Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب الجنايات
على الإخبار عما في التوراة، فكان هذا شريعتنا لا شَرِيعة من قَبْلَنا، على أن هذا إن كان إخباراً
عن شريعة التوراة، لكن لم يثبت نسخه بكتابنا ولا بسنة رسولنا - وَ له-، فَيَصير شريعة
لنبينا وَّ مُبْتَدأة، فيلزمنا العمل به على أنه شريعة رسولنا وَّو لا على أنه شريعة من قبله من
الرُّسل، على ما عرف في أصول الفقه (١)، إلا أنه لم يذكر وجُوب القصاص في اليد والرجل
نصاً، لكن الإيجاب في العَيْن والأنف والأذن والسن إيجاب في اليد والرجل دلالة/؛ لأنه لا ٤٩/٣ ب
ينتفع بالمَذْكُور من السَّمع والبصر والشم والسن إلا صاحبه.
ويجوز أن ينتفع باليد والرّجل غير صاحبهما، فكان الإيجاب في العُضو المنتفع به في
حقٌّه على الخصوص إيجاباً فيما هو منتفع به في حَقِّه وفي حق غيره من طريق الأوْلَى، فكان
ذكر هذه الأغْضَاء ذكراً لليد والرجل بطريق الدلالة له؛ كما في التّأفف مع الضَّرب في الشتم،
على أن في كتابنا حُكْم ما دون النفس، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلٍ
مَا أَعْتَدَىُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال الله تعالى عز شأنه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِيْتُمْ
بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وأحق ما يعمل فيه بهاتَيْنِ الآيتين ما دون النّفْس، وقال تبارك وتعالى: ﴿مَنْ
عَمِلَ سَيَِّةً فَلاَ يُجْزَىُ إلاَّ مِثْلِهَا﴾ [غافر: ٤٠] ونحو ذلك من الآيات.
وأما المعْقُول فهو أن ما دون النّفس له حكم الأموال؛ لأنه خلق وقاية للنفس كالأموال.
ألا ترى أنه يستوفي في الحلّ والحرم كما يستوفي المال؛ وكذا الوصي يلي استيفاء ما
دون النَّفْس الصغير كما يلي استيفاء ماله، فتعتبر فيه المُمَاثلة، كما تعتبر في إتلاف الأموال.
ومنها: أن يكون المثل ممكن الاسْتِيَفاء؛ لأن استيفاء المثل بدون إمكان استيفائه ممتنع،
فيمتنع وجُوب الاسْتِيفاء ضَرُورة، ويبتني على هذين الأصلين مسائل. فنقول وبالله تعالى
التوفيق: لا يؤخذ شيء من الأصل إلا بمثله، فلا تؤخذ اليد إلا باليد لأن غير اليد ليس من
جِئْسِها، فلم يكن مثلاً لها؛ إذ التَّجانس شرط للمماثلةَ؛ وكذا الرجل والأصبع والعين والأنف
ونحوها لما قلنا؛ وكذا الإبهام لا تؤخذ إلا بالإبهام، ولا السبابة إلا بالسبابة، ولا الوُسْطَى إلا
بالوسطى، ولا البنصر إلا بالبنصر، ولا الخنصر إلا بالخنصر؛ لأن منافع الأصابع مختلفة
فكانت كالأجناس المختلفة.
وكذلك لا تؤخذ اليد اليمين إلا باليَمِين، ولا اليسرى إلا باليسرى؛ لأن لليمين فضلاً
على اليسار؛ ولذلك سُمِيت يميناً، وكذلك الرجل وكذلك أصابع اليَدَيْن والرجلين لا تُؤخذ
اليمين منها إلا باليمين ولا اليسرى إلا باليسرى، وكذلك الأعين لما قلنا؛ وكذلك الأسنان لا
(١) تقدم بيان ذلك.
بدائع الصنائع ج ١٠ - م٢٦

٤٠٢
كتاب الجنايات
تؤخذ الثنية إلا بالثنية، ولا النَّاب إلا بالنابِ، ولا الضِّرس إلا بالضرس لاختلاف منافعها؛ فإن
بَعْضها قواطع وبعضها طَوَاحن وبعضها ضَوَاحِك، واختلاف المَنْفعة بين الشَّيئين [ملحقة
بالجنسين](١) ولا مماثلة عند اخْتِلافِ الچِنس.
وكذا لا يؤخذ الأعْلَى منها بالأسفل، ولا الأسفل بالأعلى، لتفاوت بين الأعْلَى والأسفل
في المنفعة، ولا يؤخذ الصَّحيح من الأطْرَاف إلا بالصَّحيح منها، فلا تقطع اليد الصَّحيحة ولا
كاملة الأصابع بناقصة الأصابع أو مفصل من الأصابع؛ وكذلك الرجل والأصبع وغيرها؛ لعدم
المماثلة بين الصّحيح والمعيب.
وإن كان العَيْب في طرف الجاني، فالمجني عليه بالخِيَار؛ إن شاء اقتص وإن شاء أخذ
أرش الصَّحيح؛ لأن حقّه في المِثْل وهو السليم؛ ولا يمكنه استيفاء حقّه من كل وجْهٍ مع فوات
صفة السَّلامة، وأمكنه الاستيفاء من وجه، ولا سبيل إلى إلزام الاستيفاء حتماً؛ لما فيه من إلزام
استيفاء حقّه ناقصاً، وهذا لا يجوز، فيخير إن شاء رضي بقدر حقه واستوفاه ناقصاً، وإن شاء
عدل إلى بدل حقه وهو كمال الأرش؛ كمن أتلف على إنسان شيئاً له مثل والمتلف جيد،
فانقطع عن أيدي النَّاس ولم يبق منه إلا الرديء - أن صاحب الحق يكون بالخِيّار؛ إن شاء أخذ
الموجود ناقصاً، وإن شاء عدل إلى قيمة الجيد لما قلنا؛ كذا هذا.
ولو أراد المجني عليه أن يأْخُذه ويضمنه النُّقصان، هل له ذلك؟ قال أصحابنا - رحمهم
الله تعالی ۔: ليس له ذلك.
وقال الشافعي: له ذلك.
وجه قوله: إن حقه في المثل ولا يمكنه استيفاؤه من هذه اليد من كل وجه، فيستوفي
حقه منها بقَدْر ما يمكن ويضمنه الباقي؛ كما لو أتلف على آخر شيئاً من المثليات، فانقطع عن
أيدي الناس إلا قدر بعض حقه ــ أنه يأخذ القدر الموجود من المتلف ويضمنه الباقي، كذا
هذا .
ولنا: أنه قادر على استيفاء أصل حقه، وإنما الفائت هو الوصف وهو صفة السَّلامة؛ فإذا
رضي باستيفاء أصل حقه ناقصاً، كان ذلك رضا منه بسقوط حقه عن الصّفة؛ كما لو أتلف شيئاً
من ذوات الأمثال وهو جيد، فانقطع عن أيدي الناس نوع الجيد، ولا يوجد إلا الرديء منه
- أنه ليس له إلا أن يأخذه أو قيمة الجيد كذلك، هذا بخلاف ما ذكره من المسألة؛ لأن هناك
حق المتلف عليه متعلق بمثل المثلف: بكل جزءٍ من أجزائه صورةً ومعنى، فكان له أن يستوفي
(١) في ط: يلحقها بجنسين.

٤٠٣
كتاب الجنايات
الموجود، ويأخذ قيمة الباقي، وههنا حق المجني عليه لم يتعلَّق إلا بالقَطْع من المفضل دون
الأصابع؛ بدليل أنه لو أراد أن يقطع الأصابع ويبرأ عن الكف ليس له ذلك، فلم تكن الأصابع
عين حقه إن كان البعض قطع الأصابع؛ بأن كانت جارية مجرى الصِّفة كالجودة في المكيل،
فلا يكون له أن يُطالب بشيء آخر كما في تلك المسْألَة.
ولو ذهبت الجَارِحة المعينة قبل أن يختار المجني عليه، أخذها أو قطعها قاطع - باطل
حق المجني عليه في القِصَاص لفوات محله.
وهل يجب الأرش على الجاني؟ فالكلام فيه كالكَلام فيما إذا قطع يداً صحيحة، وهو
على التفصيل الذي ذكرنا فيما تقدم/ أنها إن سقطت بآفة سماوية أو قطعت ظلماً لا شيء عليه،
ولو قطعت بحق من قِصَاص أو سرقة فعليه أرش اليَدِ المقطوعة.
١٥٠/٣
وعند الشَّافعِي - رحمه الله -: عليه الأرش في الوَجْهَين، والكلام فيه راجع إلى أصل وقد
تقدم ذكره؛ وهو أن موجب العمد القِصَاص عيناً عندنا في النفس وما دونه، وعنده: أحدهما
غير عين في قول، وفي قول: القصاص عينا لكن مع حق العَدُول إلى المال، وقد ذَكَرْنا هذا
الأصل بفروعه في بيان حكم الجِنَاية على النفس، إلا أنه إذا كان القَطْع بحقّ يجب الأرش؛
لأنه قضى بالطرف حقاً مستحقاً عليه، فصار كأنه قائم وتعذر استيفاء القِصَاص؛ لعذر الخطأ
وغيره على ما مر ذكره.
وإذا ثبت هذا في الصَّحيحة فنقول: حق المَجْني عليه كان متعلّقاً باليد المعينة بعينها،
وإنما ينتقل عنها إلى الأرش عند اختياره؛ فإذا لم يختر حتى هَلَكَت، بقي حقه متعلقاً باليد.
فإن قيل: أليس - أنه - مخيراً بين القِصَاص والأرش، فإذا فات أحدهما تعين الآخر.
قيل: لا بل حقه كان في اليد على الثَّعيين، إلا أن له أن يعدل عنه إلى بدله عند
الاختيار، فإذا هلك قبل الاخْتِيَار بقي حقه في اليَدِ؛ فإذا هلكت، فقد بطل محل الحق فبطل
الحق أصلاً ورأساً، والله تعالى عز وجل الموفق.
ولو كانت يد القَاطِع صحيحةٍ وقت القَطْع، ثم شلت بعده - فلا حق للمُقُطوع في
الأرش؛ لأن حَقَّه ثبت في اليَدِ عيناً بالقَطْع، فلا ينتقل إلى الأرش بالنقصان؛ كما إذا ذهب
الكُل بآفة سماوية - أنه يسقط حقه أصلاً ولا ينتقل إلى الأرش لما قلنا؛ كذا هذا.
ولا قِصَاص إلا فيما يقطع من المَفَاصِل؛ مفصل الزند؛ أو مفصل المرفق، أو مفصل
الكتف في اليد، أو مفصل الكعب أو مفصل الركبة، أو مفصل الورك في الرجل، وما كان من
غير المفاصل فلا قِصَاص فيه؛ كما إذا قطع من الساعد أو العضد أو السَّاق أو الفخذ؛ لأنه
يمكن استيفاء المِثْل من المفَاصِل، ولا يمكن من غيرها، وليس في لحم السَّاعد والعضد

٤٠٤
کتاب الجنايات
والسَّاق والفخذ، ولا في الألية - قصاص ولا في لحم الخدّين ولحم الظهر والبَطْن، ولا في
جلدة الرأس وجلدة اليدين، إذا قطعت لتعذر استيفاء المثل، ولا في اللَّطمة والوكزة والوجأة
والدقة لما قلنا. ولا يؤخذ العَدَد بالعدد، فيما دون النَّفس مما يجب على أحَدِهما فيه القِصَاص
لو انفرد كالاثنين إذا قطعا يد رجُل أو رجله أو أصبعه، أو أذهبا سمعه أو بصره، أو قلعا سنا له
أو نحو ذلك من الجَوَارِح التي على الوَاحِد منهما فيها القِصَاص، لو انفرد به - فلا قِصَاص
عليهما وعليهما الأرش نصفان؛ وكذلك ما زاد على الثلاث من العَدَد فهو بمنزلة الاثنين، ولا
قصاص عليهم وعليهم الأرش على عددهم بالسواء، وهذا عندنا، وعند الشافعي: يَجِبُ
القِصَاص عليهم، وإن كثروا كما في النفس.
واحتج بما روي أن رَجُلین شهدا بين يدي سيدنا علي - رضي الله تعالى عنه - على رجل
بالسَّرقة، فأمر بقطع يده ثم جاءًا بآخر، وقالا: أوهمنا إنما السارق هذا يا أمير المؤمنين، فقال
سيدنا علي - رضي الله عنه - لا أصدقكما على هذا وأغرمكما دية الأول، ولو علمت أنكما
تعمدتما لقطعت أيديكما (١)، فقد اعتقد سيدنا علي - رضي الله عنه - قطع اليدين بيد واحدة،
وإنما قال ذلك بمخضَر من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد
منهم، فيكون إجماعاً؛ ولأن اليد تابعة للنفس، ثم الأنفس تقتل بِنَفْس واحدة، فكذا الأيدي
تُقطع بيد واحدة؛ لأن حكم التبع حكم الأصل.
ولنا: أن المماثلة فيما دون النَّفس معتبرة؛ لما ذكرنا من الدَّلائل، ولا مماثلة بين
الأيدي، ويد واحدة لا في الذَّات ولا في المنفعة ولا في الفعل.
أما في الذات: فلا شك فيه؛ لأنه لا مماثلة بين العدد بين الفَرد من حيث الذات، يحققه
أنه لا تقطع الصَّحيحة بالشلاء، والفائت هو المماثلة من حيث الوَصْفِ فقط، ففوات المُمَاثلة
في الوَصْف لما منع جريان القِصَاص، ففواتها في الذَّات أولى.
وأما في المنفعة: فلأن من المنَافع ما لا يتأتى إلا باليَدَيْن؛ كالكتابه والخياطة ونحو
ذلك؛ وكذا منفعة اليَدَيْن أكثر من مَنْفَعة يد واحدة عادة.
وأما في الفعل: فلأن الموجود من كل واحدٍ منهما قطع بعض اليد؛ كأنه وضع أحدهما
السّكين من جانب والآخر من جانب آخر، والجزاء قطع كل واحدٍ من كل واحدٍ منهما، وقطع
كلّ اليد أَكْثر من قطع بعض اليَدِ، وانعدام المماثلة من وجهٍ تكفي لجريان القِصَاص، كيف وقد
انعدمت من وُجُوه؟.
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢٥١/١٠) كتاب الشهادات، باب الرجوع عن الشهادة.
ورواه أيضاً في المعرفة (٤٥٢/٧ - ٤٥٣) كتاب الشهادات، باب الرجوع عن الشهادة.
من طريق الشافعي عن سفيان عن مطرف عن الشعبي: أن رجلين أتيا علياً فشهدا على رجل ... فذكره.

٤٠٥
كتاب الجنايات
وأما قول سيدنا علي - رضي الله عنه - فلا حجة له فيه؛ لأنه إنما قال ذلك على سبيل
السِّياسة؛ بدليل أنه أضاف القَطْع إلى نفسه، وذا لا يكون إلا بطريق السِّياسة، والله سبحانه
وتعالى أعلم.
ولو قطع رجل يميني رجلين تقطع يمينه، ثم إن حضرا جميعاً فلهما أن يقطعا يمينه،
ويأخذا منه دية يد بينهما نصفين، وهذا قول أصحابنا - رحمهم الله -. وقال الشافعي - رحمه
الله -: إذا كان على التَّعاقب، يقطع للأول ويغرم الدية للثّاني / كما قَالَ في القتل، وإن كان
على الاجتماع يقرع بينهما، فيقطع لمن خرجت قرعته، ويغرم للآخر الدية كما قال في النفس.
٥٠/٣ب
وجه قوله: إنه إذا قطع على التَّرتيب، صارت يده حقاً للأول، فلا تصير حقًّا للثاني،
فتجب الدية للثَّاني؛ وإذا قطع اليدين على الاجتماع، فقد صارت يده حقاً لأحدهما غير عين،
وتتعين بالقرعة .
ولنا: أنهما استويا في سبب اسْتِخْقَّاق القِصَاص، فيستويان في الاستحقاق؟ ودليل
الوصف أن سبب الاسْتِحَقَاقِ قطع اليد، وقد وجد قطع اليد في حق كل واحد منهما، فيستحق
كل واحدٍ منهما قَطْع يده، ولا يحصل من كل واحدٍ منهما في يد واحدةٍ إلا قَطْع بعضها، فلم
يستوف كل واحدٍ منهما بالقَطْع إلا بعض حقه، فيستوفي الباقي من الأرش؛ ولأن كل واحد
منهما لما استوفى بعض حقه بقطع اليد، صار القاطع قاضياً ببعض يده حقًّا مُسْتحقاً عليه،
فيجعل كأن يده قائمة، وتعذر استيفاء القِصَاص لعذر، فتجب الدِّية.
وقوله: صارت يده حقاً لمن له في القِصَاص، ممنوع؛ فإن ملك القصاص ليس ملك
المحل، بل هو ملك الفِعْل وهو إطلاق الاستيفاء؛ لأن حرية من عليه تمنع ثبوت الملك؛ لأنها
تنبىء عن الخلوص، والملك في المحل بثُبُوت فيه ينافيه الخُلُوص.
والدليل عليه: أنه لو قطعت يده بغير حقٍ ثابت، كانت الدية له؛ ولو صَارَت يده مملوكةً
لمن له القِصَاص، لكانت الدية له ــ دل أن ملك القصاص ليس هو ملك المحل، بل ملك
الفِعْل؛ وهو إطلاق الاستيفاء، ولا تنافي فيه، فإطلاق الاستيفاء للأول لا يمنع إطلاق استيفاء
الثاني .
وهذا بخلاف النفس، أن الواحد يقتل بالجماعة اكتفاء؛ لأن هناك كل واحد منهم اسْتَوفى
حقه على الكمال؛ لأن حقه في القتل، وكل واحدٍ منهم استوفى القتل بكماله؛ لما ذكرنا في
الجناية على النفس فيما تقدم؛ وإن حضر أحدهما والآخر غائب، فللحاضر أن يقتصّ ولا ينتظر
الغائب؛ لما ذكرنا أن حقّ كل واحدٍ منهما ثابت في كل اليد، وإنما التمانع في استيفاء الكُلِّ
بحكم التَّزاحم بحكم المُشَاركة في الاستيفاء، فإذا كان أحدهما غائباً فلا يزاحم الحاضر، فكان

٤٠٦
کتاب الجنايات
له أن يستوفي؛ كأحد الشَّفِيعَيْن إذا حضر يقضى له بالشفعة في كل المبيع؛ ولأن حق الحَاضِر
إذا كان ثابتاً في كل اليَدِ وأراد الاستيفاء، والغائب قد يحضر وقد لا يَحْضرُ، وقد يطالب بعد
الحضور وقد يعفو، فلا يجوز تأخير حق الحَاضِر في الاستيفاء، والمنع منه للحال بعد طلبه
الأمر محتمل؛ ولهذا قضى بالشفعة لأحد الشفيعين إذا حضر وطلب، ولا ينتظر حضور
الغائب، كذا هذا، وللآخر دية يده على القَاطِع؛ لأنه تعذر استيفاء حقِّه بعد ثبوته فيصار إلى
البدل؛ ولأن القاطع قضى(١) به حقاً مستحقًّا عليه فيلزمه الدية.
وإن عفا أحدهما بطل حقه، وكان للآخر القِصَاص إذا كان العفو قبل قضاء القاضي
بالإجماع؛ لأن حقَّ كل واحد منهما ثابتٌ في اليدِ على الكَمَال، فالعفو من أحدهما لا يؤثر في
حق الآخر؛ كما في القِصَاص في النفس؛ وكذلك لو عدا أحدهما على القَاطِع فقطع يده، فقد
استْوَفى حقه، فللآخر الدِّية لما ذكرنا.
وأما إذا قضى القَاضِي بالقِصَاص بينهما، ثم عفا أحدهما - فللآخر أن يستوفي القصاص
في قولهما استحساناً.
وقال محمد - رحمه الله -: إذا قضى القَاضِي بالقَصاص في اليد بينهما نصفين، وبدية اليد
بينهما نصفين، ثم عفا أحدهما - بطل القِصَاص.
وجه قوله: إن حق كل واحد منهما وإن كان ثابتاً في كل اليد، لكن القَاضِي لما قضى
بالقصاص بينهما، فقد أثبت الشركة بينهما، فَصَار حق كل واحد منهما في البَغْض، فإذا عفا
أحدهما سقط البعض، ولا يتمكّن الآخر من اسْتِيفَاء الكل.
وجه قولهما: إن قضاء القاضي بالشّركة لم يصادف محله؛ لأن الشرع ما ورد بوجوب
القَطْع في بعض اليد، فيلحق بالعدم أو يجعل مجازاً عن الفتوى؛ كأنه أفتى بما يجب لَهما،
وهو أن يجتمعا على القَطْع ويأخذ الدية بينهما، فكان عفو أحدهما بعد القَضَاء كعفوه قبله.
ولو قضى القَاضِي بالدية بينهما فقبضاها، ثم عَفَا أحدهما لم يكن للآخر القِصَاص،
وينقلب نصيبه مالاً، لأنهما لما قبضا الدية فقد ملكاها، وثبوت الملك في الدية يقتضي ألاَّ يبقى
الحق في كُلِّ اليد، فسقط حقّ كل واحدٍ منهما عن نصف اليد (٢)، فإذا عفا أحدهما لا يثبت
للآخر ولاية استيفاء كل اليد.
وكذلك لو أخذ بالدية رهناً؛ لأن قَبْض الرهن قبض استيفاء؛ لأن الدين كأنه في الرهن؛
بدليل أنه إذا هلك يسقط الدين، فصار قبضهما الرهن كقبضهما الدين.
(١) في أ: وَفَى.
(٢) في أ: الدية.

٤٠٧
کتاب الجنايات
ولو أخذا بالدية كفيلاً، ثم عفا أحدهما - فللآخر القصاص؛ لأنه ليس في الكفالة معنى
الاسْتِيفَاء، بل هو للتوثق لجانب الوُجُوب، فكان الحكم بعد الكفالة کالحكم قبلها.
ولو قطع من رجل يديه أو رجليه، قطعت يداه أو رجلاه؛ لأن استيفاء المثل ممكن، ولو
قطع / من رَجُل يَمِينه ومن آخر يساره - قطعت يمينه لصاحب اليمين، ويساره لصاحب اليسار؛
لأن تَحْقِيقِ المماثلة فيه وأنه ممكن.
١٥١/٣
فإن قيل: القَاطِعِ ما أبطل عليهما مَنْفَعة الجنسين، فكيف تبطل عليه منفعة الجنس؟.
فالجواب: أن كل واحد منهما ما استحق عليه إلا قَطْع يد واحدة، وليس في قطع يد
واحدة تَفْويت منفعة الجنس، فكان الجزاء مثل الجِنَاية، إلا أن فوات منفعة الجِنْس عند اجتماع
الفِعْلين(١) حصل ضرورة غير مضافٍ إليهما. ولو قطع أصبع رجل كلها من المفصل، ثم قطع
يد آخر، أو يداً باليد ثم يقطع الأصبع، وذلك كله في يد واحدةٍ في اليمين أو في اليسار - فلا
يخلو إما إن جاءا جميعاً يطلبان القِصَاص، وإما إن جاءا متفرّقين، فإن جاءا جميعاً يبدأ
بالقصاص في الأصبع، فتقطع الأصبع بالأصبع، ثم يخير صاحب اليد فإن شاء قطع ما بقي،
وإن شاء أخذ دية يده من مَالِ القَاطِع؛ لأن حق كل واحدٍ منهما في مثل ما قطع منه، فحقّ
صاحب اليد في قطع اليد، وحق صاحب الأصبع في قطع الأصبع، فيجب إيفاء حق كل واحدٍ
منهما بقدر الإمكان، وذلك في البداية بالقِصَاص في الأصبع؛ لأنا لو بدأنا بالقصاص في اليد،
البطل حقّ صاحب الأصبع في القِصَاص أصلاً ورأساً؛ ولو بدأنا بالقِصَاص في الأصبع، لم
يبطل حق الآخر في القصاص أصلاً ورأساً؛ لأنه يتمكن من استيفائه مع النُّقصان، فَكَانت
البداية بالأصبع أولَى، وإنما خيّر صاحب اليد بعد قطع الأصبع؛ لأن الكف صارت معيبة بقطع
الأصبع، فوجد حقه ناقصاً فيثبت له الخيار؛ كالأشل إذا قطع يد الصّحيح، وإن جاءا متفرقين،
فإن جاء صَاحِب اليد وصاحب الأصبع غائب - تقطع اليد لصاحب اليد؛ لأن حق صَاحِب اليد
ثابتٌ في اليَدِ، فلا يجوز منعه من استيفاء حقه لحق غائب(٢) يحتمل أن يحضر، ويطالب
ويحتمل ألاَّ يحضر ولا يطالب، فإن جاء صاحب الأصبع بعد ذلك أخذ الأرش؛ لتعذر استيفاء
حقه عليه بعد ثبوته فيأخذ بدله؛ ولأن القَاطِع قضى بطرفه حقاً مستحقاً عليه فصار كأنه قائم،
وتعذر الاستيفاء لمانع فيلزمه الأرش، وإن جاء صاحب الأصبع وصاحب اليد غائب - تقطع
الأصبع لصاحب الأصبع؛ لما ذكرنا في صاحب اليد، ثم إذا جاء صَاحِب اليد بعد ذلك أخذ
الأرش لما قلنا .
(١) في ط: و.
(٣) في أ: فائت.
(٢) في أ: القطعين.

٤٠٨
كتاب الجنايات
ولو قطع أصبع رجلٍ من مفصل، ثم قطع أصبع رجلٍ آخر من مفصلين، ثم قطع أصبع
آخر كلها، وذلك كله في أصبع واحدة - فهو على التفصيل الذي ذكرنا: أن الأمر لا يخلو إما
إن جاؤوا جميعاً يطلبون القِصَّاص، وإما إن جاؤوا متفرقين؛ فإن جاؤوا جميعاً يبدأ بقطع
المفصل الأعلى لصاحب الأعلى، ثم يخير صاحب المفصلين؛ فإن شاء استوفى الأوسط بحقّه
كله ولا شيء له من الأرش، وإن شاء أخذ ثلثي دية أصبعه من ماله، ثم يخير صاحب
الأصبع، فإن شاء أخذ ما بقي بأصبعه، وإن شاء أخذ دية أصبعه من مال الذي قطعها؛ وإنما
كان كذلك لما بينًا أن حق كل واحدٍ منهما في مثل ما قطع منه، فَيجِبُ إيفاء حقوقهم بقدر
الإمكان، وذلك في البداية بما لا يُسْقط حق بعضهم؛ وهو أن يبدأ بقطع المفصل الأعلى
لصاحب الأعلى؛ لأن البداية لا تبطل حق الباقين في القِصَاص أصلاً؛ لإمكان استيفاء حَقّيهما
مع النقصان، وفي البداية بالقِصَاص في الأصبع إبطال حق الباقين أصلاً، ورب رجل يختار
القِصَاص وإن كان ناقصاً تشفياً للصّدر.
وإذا قطع منه المفصل الأعلى لِصَاحِب الأعلى - يخير الباقيان؛ لأن كل واحد منهما
وَجَد حقه ناقصاً؛ لحدوث العَيْب بالطرف.
وإن جاؤوا متفرّقين: فإن جاء صَاحب الأصبع أولاً - تقطع له الأصبع لما ذكرنا في
المسألة المتقدمة؛ فإذا جاء الباقيان بعد ذلك، يقضى لهما بالأرش لصاحب المفصل الأعْلَى
ثلث دية الأصبع، ولصاحب المفصلين ثلثا دية الأصبع لما قلنا.
وإن جاء صَاحِب المفصلين أولاً، يقطع له المفصلان لما ذكرنا في المسألة المتقدمة،
ويقضى لِصَاحِب المفصل الأعلى بالأرش؛ لما مر، وصاحب الأصبع بالخيار إن شاء أخذ ما
بقي واستوفى حقه ناقصاً، وإن شاء أخذ دية الأصبع لما مر. وإن جاء صاحب الأعلى أولاً،
فهو كما إذا جاؤوا معاً وقد ذكرنا حكمه، والله أعلم.
ولو قطع كفّ رجل من مفصلٍ، ثم قطع يد آخر من المرفق، أو بدأ بالمرفق ثم بالكَفِّ
وهما في يد واحدة في اليَمِين أو في اليَسَار، ثم اجتمعا - فإن الكف يقطع لِصَاحِب الكَفّ، ثم
يخير صاحب المرفق، فإن شاء قَطَّع ما بقي بحقه كله، وإن شاء أخذ الأرش لما بينا.
وإن جاء أحدهما والآخر غائب، فإن جاء صاحب الكَفّ ــ قطع له الكف ولا ينتظر
الغَائِب لما مر، ثم إذا جاء صاحب المرفق أخذ الأرش، وإن جاء صَاحِب المرفِق أو لا يقطع
له المرفق أولاً، ثم إذا جاء صَاحب اليد بعد ذلك يأخذ أرشِ اليَدِ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو قطع المفصل الأعلى من سبابة رجُل، ثم عاد فقطع / المفصل الثاني منها - فعليه
القِصَاص من المفصل الأول، ولا قصاص عليه في المفصل الثاني، وعليه قيمة الأرش؛
٥١/٣ب

٤٠٩
كتاب الجنايات
وكذلك لو قطع أصبع رجل من أصلِها ثم قطع الكَفّ التي منها الأصبع - كان عليه القِصَاص
في الأصبع، ولا قصاص عليه في الكفّ، وعليه الأرش في الكفّ ناقصة بأصبع.
وكذلك لو قطع يد رَجُل وهي صحيحة، ثم قطع ساعده من المرفق من اليد التي قَطَع
منها الكَفّ - عليه في اليد القِصَاص، ولا قصاص عليه في السَّاعد، بل فيه أرش حكومة، كذا
روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ولم يفصل بين ما إذا كانت الجناية الثّانية بعد برء
الأولى أو قبلها .
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى -: إذا كان الثانية بعد برء الأولى، فهما
جنايتان متفرِّقتان، وإن كانت قبل البرء فهي جِنَاية واحدة، ذكر قولهما في الزيادات.
وجه قولهما: إن الجنايتين إذا كانتا قبل البرء، فهما في حكم جنايةٍ واحدةٍ، بدليل أن من
قطع يد رجل خطأ ثم قتله، وجبت عليه دية واحدة، فصار كأنه قطع المفصلين معاً بضربة
واحدةٍ، فيجب القِصَاص فيهما، وإذا برئت الأولى فقد استقرت واستقرّ حكمها، فكانت الثّانية
جناية مفردة من مفصل مفردٍ، فتفرد بحكمها، فيجب القِصَاص في الأولى والأرش في الثانية.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن وقت قطع المفصل الأعلى، كانت الأصبعان
صحيحتين، أعني أصبع القَاطِع والمقْطُوع له المفصل أولاً، فكانت بين الأصبعين مماثلة،
فأمكن استيفاء القِصَاص على وجه المُمَاثلة، ولم يكن بينهما مماثلة وقت قطع المفصل الثاني؛
لأن أصبع القَاطِع كامل: وقت القَطْع، فيكون استيفاء الكَامِل بالناقص، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: وقت قطع المفصل كان القِصَاص مستحقاً في المفصل الأعلى من القاطع،
والمستحق كالمستوفى، فكان استيفاء النَّاقص بالنّاقص.
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن نفس الاستحقاق لا يوجب النُّقْصان؛ بدليل أنه لو جاء الأجنبي وقطع ذلك
المفصل عمداً وجب القصاص عليه؛ ولو ثبت النقصان(١) بنفس الاسْتِخقَاق، لما وجب، فثبت
أن النُّقْصَان لا يثبت بمجرد الاسْتِخْقَاق، وإنما يثبت بالاستيفاء ولم يوجد، فلو وجب
القصاص(٢) لكان استيفاء الكامل بالناقص.
والثاني: إن سلم أن النقصان يثبت بنفس الاسْتِخقَاق والوجوب، لكن حكماً لا حقيقة،
والأول ناقص حقيقةً فلم يكن بينهما مماثلة.
(١) في ط: القصاص.
(٢) في ط: النقصان.

٤١٠
كتاب الجنايات
ولو قطع المفصل الأعلى منها فاقتص منه، ثم قطع المفصل الثَّاني وبرىء - اقتص منه؛
لأن أصبع القَاطع كانت ناقصةً وقت قطع المفصل الثَّاني، فيكون استيفاء الناقص بالناقص،
فتحققت المماثلة .
ولو كان غيره قطع المفصل الأعلى منها، ثم قطع هو المفصل الثَّاني منها - فلا قصاص
عليه؛ لانعدام المساواة بين أصبع القَاطِع والمقطوع، وعليه ثلث دية اليد. ولو قطع المفصل
الأعلى فبرأ، ثم قطع المفصل الثاني فمات - فالولي بالخيار أن شاء قطع المفصل ثم قتل؛ لأن
فيه استيفاء مثل حقّه في القَطْع والقتل، وإن شاء ترك المفصل وقتل؛ لأن في إتلاف النفس
إتلاف الطّرف، فكان المقصود حاصلاً، بخلاف ما إذا كانت الجنايتان من رَجُلین فمات من
إحداهما دون الأخرى - أنه إن كان ذلك كله عمداً، فعلى صاحب النَّفس القصاص في النَّفس،
وعلى صاحب الجناية فيما دون النّفس القِصَاص في ذلك إن كان يستطاع، وإن كان لا يستطاع
فالأرش، وإن كان ذلك خطأ فعلى صاحب النّفس دية النّفس، وعلى صاحب الجراحة فيما
دون النفس أرش ذلك؛ وإن كان أحدهما عمداً والآخر خطأ، فعلى العامد القِصَاص وعلى
الخاطىء الأرش، ولا يدخل أحدهما في الآخر، سواء كان بعد البرء أو قبل البرء؛ ولأن
الجنايتين إذَا كَانَتَا من شخص واحدٍ يمكن جعلهما كجناية واحدة؛ كأنهما حَصَلاَ بضربةٍ
واحدة، وإذا كانتا من شخصين لا يمكن أن يجعلا كجناية واحدةٍ؛ لأن جعل فعل أحدهما فعل
الآخر لا يتصوّر، فلا بد أن نعتبر فعل كل واحدٍ منهما بانفراده، سواء برئت الجناية الأولى أو
لم تبرأ، على ما نبين إن شاء الله تعالى.
ولو قَطَعَ من رجلٍ نصف المفصل الأعلى من السّبابة، ثم [عاد فقطع](١) نصف المفصل
الباقي(٢) إن كان قَبْل البرء - يقتص منه، فيقطع منه المفصل كله؛ لأنه إذا كانَ قبل البرء صار
كأنه قطع المفصلين جميعاً بضربةٍ واحدةٍ، ولو كان كذلك يقتصَّ منه، ويقطع منه المفصل كله
كذا هذا.
وإن كان بعد البرء لا يقتصّ منه، وتجب حكومة العدل في كل نصف؛ لأنه لا يمكن
استيفاء القِصَاص من نصف المفصل، وليس له أرش مقدّر، فتجب حكومة العَذل؛ ولو قطع
من رجلٍ نصف المفصل الأعلى من السّبابة، ثم عاد فقطع المفصل الثاني، فإن كان قبل البرء
فلا قِصَاص عليه، وعليه القِصَاص في المفصل والحكومة في نِصْف المفصل؛ لأنه يصير كأنه
قطعهما دفعةً واحدة، ولو فعل ذلك لا قصاص عليه؛ لتعذَّر الاستيفاء بصفة المماثلة، فكان
عليه الأرش في المفصل، وحكومة العدل في نصف المفصل كذا هذا.
(١) في ط: قطع.
(٢) في أ: الثاني.

٤١١
کتاب الجنايات
١٥٢/٣
وإن كان بعد البرء يجب القِصَاص في المفصل، وحكومة العدل في نصف المفصل؛
لأنه/ إذا برىء الأول فقد استقرّ حكمه، والاستيفاء بصفة المماثلة ممكن، فثبت ولاية
الاسْتِيفَاء، فلا يمكن استيفاء القِصَاص في نصف المفصل، وليس له أرش مقدّر فتجب فيه
حُكُومة العدل.
ولو قطع من رجلٍ يمينه من المفصل، فاقتصّ منه، ثم إن أحدهما قطع من الاخر الذراع
من المرفق، فلا قصاص فيه وفيه حكومة العَدْل عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -.
وقال زفر - رحمه الله -: يجب القصاص؛ كذا ذكر القاضي الخلاف في شرحه مختصر
الطحاوي - رحمه الله -.
وذكر الكرخي - عليه الرحمة - الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما -.
وجه قول أبي يوسف وزفر: أن استيفاء القصاص على سبيل المُمَاثلة ممكن؛ لأن
المحلين اسْتَويا والمرفق مفصل، فكان المثل مَقْدُور الاستيفاء، فلا معنى للمصير إلى
الحکومة؛ کما لو قطع يد إنسان من مفصل الزند.
ولأبي حنيفة ومحمد: أن القِصَاص فيما دون النَّفس يعتمد المُسَاواة في الأرش؛ لأن ما
دون النفس يسلك به مَسْلك الأموال لما بينا، والمساواة في إتلاف الأموال معتبرة، ولهذا لا
يجري القِصَاص بين طرفي الذكر والأنثى والحر والعبد؛ لاختلاف الأرش، وههنا لا يعرف
التَّساوي في الأرش؛ لأن أرش الذراع حكومة العدل، وذلك يكون بالحرز والظن، فلا يعرف
التَّساوي بين أرشيهما؛ لأن قطع الكَفُ يوجب وهن السَّاعد وضعفه، وليس له أرْش مقدَّر،
وقيمة الوهن والضعف فيه لا تعرف إلا بالحرز والظن، فلا تعرف المماثلة بين أرشي
السَّاعدين، فيمتنع وجوب القِصَاص.
وعلى هذا الخِلاف إذا قطع يد رجل وفيها أضبع زائدة، وفي يد القاطع أصبع زائدة مثل
ذلك - أنه لا قصاص عند أبي حنيفة ومحمد، وفيهما حكومة العدل وعند أبي يوسف: يجب
القِصَاص، لوجود المساواة بين اليدين.
ولهما: أن الأصبع الزائدة في الكَفُ نقص فيها وعيب، وهو نقص يعرف بالحرز والظن،
فلا تعرف المُمَاثلة بين الكفَّين.
ولو قطع أصبعاً زائدة وفي يده مثلها؛ فلا قصاص عليه بالإجماع؛ لأن الأصبع الزائدة
في معنى التَّزلزل ولا قصاص في المتزلزل؛ ولأنها نقص ولا تعرف قيمة النُّقصان إلا بالحرز
والظن؛ ولأنه ليس لهما أرش مقدر، فلا تعرف المماثلة.
ولو قطع الكَفَّ التي فيها أصبع زائدة، فإن كانت تلك الأصبع توهن الكف وتنقصها

٤١٢
كتاب الجنايات
- فلا قِصَاص فيها، وإن كانت لا تنقصها ففيها القِصَاص، ولا قصاص بين الأشلين، كذا روى
الحسن عن أبي حنيفة، سواء كانت يد المقطوعة يده أقلهما شللاً أو أكثرهما أو هما سواء،
وهو قول أبي يوسف.
وقال زفر: إن كانا سواء ففيهما القِصَاص؛ وإن كانت يد المقطوعة يده أقلهما شللاً، كان
بالخيار إن شاء قَطَعَ يد القاطع وإن شاء ضمنه أرش يده شلاء، وإن كانت يد المقطوعة يده
أکثرهما شللاً فلا قِصَاص وله أرش يده.
والصحيح قولنا؛ لأن بعض الشَّلل في يديهما يوجب اختلاف أرشيهما، وذلك يعرف
بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة، وكذلك مَقْطُوع الإبهام كلها إذا قطع يداً مثل يده - لم يكن
بينهما قِصَاص في قول أبي حنيفة وابي يوسف؛ لأن قطع الإبهام يوهن الكَفّ ويسقط تقدير
الأرش؛ فلا يعرف إلا بالحرز والظن فلا تعرف المماثلة.
ولو قَطَع يد رجل ثم قتله، فإن كان بعد البرء لا تدخل اليد في النفس بلا خلاف،
والوليّ بالخيار إن شاء قطع يده ثم قتله، وإن شاء اكتفى بالقتل، وإن شَاءَ عفى عن النفس
وقطع يده؛ وإن كان قبل البرء فكذلك في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: تدخل اليد في
النفس، وله أن يقْتُله وليس له أن يقطع يده.
وجه قولهما: إن الجناية على ما دون النَّفس إذا لم يتّصل بها البرء - لا حكم لها مع
الجناية على النّفس في الشريعة، بل يَدْخُل ما دون النَّفس في النَّفس؛ كما إذا قطع يده خطأ ثم
قتله قبل البُزْء، حتى لا يجب عليه إلا دية النفس.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: حق المجني عليه في المثل، وذلك في القطع والقَثْل
والاستيفاء بصفة المماثلة ممكن، فإذا قطع المولى يَدَه ثم قتله كان مستوفياً للمثل، فيكون
الجزاء مثل الجِنَاية جزاء وفاقاً بخلاف الخطأ؛ لأن المثل هناك غير مستحقّ، بل المستحقّ غير
المثل؛ لأن المَال ليس بمثل النّفس، وكان ينبغي ألاَّ يجب أصلاً، إلا أن وجوبه ثبت معدولاً
به عن الأصل عند استقرار سبب الوجوب، فبقيت الزيادة حال عدم استقرار السَّبب لعدم البرء
مردودة إلى حكم الأصْلِ. والله تعالى أعلم.
هذا إذا كانا جميعاً عمداً، فإما إذا كانا جميعاً خطأً فإن كان بعد البرء لا يدخل ما دون
النَّفس في النفس، وتجب دية كاملة ونصف دية، تتحمله العاقل وتودّي في ثلاث سنين. في
السنة الأولى ثلثا الدية ثلث من الدية الكاملة وثلث من نصف الدية، وفي السنة الثانية نصف
٥٢/٣ ب الدية ثلث من الدية الكاملة وسدس من النصف، وفي السنة الثالثة ثلث الدية؛ لأن الدية/
الكاملة تؤدّي في ثلاث سنين، ونصْفَ الدية يؤدي في سنتين من الثَّلاث، وهذا يوجب أن

٤١٣
كتاب الجنايات
يكون قدر المؤدّي منهما، وإنما لم يدخل ما دون النّفس في النفس؛ لأن الأول لما برأ فقد
استقر حكمه، فكان الباقي جنايةً مبتدأة فيبتدأ بحكمها، وإن كان قبل البرء يدخل ما دون النَّفس
في النفس، وتجب دية واحدة، لأن حكم الأول لم يستقر وإن كان أحدهما عمداً والآخر
خطأ، لا يدخل ما دون النفس في النفس بل يعتبر كل واحد منهما بحكمه، سواء كان بعد البرء
أو قبله؛ لأن العمد مع الخطأ جنايتان مختلفتان، فلا يحتملان التداخل؛ فيعطى لكل واحد
منهما حكم نفسها، فيجب في العَمْد القِصَاص وفي الخطأ الأرش.
هذا كله إذا كان الجاني واحداً فقطع ثم قتل، فأما إذا كانا اثنين، فقطع أحدهما يده ثم
قتله الآخر - فلا يدخل ما دون النَّفس في النفس كيف كان بعد البرء أو قبله؛ لأن الأصل اعتبار
كل ◌ِنَاية بحيالها؛ لأن كل واحدٍ منهما جناية على حدةٍ، فكان الأصل عدم التَّداخل وإفراد كل
جناية بحكمها، إلا أن عند اتحاد الجاني وعدم البرء قد يجعلان كجناية وَاحِدَة؛ كأنهما حصلا
بضربةٍ واحدة تقديراً، ولا يمكن هذا التّقدير عند اختلاف الجاني؛ لاستحالة أن يكون فعلُ كل
واحد منهما فعلاً لصاحبه حقيقةً، فتعذر التَّقدير، فبقي فعل كل واحدٍ منهما جناية مفردة حقيقة
وتقديراً فيفرد حكمها، فإن كانتا جميعاً عمداً يجب القصاص على كل واحدٍ منهما من القطع
والقتل، وإن كانتا جميعاً خطأً يجب الدية عليهما؛ يتحمل عنهما عاقلتهما في القَطْع والقتل،
وإن كان أحدهما عمداً والآخر خطأ يجب القِصَاص في العَمْد والأرش في الخطأ.
ولو قطع أصبع يد رجل عمداً وقطع آخر يده من الزَّند فمات - فالقصاص على الثاني في
قول أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -:
وقال زفر - رحمه الله -: عليهما جميعاً؛ وبه أخذ الشافعي.
وجه قول زفر: أن السّراية باعتبار الألم، والقطع الأول اتصل ألمه بالنفس، وتكامل
بالثاني، فكانت السّراية مضافةً إلى الفعلين، فيجب القِصَاص عليهما.
ولنا: أن السراية باعتبار الآلام المترادفة التي لا تتحمَّلها النفس إلى أن يموت، وقطع اليد
يمنع وُصُول الألم من الأصبع إلى النفس، فكان قطعاً للسراية، فبقيت السّراية مضافةً إلى قطع
اليد؛ وصار كما لو قطع الأصبع فبرئت ثم قطع آخر يده فمات، وهناك القِصَاص على الثاني
كذا هذا؛ بل أولى لأن القطع في المنع من الأثر؛ وهو وصول الألم إلى النّفْس فوق البُزْء؛ إذ
البرء يحتمل الانتقاص والقَطْع لا يحتمل، ثم زوال الأثر بالبرء يقطع السراية، فزواله بالقطع
كان أولى وأحری.
ولو جنى على ما دون النَّفس فسرى، فالسراية لا تَخْلو إما إن كانت إلى النَّفْس، وإما إن
كانت إلى عضو آخر؛ فإن كانت إلى النفس فالجاني لا يَخْلُو إما إن كان متعدياً في الجناية وإما
إن لم يكن؛ فإن كان متعدياً في الجناية والجناية بحديد أو بخشبة، تعمل عمل السّلاح فمات

٤١٤
کتاب الجنايات
من ذلك، فعليه القِصَاص، سواء كانت الجِنَاية مما توجب القِصَاص لو برئت أو لا توجب؛
كما إذا قطع يد إنْسَان من الزند أو من الساعد أو شجَّة موضّحة أو آمة أو جائفة، أو أبان طرفاً
من أطرافه أو جرحه جراحةً مطلقة فمات من ذلك - فعليه القصاص؛ لأنه لما سرى بطل حكم
ما دون النفس، وتبين أنه وقع قتلاً من حين وجوده؛ وللولي أن يقتله وليس له أن يفعل به مثل
ما فعل، حتى لو كان قطع يده ليس له أن يقطع يده عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله -: أنه
يفعل به مثل ما فعل، فإن مات من ذلك وإلا قتله. وكذلك إذا قطع رجل يد رجل ورجليه
فمات من ذلك - تحز رقبته عندنا، وعنده: يفعل به مثل ما فعل، وقد ذكرنا المسألة فيما
تقدم .
ولو قطع يده فعفا المقطوع عن القَطْع ثم سرى إلى النفس ومات؛ فإن عفا عن الجناية أو
عن القطع وما يحدث منه، أو الجراحة وما يحدث منها - فهو عن النفس بالإجماع، وإن عفا
عن القَطْع أو الجراحة ولم يقل: وما يحدث منها - لا يكون عفواً عن النفس، وعلى القاطع دية
النَّفس في ماله في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وفي قولهما: يكون عفواً عن النفس ولا
شيء عليه، والمسألة بأخواتها قد مرَّت في مسائل العفو عن القصَاص في النفس.
ولو كان له على رَجُل قِصَاص في النّفس، فقطع يده ثم عفا عن النفس وبرأت اليد
- ضمن دية اليد في قول أبي حنيفة .
وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه.
وجه قولما: إن نَفْس القاتل بالقَتْل صارت حقًّا لولي القتيل، والنفس اسم لجملة
الأجزاء، فإذا قطع يده فقد اسْتَوفى حق نفسه، فلا يضمن؛ ولهذا لو قطع يده ثم قتله لا يجب
عليه ضَمَان اليد، ولو لم تكن اليد حقّه لوجوب(١) الضمان عليه ــ دل أنه بالقَطْع استوفى حقّ
نفسه، فبعد ذلك إن/ عفا عن النفس فالعفو ينصرف إلى القَائِم لا إلى المسْتَوفي؛ كمن استوفى
بعض ديته ثم أبرأ الغريم - أن الإبراء ينصرف إلى ما بقي لا إلى المستوفى؛ كذا هذا.
٣/ ١٥٣
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن حق من له القصاص في الفِعْل، وهو القتل لا في
المحل وهو النفس، أو يقال: حقه في النفس لكن في [حق] (٢) القتل لا في حق القطع؛ لأن
حقه في المثل والموجود منه القَتْل لا القطع، ومثل القتل هو القتل، فكان أجنبيًّا عن اليد، فإذا
قطع اليد فقد اسْتَوفى ما ليس بحقّ له وهو متقوم فيضمن، وكان القياس أن يجب القِصَاص،
إلا أنه سقط للشُّبهة فتجب الدية؛ إلا أنه إذا قطع اليد ثم قَتَله، لا يجب عليه ضمان اليد، وإن
كان متعدياً في القطع مسيئاً فيه؛ لأنه لا قيمة لها مع إتلاف النَّفْس بالقِصاص فلا يضمن؛ كما
(١) في ط: لوجب.
(٢) سقط من ط.

٤١٥
كتاب الجنايات
لو قطع يد مرتدّ أنه لا يضمن وإن كان متعدياً في القَطْع لما قلنا؛ كذا هذا؛ ولأنه كان مخيراً
بين القصاص وبين العفو؛ فإذا عَفَا استند العفو إلى الأصل؛ كأنه عفا ثم قطع، فكان القطع
استيفاء غير حقّه فيَضْمنَ.
هذا إذا كان متعدياً في الجناية على ما دون النَّفس، فأما إذا لم يكن متعدياً فيها فلا يجب
القِصَاص للشبهة، وتجب الدِّية في بعضها ولا تجب في البعض.
وبيان ذلك في مسائل:
إذا قطع يد رجل عمداً حتى وجب عليه القِصَاص، فقطع الرجل يده فمات من ذلك
- ضمن الدِّية في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وفي قولهما: لا شيء عليه.
ولو قطع الإمام يد السارق فمات منه، لا ضَمَان على الإمام، ولا على بيت المال
وكذلك الفصاد(١) والبزاغ(٢) والحجام إذا سَرَت جراحاتهم، لا ضمان عليهم بالإجماع.
وجه قولهما: إن الموت حصل بفعل مأذون فيه وهو القَطْع، فلا يكون مضموناً؛ كالإمام
إذا قطع يد السارق فمات منه.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه استوفى غير حقه؛ لأن حقّه في القَطْع وهو أتى
بالقتل، لأن القتل اسم لفعل يؤثر في فوات الحياة عادةً وقد وجد فيضمن؛ كما إذا قطع يد
إنسان ظلماً فسرى إلى النفس، وكان القِيَاس أن يجب القِصَاص، إلا أنه سقط للشّبهة فتجب
الدية .
وهكذا نقول في الإمام: أن فعله وقع قتلاً إلا أنه لا سبيل إلى إيجاب الضَّمان للضرورة؛
لأن إقامة الحدّ مستحقة عليه والتحرز عن السِّراية ليس في وسعه، فلو أوجبنا الضمان لامتنع
الأئمة عن الإقامة خوفاً عن لُزُوم الضَّمان، وفيه تَعْطِيل الحدود، والقطع ليس بمستحقّ على من
له القِصَاص، بل هو مخير فيه، والأولى هو العَفْو، ولا ضرورة إلى إسقاط الضمان بعد وُجود
سببه .
ولو ضَرَب امرأته للنُّشوز فماتت منه يَضْمن؛ لأن المأذون فيه هو التأديب لا القتل ولما
اتصل به الموت تبين أنه وقع قتلاً.
(١) الفَصَّادُ: هو من يفصد المريض، أي: يخرج مقداراً من دم وريده بقصد العلاج. المعجم الوسيط
(فصد).
(٢) البَزَّاغُ: هو من يشرط جلد المريض ليسيل دمه؛ علاجاً له. المعجم الوسيط (بزغ).

٤١٦
كتاب الجنايات
ولو ضرب الأب أو الوصي الصبي للتأديب فمات - ضمن في قول أبي حنيفة - رضي الله
عنه، وفي قولهما: لا يضمن.
وجه قولهما: إن الأب والوصي مأذُونَان في تأديب الصَّبي وتهذيبه، والمتولد من الفعل
المأْذُون فيه لا يكون مضموناً؛ كما لو عزر الإمام إنساناً فمات.
وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه: أن التأديب اسم لفعل يبقى المؤدب حياً بعده، فإذا
سرى تبين أنه قتل وليس بتأديب، وهما غير مأذونين في القَتْل. ولو ضربه المعلم أو الأستاذ
فمات؛ إن كان الضرب بغير أمر الأب أو الوصي يضمن؛ لأنه متعدّ في الضَّرب، والمتولد منه
يكون مضموناً عليه، وإن كان بإذنه لا يضمن للضَّرورة؛ لأن المعلم إذا علم أنه يلزمه الضَّمان
بالسراية، وليس في وسعه التَّحرز عنها يمتنع عن التَّعليم، فكان في التَّضْمين سد باب التّعليم،
وبالناس حاجة إلى ذلك، فسقط اعتبار السَّراية في حقه لهذه الضَّرورة، وهذه الضرورة لم
توجد في الأب؛ لأن لزوم الضَّمان لا يمنعه عن التأديب؛ لفرط شفقته على ولده، فلا يَسْقط
اعتبار السّراية من غير ضَرْورة.
ولو قطع يد مرتد؛ فأسلم ثم مات - فلا شيء على القَاطع؛ وهذا يؤيد مذهب أبي حنيفة
- رضي الله عنه - في اعتبار وقت الفِعْل.
والأصل في هذا: أن الجناية إذ وَرَدَت على ما ليْس بمضمونٍ، فالسراية لا تكون
مضمونةً؛ لأنه الضَّمان يجب بالفِعْل السابق، والفعل صَادَف محلاً غير مضْمُون؛ وكذلك لو
قطعٍ يد حربي ثم أسلم ثم مات من القَطْع - أنه لا شيء على القَاطِع؛ لأن الجناية وردت على
محلٌ غير مضمون، فلا تكون مضمونة، وهكذا لو قطع يد عبده ثم أعتقه ثم مات - لم يضمن
السِّراية، لأن يد العَبْد غير مضمونة في حقه .
ولو قَطَع يده وهو مسلم، ثم ارتد - والعياذ بالله - ثم مات - فعلى القاطع دية اليد لا
غير؛ لأنه أبطل عِصْمَة نفسه بالردة، فصارت الردة بمنزلة الإبراء عن السّراية، ولو رجع إلى
الإسلام ثم مات، فعلى القَاطِع دية النفس في قولهما، وعند محمد: عليه دية اليد لا غير.
وجه قوله: على نحو ما ذكرنا أنه لما ارتد فكأنه أبرأ القَاطِع عن السّراية .
وجه قولهما: إن الجناية يتعلق حكمها بالابتداء أو بالانتهاء؛ وما بينهما لا يتعلق به
٥٣/٣ب حكم، والمحل ههنا مضْمُون في الحالين، فكانت/ الجناية مضْمُونة فيهما؛ فلا تعتبر الردّة
العَارِضة فيما بينهما.
وأما قول محمد: الردة بمنزلة البراءة فنعم، لكن بشرط الموت عليها؛ لأن حكم الردّة
موقوف على الإسلام والموت، وقد كانت الجناية مضْمُونة، فوقف حكم السراية أيضاً؛

٤١٧
كتاب الجنايات
وكذلك لو لحق بدار الحرب ولم يقْض القَاضي بلحوقه؛ ثم رجع إليا مسلماً ثم مات من القطع
- فهو على هذا الخِلاف.
وإن كان القَاضِي قضى بلحوقه، ثم عاد مسلماً ثم مات من القَطْع - فعلى القَاطع دية يده
لا غير بالإجماع، لأن لحوقه بدار الحَزْب يقطع حقوقه، بدليل أنه يقسم ماله بين ورثته بعد
اللحوق، ولا يقسم قَبْله، فصار كالإبْرَاء عن الجِنَاية.
ولو قطع يد عبد خطأ، فأعتقه مولاه ثم مات منها - فلا شَيْء على القاطع غير أرش
اليد، وعتقه كبرء اليد؛ لأن السّراية لو كانت مَضْمُونة على الجَانِي، فإما أن تكون مضمونة عليه
للمولى وإما أن تكون مضمونة عليه للعَبْد، لا سبيل إلى الأول؛ لأن المولى ليس بمَالِكِ له بعد
العتق، ولا وجه للثّاني؛ لما ذكرنا أن السراية تكون تابعة للجناية، فالجناية لما لم تكن مضمونة
للعبد لا تكون سَرايتها مضْمُونة له؛ ولهذا قلنا: إذا باعه المولى بعد القَطْع سقط حكم السراية،
وليس قطع اليد في هذا مثل الرَّمي في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، حيث أوجب عليه بالرمي
القيمة، وإن أعتقه المولى ولم يوجب في القَطْع إلا أرش اليَدِ؛ لما ذكرنا أن الرمي سبب
الإصابة لا محالة، فصار جانياً به وقت الرمي، فأما القطَع فليس بمُوجب للسّراية لا محالة،
والله تعالى أعلم.
وإن كان قطع يد العبد عمداً، فأعتقه مولاه ثم مات العبد - ينظر إن كان المولى هو وارثه
لا وَارث له غيره، فله أن يقتل الجَانِي في قَوْلهما خلافاً لمحمد، وقد مرت المسألة.
وإن كان له وارث غيره يحجبه عن ميراثه، ويدخل معه في مِيرَاثه - فلا قصاص؛ لاشتباه
الوليّ على ما مر.
ولو لم يعتقه بعد القَطْع ولكنه دبره، أو كانت أمَةً فاستولدها - فإنه لا تنقطع السراية،
ويجب نصف القيمة ويجب ما نقص بعد الجِنَاية قبل المَوْت، هذا إذا كان خطأ وإن كان عمداً
فللمولى أن يقتصّ بالإجماع؛ ولو كاتبه والمسألة بحالها، فبالكتابة برىء عن السّراية، فيجب
نصف القيمة للمَوْلى، فإذا مات وكان خطأ لا يَجِب عليه شيء آخر، وإن كان عمداً فإن كان
عاجزاً فللمولى أن يقتص؛ لأنه مات عبداً، وإن مات عن وفاء فقد مات حرًّا فينظر إن كان له
وارث يحجب المولى أو يشاركه، فلا قصاص عليه ويجب عليه أرش اليد لا غير؛ وإن لم يكن
له وارث غير المولى، فللمولى أن يقتَصَّ عندهما، وعند محمد - رحمه الله -: ليس له أن
يقتص، وعليه أرش اليد لا غير.
وإن كان القَطْع بعد الكِتابة فمات، وكان القطع خطأً أو مات عاجزاً - فالقيمة للمولى؛
وإن مات عن وفاء، فالقِيمة للورثة وإن كان عمداً، فإن مات عاجزاً فللمولى أن يقتصَّ، وإن
مَات عن وفاء مات حرًّا، ثم ينْظَر إن كان مع المولى وارث يحجبه أو يُشَاركه في الميراث، فلا
بدائع الصنائع ج١٠ - م٢٧

٤١٨
كتاب الجنايات
قِصَاص؛ وإن لم يكن له وارث غير المولى، فعلى الاختلاف الذي ذكرنا، والله تعالى أعلم.
هذا إذا كانت السّراية إلى النّفس، فأما إذا كانت إلى العُضو، فالأصل أن الجناية إذا
حَصَلت في عضوٍ فَسَرِت إلى عضو آخر، والعُضو الثاني لا قصاص فيه - فلا قصاص في الأول
أيضاً، وهذا الأصل يطّرد على أصل أبي حنيفة - عليه الرحمة - في مسائل.
إذا قطع أصبعاً من يد رجل فشلّت الگفّ، فلا قصاص فيهما، وعليه دية اليد بلا خِلافٍ
بين أصحابنا - رحمهم الله -؛ لأن المؤْجُود من القَاطِع قطع مثل للكفّ ولا يقدر المقْطُوع على
مثله، فلم يكن المثل ممكن الاسْتِيفاء، فلا يجب القصاص؛ ولأن الجناية وَاحِدة فلا يجب بها
ضَمَانَان مختلفان، وهو القصاص والمال خصوصاً عند اتحاد المحل؛ لأن الكف مع الأصبع
بمنزلة عُضو واحد؛ وكذا إذا قطع مفصلاً من أُصبع فشل ما بقي، أو شلَّت الكَفُّ لما قلنا.
فإن قال المقطوع: أنا أقطع المفصل وأترك ما يبس، ليس له ذلك؛ لأن الجِنَاية وقعت
غير موجبة للقِصَاص من الأصل لعدم إمكان الاسْتِيفَاء على وجه المماثلة على ما بينا، فكان
الاقتصار على البَغْض استيفاء ما لا حق له فيه، فيمنع من ذلك؛ كما لو شجه منقلة، فقال
المشجوج: أنا أشجه موضّحة وأترك أزش ما زاد - لم يكن له ذلك؛ وكذلك إذا كسر بعض
سن إنسان واسودَّ ما بقي - فليس في شيء من ذلك قصاص؛ لأن قصاصه هو كسر مسود
للباقي، وذلك غير ممكن؛ ولأن الجناية واحِدة فلا توجب ضَمَانين مختلفين.
ولو قطع أصبعاً فشلت إلى جنبها أخرى، فلا قِصَاص في شيء من ذلك في قول أبي
حنيفة - رضي الله عنه -، وعليه دية الأصبعين.
وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن: في الأول لا قِصَاص؛ وفي الثاني الأرش.
وجه قولهم: إن المحل متعدد، والفعل يتعدَّد بتعدد المحل حكماً وإن كان متحدّاً حقيقة
لتعدد أثره، وههنا تعدد الأثر فيجعل فِعْلين، فيفرد كل واحدٍ منهما بحكمه/، فيجب القِصَاص
في الأول والدِّية في الثاني؛ كما لو قطع أصبع إنسان فانسلَّ السكين إلى أصبع أخرى خطأ
فَقَطَعها، حتى يجب القِصَاص في الأول والدية في الثاني؛ وكما لو رمى سهماً إلى إنسان
فَأَصابه ونفذ منه، وأصاب آخر حتى يجب القصاص في الاول والدية في الثاني؛ لما قلنا
وكذلك هذا؛ وإذا تعدَّدت الجناية، تفرد كل واحدةٍ منهما بحكمها، فيجب القِصَاص في الأولى
والأرش في الثانية .
وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: ما ذكرنا أن المستحقّ فيما دُون النّفس هو
المثل، والمثل وهو القطع المثل ههنا غير مقْدُور الاستيفاء، فلا يثبت الاستحقاق؛ ولأن
الجناية متّحدة حقيقة وهي قطع الأصبع، وقد تعلق به ضَمَان المال فلا يتعلق به ضَمَان
١٥٤/٣

٤١٩
کتاب الجنايات
القِصَاص، بخلاف ما إذا قطع أصبعاً عمداً فنفذ السكين إلى أخرى خطأ؛ لأن الموجود هناك
فِعْلان حقيقة، فجاز أن يفرد كل واحد منهما بحكم، وفي مسألة الرمي جعل الفعل المتَّحد
حقيقة متعدداً شرعاً بخلاف الحقيقة، ومن ادَّعى خلاف الحقيقة ههنا يحتاج إلى الدليل.
ولو قطع أصبعاً فسقطت إلى جنبها أخرى، فلا قِصَاص في شيء من ذلك في قول أبي
حنيفة - رضي الله عنه، وعندهما في ظاهر الرواية عنهما: يجب في الأول القِصَاص وفي الثاني
الأرش.
وفي رواية: ابن سماعة عن محمد: أنه يجب القِصَاص فيهما. لأن من أصله على هذه
الرواية أن الجراحة التي فيها القصاص إذا تولد منها ما يمكن فيه القِصَاص يجب القِصَاص فيهما
جميعاً وههنا يمكن، وفيما إذا قطع أصبعا فشلّت أخرى بجنبها لا يُمْكن، فوجب القِصَاص في
الأولى والأرش في الثانية.
وجه ظاهر قولهما: على نحو ما ذكرنا فيما تقدم أن المحل متعدّد، وأنه يوجب تعدد
الفعل عند تعدد الأثر، وقد وجد ههنا فيجعل كجِنَايتين مختلفتين، فيتعلق بكل واحدةٍ منهما
حکمها .
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه لا سبيل إلى استيفاء القِصَاص على وجه المماثلة؛
لأن ذلك هو القَطْع المسقط للأصبع وذلك غير ممكن؛ ولأن الجِنَاية واحدة حقيقة، فلا توجب
إلا ضماناً واحداً، وقد وجب المال فلا يَجِب القِصَاص.
ولو قطع أصبع رجل عمداً فسقطت الكَفّ من المّفْصل - فلا قصاص في ذلك في قول
أبي حنيفة - رحمه الله -، وفيه دية اليد؛ لأن استيفاء المثل وهو القطع المسقط للكفّ متعذر؛
فيمتنع الوجوب؛ ولأن الكفّ مع الأصبع كعضوٍ واحد، فكانت الجناية واحدةً حقيقة وحكماً،
وقد تعلق بهما ضمان المَالِ؛ فلا يتعلق بهما القِصَاص.
وقال أبو يوسف: يقتص منه فتقطع يده من المفصل؛ فرق أبو يوسف بين هذا وبين ما
إذا قطع أصبعاً فسقطت أخرى إلى جنبها - أنه لا يجب القصاص في الثانية؛ لأن الأصبع جزء
من الكَفِّ، والسراية تتحقق من الجزء إلى الجملة كما تتحقق من اليَدِ إلى النفس والأصبعان
عُضْوان مفردان ليس أحدهما جزء الآخر، فلا تتحقق السّراية من أحدهما إلى الآخر، فوجب
القِصَاص في الأولى دون الثانية .
وعلى ما روى محمد - رحمه الله - في ((النوادر)): يجب القصاص ههنا أيضاً كما قال أبو
يوسف - رحمه الله -، لأنه جناية واحدة، وقد سَرَت إلى ما يمكن القِصَاص فيه، فيجعل كأنه
قطع الكف من الزّند.
ولو كسر بعض سن إنسان فسقطت، لا قِصَاص فيه في قَوْل أبي حنيفة - عليه الرحمة -؛
لأنه لا يمكن الاقتصاص بكسر مسقط للسن.

٤٢٠
کتاب الجنايات
وقال أبو يوسف: يجب القِصَاص؛ كما قال في الأصبع إذا قطعت فسقطت منها الكفّ؛
وكذلك عند محمد يجب القِصَاص على رواية ((النوادر)) لما ذكرنا من أصله.
وكذلك لو ضرب سن إنسان فتكسّر بعضها وتحرك البَاقِي، واستوفى حولاً أنها إن
اسودت فلا قِصَاص فيها؛ لتعذر استيفاء المثل وهو الكَسْر المسود. وإن سقطت فكَذَلك في
قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وفيها الأرش؛ لعدم إمكان استيفاء المثل وهو الكَسْر المسقط
فيجب فيها الأزش.
وقال أبو يوسف: فيها القِصَاص كما قال في الأصبع إذا قطعت [فسقطت](١) الكف.
ولو شج إنساناً موضّحة متعمداً، فذهب منها بصره - فلا قِصَاص في قول أبي حنيفة،
وفيها وفي البصر الأرش، وقالا في الموضحة القِصَاص وفي البصر الدية، هذه رواية الجامع
الصَّغير عن محمد؛ وروى ابن سماعه في نوادره عنه: أن فيهما جميعاً القِصَاص.
وَجْه هذه الرواية: أنه تولّد من جِنَاية العمد إلى عضوٍ يمكن فيه القِصَاص، فيجب فيه
القِصَاص، كما إذا سرى إلى النَّفس.
وجه ظاهر قولهما: إن تلف البَصَر حصل من طريق التَّسبيب لا من طريق السراية؛ بدليل
أن الشجّة تبقى بعد ذَهَاب البصر، وحدوث السراية يوجب تغير الجِنَاية؛ كالقطع إذَا سَرَى إلى
النَّفس - أنه لا يبقى قطعاً بل يصير قتلاً، وهنا الشجة لم تتغير، بل بقيت شجَّة كما كانت، فدل
أن ذهاب البَصَر ليس من طريق السراية بل من طريق التَّسبيب، والجِنَاية بطريق التَّسبيب لا
تُوجِب القِصَاص؛ كما في حفر البئر ونحو ذلك.
٣/ ٥٤ب
ولو ذَهَبت عيناه ولسانه وسَمْعه وجماعه - فلا قِصَاص في شيء من ذلك على أصل أبي/
حنيفة - رضي الله عنه - وعلى قولهما: في الموضحة القصاص، ولا قصاص في العينين في
ظَاهِر قَوْلهما، بل فيهما الأرش.
وعلى رواية ((النوادر)) عن محمد فيهما القصاص دون اللسان والسمع والجماع؛ لأنه لا
يمكن فيهما القِصَاص؛ إذ لا قِصَاص في ذَهَاب منفعة اللسان والسَّمع والجماع في الشَّرع، وفي
ذهاب البصر قِصَاص في الشريعة.
ولو ضربه بعصا فأوضحه، ثم عاد فَضَربه أخرى إلى جنبها ثم تآكلتا حتى صارت واحدة
- فهما موضحتان ولا قِصَاص فيهما.
(١) سقط من ط.
Bada'i' al-Sana'i' fi Tartib al-Shara'i' — pages 401-420 | ScribeTools Library