم باسم الجمع الذكور، والإناث جميعاً؛ فكذا في الوصية.
ولهما اعتبار الحقيقة، وهو أن البنين جمع ابن، والابن اسم للذكر حقيقة، وكذا البنون؛
فلا يتناول إلا الذكور؛ ولهذا لم يتناولهن حالة الانفراد؛ فكذا حالة الاجتماع. وهكذا نقول في
خطابات القرآن العظيم: إن خطاب الذكور لا يتناول الإناث بصيغته، بل بدلیل زائد.
والدليل عليه ما روي أن النساء شَكَوْن إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ الله
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخَاطِبُ الرِّجَالَ دُونَنَا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وتَعَالى: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ﴾
[الأحزاب: ٣٥] الآية، فلو كان خطاب الرجال يتناولهن - لم يكن لشكايتهن معنى؛ بخلاف ما إذا
كان فلان أبا قبيلة، أو بطن، أو فخذ؛ لأن الإضافة إلى القبيلة والبطن والفخذ لا يراد بها
الأعيان، وإنما يراد بها الأنساب، وهي أن يكون منسوباً إلى القبيلة والبطن والفخذ، والذكر
والأنثى في النسبة على السواءِ، ولهذا يتناولا لاسم الإناث منهم، وإن لم يكن فيهن ذكر، ولا
يتناول الاسم من ولد الرجل المعروف الإناث اللاتي لا ذكر معهن، فإن كان لفلان بنو صلب
وبنو ابن - فالوصية لبني الصلب؛ لأنهم بنوه في الحقيقة.
وأما بنو الابن فبنو بنيه حقيقة لا بنوه، وإنا يسمون بنيه مجازاً، وإطلاق اللفظ يحمل
على الحقيقة ما أمكن، فإن لم يكن له بنو الصلب - فالوصية لبني الابن؛ لأنهم بنوه مجازاً،

٥٠٧
کتاب الوصايا
فيحمل عليه عند تعذر العمل بالحقيقة، وأما أبناء البنات فلا يدخلون في الوصية عند أبي حنيفة
عليه الرحمة .
وذكر الخصاف عن محمد - رحمه الله - أنهم يدخلون كأبناء البنين، وسنذكر المسألة إن
شاء الله تعالى، فإن كان له ابنان لصلبه - فالوصية لهما في قولهم جميعاً؛ لأن اسم الجمع في
باب الوصية يتناول الاثنين فصاعداً، فقد وجد من يستحق كل الوصية، فلا يحمل على غيرهم.
وإن كان له ابن واحد لصلبه صرف نصف الثلث إليه؛ لأن المذكور بلفظ الجمع، وليس
في الواحد معنى الجمع؛ فلا يستحق الواحد كل الوصية، بل النصف، ويرد النصف الباقي إلى
ورثة الموصي، وإن كان له ابن واحد لصلبه وابن ابنه - فالنصف لابنه، والباقي يرد على ورثة
الموصي في قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وعندهما النصف لابنه وما بقي فلابن ابنه،
والصحيح قول أبي حنيفة؛ لأن اللفظ الواحد لا يحمل على الحقيقة والمجاز في زمان واحد،
وإذا صارت الحقيقة مرادة سقط المجاز، وعندهما يجوز حمل اللفظ الواحد على الحقيقة
والمجاز في حالة واحدة، وهذا غير سديد؛ لأن الحقيقة اسم للثابت المستقر في موضعه،
والمجاز ما انتقل عن موضعه، والشيء الواحد في زمان واحد يستحيل أن يكون ثابتاً في محله
ومنتقلاً عن محله.
ولو كان له بنات وبنو ابن - فلا شيء للفريقين في قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وفي
قولهما هو بينهم بالسوية؛ لأن عند أبي حنيفة ولد الصلب إذا كان حيًّا يسقط معه ولد الولد،
غير أن ولد الصلب ههنا البنات على الانفراد، واسم البنين لا يتناول البنات على الانفراد، فلم
تصح الوصية في الفريقين جميعاً، وعلى أصلهما تحمل الوصية على ولد الولد إذا لم يُجر
أولاد الولد بالوصية، ويتناولهما الاسم على الاشتراك، وصاروا كالبطن الواحد، فيشترك
ذكورهم وإناثهم، ولو قال: أوصيت بثلث مالي لإخوة فلان، وهم ذكور وإناث - فهو على
الخلاف الذي ذكرنا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، هو للذكور دون الإناث، وعند
محمد رحمه الله هو بينهم بالسواء لا يزاد الذكر على الأنثى والحجج على نحو ما ذكرنا في
المسألة المتقدمة .
ولو أوصى لولد فلان فالذكر فيه والأنثى سواء في قولهم جميعاً؛ لأن الولد اسم للمولود
وأنه يتناول الذكر والأنثى.
ولو كانت له امرأة حامل دخل ما في بطنها في الوصية؛ لأن الوصية أخت الميراث؛ لأن
الاستحقاق في كل واحد منهما يتعلق بالموت، ثم الحمل يدخل في الميراث فيدخل في
الوصية، فإن كان له بنات وبنو ابن فالوصية لبناته دون بني ابنه، لأن اسم الولد للبنات
بانفرادهن حقيقة ولأولاد الابن مجاز، ومهما أمكن حمل اللفظ على الحقيقة لا يحمل على

٥٠٨
کتاب الوصايا
المجاز، فإن لم يكن له ولد صلب فالوصية لولد الابن يستوي فيه ذكورهم وإناثهم؛ لأنه تعذر
العمل بحقيقة اللفظ فيعمل بالمجاز تصحيحاً لكلام العاقل، ولا يدخل أولاد البنات في الوصية
في قول أبي حنيفة رضي الله عنه.
وذكر الخصاف عن محمد - رحمهما الله - أَن ولد البنات يدخلون فيها كولد البنين وذكر
في ((السير الكبير)): إذا أخذ الأمان لنفسه وولده، لم يدخل فيه أولاد البنات، فصار عن محمد
رحمه الله روايتان.
وجه رواية الخصاف أن الولد ينسب إلى أبويه جميعاً؛ لأنه ولد أبيه وولد أمه حقيقة؛
لانخلاقه من مائهما جميعاً، ثم ولد ابنه ينسب إليه فكذا ولد بنته، ولهذا يضاف أولاد سيدتنا
فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى أبيها رسولِ اللهِ وَّل، وقال وَلّ للحسن رضي الله عنه: ((إِنَّ
ابْنِي هَذَا لسَيِّدٌ وَإِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ الفِئَتَيْنِ)) .
وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال الحسن والحسين - رضي الله عنهما -: ((إِنَّ أَبْنَيَّ
لَسَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الجَنَّةِ)) وكذا يقال لسيدنا عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: إنه من بني
آدم، وإن كان لا ينتسب إليه إلا من قبل أمه. ولأبي حنيفة أن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم
لا إلى أب الأم؛ قال الشاعر [من الطويل].
بَنُونَا بَنُو أَبْنائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ (١)
(١) البيت للفرزدق وهو شاهد على تقديم المبتدأ وتأخير الخبر، لأن المبتدأ محكوم عليه، فلا بد من تقديمه
ليتحقق، ويجوز تأخيره حيث لا مانع نحو: قائم زيد، ويجب التزام الأصل لأسباب أحدها: أن يوهم
التقديم ابتدائية الخبر بأن يكون معرفتين أو نكرتين متساويتين، ولا قرينة نحو: زيد أخوك، وأفضل منك
أفضل مني، فإن كان قرينة جاز التقديم نحو أبو يوسف أبو حنيفة، وقوله بنونا بنو أبنائنا (حيث قدم الخبر
وهو بنونا على المبتدأ وهو بنو أبنائنا مع استواء المبتدأ والخبر في التعريف، فإن كلا منهما مضاف إلى
ضمير المتكلم وإنما ساغ ذلك لوجود قرينة معنوية تعين المبتدأ منهما، فإنك قد عرفت أن الخبر هو محط
الفائدة؛ فما يكون أساس التشبيه. وهو الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر. ألا ترى أنه لا يحسن أن
يكون بنونا هو المبتدأ لأنه يلزم منه أن لا يكون له بنون إلا بني أبنائه، وليس المعنى على ذلك، فجاز
تقديم الخبر هنا مع كونه معرفة لظهور المعنى وأمن اللبس.
واعترض ابن هشام على ابن الناظم استشهاده بهذا البيت: ((قد يقال إن هذا البيت لا تقديم فيه ولا
تأخيره، وأنه جاء على التشبيه المقلوب، كقول ذي الرمة: رمل كأوراك العذارى قطعنه.
فكان ينبغي أن يستشهد بما أنشده في شرح التسهيل من قول حسان بن ثابت:
قبيلة ألأم الأحياء أكرمها ... وأغدر الناس بالجيران وافيها.
إذ المراد الإخبار عن أكرمها بأنه ألأم الأحياء، وعن وافيها بأنه أغدر الناس لا العكس.
ويجاب عنه من وجهين: أحدهما: أن التشبيه المقلوب من الأمور النادرة والحمل على ما يندر وقوعه =

٥٠٩
کتاب الوصايا
وأمَّا قوله: إن الولد ينسب إلى أبيه وإلى أمه، قلنا: نعم، وبنت الرجل ولده حقيقة،
فكان ولدها ولده حقيقة بواسطتها حتى تثبت جميع أحكام الأولاد في حقه، كما تثبت في أولاد
البنين؛ إلا أن النسب إلى الأمهات مهجور عادة فلا ينسب أولاد البنات إلى آباء الأمهات
بوساطتهن، ولا يدخلون تحت النسبة المطلقة، وأولاد سيدتنا فاطمة - رضي الله تعالى عنهم -
لم تهجر نسبتهم إليها فينسبون إلى رسول الله وَلو بواسطتها، وقيل: إنهم خصوا بالنسبة إليه
عليه الصلاة والسلام تشريفاً وإكراماً لهم. وقد روى بعض مشايخنا عن شمس الأئمة الحلواني
رحمه الله في هذا حديثاً عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((كُلُّ بَنِي بِنْتٍ بَنُو أَبِيهِمْ إلاَّ أوْلاَدَ فَاطِمَةً
رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، فَإِنَّهُمْ أَوْلاَدِي)) فإن لم يكن له إلا ولد واحد فالثلث له، سواء كان ذكراً
أو أنثى؛ لأن اسم الولد يتناول الولد الواحد فما زاد عليه حقيقة ولا يتناول الجمع.
قال هشام: سألت محمداً عن رجل له ابن وبنت. فقال: أوصيت لفلان بمثل نصيب
أحد ابني ثم مات الموصي فكم يجعل للموصى له؟ قال: ذلك إلى الورثة إن شاؤوا أعطوه أقل
الأنصباء، قلت له: فإن كان له ابنتان وابن؟ قال: فكذلك أيضاً، قلت: فإن كان له ابنان
وبنت، أو ابنان وبنتان، أو بنون وبنات. فقال: قد أوصيت لفلان بمثل نصيب أحد ابني،
فقال: يعطي الموصى له في هذا نصيب ابن، وإنما كان كذلك؛ لأنه إذا قال: أحد ابني. وله
ابن وبنت، علم أنه سمى الأنثى ابناً؛ لاجتماعها مع الذكر، فدخلت في الكلام، فكان للورثة
أن يحملوا الوصية على نصيبهما.
لمجرد الاحتيال مما لا يجوز أن يصار إليه، وإلا فإن كل كلام يمكن تطريق احتمالات بعيدة إليه، فلا
=
تكون ثمة طمأنينة على إفادة غرض المتكلم بالعبارة. وثانيهما: أن ما ذكره في بيت حسان من أن الغرص
الإخبار عن أكرم هذه القبيلة بأنه الأم الأحياء، وعن أوفى هذه القبيلة بأنه أغدر الأحياء، هذا نفسه يجري
في بيت الشاهد فيقال: إن غرض المتكلم الإخبار عن أبناء أبنائهم بأنهم يشهدن أبناءهم، وليس الغرض
أن يخبر عن بنيهم بأنهم يشبهون بني أبنائهم، فلما صح أن يكون غرض المتكلم معيناً للمبتدأ، صح
الاستشهاد ببيت الشاهد.
ومنهم من أجاز التقديم مطلقاً ولم يلتفت إلى إيهام الانعكاس، وقال الفائدة تحصل للمخاطب. سواء قدم
الخبر أم أخر، وقد أجاز ابن السيد في قوله: شر النساء البحاتر. أن يكون شر النساء مبتدأ والبحاتر
خبره، وعكسه؛ ومنهم من منع التقديم مطلقاً ولم يفصل بين ما دل عليه المعنى وغيره. وذهب الكوفيون
إلى أنه لا يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه، وذهب البصريون إلى جواز التقديم واستدلوا بقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا
ينظر خزانة الأدب ١/ ٤٤٤.
ابن يعيس ٩٩/١، ١٣٢/٩، الانصاف ٦٦، الهمع ١٠٢/١، شرح شواهد المغني ٢٨٧ دلائل الإعجاز -
٢٤٠، التصريح بمضمون التوضيح ١٧٣/١، الدرر اللوامع ٧٦/١، منهج السالك - ٢١٠. ارتشاف الضرب
٤١/٢، العيني ١/ ٥٣٢، شرح ابن عقيل ٢٣١/١، الأشموني ١/ ٢٨١ شرح اللمع ٥٨/١، الكافية ٩٧/١.

٥١٠
كتاب الوصايا
وإذا كان له بنون وبنات، أو ابنان وبنات. فقال: أحد بني يقع على الذكور، فتحمل
الوصية على نصيب واحد منهم دون نصيب البنات، قال محمد رحمه الله: فإذا كان له بنت
وابن، أو ابن وبنتان، أو ابن وبنات - فالابن وحده لا يكون بنين، والأمر على ما ذكره
محمد؛ لأن اسم الجمع لا يتناول الواحد فلا بد من إدخال الإناث معه فحملت الوصية على
نصيب أحدهم، فهذا إشارة إلى اعتباره حقيقة اللفظ، وأن الاسم يحمل على الذكور إلا عند
التعذر.
ولو أوصى ليتامى بني فلان، فإِن كان يتاماهم يحصون جازت الوصية؛ لأنهم إذا كانوا
يحصون وقعت الوصية لهم بأعيانهم لكونهم معلومين فأمكن إيقاعها تمليكاً منهم فصحت،
كما لو أوصى ليتامى هذه السكة أو هذه الدار، ويستوي فيها الغني والفقير، لأن اليتيم في
اللغة اسم لمن مات أبوه ولم يبلغ الحلم، وهذا لا يتعرض للفقر والغنى، وقال الله سبحانه
وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينِ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] وقال عليه الصلاة والسلام:
(ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ اليَتَامَى خَيْراً كَيْلا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ))(١) قد سموا يتامى وإن كان لهم مال، فكل
صغير مات أبوه يدخل تحت الوصية، ومن لا فلا، فإن كانوا لا يحصون فالوصية جائزة،
وتصرف إلى الفقراء منهم؛ لأنها لو صرفت إلى الأغنياء لبطلت لجهالة الموصى له، ولو
صرفت إلى الفقراء لجازت؛ لأنها وصية بالصدقةِ وإخراج للمال إلى الله تعالى، والله تعالى
واحد معلوم، وأمكن أن تجعل الوصية للفقراء، وإن لم يكن في اللفظ ما ينبىء عن الحاجة
-
(١) ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١٥٨/٢ - ١٥٩) وقال أخرجه الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن
ابن جريج عن يوسف بن ماهك به مرسلاً ولكن أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب
الزكاة مطلقاً، وفي الباب: عن أنس مرفوعاً: ((اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة)) رواه الطبراني في
الأوسط في ترجمة علي بن سعيد، وروى البيهقي من حديث سعيد بن المسيب عن عمر موقوفاً عليه
مثله، وقال: إسناده صحيح، وروى الشافعي عن ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفاً أيضاً،
وروى البيهقي من طريق شعبة عن حميد بن هلال سمعت أبا محجن أو ابن محجن وكان خادماً بن أبي
لعثمان بن أبي العاص، قال قدم عثمان بن أبي العاص على عمر، فقال له عمر: كيف متجر أرضك؟ فإن
عندي مال يتيم قد كادت الزكاة أن تفنيه، قال: فدفعه إليه، وروى أحمد بن حنبل من طريق معاوية بن
قرة عن الحكم بن أبي العاص عن عمر نحوه، ورواه الشافعي عن ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن
عمر موقوفاً أيضاً (٦١٨). وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة
تليني وأخاً لي يتيماً في حجرها، وكانت تخرج من أموالنا الزكاة، وروى الدارقطني والبيهقي. وابن عبد
البر ذلك، من طرق عن علي بن أبي طالب وهو مشهور عنه (تنبيه) روى البيهقي من طريق ليث بن أبي
سليم عن مجاهد عن ابن مسعود قال: من ولى مال يتيم فليحص عليه السنين، وإذا دفع إليه ماله أخبره
بما فيه من الزكاة، فإن شاء زكى، وإن شاء ترك، وأعله الشافعي بالانقطاع، وبأن ليثاً ليس بحافظ، وفي
الباب عن ابن عباس وفيه ابن لهيعة.

٥١١
كتاب الوصايا
لغة، لكنه ينبىء عن سبب الحاجة، وعما يوجب الحاجة بطريق الضرورة؛ لأن الصغر
والانفراد عن الأب أعظم أسباب الحاجة، إذ الصغير عاجز عن الانتفاع بماله، ولا بد له
ممن يقوم بإيصال منافع ماله إليه، وكذا هو عاجز عن القيام بحفظ ماله واستنمائه ولا بقاء
للمال عادة إلا بالحفظ والاستنماء، وهو عاجز عن ذلك كله، فيصير في الحكم، كمن
انقطعت عليه منافع ماله بسبب بعده عن ماله وهو ابن السبيل، فصار الاسم بهذه الوساطة
منبئاً عن الحاجة، ولهذا المعنى جعل الله لليتامى سهماً من خمس الغنيمة بقوله تبارك
وتعالى: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ الله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾
[الأنفال: ٤١] وقال تبارك وتعالى: ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَىْ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الحشر: ٧] وأراد به المحتاجين منهم دون الأغنياء، وإذا كان كذلك أمكن
تصحيح هذا التصرف بجعله إيصاء بالصدقة، وكذلك إذا أوصى لزمتي بني فلان أو
لعميانهم؛ لأن الاسم يدل على سبب الحاجة عادة وهو الزمانة والعمى، بخلاف ما إذا
أوصى لبني فلان وهم لا يحصون أنه لا يصح؛ لأنه لا يمكن تصحيحه بطريق التمليك
بجهالة الموصى لهم، ولا بطريق الإيصاء بالصدقة؛ لأنه ليس في لفظ الابن ما ينبىء عن
الحاجة، ولا ما يوجب الحاجة، وههنا بخلافه على ما بينا فتصح الوصية.
ثم إذا صحت وانصرفت الوصية إلى الفقراء من اليتامى؛ فإن صرف إلى اثنين منهم
فصاعداً جاز بالإجماع، وإن صرف جميع الثلث إلى واحد فهو على الخلاف الذي ذكرنا،
والأفضل للموصي أن يصرف إلى كل من قدر منهم؛ لأنه أقرب إلى العمل بحقيقة اللفظ
وتحقيق مقصود الموصي.
ولو أوصى بثلث ماله لأرامل بني فلان - جازت الوصية، سواء كن يحصين أو لا
يحصين، أما إذا كن يحصين فلا يشكل، فإن الوصية وقعت تمليكاً منهن بأعيانهن لكونهن
معلومات، وكذلك إذا كن لا يحصين؛ لأن في الاسم ما يدل على الحاجة؛ لأن الأرملة
اسم لامرأة بالغة فارقت زوجها بطلاق أو وفاة، دخل بها أو لم يدخل، كذا قال محمد
رحمه الله .
وقال ابن الأنباري: الأرملة التي لا زوج لها، من قولهم أرمل القوم فهم مرملون، إذا
فني زادهم، ومن فني زاده كان محتاجاً فكان في الاسم ما ينبىء عن الحاجة فتقع وصية
بالصدقة وإخراج المال إلى الله تبارك وتعالى، والله سبحانه وتعالى واحد معلوم.
وهل يدخل في هذه الوصية الرجال الذين فارقوا أزواجهم؟ قال عامة العلماء رضي الله
عنهم: لا يدخلون.

٥١٢
كتاب الوصايا
وقال الشافعي رحمه الله: يدخل في كل من خرج من كرمة فلان، ذكراً كان أو أنثى،
وإليه ذهب القتبي(١)، واحتجا بقول جرير (٢) الشاعر:
هَذِي الأَرَامِلُ قَدْ قَضَيْتُ حَاجَتَها فَمَن لِحَاجَةِ هَذَا الأزْمَلِ الذَّكَرِ(٣)
أطلق اسم الأرمل على الرجال.
ولنا أن حقيقة هذا الاسم للمرأة لما ذكرنا عن محمد وهو من كبار أهل اللغة، روى عنه
أبو عبيد وأبو العباس ثعلب وأقرانهم، كما روينا عن الخليل والأصمعي (٤) وأقرانهما، وقال
الخليل: يقال: امرأة أرملة، ولا يقال: رجل أرمل إلا في المليح من الشعر.
وقال ابن الأنباري رحمه الله: لا يقال: رجل أرمل إلا في الشعر ونحو ذلك؛ ولأن
الاسم لما كان مشتقاً من قولهم: أرمل القوم إذا فني زادهم، فالمرأة هي التي فني زادها بموت
زوجها؛ لأن النفقة على الزوج لا على المرأة، فإذا مات فقد فني زادها، وبه تبين أن قول
جرير محمول على مليح الشعر كما قال الخليل، أو هو شاذ كما قال ابن الأنباري، أو لازدواج
الكلام؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةَ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَىُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وكما قال الشاعر: [من الطويل].
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِخْ وَإِنْ تَتَأْيَّمي يَدَ الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكِحِي أَتَأْيَّمِ
(١) عبد الله بن مسلم قتيبة الدينوري: أبو محمد: من أئمة الأدب ولد ببغداد في ٢١٣ هـ من كتبه ((تأويل
مختلف الحديث)) أدب الكاتب، المعارف، عيون الأخبار، الاشتقاق مشكل القرآن، العرب وعلومها،
تفسير غريب القرآن وغير ذلك كثير توفي سنة ٢٧٦ هـ.
ينظر: وفيات الأعيان: ١: ٢٥١، الأنباري، ٢٢٧، لسان الميزان ٣٥٧:٣، أدب اللغة: ١٧٠, مجلة
المجمع ٢٦: ٢٨٣، دائرة المعارف الإسلامية: ١: ٢٦٠، مجلة الكتاب ٥: ٨٥، الأعلام ٤/ ١٣٧.
(٢) جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم: أشعر أهل عصره، ولد في اليمامة
سنة ٢٨ هـ، ومات بها سنة ١١٠ هـ.
وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءً مراً - فلم يثبت أمامه غير الفرزدق
والأخطل .
وكان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً.
ينظر الأعلام ١١٩/٢، ووفيات الأعيان ١٠٢/١، والشعر والشعراء ص١٧٩.
(٣) ينظر لسان العرب (رمل)، ومقاييس اللغة ٤٤٢/٢، ومجمل اللغة ٤٢٢/٢، وكتاب العين ٢٦٦/٨،
وأساس البلاغة (رمل) وتاج العروس (رمل).
(٤) ينظر أساس البلاغة (أيم)، وتاج العروس (أيم)، ولسان العرب (أيم).

٥١٣
کتاب الوصايا
ومعلوم أن الرجل لا يسمى أيمًّا، لكن أطلق عليه لازدواجه بقوله: وإن تتأيمي، كذا
ههنا، وإطلاق الاسم لا ينصرف إلى ما لا يذكر إلا لضرورة تمليح الشعر، وازدواج الكلام، أو
في الشذوذ؛ لأن مطلق الاسم ينصرف إلى ما تتسارع إليه الأفهام والأوهام، وذلك ما قلنا.
ولو أوصى لأيامى بني فلان، فإن كن يحصين جازت الوصية لما قلنا، وإن كن لا
يحصين لا تجوز؛ لأنه ليس في لفظ الأيم ما ينبىء عن الحاجة لتجعل وصيته بالصدقة؛ لأن
الأيم في اللغة اسم لامرأة جومعت في قبلها، فارقها زوجها، وشرحه محمد رحمه الله قال:
الأيم كل امرأة جومعت بنكاح جائز أو فاسد، أو فجور ولا زوج لها، غنيةً كانت أو فقيرةً،
صغيرةً كانت أو كبيرةً، وليس في هذه المعاني ما ينبىء عن الحاجة فلا يكون إيصاء بالتصدق،
بخلاف الوصية لأرامل بني فلان وهن لا يحصين؛ أنها جائزة؛ لأن اسم الأرملة ينبىء عن
الحاجة على ما بينا، فجعل وصية بالصدقة.
ثم إذا كن يحصين حتى جازت الوصية، يدخل فيها الصغيرة والبالغة والغنية والفقيرة؛
لأن الاسم في اللغة لا يتعرض لما سوى الأنوثة، وحلول الجماع بها في قبلها، وفراقها
زوجها، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْكَحُوا الأيَامَىْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وإنه يتناول الكبيرة
والصغيرة حتى يجوز إنكاح الصغار كما يجوز إنكاح الكبار. وكذا لا يتعرض للفقر والغنى لأنه
سبحانه وتعالى قال عز من قائل: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] ولو كان
متعرضاً لشيء من ذلك لم يكن لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ معنَى.
وهذا الذي ذكرنا أن الأيم اسم لامرأة جومعت في قبلها فارقها زوجها - قول عامة
المسلمين .
وقال أبو القاسم الصفار البلخي، وأبو الحسن الكرخي رحمهما الله: إن الجماع ليس
بشرط لثبوت هذا الاسم، وكذا الأنوثة، بل يقع هذا الاسم على المدخول بها وعلى البكر،
ويقع على الرجل كما يقع على المرأة؛ واحتجا بقول الشاعر: [من الرجز]
إنّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأَيَامَى النَّسْوَةَ الأَرَامِلَ اليَتَامَى(١)
ومعلوم أن القبر يضم البكر إلى نفسه كما يضم الثيب؛ وقال الشاعر: [من الطويل]
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِخْ وَإِنْ تَتَأْيِمِي يَدَ الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكِحِي أَتَّأَيُّمِ
(١) ويروى الشطر الثاني هكذا:
وينكح الأرامل اليتامى.
ينظر لسان العرب (يتم)، وتهذيب اللغة ١٤/ ٣٤٠.
بدائع الصنائع ج١٠ - ٣٣٢

٥١٤
کتاب الوصايا
أي أمكث بلا زوج ما مكثت أنت بلا زوج، وقال آخر: [من الطويل]
فَلاَ تَنْكِحَنْ جَبَّارةً إِنَّ شَرَّهَا عَلَيْكَ حَرَامٌ فَأَنْكِحَنْ أَوْ تَأْيَّمَا
والجواب أن حقيقة اللغة ما حكينا عن نقله، اللغة وهم أهل دقائق الألفاظ، فيقبل نقلهم
إياها فيما وضعت له، وما ورد في استعمال بعض الفصحاء معدولاً به عن تلك الحقائق فحمل
على المجاز، إما بطريق المقابلة والازدواج، أو باعتبار بعض المعاني التي وضع لها الاسم.
والدليل على أن الأنوثة أصل، وأنه لا يقع على الذكر - أنه لا يدخل علامة التأنيث فيه.
يقال: امرأة أيم، ولا يقال: أيمة، ولو كان الاسم يتناول الذكر والأنثى لفرقوا بينهما بإدخال
علامة التأنيث في المرأة.
وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أن ما ذكر محمد في صفة الأيم جومعت بفجور أو غير
فجور مذهبهما، فأما عند أبي حنيفة رحمه الله التي جومعت بفجور لا تدخل في هذه الوصية؛
لأن التي جومعت بفجور بكر لا أيم عنده حتى تزوج كما تزوج الأبكار عنده، ومنهم من قال
هذا قولهم جميعاً؛ لأنها أيم حقيقة لوجود الجماع؛ إلا أنها تزوج كما تزوج الأبكار عنده
لمشاركتها الأبكار عنده في المعنى الذي أقيم فيه السكوت مقام الرضا. نطقاً في حقها باعتبار
السكوت وهو الحياء على ما عرف في مسائل الخلاف.
ولو أوصى لكل ثيب من بني فلان، إن كن يحصين صحت الوصية، لما ذكرنا في
المسائل المتقدمة، ويدخل تحت هذه الوصية كل امرأة جومعت بحلال أو حرام، لها زوج أو
لم يكن لها زوج، بلغت مبلغ النساء أو لم تبلغ، كذا ذكر محمد، ويدخل فيه الفقيرة والغنية،
والصغيرة والكبيرة، لأن اللفظ لا يتعرض لذلك، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾
[التحريم: ٥] أدخل فيه الصغار والكبار والفقيرات والغنيات، يدل عليه أنهن دخلن فيما يقابله،
وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وأنكاراً﴾ فكذا في قوله تعالى: ﴿ثَيَِّاتٍ﴾ فدل الأمر على اشتراط
الدخول؛ لأنه قابل الثيبات بالأبكار، وهن اللاتي لم يجامعن فكانت الثيبات اللاتي جومعن
لتصح المقابلة، ولا تشترط مفارقتها زوجها بخلاف الأرملة؛ لأن اللغة كذا تقتضي فيتبع فيه
وضع أرباب اللغة، ولا يدخل فيه الرجل؛ لأن هذا الاسم لا يتناول الرجل حقيقة، وإن ورد
في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((وَالثّيْبُ بِالثَّيْبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمُ بِالْحِجَارَةِ»(١)؛
لأن ذلك إطلاق بطريق المجاز للازدواج والمقابلة .
وإن كن لا يحصين لم تجز الوصية؛ لأنه ليس في الاسم ما ينبىء عن الحاجة لما ذكرنا
(١) تقدم.

٥١٥
كتاب الوصايا
أنه اسم لأنثى من بنات آدم عليه الصلاة والسلام جومعت، وليس في الأوصاف المذكورة في
الحد ما ينبىء عن الحاجة، فلا يراد بهذه الوصية إلا التمليك، والمتملك مجهول فلا يصح.
ولو أوصى لكل بكر من بني فلان يجوز إذا كن مَخْصُورات لما قلنا. ويدخل فيه
الصغيرة والكبيرة، الغنية والفقيرة، إذ البكر اسم لامرأة لم تجامع بنكاح ولا غيره، كذا قال
محمد رحمه الله .
وإطلاق هذا الاسم على الذكر في الحديث وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((البِكْرُ
بالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام))(١) بطريق المجاز، وهو المجاز بطريق المقابلة والازدواج، أو
كان لها حقيقة ثم غلب استعماله في متعارف الخلق على الأنثى، فصار بحال لا تنصرف أوهام
الناس عند إطلاقه إلاّ إلى الأنثى، فيحمل الحديث على المجاز.
ولو كانت عذرتها زالت بالوضوء أو بالوثبة أو بذرور الدم تستحق الوصية؛ لأنها لم
تجامع. ومن الناس من خالف محمداً رحمه الله قالوا: إن هذه أيضاً لا تستحق الوصية؛ لأنها
ليست ببكر، والصحيح ما ذكره محمد رحمه الله لما ذكرنا. وذكر محمد رحمه الله أن التي
زالت بكارتها بفجور لا تكون بكراً ولا تكون لها وصية.
وقال بعض مشايخنا منهم الفقيه أبو جعفر الهنداوني رحمه الله: إن هذا قولهما فأما عند
أبي حنيفة رحمه الله، فإنها بكر وتستحق الوصية.
ومنهم من قال لا خلاف في أنها لا تستحق الوصية؛ لأنها ليست ببكر حقيقةً، لعدم حد
البكارة، وإنما تزوج تزوج الأبكار عند أبي حنيفة رحمه الله لما ذكرنا، والله سبحانه وتعالى
أعلم بالصواب.
ولو أوصى لذوي قرابته، أو قراباته، أو لأنسابه، أو لأرحامه، أو لذوي أرحامه، هذه
الألفاظ الخمسة سواء، فعند أبي حنيفة الوصية بهذه الألفاظ للأقرب فالأقرب، فالحاصل أن
عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - يعتبر في هذه الوصية خمسة أشياء: الرحم المحرم، والأقرب
فالأقرب، وجمع الوصية، وهو اثنان فصاعداً، وأن يكون سوى الوالدين والمولودين، وأن
يكون ممن لا يرث، وعندهما يدخل في هذه الوصية ذوا الرحم المحرم والقريب والبعيد إلى
أقصى أب له في الإسلام، حتى لو أوصى للعلوية والعباسية يصرف الثلث إلى من اتصل بسيدنا
عليّ، وبسيدنا العباس رضي الله عنهما، لا إلى من فوقهما من الآباء، ولا خلاف في اعتبار
الأوصاف الثلاثة، وهي اعتبار جمع الوصية، وألا يكون والداً ولا ولداً، وأن يكون ممن لا
یرٹ.
(١) تقدم.
٠ ٠٫٣

٥١٦
کتاب الوصايا
أما الأول فلأن لفظ (ذوي) لفظ جمع، وأقل الجمع في باب الوصية اثنان؛ لأن الوصية
أخت الميراث، وفي باب الميراث كذلك، فإن الثنتين من البنات والأخوات ألحقتا بالثلاث
فصاعداً في استحقاق الثلثين، وحجب الأم من الثلث إلى السدس على ما مر، حتى لو أوصى
لذوي قرابته استحق الواحد فصاعداً كل الوصية؛ لأن ذي ليس بلفظ جمع.
وأما الثاني فلأن الوالد والولد لا يسميان قرابتين عرفاً وحقيقة أيضاً؛ لأن الأب أصل،
والولد فرعه وجزؤه، والقريب من يقرب من غيره لا من نفسه، فلا يتناوله اسم القريب، وقال
الله سبحانه وتعالى: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨] عطف الأقرب على الوالد،
والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، وإذا لم يدخل الوالد والولد في هذه الوصية، فهل يدخل
فيها الجد وولد الولد؟ ذكر في الزيادات أنهما يدخلان ولم يذكر فيه خلافاً.
وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهم الله أنهما لا يدخلان، وهكذا روي عن أبي
يوسف رحمه الله وهو الصحيح؛ لأن الجد بمنزلة الأب وولد الولد بمنزلة الولد، فإذا لم يدخل
فيها الوالد والولد كذا الجد وولد الولد.
وأما الثالث: فلما اويْنَا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ))(١) وإنما
الخلاف في موضعين :
أحدهما: أنه يعتبر المحرم عند أبي حنيفة. وعندهما لا يعتبر.
والثاني: أنه يعتبر الأقرب فالأقرب عنده، وعندهما لا يعتبر.
وجه قولهما إنه القريب اسم مشتق من معنى وهو القرب، وهو وجد القرب فيتناول
الرحم المحرم وغيره، والقريب والبعيد، وصار كما لو أوصى لإخوته أنه يدخل الإخوة لأب
وأم، والإخوة لأب والإخوة لأم لكونه اسما مشتقاً من الإخوة، كذا هذا.
والدليل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لما نزل قوله تبارك وتعالى:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله وَّر قريشاً فخص وعم، فقال: ((يَا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ضَرَّا وَلاَ نَفْعاً، يَا
مَعْشَرَ بَنِي قُصَيِّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَّكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله عَزَّ شَأْنُهُ ضَرًّا وَلاَ نَفْعاً)(٢)
وكذلك قال - عليه الصلاة والسلام - لبني عبد المطلب، ومعلوم أنه كان فيهم الأقرب
والأبعد، وذو الرحم المحرم وغير المحرم، فدل أن الاسم يتناول كل قريب، إلا أنه لا يمكن
(١) تقدم.
(٢) تقدم.

٥١٧
کتاب الوصايا
العمل بعمومه لتعذر إدخال أولاد سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام فيه، فتعتبر النسبة إلى أقصى
أب في الإسلام؛ لأنه لما ورد الإسلام صارت المعرفة بالإسلام والشرف به، فصار الجد
المسلم هو النسب فتشرفوا به، فلا يعتبر من كان قبله.
ولأبي حنيفة رحمه الله أن الوصية لما كانت باسم القرابة أو الرحم، فالقرابة المطلقة هي
قرابة ذي الرحم المحرم؛ ولأن معنى الاسم يتكامل بها، وأما في غيرها من الرحم غير المحرم
فناقص، فكان الاسم للرحم المحرم لا لغيره، لأنه لو كان حقيقة لغيره فإما أن يعتبر الاسم
مشتركاً أو عاماً، ولا سبيل إلى الاشتراك؛ لأن المعنى متجانس ولا إلى العموم؛ لأن المعنى
متفاوت، فتعين أن يكون الاسم لما قلنا حقيقة ولغيره مجازاً، بخلاف الوصية لإخوته؛ لأن
مأخذ الاسم وهو الإخوة لا يتفاوت فكان اسماً عاماً فيتناول الكل، وههنا بخلافه على ما بينا؛
ولأن المقصود من هذه الوصية هو صلة القرابة، وهذه القرابة هي واجبة الوصل محرمة القطع
لا تلك، والظاهر من حال المسلم الذَّيِّن المسارعة إلى إقامة الواجب، فيحمل مطلق اللفظ
عليه، بخلاف ما إذا أوصى لإخوته؛ لأن قرابة الإخوة واجبة الوصل محرمة القطع على
اختلاف جهاتها، فهو الفرق بين الفصلين، وجواب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على
زعمهما كان يستقيم في زمانهما؛ لأن أقصى أب الإسلام كان قريباً يصل إليه بثلاثة آباء أو أربعة
آباء فكان الموصى له معلوماً .
فأما في زماننا فلا يستقيم؛ لأن عهد الإسلام قد طال، فتقع الوصية لقوم مجهولين فلا
تصح؛ إلا أنا نقول: إنه يصرف إلى أولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، وإلى أولاد
أمه، وأولاد جدته، وجدة أمه؛ لأن هذا القدر قد يكون معلوماً - فيصرف إليهم، فأما الزيادة
على ذلك فلا، والله أعلم.
فإن ترك عمين وخالين، وهم ليسوا بورثته، بأن مات وترك ابناً عمين وخالين، فالوصية
للعمين لا للخالين في قول أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأنه يعتبر الأقرب فالأقرب، والعمان
أقرب إليه من الخالين؛ فكانا أولى بالوصية، وعندهما الوصية لتكون بين العمين والخالين
أرباعاً، لأن القريب والبعيد سواء عندهما.
ولو كان له عم واحد وخالان، فللعم نصف الثلث، وللخالين النصف الآخر؛ لأن
الوصية حصلت باسم الجمع، وأقل من يدخل تحت اسم الجمع في الوصية اثنان، فلا يستحق
العم الواحد أكثر من نصف الوصية؛ لأن أقل من ينضم إليه مثله، وإذا استحق هو النصف بقي
النصف الآخر لا مستحق له أقرب من الخالين، فكان لهما، وعندهما يقسم الثلث بينهم أثلاثاً،
الاستواء الكل في الاستحقاق فإن كان له عم واحد ولم يكن له غيره من ذوي الرحم المحرم
فنصف الثلث لعمه والنصف يرد على ورثة الموصي عنده؛ لأن العم الواحد لا يستحق أكثر من

٥١٨
کتاب الوصايا
النصف، فبقي النصف الآخر لا مستحق له فتبطل فيه الوصية، وعندهما يصرف النصف الآخر
إلى ذي الرحم الذي ليس بمحرم.
ولو أوصى لأهل بيته يدخل فيه من جمعه آباؤهم أقصى أب في الإسلام؛ حتى أن
الموصي لو كان علويًّا يدخل في هذه الوصية كل من ينسب إلى سيدنا علي - رضي الله عنه -
من قبل الأب، وإن كان عباسيًّا يدخل فيها كل من ينسب إلى العباس - رضي الله عنه - من قبل
الأب، سواء كان بنفسه ذكراً أو أنثى بعد أن كانت نسبته إليه من قبل الآباء، ولا يدخل من
كانت نسبته من قبل الأم؛ لأن المراد من أهل البيت أهل بيت النسب؛ والنسب إلى الآباء،
وأولاد النساء آباؤهم قوم آخرون؛ فلا يكون من أهل بيته، ويدخل تحت الوصية لأهل بيته أبوه
وجده إذا كان ممن لا يرث؛ لأن بيت الإنسان أبوه ومن ينسب إلى بيته، فالأب أصل البيت
فيدخل في الوصية.
ولا يدخل في الوصية بالقرابة؛ لأن القرابة من تقرب إلى الإنسان بغيره لا بنفسه، وذلك
لا يوجد في أب، وكذلك لو أوصى لنسبه أو حسبه فهو على قرابته الذين ينسبون إلى أقصى
أب له في الإسلام، حتى لو كان آباؤه على غير دينه دخلوا في الوصية؛ لأن النسب عبارة عمن
ينسب إلى الأب دون الأم، وكذلك الحسب فإن الهاشمي إذا تزوج أمة فولدت منه ينسب الولد
إليه لا إلى أمه، وحسبه أهل بيت أبيه دون أمه، فثبت أن النسب والحسب يختص بالأب دون
الأم، وكذلك إذا أوصى لجنس فلان فهم بنو الأب؛ لأن الإنسان يتجنس بأبيه ولا يتجنس
بأمه، فكان المراد منه جنسه في النسب، وكذلك اللحمة عبارة عن الجنس.
وذكر المعلى عن أبي يوسف: إذا أوصى لقرابته، فالقرابة من قبل الأب والأم، والجنس
واللحمة من قبل الأب، لأن القرابة من يتقرب إلى الإنسان بغيره، وهذا المعنى يوجد في
الطرفين بخلاف الجنس على ما بينا، وكذلك الوصية لآل فلان هو بمنزلة الوصية لأهل بيت
فلان فلا يدخل أحد من قرابة الأم في هذه الوصية.
ولو أوصى لأهل فلان فالوصية لزوجة فلان خاصة في قول أبي حنيفة، وعندهما هذا
على جميع من يعولهم فلان ممن تضمه نفقته من الأحرار، فيدخل فيه زوجته، واليتيم في
حجره، والولد إذا كان يعوله، فإن كان كبيراً قد اعتزل عنه، أو كان بنتاً قد تزوجت فليس من
أهله، ولا يدخل فيه مماليكه ولا وارث الموصي ولا الموصي لأهله.
وجه قولهما: إن الأهل عبارة عمن ينفق عليه، قال الله تبارك وتعالى خيراً عن نبيه سيدنا
نوح - عليه الصلاة والسلام -: ﴿إِنَّ أَبْني مِنْ أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وقال تبارك وتعالى في قصة لوط
عليه الصلاة والسلام: ﴿فَنَجَّيناه وَأَهْلَهُ﴾ [الأنبياء: ٢١] ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الأهل عند
الإطلاق يراد به الزوجة في متعارف الناس، يقال فلان متأهل، وفلان لم يتأهل، وفلان له

٥١٩
کتاب الوصايا
أهل، وفلان ليس له أهل، ويراد به الزوجة، فتحمل الوصية على ذلك، ولا يدخل فيه
المماليك؛ لأنهم لا يسمون أهل المولى، ولا يدخل فيه وارث الموصي؛ لأنه إن خرج منه لا
يدخل، فعند الإطلاق أولى ولا يدخل فلان الذي أوصى لأهله، لأن الوصية وقعت للمضاف
إليه، والمضاف غير المضاف إليه فلا يدخل في الوصية، كما لو أوصى لولد فلان أن فلاناً لا
يدخل في الوصية لما قلنا، كذا هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو أوصى بثلث ماله لإخوته، وله ست إخوة متفرقة، وله أولاد يحوزون ميراثه، فالثلث
بين إخوته سواء؛ لأنهم في استحقاق الاسم سواء؛ بخلاف الوصية لأقرباء فلان أنه يصرف إلى
الأقرب فالأقرب عند أبي حنيفة؛ لأن القرابة تحتمل التفاوت في القرب والبعد وأما الإخوة فلا
تحتمل التفاوت، ألا ترى أنه يقال: هذا أقرب من فلان، ولا يقال: هذا أكثر إخوة من فلان.
هذا إذا كان له ولد يجوز ميراثه، فإن لم يكن فلا شيء للإخوة من الأب والأم والإخوة
من الأم، لأنهم ورثة ولا وصية لوارث، وللإخوة من قبل الأب ثلث ذلك الثلث؛ لأنهم لا
يرثون، ولا يقال: إذا لم تصح الوصية للإخوة لأب وأم وللإخوة لأم: ينبغي أن يصرف كل
الثلث إلى الإخوة للأب؛ لأنا نقول: نعم. هكذا لو لم تصح الإضافة إلى الإخوة لأب وأم،
وإلى الإخوة لأم، والإضافة إليهم وقعت صحيحة، بدليل أنه لو أجازت الورثة جازت الوصية
لهم، وصار هذا كرجل أوصى بثلث ماله لثلاثة نفر فمات اثنان منهم قبل موت الموصي
فللباقي منهم ثلث الثلث؛ لأن الإضافة إليهم وقعت صحيحة، كذا هذا، بخلاف ما إذا أوصى
لفلان وفلان وأحدهما ميت؛ لأن هناك الإضافة لم تصح؛ لأن الميت ليس بمحل للوصية
أصلاً، فلم يدخل تحت الإضافة.
قال أبو يوسف - رحمه الله - في رجل أوصى بثلث ماله في الصلة، وله إخوة وأخوات
وبنو أخ وبنو أخت: يوضع الثلث في جميع قرابته من هؤلاء ومن ولد منهم بعد موته لأقل من
ستة أشهر؛ لأن الصلة يراد بها صلة الرحم، فكأنه نص عليه، ومن ولد منهم لأقل من ستة
أشهر علم أنه كان موجوداً يوم موت الموصي فيدخل في الوصية.
وذكر محمد رحمه الله في الزيادات إذا أوصى بثلث ماله لأختانه ثم مات، فالأختان
أزواج البنات والأخوات والعمات والخالات، فكل امرأة ذات رحم محرم من الموصي فزوجها
من أختانه، وكل ذي رحم محرم من زوجها من ذكر وأنثى فهو أيضاً من أختانه، ولا يكون
الأختان إلا أزواج ذوات الرحم المحرم ومن كان من قبلهم من ذي الرحم المحرم، ولا يكون
من الأختان من كان من قبل نساء الموصي أي زوجاته؛ لأن من ينسب إلى الزوجة فهو صهر.
وليس بخَتَنٍ على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وقول محمد رحمه الله حجة في اللغة.
وذكر محمد رحمه الله في الإملاء أيضاً: إذا قال قد أوصيت لأختاني فأختانه أزواج كل

٥٢٠
کتاب الوصايا
ذات رحم محرم من الزوج، فإن كانت له أخت وبنت أخت وخالة، ولكل واحدة منهن زوج،
ولزوج كل واحدة منهن أب، فكلهم جميعاً أختان، والثلث بينهم بالسوية، الذكر والأنثى فيه
سواء، أم الزوج وأختانه وغير ذلك فيه سواء على ما بينا، فقد نص محمد رحمه الله في
موضعين على أن الأختان ما ذكر، وقول محمد حجة في اللغة.
وقال في الإملاء: إذا قال: أوصيت بثلث مالي لأصهاري - فهو على كل ذي رحم محرم
من زوجته، وزوجة أبيه، وزوجة ابنه، وزوجة كل ذي رحم محرم منه، فهؤلاء كلهم أصهاره،
ولا تدخل في ذلك الزوجة، ولا امرأة أبيه، ولا امرأة أخيه وقول محمد رحمه الله حجة في
اللغة .
والدليل أيضاً على أن الأصهار مَنْ كان مِنْ أهل الزوجة؛ ما روي أنه عليه الصلاة
والسلام لما أعتق صفية، وتزوجها، أعتق من ملك ذا رحم محرم منها إكراماً لها، وكانوا
يسمون أصهاره عليه الصلاة والسلام.
وقال في الإملاء: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا أوصى فقال: ثلث مالي لجيراني
- فهو لجيرانه الملاصقين لداره من السكان، عبيداً كانوا أو أحراراً، نساء كانوا أو رجالاً، ذمة
كانوا أو مسلمين بالسوية، قربت الأبواب أو بعدت إذا كانوا ملاصقين للدار، وعندهما الثلث
لهؤلاء الذين ذكرهم أبو حنيفة رضي الله عنه ولغيرهم من الجيران من أهل المحلة ممن يضمهم
مسجد أو جماعة واحدة ودعوة واحدة، فهؤلاء جيرانه في كلام الناس.
وقال في الزيادات عن أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا أوصى لجيرانه فقياسه أن يكون
للملاصقين، وقول أبي حنيفة عليه الرحمة: ينبغي أن يكون الثلث للسكان وغيرهم ممن يسكن
تلك الدور التي تجب لأجلها الشفعة، ومن كان منهم له دار في تلك الدور، وليس بساكن فيها
فليس من جيرانه، قال محمد رحمه الله: فأما أنا فأستحسن أن أجعل الوصية لجيرانه
الملاصقين ممن يملك الدور وغيرم ممن لا يملكها، ولمن يجمعه مسجد تلك المحلة التي فيها
الموصي من الملاصقين وغيرهم السكان ممن في تلك المحلة وغيرهم، سواء في الوصية
الأقربون والأبعدون، والكافر والمسلم، والصبي والمرأة في ذلك سواء، وليس للمماليك
والمدبرين وأمهات الأولاد في ذلك شيء، وأما المكاتبون فهم في الوصية إذا كانوا سكاناً في
المحلة. وجه قولهما: إن اسم الجار كما يقع على الملاصق يقع على المقابل وغيره ممن
يجمعهما مسجد واحد، فإن كل واحد منهما يسمى جاراً، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لاَ
صَلاَةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلاَّ فِي المَسْجِدِ))(١).
(١) تقدم.