Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب الجنايات وجه قول الحسن - رحمه الله -: أنهما جنايتان اختلف محلهما والمقصود منهما، فلا يدخل أرش إحداهما في الأخرى كأرش اليدين والرجلين، ولأبي يوسف أن السمع، والكلام، والشم، والذوق، ونحوها من البواطن فيدخل فيها أرش الموضحة كالعقل، وأما البصر فظاهر، فلا يدخل فيه الموضحة كاليد، والرجل؛ وهذا الفرق يبطل بالشعر، لأنه ظاهر، ويدخل أرش الموضحة فيه . ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - الفرق بين الشعر والعقل وبين غيرهما، ووجهه أن في الشعر الجناية حلت في عضو واحد بفعل واحد بسبب واحد/ . ١٥٩/٣ وأما اتحاد العضو فلا شك فيه؛ لأن كل ذلك حصل في الرأس، وأما العقل فلأنه لم يوجد منه إلا الشعر (١)، وأما اتحاد السبب فلأن دية الشعر تجب بفوات الشعر، وأرش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر، فكان سبب وجوبها واحداً فيدخل الجزء في الكل، كما إذا قطع رجل أصبع رجل فشلت اليد أن أرش الأصبع يدخل في دية اليد، كذا هذا. وفي العقل الواجب دية النفس من حيث المعنى، لأن جميع منافع النفس يتعلق به فكان تفويته تفويت النفس معنى، فكان الواجب دية النفس فيدخل فيه أرش الموضحة، كما إذا شج رأسه موضحة فسرى إلى النفس فمات، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. وأما السمع، والبصر، والكلام، ونحوها فقد اختلف السبب والمحل؛ لأن سبب الوجوب في كل واحد منهما تفويت المنفعة المقصودة منه فاختلف المحل، والسبب، والمقصود فامتنع التداخل، وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في شجة واحدة بأربع ديات، فإن اختلفا في ذهاب البصر، والسمع والكلام، والشم فطريق معرفتها اعتراف الجاني، وتصديق المجني عليه، أو نكوله عن اليمين، وقد يعرف البصر بنظر الأطباء بأن ينظر إليه طبيبان عدلان، لأنه ظاهر تمكن معرفته. وقد قيل يمتحن بإلقاء حیة بین یدیه، وفي السمع يستغفل المدعي، كما روي عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنهم - أن رجلاً ضرب امرأة فادعت عنده ذهاب سمعها، فتشاغل عنها بالنظر في القضاء ثم التفت إليها، وقال: يا هذه غطي عورتك، فجمعت ذيلها فعلم أنها كاذبة في دعواها، وفي الكلام يستغفل أيضاً، وفي الشم يختبر بالروائح الكريهة، وسواء ذهب جميع هذه الأشياء بالشجة، أو ذهب بعضها دون البعض، الاجتماع والافتراق في هذا سواء؛ لأن التداخل فيما يجري فيه التداخل ليس للكثرة بل لما ذكرنا من المعنى، وأنه لا يوجب الفَصل بين الاجتماع، والافتراق، ولا تدخل ديات هذه الأشياء بعضها في بعض، إلا عند السراية أنه يسقط ذلك (١) في ط: الشجة. ٤٤٢ کتاب الجنايات كله، وعليه دية النفس؛ لا غير لما ذكرنا أن كل واحد من هذه الأشياء من السمع، والبصر والكلام، ونحوها أصل بنفسه لاختصاصه بمحل مخصوص ومنفعة مقصودة؛ فلا يجعل تبعاً لصاحبه في الأرش، وإنما دخلت أروشها في دية النفس عند السراية، لأن الأعضاء كلها تابعة للنفس فتدخل أروشها في دية النفس، ثم إن كان الأول خطأ تتحمل العاقلة، وإن كان عمداً فدية النفس في ماله، وكل ذلك في ثلاث سنين وسواء كانت الشجة موضحة، أو هاشمة، أو منقلة، أو آمة، فالشجاج كلها في التداخل سواء؛ لأن المعنى لا يوجب الفصل، وسواء قلت الشجاج، أو كثرت بعد أن لا يجاوز أرشها الدية، حتى لو كانت آمتين، أو ثلاث أوام وذهب منها الشعر، أو العقل، يدخل أرشها في الشعر والعقل. وإن كانت أربع أوام يدخل قدر الدية لا غير، ويجب فيها دية وثلث دية؛ لأن الكثير لا يتبع القليل فيما دون النفس. وعلى قول زفر - رحمة الله عليه - ديتان وثلث دية؛ لأنه لا يرى التداخل في الشجاج أصلاً ورأساً. ولو سقط بالموضحة بعض شعر رأسه ينظر إلى أرش الموضحة وإلى حكومة العدل في الشعر، فإن كانا سواء لا يجب إلا أرش الموضحة، وإن كان أحدهما أكثر يدخل الأقل في الأكثر أيهما كان؛ لأنهما يجبان لمعنى واحد [وهو ذهاب الشعر، فكان سبب وجوبهما واحداً] (١) فيتداخل الجزء في الجملة. ولو كانت الشجة في حاجة فسقط ولم ينبت يدخل أرش الموضحة في أرش الحاجب، وهو نصف الدية كما يدخل في أرش الشعر لما قلنا وهذه المسائل من الشجاج الخطأ، فأما إذا كانت الشجة عمداً فذهب منها العقل، أو الشعر، أو السمع، أو غيره ففيه خلاف ذكرناه فيما تقدم؛ والله تعالى - أعلم. فصل فيما يَلْحَقُ بِمَسَائِل التَّداخل وَبِما يلحق بمسائل التداخل ما إذا قطعت اليد وفيها أصبع واحدة، أو أُصبعان، أو ثلاث؛ أو أكثر من ذلك، أو أقل. وجملة الكلام فيه أنه إذا قطع الكف وفيها ثلاث أصابع فصاعداً تجب دية الأصابع، ولا شيء في الكف في قولهم: جميعاً، لأن الكف تبع لجميع الأصابع، بدليل أنه إذا قطعَ الكف (١) سقط من ط. ٤٤٣ کتاب الجنايات يجب عليه أرش الأصابع لا غير، ولا يجب لأجل الكف شيء، فإذا بقي أكثر الأصابع فللأكثر حكم الكل؛ وإن بقي من الكف أقل من ثلاث أصابع يجب أرش ما بقي منها، وإن كان مفصلاً واحداً، ولا يجب في الكف شيء وفي قول أبي حنيفة. والأصل عند أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا بقي من الأصابع شيءٌ له أرش معلوم ولو مِفْصلاً واحداً - دخل أرش اليد فيه، حتى لو لم يكن في الكف إلا ثلث مفصل من أصبع فيها ثلاث مفاصل فقطع إنسان الکف فعلیه ثلث خمس دیة الید. ولو كان فيها أصبع واحدة فعليه خمس دية اليد، ولو كان فيها أصبعان فعليه خمسَا دية اليد، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى/ في الرواية المشهورة عنهما يدخل القليل في الكثير أيهما كان، فينظر إلى حكومة الكف وإلى أرش ما بقي من الأصابع، فيدخل أقلهما في أكثرهما أيهما كان، لأن القليل يتبع الكثير لا عكساً، فيدخل القليل في الكثير ولا يدخل الكثير في القليل. ٥٩/٣ ب وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن ما بقي من الأصابع أو من مفاصلها فهو أصل؛ لأن له أرشاً مقدراً، والكف ليس لها أرش مقدر وهي متصلة بالأصابع فيتبعها في أرشها، كما يتبع جميع الأصابع أو أَكثرها. ونظير هذا ما قالوا في القسامة: أنه ما بقي واحد من أهل المحلة فالقسامة عليهم لا على المشترين، وكذلك الوصية لولد فلان أنه ما بقي له ولد من صلبه، وإن كان واحداً لا يدخل ولد الولد في الوصية . وقال أبو يوسف: إذا قطع كفاً لا أصابع فيها فعليه حكومة لا يبلغ بها أرش أصبع؛ لأن الواحدة يتبعها الكف في قول أبي حنيفة رحمه الله، والتبع لا يساوي المتبوع في الأرش، ولو قطع اليد مع الذراع من المفصل خطأ ففي الكف مع الأصابع الدية وفي الذراع حكومة العدل في قولهما. وقال أبو يوسف تجب دية اليد والذراع تبع وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله، واحتجا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّبَةِ)) واليد عبارة عن العضو المخصوص من رؤوس الأصابع إلى المنكب، ولأن ما ليس له أرش مقدر إذا اتصل بما له أرش مقدر يتبعه في الأرش كالكف مع الأصابع. وجه قولهما: إن الدية إنما تجب في الأصابع، والكف تابعة للأصابع، بدليل أنه إذا أفرد الأصابع بالقطع يجب نصف الدية، ولو قطعها مع الكف لا يجب إلا نصف الدية أيضاً، فلو جعل الذراع تَبْعاً لكان لا يخلو إما أن يجعل تبعاً للأصابع، وإما أن يجعل تبعاً للكف، لا سبيل إلى الأول، لأن بينهما عضو فاصل وهو الكف فلا يكون تبعاً لها، ولا وجه للثاني؛ لأن الكف تابعة في نفسها فلا تستتبع غيرها. ٤٤٤ كتاب الجنايات وعلى هذا الخلاف إذا قطع اليد من المنكب والرجل من الورك، أو قطع اليد من العضد والرجل من الفخذ، والأصل عند أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة - أن أصابع اليد لا يتبعها إلا الكف، فلا يدخل في أرشها غير أرش الكف. وكذلك أصابع الرجل لا يتبعها غير القدم، فلا يدخل في أرشها غير أرش القدم، والأصل عند أبي يوسف وابن أبي ليلى أن ما فوق الكف من اليد تبع، وكذا ما فوق القدم من الرجل تبع، فيدخل أرش التبع في المتبوع كما يدخل أرش الكف في الأصابع. وأما الجراح ففي الجائفة ثلث الدية لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((فِي الجَائِفَة ثُلُثُ الدِّيَةِ))(١) فإن نفذت إلى الجانب الآخر فهما جائفتان وفيهما ثلثا الدية. وقد روي عن سيدنا أبي بكر الصديق أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية، وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام، ولم ينقل أنه خالفه في ذلك أحد منهم فيكون إجماعاً . وعلى هذا يخرج ما إذا رمى امرأةً بحجر فأصاب فرجها فأفضاها به، بأن جعل موضع البول والغائط واحداً، وهي تستمسك البول، أن عليه ثلث الدية؛ لأن هذا في معنى الجائفة. وجملة الكلام أن المفضاة لا يخلو إما إن كانت أجنبية وإما إن كانت زوجته، والإفضاء لا يخلو إما أن يكون بالآلة وإما أن يكون بالحجر أو بالخشب أو الأصبع وما يجري مجراه، فإن كانت أجنبية والإفضاء بالآلة، فإن كانت مطاوعة ولم يوجد دعوى الشبهة لا من الرجل ولا من المرأة فعليهما الحد لوجود الزنا منهما ولا مهر على الرجل، لأن العقر مع الحد لا يجتمعان، ولا أرش لها بالإفضاء، سواء كانت تستمسك البول أو لا تستمسك؛ لأن التلف تولد من فعل مأذون فيه من قبلها فلا يجب به الضمان، كما لو أذنت بقطع يدها فقطعت لا ضمان على القاطع، كذا هذا. وإن كان الرجل يدعي الشبهة سقط عنه الحد وعنها أيضاً وعلى الزوج العقر؛ لأن الوطء (١) تقدم أيضاً في حديث عمرو بن حزم قوله ((في الجائفة ثلث الدية). روى البزار في مسنده كما في الكشف (٢٠٧/٢) رقم (١٥٣١) عن ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عكرمة بن خاند عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر عن أبيه عن عمر قال: قال رسول الله لير: في الأنف إذا استوعب جدعه الدية وفي العين خمسون ... وفي الجائفة ثلث النفس ... الحديث)). ورواه البيهقي في الكبرى (٨٦/٨) كتاب الديات، باب دية العينين من طريق أخرى عن عمر. وفيه: ((وفي الجائفة ثلث النفس)). وضعفه الحافظ في التلخيص (٥٢/٤). ٤٤٥ کتاب الجنايات لا يخلو من إيجاب حد أو غرامة ولا أرش لها بالإفضاء لما ذكرنا، وإن كانت مستكرهة، فإن لم يدع الرجل الشبهة فعليه الحد لوجود الزنا منه ولا حد عليها لعدم الزنا منها، ولا عقر على الرجل لوجوب الحد عليه، والحد مع العقر لا يجتمعان وعلى الرجل الأرش بالإفضاء لعدم الرضا منها بذلك، ثم إن كانت تستمسك البول ففيه ثلث الدية؛ لأنه جائفة، وإن كانت لا تستمسك البول ففيه كمال الدية لوجود إتلاف العضو بتفويت منفعة الحبس، وإن كان الرجل يدعي الشبهة سقط الحد عنه للشبهة، وعنها أيضاً لوجود الإكراه، ولها الأرش بالإفضاء لما ذكرنا، ثم إن كانت تستمسك البول فلها ثلث الدية؛ لأنها جائفة وكمال المهر، وإن كانت لا تستمسك فلها الدية ولا مهر لها/ في قولهما؛ وعند محمد رحمه الله لها المهر والدية. ١٦٠/٣ وجه قوله إن سبب وجوب المهر والدية مختلف، لأن المهر يجب بإتلاف المنفعة، والدية تجب بإتلاف العضو، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ ولهذا لم يدخل المهر في ثلث الدية فيما إذا كانت تستمسك البول حتى وجب عليه كمال المهر مع ثلث الدية؛ كذا هذا. ولهما أن سبب الوجود متحد؛ لأن الدية تجب بإتلاف هذا العضو والعقر يجب بإتلاف منافع البضع، ومنافع البضع ملحقة بأجزاء البضع، فكان سبب وجوبهما واحداً، فكان المهر عوضاً عن جزء من البضع، وضمان الجزء والكل إذا وجدا لسبب واحد يدخل ضمان الجزء في ضمان الكل، كالأب إذا استولد جارية ابنه أنه لا يلزمه العقر ويدخل في قيمة الجارية لما قلنا، كذا هذا. وأما وجوب كمال المهر مع ثلث الدية حالة الاستمساك فعلى رواية الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما لا يجمع بينهما بل الأقل يدخل في الأكثر كما يدخل أرش الموضحة في دية الشعر، فكانت المسألة ممنوعة، ولئن سلمنا على ظاهر الرواية فلا يلزم، لأن المنافي لضمان الجزء هو ضمان كل العين، وثلث الدية ضمان الجزء، وضمان الجزء لا يمنع ضمان جزء واحد. هذا إذا كان الإفضاء بالآلة فأما إذا كان بغيرها من الحجر ونحوه فالجواب في هذا الفصل في جميع وجوهه كالجواب في الفصل الأول في الوفاق؛ والخلاف والجمع بين الضمانين وعدم الجمع، إلا أن الأرش في هذا الفصل يجب في ماله، وفي الفصل الأول تتحمله العاقلة؛ لأن الإفضاء بالآلة يكون في معنى الخطأ وبغيرها يكون عمداً. وقال بعض مشايخنا: لا وجه لإيجاب المهر في هذا الفصل، لأن وجوبه متعلق بقضاء الشهوة ولم يوجد، وقال بعضهم: يجب ويلحق غير الآلة بالآلة تعظيماً لأمر الأبضاع، كما ألحق الإيلاج بدون الإنزال بالإيلاج مع الإنزال في وجوب الحد وغيره من الأحكام مع قيام شبهة القصور في قضاء الشهوة تفخيماً لشأن الفروج، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٤٦ كتاب الجنايات هذا إذا كانت المرأة أجنبية، فأما إذا كانت زوجته فأفضاها فلا شيء عليه، سواء كانت تستمسك البول أو لا تستمسك في قولهما، وقال أبو يوسف: إن كانت لا تستمسك البول فعليه الدية في ماله، وإن كانت تستمسك فعليه ثلث الدية في ماله، وجه قوله: إنه مأذون في الوطء، لا في الإفضاء فكان متعديًّا في الإفضاء فكان مضموناً عليه. ولهما أن الوطء مأذون فيه شرعاً فالمتولد منه لا يكون مضموناً كالبكارة، ولو وطىء زوجته فماتت فلا شيء عليه في قولهما، وقال أبو يوسف على عاقلة الدية، وجه قوله على نحو ما ذكرنا في الإفضاء أنه مأذون في الوطء لا في القتل وهذا قتل فكان مضموناً عليه، إلا أن ضمان هذا على العاقلة وضمان الإفضاء في ماله، لأن الإفضاء لا يكون إلا بالمجاوزة عن المعتاد، فكان عمداً فكان الواجب به في ماله فأما القتل فغير مقصود بهذا الفعل في معنى الخطأ فتتحمله العاقلة وأما وجه قولهما فعلى نحو ما ذكرنا في الإفضاء. ولو وطئها فكسر فخذها ضمن في قولهم جميعاً، لأَن الكسر لا يتولد من الوطء المأذون فيه، بل هو فعل مبتدأ فكان فعلاً تعدياً محضاً، فكان مضموناً عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما سائر جراح البدن إذا برئت وبقي لها أثر، ففيها حكومة العدل، وإن لم يبق لها أثر فلا شيء فيها في قول أبي حنيفة رضي الله عنه على ما بينا في الشجة، وإن مات [منها](١) فالجراحة لا تخلو إما إن كانت من واحد وإما إن كانت من عدد، فإن كانت من واحد ففيها القصاص إن كانت عمداً والدية إن كانت خطأ. وإن كانت من عدد فالجراحة المجتمعة من أعداد، إما إن كانت كلها مضمونة، وإما إن كان بعضها مضموناً والبعض غير مضمون، فإن كان الكل مضموناً بأن جرحه رجل جراحة وجرحه آخر جراحة أخرى خطأ فمات من ذلك كله كانت الدية عليهما نصفين، وسواء جرحه أحدهما جراحة واحدة والآخر جرحه جراحتين أو أكثر، لا ينظر إلى عدد الجراحات، وإنما ينظر إلى الجارح؛ لأن الإنسان قد يموت من جراحة واحدة ويسلم من عشرة، وقد يموت من عشرة ويسلم من واحدة، حتى لو جرحه أحدهما جراحة واحدة والآخر عشر جراحات، فمات من ذلك كانت الدية بينهما نصفين لما قلنا، وكذلك إذا جرحه رجل جراحة واحدة وجرحه آخر جراحتين وآخر ثلاثاً، فمات من ذلك كله - كانت الدية بينهم أثلاثاً لما قلنا، وعلى هذا يخرج ما إذا جرحه رجل جراحة واحدة، وجرحه آخر عشر جراحات، فعفا المجروح للجارح عن جراحة واحدة من العشر. وما يحدث منها، ثم مات من ذلك أن على صاحب الجراحة الواحدة نصف الدية وعلى صاحب العشرة الربع، (١) سقط من ط. ٤٤٧ کتاب الجنايات ويسقط/ الرابع، لأنه لما سقط اعتبار عدد الجراحات كانت الجراحة الواحدة كالعشر في الضمان، ثم لما عفا عن واحدة من الجراحات العشر انقسمت العشر فيتغير حكمها، فصار لتسعة منها الربع وللواحدة الربع فسقط بالعفو عن الواحدة من العشرة الربع وبقي الربع تبعاً للتسعة . وإن كان البعض مضموناً والبعض غير مضمون، ينقسم الضمان فيسقط بقدر ما ليس بمضمون، ويبقى بقدر المضمون. وعلى هذا يخرج ما إذا جرح رجلاً جراحة، وجرحه سبع، فمات من ذلك أن على الرجل نصف الدية ونصفها هدر؛ لأنه مات بجراحتين إحداهما مضمونة، والأخرى ليست بمضمونة، فانقسم الضمان فسقط بقدر غير المضمون، وبقي بقدر المضمون، وكذلك لو جرحه الرجل جراحتين والسبع جراحة واحدة، أو جرحه السبع جراحتين والرجل جراحة واحدة فمات من ذلك، أنه يجب على الرجل نصف الدية، ويهدر النصف؛ لأنه لا عبرة لكثرة الجراحة لما بينا، وكذلك لو جرحه رجل جراحة وعقره سبع ونهشته حية وخرج به خراج وأصابه حجر رمت به الريح فمات من ذلك، فعلى الرجل نصف الدية ويهدر النصف. والأصل أنه يجعل الجراحات التي ليس لها حكم يلزم أحداً كجراحة واحدة، ويصير كأنه مات من جراحتين: إحداهما مضمونة، والأخرى غير مضمونة فيلزم الرجل نصف الدية ويبطل نصفها، سواء كثر عدد الهدر أو قل هو كجراحة واحدة؛ لأن الهدر له حكم واحد فصار كجراحات الرجل الواحد أنها في الحكم كجراحة واحدة، كذا هذا. وكذلك لو جرحه رجل جراحة وجرحه آخر جراحة أخرى ثم انضم إلى ذلك شيء مما ذكرنا، أنه لا حكم له يلزم فاعله، فإن على كل رجل ثلث الدية ويهدر الثلث لما ذكرنا أن الهدر من الجراحات، وإن كثر فهو كجراحة واحدة، وكل واحدة من جراحتي الرجلين مضمونة فقد مات من ثلاث جراحات جراحتان منها مضمونتان وجراحة هدر، فتقسم الدية أثلاثاً، فيسقط قدر ما ليس بمضمون وهو الثلث، ويبقى قدر المضمون وهو الثلثان، فإن كان لبعض الجناة جنايات مختلفة الأحكام فإنه يقسم ما يخصه على جناياته بعد ما قسم عدد الجناية على أحكام الجنايات، وذلك نحو رجل أمر رجلاً أن يقطع يده لعلة بها، ثم إن المأمور جرح الآمر جراحة أخرى بغير أمره ثم جرحه رجلان آخران كل واحد منهما جراحة، ثم عقره سبع، ثم نهشته حية وخرج به خراج فمات من ذلك كله، تقسم الدية أرباعاً؛ لأن الموت حصل من أربع جنايات، لأن الهدر من الجنايات لها حكم جناية واحدة وجراحتا المأمور وإن اختلف حكمهما فإنهما حصلا من رجل واحد، فلا يثبت لهما في حق شركائه إلا حكم جناية واحدة فثبت أن الموت حصل من أربع جنايات فكانت قسمة الدية أرباعاً؛ هدر الربع منها، وبقيت ثلاثة أرباع ٦٠/٣ب ٤٤٨ كتاب الجنايات تقسم على الجنايات الثلاثة، فيكون على كل واحد منهم الربع، ثم ما أصاب المأمور بالقطع تقسم حصته وهي الربع على جراحتيه، فإحداهما مضمونة وهي التي فعلها بغير أمر المجروح، والأخرى غير مضمونة وهي التي فعلها بأمره وهي القطع، فيسقط بقدر ما ليس بمضمون وهو نصف الربع وهو الثمن، وبقي قدر ما هو مضمون وهو نصف الربع الآخر وهو الثمن الآخر، والله سبحانه وتعالى أعلم. وَلَوْ أنَّ رجلاً أمر عشرة أن يضربوا عبده، أمر كلُّ واحدٍ منهم أن يضربه سوطاً، فضربه كلُّ واحدٍ منهم ما أمره، ثم ضربه رجل آخر لم يأمره سوطاً، فمات من ذلك كله، فعلى الذي لم يؤمر أرش السوط الذي ضربه من قيمته مضروباً عشرة أسواط، وعليه أيضاً جزءٌ من أحد عشر جزءاً من قيمته مضروباً أحد عشر سوطاً وإنما كان كذلك. أما وجوب أرش السوط الذي ضربه، فلأنه نقصه بالضرب فيلزمه ضمان النقصان، وأما اعتبار قيمة العبد مضروباً عشرة أسواط - فلأنه ضربه بعد ما انتقص من ضرب العشرة، وذلك حصل من فعل غيره، فلا يكون عليه، وإنما عليه ضمان ما نقصه سوطه الحادي عشر من قيمته، لذلك اعتبرت قيمته وهو مضروب عشرة، فيقوّم وهو غير مضروب، ويقوم وهو مضروب عشرة أسواط، فيلزم الذي لم يؤمر بالضرب ذلك القدر. وأما وجوب جزء من أحد عشر جزءاً من قيمته - فلأنه مات من أحد عشر سوطاً، كل سوط حصل ممن يتعلق بفعله حكم في الجملة، وهو الآدمي، فانقسم الضمان على عددهم، ثم ما أصاب العشرة سقط عنهم لحصوله بإذن المالك، وما أصاب الحادي عشر ضمنه الذي لم يؤمر بالضرب، لأنه ضرب بغير إذن المالك، وأما اعتبار تضمينه مضروباً بأحد عشر سوطاً، فلأن البعض الحاصل بضرب العشرة حصل بفعل غيره فلا يكون عليه ضمانه. وأما السوط الحادي عشر - فلأنه قد/ ضمن نقصانه مرة فلا يضمنه ثانياً وإنما لم يدخل نقصان السوط فيما وجب عليه من القيمة، لأن كل واحد منهما ضمان الجزء وضمان الجزء إذا تعلق بسبب واحد لا يدخل أحدهما في الآخر بخلاف ما إذا ضربه واحد ومات من ذلك أنه يضمن القيمة دون النقصان؛ لأنه اجتمع هناك ضمان جزء وضمان كل، فيدخل ضمان الجزء في ضمان الكل؛ لاتحاد سبب الضمانين هذا إذا أمر المولى عشرة أن يضربه كل واحد منهم سوطاً، فإن كان المولى هو الذي ضربه عشرة أسواط بيده ثم ضربه أجنبي سوطاً ثم مات من ذلك كله فعلى الأجنبي ما نقصه السوط الحادي عشر من قيمته مضروباً بعشرة أسواط، وعليه أيضاً نصف قيمته مضروباً أحد عشر سوطاً. أما وجوب ضمان نقصان السوط واعتبار قيمته مضروباً بعشرة أسواط فلما ذكرنا، وأما وجوب نصف قيمته؛ فلأنه مات من سوطين في الحاصل؛ لأن ضرب الأسواط العشرة من المولى بمنزلة جناية واحدة، لأنها حصلت من رجل واحد، والجنايات من واحد، وإن كثرت ١٦١/٣ ٤٤٩ کتاب الجنايات فهي في حكم جناية واحدة، فصار كأنه مات من سوطين: سوط المولى وسوط الأجنبي وسوط المولى ليس بمضمون، وسوط الأجنبي مضمون فسقط نصف القيمة وثبت نصفها. وأما اعتبار قيمته مضروباً أحد عشر سوطاً، وعدم دخول ضمان النقصان في ضمان القيمة فلما ذكرنا فى المسألة المتقدمة . رجل أمر غيره أن يجرحه جراحة واحدة، فجرحه عشر جراحات، وجرحه آخر جراحة أخرى واحدة بغير أمره، ثم عفا المجروح لصاحب العشرة عن واحدة من التسع التي كانت بغير أمره، ثم مات المجروح من ذلك كله، فعلى صاحب الجراحة الواحدة نصف الدية، وعلى صاحب العشرة ثمن الدية؛ لأن نصف الدية على صاحب الجراحة الواحدة والنصف الآخر تعلق بصاحب العشرة واحدة منها، بأمر المجروح فصار عليه الربع ثم انقسم ذلك بالعفو فسقط نصفه وهو الثمن وبقي عليه الثمن، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا إذا كان المجني عليه حرًّا ذكراً، فأما إذا كان أنثى حرة، فإنه يعتبر ما دون النفس منها بديتها كديتها قل أو كثر عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم -، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: تعاقل المرأة الرجل فيما كان أرشه نصف عشر الدية، كالسن والموضحة أي ما كان أرشه هذا القدر، فالرجل والمرأة فيه سواء لا فضل للرجل على المرأة. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث ديتها أي أرش الرجل والمرأة إلى ثلث ديتها سواء، وهو مذهب أهل المدينة. ويروون أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((تُعَاقِلُ المَرْأَةُ الرَّجُلُ إلى ثُلُثِ دِيتِهَا)) (١) وهذا نص لا يتحمل التأويل. واحتج ابن مسعود - رضي الله عنه - بحديث الغرة ((أنه عليه الصلاة والسلام قضى في الجنين بالغرة))، وهي نصف عشر الدية، ولم يفصل عليه الصلاة والسلام بين الذكر والأنثى، فيدل على استواء أرش الذكر والأنثى في هذا القدر، ولنا أنه ينصف بدل النفس بالإجماع وهو الدية، فكذا بدل ما دون النفس؛ لأن المنصف في الحالين واحد وهو الأنوثة، ولهذا ينصف ما زاد على الثلث، فكذا الثلث وما دونه، ولأن القول بما قاله أهل المدينة(٢) يؤدي إلى القول بقلة الأرش عند كثرة الجناية وأنه غير معقول. (١) رواه النسائي (٤٤/٨ - ٤٥) كتاب القسامة، باب عقل المرأة. من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الحافظ في التلخيص (٤٩/٤): وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج)) اهـ. قلت: وإسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي ثقة لكنه كان يدلس وقد عنعن عن عمرو بن شعيب. (٢) في أ: البصرة. بدائع الصنائع ج ١٠ - م٢٩ ٤٥٠ کتاب الجنايات وإلى هذا أشار ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي(١) رحمه الله، فإنه روي أنه سأل سعيد بن المسيب عن رجل قطع أصبع المرأة، فقال: فيها عشر من الإبل، قال: فإن قطع ثلاثة : قال: ففيها ثلاثون من الإبل. قال: فإن قطع أربعة؟ فقال: عشرون من الإبل، فقال ربيعة: لما كثرت جروحها وعظمت مصيبتها قل أرشها، فقال أعراقي(٢) أنت؟ قال: لا، بل جاهل متعلم، أو عالم متبين، فقال: هكذا السنة يا ابن أخي، وعنى به سنة زيد بن ثابت رضي الله عنه. أشار ربيعة إلى ما ذكرنا من المعنى وقبله سعيد حيث لم يعترض عليه، وأحال الحكم إلى السنة. وبهذا تبين أن روايتهم عنه عليه الصلاة والسلام لم تصح، إذ لو صحت لما اشتبه الحديث على مثل سعيد، ولا حال الحكم إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا إلى سنة زيد رضي الله عنه، فدل أن الرواية لا تكاد تثبت عنه عليه السلام. وأما حديث الغرة في الجنين فنقول بموجبه: إن الحكم في أرش الجنين لا يختلف بالذكورة والأنوثة، وإنما الكلام في أرش المولود، والحديث ساكت عن بيانه. ثم نقول: احتمل أنه عليه الصلاة والسلام لم يفصل في الجنين بين الذكر والأنثى؛ لأن الحكم لا يختلف، ويحتمل أنه لم يفصل لتعذر الفصل لعدم استواء الخلقة فلا يكون حجة مع الاحتمال، هذا الذي ذكرنا إذا كان الجاني حرًّا والمجني عليه حرًّا، فأما إذا كان الجاني حرًّا والمجني عليه عبداً - فالأصل فيه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ما ذكرنا في الفصل المتقدم أن كل شيء من الحر فيه قدر من الدية، فمن العبد فيه ذلك القدر من قيمته، سواء كان فيما يقصد به المنفعة، أو الجمال والزينة فى رواية عنه، وفى رواية فيما يقصد به الجمال والزينة يجب النقصان، وعندهما في جميع ذلك يجب النقصان، فيقوم العبد مجنيًّا عليه ويقوم غير مجني عليه، فيغرم الجاني فضل ما بين القيمتين، وقد بينا وجه الروايتين عنه، ووجهه قولهما في الفصل الأول. (١) ربيعة بن أبي عبد الرحمن فرَّوخ التيمي أبو عثمان المدني الفقيه المعروف بربيعة الرأي. عن أنس والسائب بن يزيد وابن المسيب. وعنه سليمان التيمي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد والليث وخلق آخرهم أنس بن عياض. وثقه أحمد وابن سعد وابن حبان. قال سوَّار بن عبد الله: ما رأيت أعلم من ربيعة. توفي سنة ست وثلاثين ومائة. ينظر: الخلاصة ٣٢٢/١، طبقات خليفة ٢٦٨، تاريخ البخاري ٢٨٦/٢، تاريخ بغداد ٤٢٠/٨، ثقات ابن حبان ٦٥/٣، سير أعلام النبلاء ٨٩/٦. في أ: أيماني. (٢) سقط من ط. ٤٥١ کتاب الجنايات فصل وأما شرائط الوجوب فهو أن تكون الجِنّاية خطأ، إذا كانت الجناية فيما في عمدة القصاص، فإن كانت مما لا قصاص في عمده يستوي فيه الخطأ والعمد، وقد مر بيان الجنايات التي في عمدها القصاص، وما لا قصاص في عمدها. فصل في بَيَان الجناية التي تتحملها العاقلة وما لا تتحملها فيما دون النفس وأما بيان الجناية التي تتحملها العاقلة والتي لا تتحملها فيما دون النفس فنقول: لا خلاف أنه إذا بلغ أرش الجناية فيما دون النفس من الأحرار نصف عشر الدية فصاعداً، وذلك خمسمائة في الذكور ومائتان وخمسون في الإناث تتحمله العاقلة، واختلف فيما دون ذلك في الرجل والمرأة، قال أصحابنا رحمهم تعالى: يكون في مال الجاني ولا تتحمله العاقلة، وقال الشافعيُّ - رحمه الله تعالى - العاقلة تتحمل القليل والكثير. وجه قوله: إن التحمل من العاقلة لتفريط منهم فى الحفظ والنصرة، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين القليل والكثير. ولنا أن القياس يأبى التحمل؛ لأن الجناية حصلت من غيرهم، وإنما عرفنا ذلك بقضاء رسول الله ◌َلّ بأرش الجنين على العاقلة وهو الغرة وهي نصف عشر الدية فبقي الأمر فيما دون ذلك على أصل القياس، ولأن ما دون ذلك ليس له ارش مقدر بنفسه فأشبه ضمان الأموال فلا تتحمله العاقلة كما لا تتحمل ضمان المال، ولا يلزم على هذا أرش الأنملة فإن لها أرشاً مقدراً وهو ثلث دية الأصبع فينبغي أن تتحمله العاقلة؛ لأن الأنملة ليس لها أرش مقدر بنفسها، بل بالأصبع فكانت جزاً مما له أرش مقدر، وهو الأصبع فلا تتحمله العاقلة، ثم ما كان أرشه نصف عشر الدية إلى ثلث الدية يؤخذ من العاقلة في سنة واحدة استدلالاً بكمال الدية، فإن كل الدية تؤخذ من العاقلة في ثلاث سنين لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، فإن سيدنا عمر - رضي الله عنه - قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فيكون إجماعاً، فكل ما كان من الأرش قدر ثلث الدية يؤخذ في سنة واحدة، لأن في الدية الكاملة هكذا فإذا ازداد الأرش على ثلث الدية فقدر الثلث يؤخذ في سنة والزيادة في سنة أخرى لأن الزيادة على الثلث في كل الدية تؤخذ في السنة الثانية فكذلك إذا انفردت، فإن زاد على الثلثين فالثلثان في سنتين، وما زاد على ذلك في السنة [الثالثة](١) قياساً على كل الدية، والله تعالى أعلم. (١) في أ: النفس. ٠٠ ٤٥٢ کتاب الجنايات وأما ما دون النفس من العبيد فلا تتحمله العاقلة بالإجماع، لأن ما دون النفس من العبيد له حكم الأموال لما ذكرنا فيما تقدم، ولهذا لا يجب فيه القصاص. وضمان المال لا تتحمله العاقلة، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل فيما يجب فيه الأرش غيرُ المقدر وهو المسمَّى بالحكومة وأمَّا الذي يجب فيه أرش غير مقدر وهو المسمَّى بالحكومة، فالكلام فيه في مواضع: في بيان الجنايات التي تجب فيها الحكومة وفي تفسير الحكومة. أما الأول: فالأصل فيه أن ما لا قصاص فيه من الجنايات على ما دون النفس وليس له أرش مقدر ففيه الحكومة؛ لأن الأصل في الجناية الواردة على محل معصوم اعتبارها بإيجاب الجابر أو الزاجر ما أمكن إذا عرف هذا فنقول: في كسر العظام كلها حكومة عدل إلا السن(١) خاصة؛ لأن استيفاء القصاص بصفة المماثلة فيما سوى السن(٢) متعذر، ولم يرد الشرع فيه بأرش مقدر فتجب الحكومة، وأمكن استيفاء المثل في السن؛ والشرع ورد فيها بأرش مقدر أيضاً فلم تجب فيها الحكومة . وفي لسان الأخرس والعين القائمة الذاهب نورها، والسن السوداء القائمة، واليد الشلاء والرجل الشلاء، وذكر الخصي والعنين حكومة عدل؛ لأنه لا قصاص في هذه الأشياء، وليس فيها أرش مقدر أيضاً؛ لأن المقصود منها (٣) المنفعة ولا منفعة فيها ولا زينة أيضاً؛ لأن العين القائمة الذاهب نورها لا جمال فيها عند من يعرفها، على أن المقصود من هذه الأشياء المنفعة ومعنى الزينة فيها تابع فلا يتقدر الأرش لأجله، وفي الأصبع والسن الزائدة حكومة عدل؛ لأنه لا قصاص فيها، وليس لها أرش مقدر أيضاً؛ لانعدام المنفعة والزينة، لكنها جزء من النفس وأجزاء النفس مضمونة مع عدم المنفعة والزينة لما ذكرنا. وأما الصغير الذي لم يمش ولم يقعد ورجله ولسانه/ وأذنه وأنفه وعينه وذكره، ففي أنفه وأذنه كمال الدية، وكذلك في يديه ورجليه إذا كان يحركهما، وكذا في ذكره إذا كان يتحرك، وفي لسانه حكومة العدل لا الدية، وإن استهل ما لم يتكلم؛ لأن الاستهلال صياح. ١٦٢/٣ وأما العينان فإن كان يستدل بشيء على بصرهما ففيهما مثل عين الكبير، وإنما كان كذلك. (١) في أ: النفس. (٢) في ط: ها هنا. (٣) في أ: حيًّا .. ٤٥٣ كتاب الجنايات أما الأنف والأذن فلأن المقصود منهما الجمال لا المنفعة وذلك يوجد في الصغير بكماله كما يوجد في الكبير، وأما الأعضاء التي يقصد بها المنفعة فلا يجب فيها أرش كامل حتى يعلم صحتها بما ذكرنا، فإذا علم ذلك فقد وجد تفويت منفعة الجنس في كل واحد من ذلك فيجب فيه أرش كامل، فإذا لم يعلم يقع الشك في وجود سبب وجوب كمال الأرش فلا يجب بالشك، ولا يقال: إن الأصل هو الصحة، والآفة عارض، فكانت الصحة ثابتة ظاهراً؛ لأنا لا نسلم هذا الأصل في الصغير بل الأصل فيه عدم الصحة والسلامة، لأنه كان نطفة وعلقة ومضغة فما لم يعلم صحة العضو فهو على الأصل، على أن هذا الأصل متعارض؛ لأن براءة ذمة الجاني أصل أيضاً فتعارض الأصلان، فسقط الاحتجاج بالأصل على الصحة، على أن الصحة إن كانت ثابتة ظاهراً بحكم الأصل؛ لأن الظاهر حجة الدفع لا حجة الاستحقاق، كحياة المفقود أنها تصلح لدفع الإرث لا لاستحقاقه وفي الظفر إذا نبت لا شيء فيه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه، لأنه عادت المنفعة والزينة، وإن مات ففيه حكومة عدل؛ لأنه لا قصاص فيه ولا له أرش مقدر، وكذا إذا نبت على عيب ففيه حكومة عدل دون ذلك؛ لأن النابت عوض عن الذاهب فكأن الأول قائم ودخله عيب، وكذلك قال أبو يوسف رحمه الله: إذا نبت أسودان فيه حكومة لما أصاب من الألم بالجراحة الأولى بناء على أصله أن الألم مضمون. وفي ثدي الرجل حكومة العدل؛ لأنه لا قصاص فيه ولا أرش مقدر؛ لأنه لا منفعة فيه ولا جمال، فتجب الحكومة فيهما، وفي أحدهما نصف ذلك الحكم وفي حلمة ثدييه حكم عدل دون ما في ثديبه لما قلنا. وثدي المرأة تبع للحلمة حتى لو قطع الحلمة ثم الثدي، فإن كان قبل البرىء لا يجب إلا نصف الدية، وإن كان بعد البرء يجب نصف الدية في الحلمة والحكومة في الثدي؛ لأن منفعة الثدي الرضاع وذلك يبطل بقطع الحلمة، وكذلك الأنف مع المارن، حتى لو قطع المارن دون الأنف تجب الدية. ولو قطع مع المارن لا تجب إلا دية واحدة. ولو قطع المارن ثم الأنف، فإن كان قبل البرء تجب دية واحدة، وإن كان بعد البرء ففي المارن الدية وفي الأنف الحكومة، وكذلك الجفن مع الأشفار حتى لو قطع الشفر بدون الجفن يجب الأرش المقدر، ولو قطع الجفن معه لا يجب ذلك الأرش كالكف مع الأصابع. ولو قطع الشفر ثم الجفن فإن كان قبل البرء فكذلك وإن كان بعد البرء يجب في الشفر أرشه وفي الجفن الحكومة، لأنه قطع الشفر وهو كامل المنفعة وقطع الجفن وهو ناقص المنفعة فلا يجب إلا الأرش الناقص وهو الحكومة، ولو قطع أنفاً مقطوع الأرنبة ففيه حكومة العدل؛ لأن المقصود من الأنف الجمال، وقد نقص جماله بقطع الأرنبة فينتقص أرشه، وكذلك إذا قطع كفاً مقطوعة الأصابع، لأن المقصود من الكف البطش، وأنه لا يحصل بدون الأصابع، ٤٥٤ کتاب الجنايات وكذلك إذا قطع ذكراً مقطوع الحشفة؛ لأن منفعة الذكر تزول بزوالها، فلا يمكن إيجاب أرش مقدر ولا قصاص فيه - فتجب الحكومة. ولو قطع الذكر والأنثيين، فإن قطعهما معاً بأن قطعهما من جانب عرضاً يجب ديتان؛ لأنه فوت منفعة الجماع بقطع الذكر ومنفعة الإنزال بقطع الأنثيين، فقد وجد تفويت منفعة الجنس في قطع كل واحد منهما، فيجب في كل واحد منهما دية كاملة. وإن قطع أحدهما بعد الآخر بأن قطعهما طولاً. فإن قطع الذكر أو لا تجب ديتان أيضاً، دية بقطع الذكر لوجود تفويت منفعة الجماع ودية بقطع الأنثيين؛ لأن بقطع الذكر لا تنقطع منفعة الأنثيين وهو الإنزال، لأن الإنزال يتحقق مع عدم الذكر. وإن بدأ بقطع الأنثيين ثم الذكر، ففي الأنثيين الدية، وفي الذكر حكومة العدل؛ لأن منفعة الأنثيين كانت كاملة وقت قطعهما، ومنفعة الذكر تفوت بقطع الأنثيين إذ لا يتحقق الإنزال بعد قطع الأنثيين فنقص أرشه، ولو حلق رأس رجل فنبت أبيض فلا شيء فيه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه . وقال أبو يوسف: فيه حكومة عدل. وإن كان عبداً ففيه ما نقص، وجه قوله: إن المقصود من الشعر الزينة، والزينة معتبرة في الأحرار، ولا زينة في الشعر الأبيض، فلا يقوم الثابت مقام الفائت. وجه قول أبي حنيفة: أن الشيب في الأحرار ليس بعيب، بل هو جمال وكمال فلا يجب ٦٢/٣ب به أرش، بخلاف العبيد فإن الشيب فيهم عيب ما ألا/ ترى أنه ينقص الثمن فكان مضموناً على الجاني، وفيما دون المُوضِحَة من الشجاج حكومة عدل، وكذا روي عن سيدنا عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - أنه قال: ما دون المُوضِحَة خدوش فيها حكم عدل، وكذلك روي عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى، ولأنه لا قصاص فيه والشرع ما ورد فيه بأرش مقدر فتجب فيه الحكومة، والخلاف الذي ذكرنا في المتلاحمة بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يرجع إلى المعنى بل إلى الاسم؛ لأن أبا يوسف لا يمنع أن تكون الشجة التي قبل الباضعة أقل منها أرشاً - وكذلك محمد لا يمنع أن تكون أرش الشجة التي ذهبت في اللحم أكثر مما ذهبت البَاضِعَة زائداً على أرش الباضِعة فكان الاختلاف بينهما في العبارة، وفيما سوى الجائفة من الجراحات التي في البدن إذا اندملت ولم يبق لها أثر - لا شيء فيها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف - رحمهما الله - فيه أرش الألم، وعند محمد رحمه الله أجرة الطبيب، وقد مرت المسألة، وإن بقي لها أثر ففيها حكومة عدل، وكذا في شعر سائر البدن إذا لم ينبت حكومة عدل، وإن نبت لا شيء فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٥٥ كتاب الجنايات وأما تفسير الحكومة: فإن كان الجاني والمجني عليه عبداً يقوّم العبد مجنيًّا عليه وغير مجني عليه، فيجب نقصان ما بين القيمتين بلا خلاف، وإن كان الجاني والمجني عليه حرًّا - فقد ذكر الطحاوي - رحمه الله - أنه يقوم المجني عليه لو كان عبداً ولا جناية به، ويقوم وبه الجناية فينظر كم بين القيمتين فعليه القدر من الدية. وقال الكرخي رحمه الله: تقرب هذه الجناية إلى أقرب الجنايات التي لها أرش مقدر، فينظر ذوا عدل من أطباء الجراحات كم مقدار هذه ههنا في قلة الجراحات وكثرتها بالحرز والظن، فيأخذ القاضي بقولهما ويحكم من الأرش بمقداره من أرش الجراحة المقدرة. وجه ما ذكره الطحاوي رحمه الله أن القيمة في العبد كالدية في الحر فيقدر العبد حرًّا فما أوجب نقصاً في العبد يعتبر به الحر، وكان الكرخي - رحمه الله - ينكر هذا القول، ويقول هذا يؤدي إلى أمر فظيع وهو أن يجب في قليل الشجاج أكثر مما يجب في كثيرها لجواز أن يكون نقصان شجة السمحاق في العبد أكثر من نصف عشر قيمته، فلو أوجبنا مثل ذلك من دية الحر لأوجبنا في السمحاق أكثر مما يوجب في الموضحة، وهذا لا يصح، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في الجناية على الجنين وأما الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه وهو الجنين بأن ضرب على بطن حامل فألقت جنيناً فيتعلق بها أحكام، وجملة الكلام فيه أن الجنين لا يخلو إما أن يكون حرًّا بأن كانت أمة حرة أو أمة علقت من مولاها أو من مغرور، وإما أن يكون رقيقاً، ولا يخلو إما إن ألقته ميتاً وإما إن ألقته حيًّا فإن كان حراً وألقته ميتاً ففيه الغرة، والكلام في الغرة في مواضع: في بيان وجوبها، وفي تفسيرها وتقديرها، وفي بيان من تجب عليه، وفي بيان من تجب له، أما الأول فالغرة واجبة استحساناً، والقياس أن لا شيء على الضارب؛ لأنه يحتمل أن يكون حيًّا وقت الضرب ويحتمل أنه لم يكن بأن لم تخلق فيه الحياة بعد فلا يجب الضمان بالشك، ولهذا لا يجب في جنين البهيمة شيء إلا نقصان البهيمة كذا هذا، إلا أنهم تركوا القياس بالسنة، وهو ما روي عن مغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: ((كنت بين جاريتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً وماتت، فقضى رسول الله وَّر على عاقلة الضاربة بالديّة، وبغرة الجنين. وروي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - اختصم إليه في إملاص(١) المرأة الجنين، فقال (١) إملاص: إلقاء وإسقاط. ٤٥٦ كتاب الجنايات سيدنا عمر - رضي الله عنه -: ((أنشدكم الله تعالى، هل سمعتم من رسول الله وَلّ في ذلك شيئاً؟ فقام المغيرة - رضي الله عنه - فقال: ((كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ ... )) وذكر الخبر، وَقَال فيه: فَقَامَ عَمُّ الجنينِ فَقَالَ: إنه أشعر وقام وَالِدِ الضَاربة، فقال: كَيْفَ نَدِى مَنْ لاَ صَاحَ ولا اسْتَهَلَّ وَلَا شَرِبَ وَلاَ أَكَلَ ودَمٌ مِثْلُ ذَلِكَ بطلُ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَسَجْعٌ كُسَجْعٍ الكُهَّانِ؟)»(١) وروي: ((كَسَجْعِ الأعْرَابِ)) وفيه غُرَّةُ: ((عَبْدٌ أوْ أَمَةٌ)) فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: ((مَنْ شَهَدَ مَعَكَ بِهَذَا؟ فَقام محمد بن سلمة فشهد، فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: كدنا أن نقضيَ فيها برأينا وفيها سنةٌ عن رسول الله وَله. وروى هذه القصة أيضاً حمل بن مالك بن النابغة؛ ولأن الجنين إن كان حيًّا فقد فوت الضارب حياته، وتفويت الحياة قتل، وإن لم يكن حيًّا فقد منع من حدوث الحياة فيه فيضمن كالمغرور لما منع من حدوث الرق في الولد وجب الضمان عليه، وسواء استبان خلقه أو بعض خلقه، لأنه عليه الصلاة والسلام قضى بالغرة ولم يستفسر، فدل أن الحكم لا يختلف، وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا شيء فيه؛ لأنه ليس بجنين إنما هو مضغة، وسواء كان ذكراً أو أنثى لما قلنا، ولأن عند عدم استواء الخلقة يتعذر الفصل بين الذكر والأنثى، فسقط اعتبار الذكورة والأنوثة فيه. ١٦٣/٣ وأما تفسير الغرة/ فالغرة في اللغة عبد أو أمة؛ كذا قال أبو عبيد من أهل اللغة، وكذا فسرها رسول الله وَّ في الحديث الذي رويناه. فقال عليه الصلاة والسلام: ((فيه غُرَّةٌ: عَبْدٌ أو أمةٌ))(٢)، فسر الغرة بالعبدِ والأمةِ. وروي أنه عليه الصلاة والسلام: ((قَضَى في الجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ أوْ خَمِسْمِائةٍ)) وهذه الرواية خرجت تفسيراً للرواية الأولى، فصارت الغرة في عرف الشرع اسماً لعبد أو أمة يعدل خمسمائة أو بخمسمائة، وهذه الرواية خرجت تفسيراً للرواية الأولى. ثم تقدير الغرة بالخمسمائة مذهبُ أصحابنا رحمهم الله تعالى، وعند الشافعي رحمه الله مقدرة بستمائة، وهذا فرع أصل ما ذكرناه فيما تقدم، لأنهم اتفقوا على أن الواجب نصف عشر الدية، لكنهم اختلفوا في الدية، فالدية من الدراهم عندنا مقدرة بعشرة آلاف، فكان نصف عشرها خمسمائة، وعنده مقدر باثني عشر ألفاً فكان نصف عشرها ستمائة، ثم ابتدأ الدليل على (١) رواه النسائي (٨/ ٥١) كتاب القسامة، باب صفة شبه العمد وعلى من دية الأجنة وشبه العمد. أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم قال: حدثنا عمرو عن أسباط عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس. وورد معناه في حديث أبي هريرة وقد تقدم. في أ: القضية . (٢) جزء من حديث أبي هريرة الذي تقدم تخريجه في الحديث السابق. ء ٤٥٧ کتاب الجنايات صحة مذهبنا أن في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام ((قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة أو خمسمائة)) وهذا نص في الباب. وأما بيان من تجبُ عليه الغرة، فالغرة تجب على العاقلة لما روينا من الحديث أنه عليه الصلاة والسلام: ((قَضَى عَلَى عَاقِلَةِ الضاربة بالدية وبغرة الجنين))، وروي أن عاقلة الضاربة قالوا: أندى من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ودم مثل هذا بطل! وهذا يدل على أن القضاء بالدية كان عليهم حيث أضافوا الدية إلى أنفسهم على وجه الإنكار، ولأنها بدل نفس فكانت على العاقلة كالدية. وأما من تجب له فهي ميراث بين ورثة الجنين على فرائض الله تبارك وتعالى عند عامة العلماء، وقال مالك رحمه الله: إنها لا تورث، وهي للأم خاصة . ١ وجه قوله: إن الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم، فكانت الجناية على الأم، فكان الأرش لها كسائر أجزائها . ولنا أن الغرة بدل نفس الجنين، وبدل النفس يكون ميراثاً كالدية، والدليل على أنها بدل نفس الجنين لا بدل جزء من أجزاء الأم أن الواجب في جنين أم الولد ما هو الواجب في جنين الحرة، ولا خلاف في أن جنين أم الولد جزء، ولو كان في حكم عضو من أعضاء الأم لكان جزءاً من الأم حرًّا وبقية أجزائها أمةً، وهذا لا يجوز. والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام قضى بدية الأم على العاقلة وبغرة الجنين، ولو كان فنى معنى أجزاء الأم - لما أفرد الجنين بحكم، بل دخلت الغرة في دية الأمة، كما إذا قطعت يد الأم فماتت أنه تدخل دية اليد في النفس، وكذا لما أنكرت عاقلة الضاربة حمل الدية إياهم، فقالت: أندى من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه بطل! لم يقل لهم النبي عليه الصلاة والسلام: إني أوجبت ذلك بجناية الضاربة على المرأة لا بجنايتها على الجنين، ولو كان وجوب الأرش فيه لكونه جزءاً من أجزاء الأم لرفع إنكارهم بما قلنا. فدل أن الغرة وجبت بالجناية على الجنين لا بالجناية على الأم، فكانت معتبرة بنفسه لا بالأم، ولا يرث الضارب من الغرة شيئاً؛ لأنه قاتل بغير حق، والقتل بغير حق من أسباب حرمان الميراث، ولا كفارة على الضارب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما قضى بالغرة على الضاربة لم يذكر الكفارة، مع أن الحال حال الحاجة إلى البيان، ولو كانت واجبةً لبيَّنها، ولأن وجوبها متعلق بالقتل وأوصاف أخرى لم يعرف وجودها في الجنين من الإيمان والكفر حقيقةً أو حكماً، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] أي كان المقتول ولم يعرف قتله، لأنه لم تعرف حياته، وكذا إيمانه وكفره حقيقةً وحكماً. ٤٥٨ كتاب الجنايات أما الحقيقة فلا شك في انتفائها؛ لأن الإيمان والكفر لا يتحققان من الجنين، وكذلك حكماً؛ لأن ذلك بواسطة الحياة ولم تعرف حياته، ولأن الكفارة من باب المقادير والمقادير لا تعرف بالرأي والاجتهاد، بل بالتوقيف(١) وهو الكتاب العزيز والسنة والإجماع، ولم يوجد في الجنين الذي ألقى ميتاً شيء من ذلك فلا تجب فيه الكفارة، ولأن وجوبها متعلق بالنفس المطلقة، والجنين نفس من وجه دون وجه، بدليل أنه لا يجب فيه كمال الدية، مع ما أن الضرب لو وقع قتل نفس لكان قتلاً تسبيبًّا لا مباشرة، والقتل تسبيبًّا لا يوجب الكفارة كحفر البئر ونحو ذلك. ● وذكر محمد رحمه الله وقال: ولا كفارة على الضارب وإن سقط كامل الخلق ميتاً إلا أن يشاء ذلك فهو أفضل، وليس ذلك عليه عندنا واجب، وليتقرب إلى الله تبارك وتعالى بما يشاء إن استطاع، ويستغفر الله سبحانه وتعالى مما صنع، وهذا قول أبي يوسف رحمه الله وقولنا، كذا ذكر محمد رحمه الله؛ لأنه ارتكب محظوراً فندب إلى أن يتقرب بالكفارة لمحوه. هذا إذا ألقته ميتاً، فإما إذا ألقته حيًّا فمات، ففيه الدية كاملة لا يرث الضارب منها شيئاً ٦٣/٣ب وعليه الكفارة، أمَّا/ حرمان الميراث فلما قلنا، وأمَّا وجوب الدية والكفارة؛ فلأنه لما خرج حيًّا فمات علم أنه كان حيًّا وقت الضرب، فحصل الضرب قتل النفس، وأنه في معنى الخطأ، فتجب فيه الدية والكفارة، هذا إذا ألقت جنيناً واحداً، فأما إذا ألقت جنينين، فإن كانا میتین، ففي كل واحد منهما غرة وإن كانا حيين ثم ماتا، ففي كل واحد منهما دية لوجود سبب وجوب كل واحدة منهما وهو الإتلاف، إلا أنه أتلفهما بضربة واحدة، ومن أتلف شخصين بضربة واحدة يجب عليه ضمان كل واحد منهما، كما لو أفرد كل واحد منهما بالضرب كما في الكسرین (٢). فإن ألقت أحدهما ميتاً والآخر حيًّا، ثم مات - فعليه في الميت الغرة وفي الحمى الدية؛ لوجود سبب وجوب الغرة في الجنين الميت، والدية في الجنين الحي، فيستوي فيه الجمع في الإتلاف والإفراد فيه، فإن ماتت الأم من الضربة وخرج الجنين بعد ذلك حيًّا ثم مات - فعليه ديتان: دية في الأم ودية في الجنين؛ لوجود سبب وجوبهما وهو قتل شخصين، فإن خرج بعد موتها ميتاً فعليه دية الأم، ولا شيء عليه في الجنين. وقال الشافعي رحمه الله: يجب عليه في الجنين الغرة. وجه قوله إنه أتلفهما جميعاً؛ فيؤاخذ بضمان كل واحد منهما، كما لو خرج الجنين ميتاً ثم ماتت الأم. (١) في ط: الكبيرين. ٤٥٩ كتاب الجنايات ولنا أن القياس يأبى كون الجنين مضموناً أصلاً لما بينا من احتمال عدم الحياة، وازداد ههنا احتمال آخر: وهو أنه يحتمل أنه مات بالضرب، ويحتمل أنه مات بموت الأم، وإنما عرفنا الضمان فيه بالنص، والنص ورد بالضمان في حال مخصوصة وهي ما إذا خرج ميتاً قبل موت الأم، فسقط اعتبار أحدٍ الاحتمالين، فيتعين الثاني في نفي وجوب الضمان في غير هذه الحالة. هذا إذا كان الجنين حرًّا، فأما إذا كان رقيقاً، فإن خرج [ميتاً] (١) ففيه - نصف عشر قيمته إن كان ذكراً، وعشر قیمته إن كان أنثى. وروي عن أبي يوسف أن في جنين الأمة ما نقص الأم، وقال الشافعي رحمه الله فيه عشر قيمة الأم، أما الكلام مع أبي يوسف رحمه الله فبناء على أصل ذكرناه فيما تقدم، وهو أن ضمان الجناية الواردة على العبد ضمان النفس أم ضمان المال؟ فعلى أصلهما ضمان النفس، حتى قالا: إنه لا تزاد قيمته على دية الحر بل تنقص منها(٢)، وكذا تتحمله العاقلة، وعلى أصل أبي يوسف رحمه الله ضمانها ضمان المال، حتى قال: تبلغ قيمته بالغة ما بلغت ولا تتحمله العاقلة، فصار جنينها كجنين البهيمة، وهناك لا يجب إلا نقصان الأم، كذا ههنا. وأما الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فبناء على أن الجنين معتبر بنفسه أم بأمه؛ وقد ذكرنا الدلائل على أنه معتبر بنفسه لا بأمه فيما تقدم، والدليل عليه أيضاً أن ضمان جنين الحرة موروث عنه على فرائض الله عز وجل، ولو كان معتبراً بأمه لسلم لها كما يسلم لها أرش عضوها . وإذا ثبت أن الجنين معتبر بنفسه، وأن الواجب فيه ضمان، فهذا الاعتبار يوجب أن يكون في جنين الأمة إذا كان رقيقاً نصف عشر قيمته إن كان ذكراً، وعشر قيمته إن كان أنثى؛ لأن الواجب في الجنين الحر خمسمائة، ذكراً كان أو أنثى، وهي نصف عشر دية الذكر وعشر دية الأنثى، والقيمة في الرقيق كالدية في الحر فيلزم أن يكون في الجنين الرقيق نصف عشر قيمته إن كان ذكراً اعتباراً بالحر وعشر قيمته إن كان أنثى اعتباراً بالحرة، وإن خرج حياً ثم مات قيمته لما قلنا في الجنين الحر. فإن ألقت جنينين ميتين أو جنينين حيين ثم ماتا ففي كل واحد منهما حالة الاجتماع ما فيه حالة الانفراد لما ذكرنا في الجنين الحر. فإن ألقت أحدهما ميتاً والآخر حياً ثم مات ففي كل واحد منهما ما هو ضمانه حالة الانفراد لما مر فإن ماتت الأم من الضرب وخرج الجنين بعد (١) سقط من ط. (٢) في ط: ها هنا. ٤٦٠ كتاب الجنايات ذلك حياً ثم مات فعليه قيمتان قيمة في الأم وقيمة في الجنين. وإن خرج الجنين ميتاً بعد موت الأم فعليه في الأم القيمة ولا شيء عليه في الجنين لما ذكرنا. والأصل إن في كل موضع يجب في الجنين الحر الغرة ففي الرقيق نصف عشر قيمته إن كان ذكراً وعشر قيمته إن كان أنثى، وكل موضع يجب في المضروبة إذا كانت حرة الدية ففي الأمة القيمة وفي كل موضع لا يجب في الجنين هناك شيء لا يجب هنا شيء أيضاً لما ذكرنا في جانب الحر من غير تفاوت إلا أن الواجب في جنين الأمة يكون في مال الضارب يؤخذ منه حالاً ولا تتحمله العاقلة، والواجب في جنين الحرة يكون على العاقلة، لأن تحمل العاقلة ثبت بخلاف القياس بالنص، والنص ورد بالتحمل في الغرة في جنين الحرة فبقي الحكم في جنين الأمة على أصل القياس. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.