Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ کتاب الجنايات الدَّعاوى، وكذا وجوب الدية معها؛ لأن اليمين في الشّرع جعلت دافعة للاستحقاق بنفسها كما في سَائِرِ الدعاوى؛ إلا أنا عرفنا ذلك بالنُّصوص والإجماع في بني آدم خاصَّة، فبقي الأمر فيما وراءهم على الأصْل؛ ولهذا لم تجب القَسَامة والغرامة في سائر الأموال؛ كذا في البهائم. وتجب في العَبْد القَسَامة والقيمة إذا وجد قتيلاً في غيرِ ملك صاحبه؛ لأنه آدمي من كل وَجْهِ؛ ولهذا يجب فيه القِصَاص في العمد والكَفَّارة في الخَطأَ، وتغرم العاقلة قيمته في الخطأ، وهذا على أصلهما . فأما على أصل أبي يوسف. فلا قسامة فيه ولا دية؛ لأن العَبْد عنده مضمونٌ بالخطأ من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي؛ ولهذا قال: تجب قيمته في القَتْل الخطأ بالغة ما بلغت ولا تتحمل العاقلة فكان بمنزلة البهيمة وكذا الجواب في المدبّر وأم الولد والمكاتب والمأذون لما قلنا، وسواء كان القتيل مسلماً أو ذمياً، عاقلاً أو مجنوناً، بالغاً أو صبياً، ذكراً أو أنثى؛ لأنه عليه الصلاة والسلام - أطلق القضيَّة بالقَسَامَة والدية في مطلق قَتِيل أخبر به في بعض الأحاديث ولم يستفسر، ولو كان الحكم يخْتَلف لاستفسر؛ ولأن دم هؤلاء مَضْمُون بالقِصَاص والدية في العَمْد والخطأ فيكون مضموناً بالقَسَامة والدية، وسواء وجد المسلم قتيلاً في محلة المسلمين أو في محلّة أهل الذمة؛ لأن عبد الله بن سَهْل الأنصاري - رضي الله عنه - وجد قتيلاً في قليب من قليب خيبر، وأوجب رسول الله - رَ﴿ - القِسَامَة على اليهود؛ وكذا الذمي. لأن لهم ما للمُسِلمِين وعليهم ما عليهم، إلا ما خص(١) بدليلٍ. ومنها الدعوى من أولياء القَتِيل؛ لأن القَسَامة يمين، واليمين لا تجب بدون الدَّعوى كما في سائر الدَّعاوى، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها: إنكار المدعى عليه؛ لأن اليمين وظيفة المنكر، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَتْكَرَ))(٢) جعل ◌ِنْس اليمين على المُنكر، فينفي وجُوبها على غير المُنْكر. ومنها المطالبة بالقَسَامة؛ لأن اليمين حقّ المدَّعي، وحق الإنسان يوفي عند طلبه كما في سائر الأيْمَان؛ ولهذا كان الاخْتِيَار في حال القَسَامة إلى أولياء القتيل؛ لأن الأيْمَان حقهم، فلهم أن يخْتَاروا من يتَّهمونه، ويستحلفون صالحي العَشِيرة الذين يعلمون أنهم لا يحلفون كذباً. ولو طولب من عليه القَسَامة بها فنكل عن اليمين، حبس حتى يحلف أو يقر؛ لأن اليمين في باب القَسَامة حق مقصود بنفسه، لا أنه وسيلة إلى المقْصُود وهو الدية؛ بدليل أنه يجمع بينه وبين الدية؛ ولهذا قال الحارث بن الأزمع لسيدنا عمر - رضي الله عنه -: أنبذل أيماننا وأموالنا؟ فقال: نعم. (١) في ط: نص. (٢) تقدم. ٣٨٢ کتاب الجنايات وروي أن الحارث قال: أما تجزى هَذِه عن هذه؟ فقال لا . وروي أنه قال: فبم يبطل دم صَاحبكم؟ فإذا كانت مقْصُودة بنفسها فمن امتنع عن أداءِ حق / مقْصُود بنفسه وهو قادر على الأداء يجبر عليه بالحَبْس؛ كمن امتنع عن قضاء دين عليه مع القدرة على القضاء، بخلاف اليمين في سائر الحقوق؛ فإنها ليست مقصودة بنفسها بل هي وسيلة إلى المقْصُود وهو المال المدعي. ألا ترى أنه لا يجمع بينهما، بل إذا حلف المدعى عليه برىء، أو لا ترى أنه إذا لم يحلف المدعى عليه ولم يقرّ وبذل المال - لا يلزمه شيء، وههنا لو لم يخلِفُوا ولم يقرؤوا وبذَلُوا الدية لا تَسْقُط عنهم القسامة، فدل أنها مقصودة بنفسها فيجبرون عليها بالحبس. وروي عن أبي يوسف: أنهم لا يحبسون والدِّية على العَاقلة. ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوي - رحمه الله -، وذكر فيه أيضاً: أن الإمام إذا أيس عن الحَلْف وسأله الأولياء أن يغرمهم الدية - يقضي عليهم بالدِّية، والله تعالى أعلم. ومنها: أن يكون الموضع الذي وجد فيه القَتِيل ملكاً لأحد أو في يد أحدٍ، فإن لم يكن ملكاً لأحد ولا في يد أحد أصلاً - فلا قَسَامة فيه ولا دية، وإن كان في يد أحد، يد العموم لا يد الخُصُوص؛ وهو أن يكون التصرّف فيه لعامة المسلمين لا لواحد منهم ولا لجماعة يحصون - لا تجب القَسَامة وتجب الدِّية، وإنما كان كذلك لأن القَسَامة أو الدية إنما تَجِبُ بترك الحفظ اللاّزم على ما نذكر، فإذا لم يكن ملك أحدٍ ولا في يد أحد أصلاً، لا يلزم أحداً حفطه، فلا تجب القَسَامة والدية، وإذا كان في يد العَامَّة فحفظه على العامة، لكن لا سبيل إلى إيجاب القَسَامة على الكلِّ، لتعذر الاستيفاء من الكلِّ وأمكن إيجاب الدية على الكل؛ لإمكان الاستيفاء منهم بالأخذ من بيت المال؛ لأن مَالَ بيت المال مالهم، فكان الأخذ من بيت المَالِ استيفاء منهم. وعلى هذا يخرج ما إذا وجد القتيل في فَلاَة من الأرض ليس بملك لأحدٍ - أنه لا قَسَامة فيه ولا دية، إذا كان بحَيْث لا يسمع الصَّوت من الأمْصار ولا من قرية من القرى؛ فإن كان بحيث يسمع الصوت، تجب القَسَامة على أقرب المَواضع إليه، فإن كان أقرب إلى القُرَى فعلى أقرب القرى، وإن كان أقرب إلى المصر فعلى أقرب محال المصر إليه؛ لأنه إذا كان بحيث لا يسمع الصَّوت والغوث، لا يلحق ذلك الموضع، فلم يكن الموضع في يد أحدٍ، فلم يوجد القَتِيل في ملك أحد ولا في يد أحد أصلاً، فلا تجب فيه القَسَامة ولا الدية؛ وإذا كانت بحيث يسمع الصّوت والغوث، يلحق فكان من توابع أقرب المَوَاضع إليه؛ وقد ورد باعتبار القرب حديث عنه - عليه الصلاة والسلام -، وقضى به أيضاً سيدنا عمر - رضي الله عنه - على ما نذکر . ٤٥/٣ب ٣٨٣ کتاب الجنايات ولو وجد في نهرٍ عظيم كدجلة والفرات وسيحون ونحوها؛ فإن كان النهر يجري به، فلا قَسَامة ولا دية؛ لأن النَّهر العظيم ليس ملكاً لأحد ولا في يد أحد. وقال - زفر رحمه الله -: تجب على أقْرَب القُرَى من ذلك المَوْضع؛ كما إذا وجد على الدابَّة وهي تسير وليست في يدِ أحدٍ . وهذا القياس ليس بسديدٍ؛ لأن الموضع الذي تسير فيه الدَّابة تابع لأقرب المواضع إليه، فكان في يد أهله بخلاف النهر الكبير؛ فإنه لا يدخل تَحْتَ يد أحدٍ لا بالأصالة ولا بالتَّبعية. وإن كان النهر لا يجري به، ولكنه كان محتبساً في الشطّ أو مربوطاً على الشط أو ملقى على الشط؛ فإن كان الشط ملكاً فحكمه حُكْم الأرض المملوكة أو الدار المملوكة إذا وُجِد فيها قتيل، وسنذكره إن شاء الله تعالى؛ فإن لم يكن ملكاً لأحدٍ، فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقُرَى من حيث يسمع الصوت - القسامة والدية؛ لأنهم يسْتَقون منه المَاءَ ويوردون دوابهم، فكان لهم تصرُّف في الشَّط فكان الشط في أيديهم. وكذلك لو كان في الجزيرة، فعلى أقْرَب المواضع إلى الجَزِيرة من الأمْصَار والقرى من حيث يسمع الصوت - والقَسَامة والدية؛ لأن الجزيرة تكون في تصرُّفهم فكانت في أيديهم؛ وإن وجد في نهر صغيرٍ مما يقضى فيه بالشفعة للشُّركاء في الشرب، ففيه النَسَامة والدية على أهل النّهر؛ لأن النّهر مملوك لهم، وسواء كان القَتِيل محتبساً أو مربوطاً على الشط أو كان النهر يجري به، بخلاف النّهر الكبير؛ لأنه إذا كان ملكاً لأربابه كان المَوْضِع الذي يجري به مملوكاً لهم وليس كذلك النهر الكبير. ولا قَسَامة في قتيل يوجد في مَسْجد الجامع، ولا في شوارع العَامَّة، ولا في جسور العامة؛ لأنه لم يوجد المِلْك ولا يد الخُصُوص، وتجب الدية على بيت المال؛ لأن تدبير هذه المَواضع ومصْلَحتها إلى العامة، فكان حفظها عليهم، فإذا قصروا ضمنوا وبَيْت المال مالهم؛ فيؤخذ من بيت المال. وكذلك لا قَسَامة في قتيل [يوجد] (١) في سوق العَامَّة؛ وهي الأسواق التي ليست بمَمْلُوكة وهي سوق السلطان؛ لأنها إذا لم تَكُن مملوكة وليس لأحد عليها يد الخُصُوص، كانت كالشَّوارع العامة؛ لأن سُوق السُّلطان لعامة المسلمين، فلا تجب القَسَامة وتجب الدیةَ؛ ولأن/ حفظها والتَّدبير فيها إلى جماعة المسْلِمِين، فيضمنون بالتَّقصير، فبيت المال مال عامَّة المسلمین، فيؤخذ منه. (١) سقط من ط. ١٤٦/٣ ٣٨٤ کتاب الجنايات وكذا إذا وجد في مسجد جَمَاعتهم، لا قَسَامة والدية في بيت المال؛ لأنه لا ملك لأحدٍ فيه ولا يد الخُصُوص، ويد العموم توجب الدِّية لا القَسَامة لما بينا. فإن كان السوق ملكاً تجب القسامة والدية، لكن على من تَجِب؟ فيه اختلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ولا قَسَامة في قتيل يوجَد في السِّجن؛ لانعدام الملك ويد الخصوص؛ لأنه لا تصرُّف لأهل السِّجن في السجن، لكونهم مقْهُورين فيه، وتجب الدِّية على بيت المال؛ لأن يد العُمُومِ ثابتة عليه، ولأن منفعة السِّجن العامة المسلمين؛ لأنه بنى لاستيفاء حقوقهم ودفع الضَّرر عنهم، ويد العموم توجب الدية لا القَسَامة، وهذا قولهما. وقال أبو يوسف - رحمه الله - تجب القَسَامة والدِّية على أهل السّجن؛ لأن لهم ضرب تصرُّف في السجن، فكأن لهم يداً على السِّجن فعليهم حفظه . ومنها: ألاَّ يكون القَتِيل ملكاً لصاحب الملك الذي وجد فيه، فلا قَسَامة ولا دية في قن أو مدبّر أو أم ولد أو مكاتب أو مأذون وجد قتيلاً في دار مولاه؛ لأنه ملكه ووجوده في داره قتيلاً كمباشرة القَتْل منه، وقتل المملوك لا يتعلَّق به ضَمَان، إلا أن في المكاتب تجب على المولى قيمته؛ لأنه فيما يرجع إلى كسبه وأرش جنايته حر، فكان كسبه وأرشه له، والمولى فيه كالأجنبي ولا تعقله العاقلة؛ لأنه إذا صار مضموناً بعقد الكتابة، والعقد ثبت في حقّ المولى والمكاتب لا في حق العاقلة، وفي المأذون عليه قيمته لغرمائه إن كان عليه(١) دينٌ؛ لتعلق حق الغُرَماء بماليته، وقد استهلك حقّهم بالقتل باستهلاك محل الحق، فيجب عليه قيمته لغرمائه، وتكون حالة في ماله؛ لأن هذا ليس ضمان النَّفس؛ لأن نفسه ملك المولى، بل هذا ضمان المال لتعلُّق الغرماء بماليته، فكان هذا ضمان الاسْتِهلاك، فتكون في ماله حالة لا مؤجَّلة؛ وكما لو استهلكه بالإغْتَاق. وإن لم يكن عليه دين لا شيء فيه، وكذلك إن قتله عمداً؛ وكذلك لو كان العبد جنى جنايةً ثم وجد قتيلاً في دار مَوْلاَه - فعلى المولى قيمته حالة؛ وكذلك إن قتله خطأ وهو لا يعلم بجنايته لما قلنا . ولو وجد العبد الرَّهن قتيلاً في دار الرَّاهن أو المرتهن؛ فإن وجد قتيلاً في دار الرَّاهن، فلا قَسَامة والقيمة على رب الدَّار دون العاقلة؛ لأنه ملكه، وقتل الإنسان ملك نفسه لا يوجِبُ الضَّمان عليه، وإنما وَجَبَ الضَّمان بعقد الرَّهن، والعقد ثبت في حق الرَّاهن والمرتهن لا في حق العَاقِلَةَ، فلا يلزم حكمه العَاقلة؛ وإن وجد في دار المُرْتَهن، فالقَسَامة والقِيمَة على عاقلته؛ لأن هذا الضمَّان لا يجب بالعقد، وإنما يجب بالجناية؛ لأن وجوده في داره قتيلاً؛ كمباشرة القَتْل منه كعبد ليس برهن وجد في دارهِ قتيلاً، وثمة القسامة والقيمة عليه، كذا ههنا. (١) في ط: له . ٣٨٥ كتاب الجنايات وأما بيان سَبَب وجوب القَسَامة والدِّية فنقول: سبب وجُوبهما هو التَّقصير في النصرة، وحفظ الموضع الذي وجد فيه القَتِيل ممن وجب عليه النُّصرة والحفظ؛ لأنه إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القُدْرَة على الحِفْظ ــ صار مقصراً بترك الحفظ الوَاجِب، فيؤاخذ بالتَّقصير زجراً عن ذلك، وحملاً على تحصيل الواجب؛ وكل من كان أخصِّ بالنّصرة والحفظ، كان أولى بتحمل القَسَامة والدية؛ لأنه أولى بالحفظ فكان التَّقصير منه أبلغ، ولأنه إذا اختص بالموضع ملكاً أو يداً بالتصرُّف كانت منفعته له، فكانت النُّصرة عليه؛ إذ الخراج بالضَّمان على لسان رسول الله ◌َله . وقال تبارك وتعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أُكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولأن القَتيل إذا وجد في موضع اختص به واحد أو جماعة، إما بالملك أو باليد وهو التصرُّف فيه، فيتهمون أنهم قتلوه، فالشّرع ألزمهم القَسَامة دفعاً للتهمة والدية؛ لوجود القتيل بين أظهرهم. وإلى هذا المعنى أشار سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - حيثما قيل: [له](١) أنبذل أموالنا وأيماننا؟ فقال: أما أيمانكم فلحقن دمائكم، وأما أموالكم فلوجود القَتِيل بين أظْهُركم. وإذا عرف هذا فنقول: القَتِيل إذا وجد في المحلّة، فالقَسَامة والدية على أهل المحلّة؛ للأحاديث وإجماع الصَّحابة - رضي الله عنهم - على ما ذكرنا؛ ولأن حفظ المحلة عليهم، ونفع ولاية التصرُّف في المحلّة عائد إليهم، وهم المتهمون في قتله، فكانت القَسَامة والدية عليهم. وكذا إذا وجد في مسجد المحلّة أو في طريق المحلّة لما قلنا، فيحلف منهم خمسون، فإن لم يكمل العدد خَمْسِين رجلاً تكرّر الأيمان عليهم، حتى تكمل خمسين يميناً؛ لما روي عن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه حلف رجال القسامة، فكانوا تسعة وأربعين رجلاً، فأخذ منهم واحداً وكرر عليه اليمين حتى كملت خَمْسِين يميناً(٢)، وكان ذلك بمحضَر الصَّحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينقل أنه خالفه أحد فيكون إجماعاً؛ ولأن هذه الأيمان حق وليّ القتيل، فله أن/ يستوفيها ممن يمكن استيفاؤها منه، فإن أمكن الاستيفاء من عدد الرِّجال الخمسين استوفى، وإن لم يمكن يسْتَوفي عدد الأيمان التي هي حقه. ٤٦/٣ ب (١) سقط من ط. (٢) قال الزيلعي في نصب الراية (٣٩٥/٤): رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بنقص فقال: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن عبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي مليح أن عمر بن الخطاب رد عليهم الأيمان حتى وفوا. وروى عبد الرزاق في المصنف (٤٩/١٠) رقم (١٨٣٠٧) عن معمر عن أبي الزناد أن عمر بن الخطاب استحلف امرأة خمسين يميناً ثم جعلها دية. بدائع الصنائع ج١٠ - ٢٥٣ ٣٨٦ کتاب الجنايات وإن كان العدد كاملاً فأراد الوليُّ أن يكرر اليمين على بَعْضِهِم - ليس له ذلك - كذا ذكر محمد - رحمه الله؛ لأن موضوع هذه الأيْمَان على عدد الخَمْسِين في الأصل لا على واحد، وإنما التكرار على واحد لضرورة نُقْصَان العدد، ولا ضرورة عند الكَمَال. وإن كان في المحلّة قبائل شتى، فإن كان فيها أهل الخطّة والمشترون - فالقسامة والدية على أهل الخطّة ما بقي منهم واحدٌ في قول أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة وقال أبو يوسف - رحمة الله عليهم -: وعلى المُشْتَرين جميعاً. وجه قوله: إن الوجوب على أهل الخطّة باعتبار الملك، والملك ثابت للمشْتَرِين؛ ولهذا إذا لم يكن من أهل الخطّة أحد، كانت القسامة على المُشْترين. وجه قولهما: إن أهل الخطَّة أصول في الملك؛ لأن ابتداء المِلْك ثبت لهم، وإنما انتقل عنهم إلى المُشْترين، فكانوا أخص بنصرة المحلّة وحفظها من المشترين، فكانوا أولى بإيجاب القَسَامة والدية عليهم، وكان المشتري بينهم كالأجنبي، فما بقي واحدٌ منهم لا ينتقل إلى المشتري . وقيل: إن أبا حنيفة بنى الجراب على ما شاهد بالكرة، وكان تَدْبير أمر المحلة فيها إلى أهل الخطّة، وأبو يوسف رأى التدبير إلى الأشراف من أهل المحلة، كانوا من أهل الخطّة أو لا، فبنى الجواب على ذلك، فعلى هذا لم يكن بينهما خلاف في الحقيقة؛ لأن كل واحدٍ منهما عوَّل على معنى الحفظ والنصرة؛ فإن فقد أهل الخطة وكان في المحلّة ملاك وسكان - فالدية على الملاك لا على السُّكان عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: عليهم جميعاً . وله: ما روي أن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أوجب القَسَامة على أهل خيبر وكانوا سكاناً؛ ولأن للساكن اختصاصاً بالدار يداً كما أن للمالك اختصاصاً بها ملكاً، ويد الخصوص تكْفي لوجوب القَسَامة. وجه قولهما: إن المالك أخصّ بحفظ الموضع ونصرته من السُّكان؛ لأن اختصاصه اخْتِصَاص ملك، وأنه أقوى من اخْتِصاص اليد؛ ألا يرى أن السُّكان يسكنون زماناً ثم ينتقلون. وأما إيجاب القَسَامة على يهود خيبر فممنوعٌ أنهم كانوا سكاناً، بل كانوا ملاكاً؛ فإنه روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أقرَّهم على أملاكهم، ووضع الجزية على رؤوسهم، وما كان يؤخذ منهم كان يؤخذ على وجه الجَزْية لا على سبيل الأجرّة. ولو وجد قَتِيل في سفينة؛ فإن لم يكن معهم ركاب، فالقَسَامة والديةُ على أرباب السَّفينة وعلى من يمدّها ممن يمْلِكُها أو لا يملكها؛ وإن كان معهم فيها ركاب فعليهم جميعاً، وهذا في الظاهر يؤيد قول أبي يوسف في إيجابه القَسَامة والدِّية على الملأَّك والسكان جميعاً. ٣٨٧ كتاب الجنايات وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - يفرقان بين السَّفينة والمحلةَ؛ لأن السفينة تنقل وتحول من مكان إلى مكانٍ، فتعتبر فيها اليد دون الملك؛ كالدابة إذا وجد عليها قتيل، بخلاف الدار فإنها لا تحتمل النقل والتَّحويل، فيعتبر فيها الملك والتحويل ما أمكن لا اليد؛ وكذلك العجلة حكمها حكم السفينةَ؛ لأنها تنقل وتحول. ولو وجد القَتِيل معه رجل يحمله على ظهره، فعليه القَسَامة والدية؛ لأن القتيل في يده. ولو وجد جريح معه به رمق يحمله حتى أتى به أهله، فمكث يوماً أو يومين ثم مات - لا يضمن عند أبي يوسف. وقال أبو يوسف: وفي قياس قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: يضمن. وجه القياس: أن الحامل قد ثبتت يده عليه بجروحاً، فإذا مات من الجرح فكأنه مات في يده، وهذا تفريعٌ على من جرح في قبيلةٍ، فتحامل إلى قبيلة أخرى فمات فيهم، وقد ذكرناه فيما تقدم؛ وكذلك إذا كان على دابة ولها سائق أو قائد أو عليها راكب - فعليه القَسَامة والدية؛ لأنه في يده. وإن اجتمع السائق والقائد والراكب فعليهم جميعاً؛ لأن القتيل في أيديهم، فَصَار كأنه وجد في دارهم؛ وإن وجد على دابة لا سَائِقٍ لها ولا قائد ولا راكب عليها؛ فإن كان ذلك الموضع ملكاً لأحد، فالقسامة والدِّية على المالك، وإن كان لا مالك له فَعلى أقرب المواضع إليه من حيث يسمع الصّوت من الأمصار والقرى، وإن كان بحيث لا يسمع فهو هدر لما قلنا فيما تقدم، فإن وجدت الدَّابة في محلة فعلى أهل تلك المحلة؛ وكذلك إذا وجد في فلاة من الأرض؛ أنه ينظر إن كان ذلك المكان الذي وجد فيه ملكاً لإنسان، فالقَسَامة والدية عليه، وإن لم يكن له مالك فعلى أقْرَب المواضع إليه من الأمصار والقرى إذا كانت بِحَيْث يبلغ الصوت منها إليه، فإن كان بحيث لا يبلغ فهو هدر لما قلنا. وذكر في الأصل في قتيل وجد بين قريتين: أنه يضاف(١) إلى أقْرَبهما؛ لما رُوَي عَنْ أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ - رَضِيَ الله عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ - أَمَرَ بِأَنْ يُوَزَّعَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَهُمَا (٢)، وَكَذَا/ روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه في قتيل وجد بين وادعة (١) في أ: يقاس. (٢) رواه البيهقي في الكبرى (١٢٦/٨) كتاب القسامة، باب ما روي في القتيل يوجد بين قريتين ولا يصح والعقيلي في الضعفاء (٧٦/١) والطيالسي في مسنده كما في المنحة (٢٩٦/١) رقم (١٥٠١) وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٣٩٦/٤) إلى إسحاق بن راهويه والبزار في مسنديهما وابن عدي في الكامل كلهم من طريق أبي إسرائيل الملائي عن عطية عن أبي سعيد الخدري أن قتيلاً وجد بين حيين فأمر = ١٤٧/٣ ٣٨٨ کتاب الجنايات وأرحب، وكتب إليه عامله بذلك، فكتب إليه سيدنا عمر - رضي الله عنه: أن قِسْ بين القَرْيتين فأيهما كان أقرب فألزمهم، فوجد القتيل إلى وادعة أقرب، فألزموا القَسَامة والدية(١)، وذلك كله محمولٌ على ما إذا كان بحيث يبلغ الصوت إلى الموضع الذي وجد فيه القَتِيل؛ كذا ذكر محمد في الأصل، حكاه الكرخي - رحمه الله -، والفقه ما ذكرنا فيما تقدم. وكذا إذا وجد بين سكتين، فالقَسَامة والدية على أقربهما؛ فإن وجد في المعسكر في فَلاَة من الأرض؛ فإن كانت الأرض التي وجد فيها لها أرباب، فالقَسَامة والدية على أرباب الأرض؛ لأنهم أخصّ بنصرة الموضِع وحفظه، فكانوا أولى بإيجاب القَسَامة والدية عليهم، وهذا على أصلهما؛ لأن المعسكر كالسُّكان، والقَسَامة على الملاك لا على السكان على أصلهما. فأما على أضل أبي يوسف - رحمه الله -: فالقَسَامة والدية عليهم جميعاً، وإن [لم] يكن في ملك أحد بأن وجد في خباء أو فَسْطَاط - فعلى من يسكن الخِبَاء والفسطاط، وعلى عواقلهم القَسَامة والدية؛ لأن صاحب الخَيْمَة خصّ بموضع الخيمة من أهل العسكر بمنزلة صَاحِب الدَّار مع أهل المحلة، ثم القَسَامة على صاحب الدار إذا وجد فيها قَتيل، لا على أهل المحلّة؛ کذا ههنا. وإن وجد خارجاً من الفسطاط والخباء، فعلى أقرب الأخبية والفساطيط منهم القسامة والدية، كذا ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن الأقرب أولى بإيجاب القَسَامة والدِّية لما ذكرنا. وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إذا وجد بين الخِيَامِ، فالقَسَامة والدية على جماعتهم؛ كالقتيل يوجد في المحلة - جعل الخيام المحمولة كالمحلّة على هذه الرواية. هذا إذا لم يكن العسكر لقوا عدواً؛ فإن كانوا قد لقوا عدوا فقاتلوا، فلا قسامة ولا دية في قَتِيل يوجد بين أظهرهم؛ لأنهم إذا لقوا عدواً وقاتلوا، فالظّاهر أن العدو قتله لا المسلمون؛ إذ المسلمون لا يقتل بعضهم بعضاً. ولو وجد قَتيل في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من أهل القرية - فالقسامة والدية على صاحب الأرض لا على أهل القرية؛ لأن صاحب الأرض أخص بنُصْرة النبي ◌َّ هو أنه يقاس إلى أيهما أقرب فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشير قال أبو سعيد كأني انظر إلى شبر = رسول الله ﴾﴾ فألقى ديته عليهم. وقال البيهقي: تفرد به أبو إسرائيل عن عطية العوفي وكلاهما لا يحتج بروايتهما)) اهـ. (١) قال الزيعلي في نصب الراية (٣٩٧/٤). رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) حدثنا وكيع ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع قال: وجد قتيل باليمن بين وادعة وأرحب ... الخ. ٣٨٩ كتاب الجنايات أرضه وحفظها من أهل القَرْية، فكان أولى بإيجاب القَسَامة والدية عليه؛ كصاحب الدار مع أهل المحلة .. ولو وجد قتيل في دار إنسان، وصاحب الدار من أهل القَسَامة - فالقسامة والدِّية على صاحب الدار وعلى عاقلته؛ كذا ذكر في الأصل، ولم يفصل بين ما إذا كانت العاقلة حضوراً أو غيباً. وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله: أن القَسَامة على رب الدار وعلى عاقلته حضوراً كانوا أو غيباً. وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا قَسَامة على العاقل؛ هكذا ذكر فيه. وقال الكرخي - رحمه الله -: إن كانت العاقلة حضوراً في المصر دخلوا في القَسَامة، وإن كانت غائبة فالقَسَامة على صاحب الدَّار تكرر عليه الإيمان، والدِّية عليه وعلى عاقلته، أما دخول العاقلة في القسامة إذا كانوا حضوراً فهو قولهما، وظاهر قول أبي يوسف: لا قَسَامة على العَاقِلة يقتضي ألاَّ يدخلوا في القَسَامة. وجه قول زفر - رحمه الله -: أنه لما لزمتهم الدِّية لزمتهم القَسَامة كأهل المحلة. ولأبي يوسف: أن صاحب الدَّار أخص بالنّصرة وبالولاية والُّهمة، فلا يشاركه العاقلة كما لا يُشَارك أهل المحلّة غيرهم. وجه قولهما: أن العاقلة إذا كانوا حضوراً يلزمهم حِفْظُ الدار ونُصْرتها كما يلزم صاحب الدار؛ وكذا يتهمون بالقتل كما يتّهم صَاحِب الدَّار؛ فقد شاركوه في سبب وجُوب القَسَامة، فيشاركونه في القَسَامة أيضاً؛ وبهذا يقع الفَرْق بين حال الحُضُور والغيبة، على ما ذكره الكرخي - رحمه الله -؛ لأن معنى التهمة ظاهر الانتفاء من الغَيْب، وكذا معنى النصرة؛ لأنه لا يلحق ذلك الموضع نصرة من جهتهم إلا أنه تجب عليهم الدية؛ لأن وجُوب الدِّية على العاقلة لا يتعلّق بالتهمة؛ فإنهم يتحمَّلون عن القَاتِل المعين إذا كان صبيًّا أو مجنوناً أو خاطئاً، وسواء كانت الدار فيها سَاكِن أو كانت مفرغة مغلقة، فوجد فيها قتيل فعلى رب الدار، وعلى عاقلته القَسَامة والدية . أما على أصل أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - فظاهر؛ لأنهما يعتبران الملك دون السُّكنى، فكان وجود السُّكنى فيها والعدم بمنزلة واحدة. وأما أبو يوسف - رحمه الله - فإنما يوجب على السَّاكن؛ لاختصاصه بالدار يداً ولم يوجد ههنا، وسواء كان الملك الذي وجد فيه القَتِيل خاصًّا أو مشتركاً - فالقسامة والدية على أرباب الملك لما قلنا، وَسَواء اتفق قدر أنصباء الشركاء أو اختلف، فالقَسَامة والدية بينهم بالسَّوية؛ ٣٩٠ کتاب الجنايات حتى لو كانت الدَّار بين رجلين لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث، فالقَسَامة عليهما وعلى عاقلتهما نِصْفَان، ويعتبر في ذلك عدد الرؤوس لا قدر الأنْصِبَاء كما في الشفعة؛ لأن حِفْظَ الدار واجب على كل واحدٍ منهما، والحفظ لا يختلف، ولهذا تساويا في استحقاق الشُّفعة؛ لأن الاستحقاق لدفع ضرر الدَّخيل، وأنه لا يختلف باختلاف قدر الملك. ٤٧/٣ ب وذكر في الجامع الصغير/ فيمن باع داراً ووجَدَ فيها قتيل قبل أن يَقْبِضها المُشْتَرِي - أن القسامة والدِّية على البائع إذا لم يكن في البَيْع خيار؛ فإن كان فيه خيار، فعلى من الدَّار في يده في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد الدية على مالك الدار إن لم يكن في البَيْع خيار؛ فإن كان فيه خيار، فعلى من تصير الدار له. وعند زفر - رحمه الله -: الدية على المشْتَري، إلا أن يكون للبَائِع خيار فتكون الدّية عليه . وجه قول زفر: أن الملك للمشْتَري إذا لم يكن فيه خيار؛ وكذا إذا كان الخيار للمشتري؛ لأن خيار المشْتَري لا يمنع دخول المَبِيع في ملكه عنده؛ فإذا كان الخِيَار للبَائِع؛ فالملك له؛ لأن خِيَاره يمنع زوَال المَبِيع عن ملكه بلا خلاف. وجه قولهما: أنه إذا لم يكن فيه خِيَار، فالملك للمشْتَري، وإنما للبائع صورة يد من غير تصرُّف، وصورة اليد لا مَدْخل لها في القَسَامة كيد المودع، فكانت القَسَامة والدية على المُشْتَري، وإذا كان فيه خِيار فعلى من تَصِير الدار له؛ لأنها إذا صارت للبائع فقد انْفَسَخَ البيع، وجعل كأنه لم يكن، وإن صارت للمشْتَري فقد انبرم البيع وتبين أنه ملكها بالعَقْد من حين وجوده . وأما صحيح مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - فمشكلٌ من حيث الظاهر؛ لأنه يعتبر الملك فيما يحتمل النَّقل والتحويل لا اليد، وإن كانت اليد يد تصرُّف كيد الساكن، والثَّابت للبائع صورة يد من غير تصرُّف - فأولى ألا يعتبره، لكن لا إشكال في الحقيقة؛ لأن الوُجُوب بترك الحِفْظ، والحفظ باليد حقيقة. إلا أنه يضاف الحِفْظ إلى الملك؛ لأن استحقاق اليد به عادةً، فيقام مقام اليد، فكانت الإضافة إلى ما به حقيقة الحفظ أولى، إلا أن مطلق اليد لا يعتبر، بل اليد المستحقة بالملك وهذه يدّ مستحقة بالملك، بخلاف يد السَّاكن. وإذا وجد رجل قتيلاً في دار نفسه، فالقَسَامة والدية على عاقلته لورثته في قول أبي حنيفة رضي الله عنه. وفي قولهما - رحمهما الله -: لا شيء فيه، وهو قول زفر والحسن بن زياد - رحمهم الله -، وروي عن أبي حنيفة مثل قولهم. ٣٩١ کتاب الجنايات وجه قولهم: إن القتل صادفه والدار ملكه، وإنما صار ملك الورثة عند المَوْت والموت ليس بقتل؛ لأن القتل فعل القَاتِل ولا صنع لأحد في الموت بل هو من صنع الله - تبارك وتعالى، فلم يقتل في ملك الوَرَثة، فلا سبيل إلى إيجاب الضَّمان على الورثة وعواقلهم؛ ولأن وجوده قتيلاً في دار نفسه بمنزلة مباشرة القَتْل بنفسه، كأنه قتل نفسه بنفسه فيكون هدراً. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن المعتبر في القَسَامة وقت ظهور القَتِيل لا وقت وجود القتل؛ بدليل أن من مات قبل ذلك لا يدخُل في الدِّية، والدار وقت ظهور القتيل لورثته، فكانت القَسَامة والدية عليهم وعلى عواقلهم تجب؛ كما لو وجد قتيلاً في دار ابنه. فإن قيل: كيف تجب الدِّية عليهم وعلى عواقلهم، وأن الدية تجب لهم فكيف تجب لهم وعليهم؟ وكذا عاقلتهم تتحمل عنهم لهم أيضاً، وفيه إيجاب لهم أيضاً وعليهم وهذا ممتنع . فالجواب: ممنوع أن الدية تجب لهم بل للقتيل؛ لأنها بَدَل نفسه فتكون له؛ وبدليل أنه يجهز منها وتقضي منها ديونه، وتنفذ منها وصاياه، ثم ما فضل عن حاجته تستحقُّه ورثته؛ الاستغناء الميت عنه، والورثة أقْرَب الناس إليه، وصار كما لو وجد الأب قتيلاً في دار ابنه أو في بئر حفرها ابنه، أليس أنه تجب القسامة والدية على الابن وعلى عاقلته، ولا يمتنع ذلك لما قلنا؛ كذا هذا. وإن اعتبرنا وقت وجود القتل، فهو ممكن أيضاً؛ لأنه تجب على عَاقِلته؛ لتقصيرهم في حِفْظ الدار فتجب عليهم الدِّية حقاً للمقتول، ثم تنتقل منه إلى ورثته عند فراغه عن حاجته. وذكر محمد: إذا وجد ابن الرُّجل أو أخوه قتيلاً في داره - أن على عاقلته دية ابنه وديةً أخيه، وإن كان هو وارثه لما قلنا: إن وجود القتيل في الدار كمباشرة صَاحِبها القتل، فيلزم عاقلته، ذلك للمقتول ثم يستحقها صاحب الدار بالإرده، ولو وجد مكاتب قتيلاً في دار نفسه، فدمه هدر؛ لأن داره في وقت ظُهور القتيل ليست لورثته، بل هي على حُكْم ملك نفسه إلى أن يؤدي بدل الكِتَابة، فصا كأنه قتل نَفْسه فهدر دمه. رجلان كَانَا في بيت ليس معهما ثالث، وجد أحدهما مذبوحاً - قال أبو يوسف: يضمن الآخر الدية . وقال محمد: لا ضمان عليه. وجه قوله: إنه يحتمل أنه قتله صاحبه، ويحتمل أنه قتل نفسه؛ فلا يجب الضمَّان بالشك، ولأبي يوسف: أن الظَّاهر أنه قتله صاحبه؛ لأن الإنسان لا يقتل نفسه ظاهراً وغالباً، واحتمال خلاف الظَّاهر ملحق بالعدم، ألا ترى أن مثل هذا الاحتمال ثَابِت في قتيل المحلة ولم يعتبر . ٣٩٢ کتاب الجنايات فصل فيمن يدخل في القسامة وأما بيان من يَدْخُل في القَسَامة والدية بعد وجُوبهما ومن لا يدخل في ذلك، فنقول وبالله التوفيق : الصبيَّ والمجنون لا يَدْخُلان في القَسَامة في أي موضع وجد القَتِيل، سواء وجد في غير مِلْكِهما أو في ملكهما؛ لأن القسامة يمين وهما ليسا من/ أهل اليمين؛ ولهذا لا يستحلفان في سائر الدَّعاوى؛ ولأن القَسَامة تجب على من هو من أهل النُّصرة وهما ليسا من أهل النُّصرة، فلا تجب القَسَامة عليهما وتجب على عَاقِلتهما إذا وجد القَتِيل في ملكهما؛ لتقصيرهم بترك النصرة اللازمة، وهل يدخلان في الدية مع العاقلة؟ فإن وجد القَتِيل في غير مِلْكِهما كالمحلة وملك إنسان لا يذْخُلان فِيها، وإن وجد في ملكهما يدخلان؛ لأن وجود القتيل في ملكهما كمباشرتهما القَتْل، وهما مؤاخَذَان بضمان الأفعال. وعلى قياس ما ذكره الطَّحاوي - رحمه الله -: لا يدخُلان في الدية مع العاقلة أصلاً لكنه ليس بسديد؛ لأن هذا ضَمَان القتل والقتل فعل، والصبي والمجنون مؤاخذان بأفعالهما، ولا يدخل العَبْد المحجور والمدبر وأم الولد في القَسَامة والدية؛ لأن هؤلاء لا يستنصر بهم عادةً، وليسوا من أهل مِلْك المال أيضاً، فلا تلزمهم الدية، وأما المأذُون والمكَاتِب فلا يدخلان في قسامة وجبت في قتيل؛ وجد في غير دارهما وإن وجد في دارهما. أما المأذون إن لم يكن عليه دَيْن، فلا قسامة عليه، بل على مولاه وعاقلته استحساناً، والقياس أن تجب عليه القَّسَامة، وإذا حلف يخاطب المولى بالدَّفع أو الفداء. وجه القياس: أن العبد من أهل اليمين. ألا ترى أنه يستحلف في الدَّعاوى، ووجود القتيل في داره بمَنْزِلة مباشرة(١) القتل خطأ، وإن قتله خطأ يخير المولى بين الدَّفع والفداء؛ كذا هذا. وجه الاستحسان: أن فائدة الاستِخلاف جريان القَسامة لسبب هو النُّكول؛ لأنه لا يقضي بالنُّكول في هذا الباب، بل يحبس حتى يحلف أو يقر؛ ولو أقر بالقتل خطأ لا يصحُّ إقراره؛ لأنه إقرار على مولاه، فلم يكن الاستخلاف مفيداً، فلا تجب عليه القَسَامة وتجب على المولى وعلى عاقلته؛ لأن الملك له، وإن كان عليه دين فَيَنْبَغِي في قياس قول أبي حنيفة أنه تجب القَسَامة على العَبْد؛ لأن المولى لا يملك کَسْب عبده المأذون المدیون عنده، فلا يملك الدار. (١) سقط من ط. ١٤٨/٣ ٣٩٣ کتاب الجنايات وفي الاستخسان تجب على المولى؛ لأن المولى إن كان لا يملكها فالغرماء لا يملكونها أيضاً، والعبد لا ملك له، والمولى أقْرَب الناس إليه، فكانت القسامة عليه، مع ما أنَّ للمولى حقّاً في الدار، وهو حقّ استخلاصها لنفسه بقضاء دين الغرماء، فكان أولى بإيجاب القَسَامة. وأما المكاتب إذا وجد قتيلاً في داره، فعليه الأقل من قيمته ومن الدَّار؛ لأن وجود القَتِيل في داره كمباشرته القتل، فلا يكون على مَؤْلاه كما لا يكون عليه في مباشرته، وهل تجب عليه القَسَامة؟ . ذكر القَاضِي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يكرر عليه الأيمان، فإن حلف يجب عليه الأقل من قيمته ومن الدِّية إلا قدر عشرة دراهم، لأن عاقلة المكاتب نفسه، وتكون القيمة حالة؛ لأنها تجب بالمنع من الدفع، فتكون حالة كما تَجِب على المولى بجناية المدبّر. ولو كان القتيل مولى المكاتب، كان عليه الأقل من قيمته ومن الدِّية؛ لأن وجود القَتِيل في داره كمباشرته القتل، وتكون القِيمَة حالة لا مؤجلة لما قلنا. ولا تدخل المَرأة في القسامة والدِّية في قتيل يوجد في غير ملكها؛ لأن وجوبهما بطريق النُّصْرة وهي ليست من أهْلِها، وإن وجد في دارها أو في قَرْية لها لا يكون بها غَيْرُها عليها القَسَامة، فتستحلف ويكرر عليها الأيمان، وهذا قولهما. وقال أبو يوسف: [القسامة](١) عليها لا على عاقلتها. [وجه قوله] (٢) إن لزوم القَسَامة للزوم النصرة، وهي لَيْسَت من أهل النُّصرة فلا تدخل في القسامة؛ ولهذا لم تَذْخل مع أهل المحلة. وجه قولهما: إن سبب الوجوب على المَالِك هو الملك مع أهْليَّة القَسَامة، وقد وجد في حقّها، أما الملك فَثَابت لها، وأما الأهلية فلأن القَسَامة يمين وأنها من أهل اليمين. ألا ترى أنها تستحلف في سائر الحُقُوق، ومعنى النصرة يراعي وجوده في الجملة لا في كل فرد كالمشقّة في السفر، وهل تدخل مع العاقلة في الدية. ذكر الطَّحَاوي ما يدل على أنها لا تَدْخُل؛ فإنه قال: لا يدخل القاتل في التحمُّل إلا أن يكون ذكراً عاقلاً بالغاً، فإذا لم تدخل عند وجود القتل منها عيناً، فههنا أولى. وأصحابنا - رضي الله عنهم - قالوا: إن المرأة تَدْخُل مع العَاقِلة في الدِّية في هذه المَسْألة، وأنكروا على الطَّحاوي قوله، وقالوا: إن القاتل يدخل في الدية بكل حَالٍ، ويدخل (١) سقط من ط. (٢) في أ: لأبي يوسف. ٣٩٤ كتاب الجنايات في القَسَامة والدية الأعمى والمحدود في القَذْف والكافر؛ لأنهم من أهل الاستِخلاف والحفظ، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل فيما يكون إبراءً عن القسامة وأما ما يكون إبراء عن القسامة والدِّية فنوعان: نص ودلالة. أما النص فهو التَّصريح بلفظ الإبراء وما يجري مجراه كقوله: أبرأت أو أسقطت أو عفوت ونحو ذلكَ، لأن ركن الإبراء صَدَر ممن هو من أهل الإبْرَاء في محل قابل للبراءة فيصح. وأما الدلالة فهي أن يدعي وليّ القتيل على رجلٍ من غير أهل المحلّة، فيبرأ أهل المحلة ٤٨/٣ ب عن القَسَامة والدية؛ لأن ظهور القَتِيل في المحلة لم يدل على كون هذا المدَّعى عليه/ قاتلاً، فإقدام الوليّ على الدَّعوى عليه يكون نفياً للقتل عن أهل المحلّة، فيتضمَّن براءتهم عن القَسَامة والدية، فإن أقام البينة على المدعى عليه وإلا حلف، فإن حلف برىء، وإن نكل حبس حتى يحلف أو يقر في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: يقضى بالدِّية. ولو شهد اثنان من أهل المحلَّة للولي بهذه الدعوى - لا تقبل شَهَادتهما في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: تقبل. وجه قولهما: إن المانع من القَبُول قبل الدَّعوى كانت التهمة، وقد زالت بالبراءة فلا مَعْنَى لردِّ الشهادة. ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أنه تمكنت التُّهمةَ في شهادتهم من وجهين : أحدهما: أن من الجائز أنه أبرأهم ليتوسَّل بالإبراء إلى تَضحيح شهادتهم. والثاني: أنه أحسن إليهم بالإبراء، حيث أسقط القَسَامة والدية عنهم، فمن الجائز أنهم أرادوا بالمكافأة على ذلك، والشهادة ترد بالتهمة من وجه واحدٍ فمن وجهين أولى؛ ولأن أهل المحلة كانوا خُصَمَاء في هذه الدَّعوى فلا تقبل شهادتهم، وإن خرجوا بالإبراء عن الخُصُومة؛ لأن السَّبب الموجب لكونهم خصماء قَائِم وهو وجود القتيل فيهم؛ كالوكيل بالخصومة إذا خَاصَم ثم عزل فشهد، لا تقبل شهادته؛ كذا هذا. ولو ادَّعى وليّ القتيل على رجلٍ بعينه من أهل المحلَّة - فالقَسَامة والدية بحالها في ظاهر الرواية . وروى عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن القِسامة تَسْقُط؛ وكذا روی محمد . ٣٩٥ كتاب الجنايات وقال أبو يوسف: القِيَاس أن تسقط القَسَامة إلا أنا تركناه للأثر. وجه رواية ابن المبارك - رحمه الله -: أن تَعْيين الولي واحداً منهم إبراء عن البَاقِين دلالة، فتسقط عنهم القَسَامة كما لو أبْرَأهم نصاً وجه ظاهر الرواية: أن القَاتِل أحد أهل المحلّة ظاهر أو الولي كذلك، إلا أنه عين وهو متهم في التَّعيين فلا يعتبر تعيينه إلا بالبينة، فلا تعتبر (١) حُكْم القَسَامة إلا بها، فإن أقام البينة من غير أهل المحلة على دعواه يقضي بها، فيجب القِصَاص في العَمْد والدِّية في الخطأ. ولو شهد شَاهِدان من المحلَّة عليه، لا تقبل شهادتهما على ظَاهِر الرِّواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن الخُصُومة بعد هذه الدَّعوى قائمة، فكان الشَّاهد خصما؛ لأنه يقطع الخُصُومة عن نفسه بشهادته ولا شهادة للخصم، وإذا لم تقبل شَهَادة أهل المحلة عليه ولم يقم بَيِّنة أخرى، وبقيت القَسَامة على أهل المحلة على حالها - يحلف(٢) المدَّعى عليه والشَّاهدان مع أهل المحلة، حتى يكمل خَمْسُون رجلاً من أهل المحلة، ثم كيف يستحلف الشُّهود مع أهل المحلَّة؟. عندهما: يحلفون بالله - سبحانه وتعالى - ما قتلناه ولا عَلِمْنا له قاتلاً غير فلان. وعند أبي يوسف: يحلفون بالله - جلّ شأنه - ما قتلناه ولا عَلِمْنا له قاتلاً غير فلان. وعند أبي يوسف: يحلفون بالله جل شأنه ما قتلناه ولا يزادُون على ذَلِك؛ لأن عندهم أن المشهود عليه قاتل، فلا سبيل إلى استخلافهم على العلم، وما قاله أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أولى؛ لأن فيما قالاه مراعاة موْضُوعِ القَسَامة؛ وهو الجمع بين اليمين على البَتَات والعلم بالقَدْر الممكن فيما وراء المسْتَثْنى، وفيما قاله أبو يوسف ترك اليمين على العلم أصلاً؛ فكان ما قالاه أولى. ولو ادَّعى أهل تلك المحلة على رجل منهم أو من غيرهم، تصحُّ دعواهم. فإن أقاموا البينة على ذلك الرَّجل، يجب القِصَاص في العمد والدِّية في الخطأ، إن وافقهم الأولياء في الدَّعْوَى على ذلك الرَّجل؛ وإن لم يوافقوهم في الدَّعوى عليه، لا يجب عليه شيء؛ لأن الأولياء قد أبرؤوه حيث أنكروا وجُود القَتْل منه ولا يَجِبُ على أهل المحلة أيضاً شيء لأنهم أثبتوا القَتْل على غيرهم، وإن لم يقم لهم البينة وحلف ذلك الرَّجُل - تجب القَسَامة على أهل المحلّة، ثم كيف يحلفون؟ فهو على الاخْتِلاَف الذي ذكرنا، والله سبحانه وتعالى الموفق. (١) في أ: تتغير. (٢) في أ: بخلاف. ٣٩٦ كتاب الجنايات فصل في الجناية على ما دون النفس وأما الجناية على ما دُون النَّفْس مطلقاً، فالكلام في هذه الجناية يقع في موضعين: أحدهما: في بيان أنواعها، والثاني: في بيان حكم كل نوع منها. أما الأول: فالجناية على ما دون النّفس مطلقاً أنواع أربعة: أحدها: إبانة الأطراف وما يجري مجرى الأطراف. والثاني: إذهاب معاني الأطراف مع إنْقَاء أعيانها، والثالث: الشِّجاج، والرابع: الجراح. أما النوع الأول: فقطع اليد والرجل والأصبع والظّفر والأنف واللسان والذكر والأنثيين والأذن والشفه وفقء العينين، وقطع الأشفار والأجفان، وقلع الأسنان وكسرها وحلق شعر الرأس واللحية والحاجبين والشارب. وأما النوع الثاني: فتفويت السمع والبصر والشم والذوق والكلام والجماع والإيلاد والبطش والمشي، وتغير لون السّن إلى السَّواد والحمرة والخضرة ونحوها، مع قيام المحال الذي تقوم بها هذه المعاني، ويلحق بهذا الفَصْل إذهاب العقل. وأما النوع الثّالث: فالشّجاج أحد عشر: أولها (١) الخارصة ثم الدامعة، ثم الدامية، ثم الباضعة، ثم المتلاحمة؛ ثم السمحاق، ثم الموضحة، ثم الهاشمة، ثم المنقلة، ثم الآمة، ثم الدامغة . فالخَارصة هي التي تخرصِ الجلد أي تشقّه ولا يظهر منها الدم(٢). والدامغة: هي التي يظهر منها الدّم ولا يَسِيل كالدّمع. في العين. والدامية: هي التي يسيل منها الدم. والباضعة: هي التي تبضع اللحم أي تقطعه(٣). (١) ينظر في الشجاج غريب الحديث لأبي عبيد (٧٥/٣ - ٧٦) وفقه اللغة للثعالبي (٢٤٢) والمنتخب لكراع (٤٨٣ - ٤٨٤). (٢) سميت خارصة لأنها تشق الجلد، يقال حرص القصار الثوب: إذا شقه وحرص المطر الأرض: إذا قشرها ينظر النظم (٢٣٨/٢). (٣) والباضعة: التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمي من بضعت اللحم: إذا قطعته قطعاً صغاراً والبضعة: القطعة. ينظر النظم: ٢٣٨/٢. ٣٩٧ کتاب الجنايات والمتلاحمة: هي التي تذهب في اللحم أكْثَر مما تذهب البَاضِعة فيه، هكذا روى أبو یوسف . وقال محمد: المتلاحمة قبل البَاضِعة؛ وهي التي يتلاحم منها الدم ويسود(١)؛ والسمحاق اسم لتلك الجلدة، إلا أن الجراحة سميّت بها. والموضحة: التي تقطع السمْحاق وتوضح العَظْم، أي تظهره(٢). والهاشمة: هي التي تهشم العَظْم أي تكسره (٣). والمنقلة: هي التي تنقل العظم بعد الكشر، أي تحوله من موضع إلى موضع (٤). والأمّة: هي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ(٥). والدامغة: هي التي تخرق تلك الجلدة وتصل إلى الدِّماغ. فهذه إحدى عشر شجة، ومحمد ذكر الشّجاج تسعاً ولم يذكر الخارصة ولا الدَّامغة؛ لأن الخَارِصة لا يبقى لها أَثَر عادة، والشجة التي لا يبقى لها أثر لا حكم لها في الشّرع، والدامغة لا يعيش الإنسان معها عَادة، بل تصير نفساً ظاهراً وغالباً فتخرج من أن تكون شَجَّة، فلا معنى لبيان حكم الشّجة فيها، لذلك ترك محمد ذكرهما، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما النوع الرابع فالجراح نوعان: جَائِفة وغير جائفة؛ فالجائفة(٦) هي التي تصل إلى (١) الشجة التي أخذت في اللحم ولم تبلغ السمحاق ولا فعل لها. ينظر النظم ٢٣٨/٢. (٢) هي الشجة التي شقت الجلد واللحم والقشرة التي على العظم حتى أظهرت العظم وأبانته حتى ظهر بياضه إذ إن وضع العظم هو بياضه. (٣) وترضه ولا تبينه والهشم: الكسر ومنه سمي هشيم الشجر لما تحطم منه قال الله تعالى: ﴿كهشيم المحتظر﴾ . (٤) هي الشجة التي تنقل العظم أي تكسره حتى يخرج منها فراش العظام ويحتاج إلى نقل العظيم ليلتئم. ينظر: أنيس الفقهاء ص ٢٩٤ والمغني ٨/ ٤٦. (٥) هي الجناية (الشجة) التي نفذت الجلد واللحم والقشرة وشقت العظم فبلغت الدماغ حتى ما يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلد رقيق وهو ما يسمى بأم الدماغ. والمأمومة والأمة شيء واحد فأهل العراق يقولون لها الآمة وأهل الحجاز المأمومة. ولا تكون المأمومة إلا في الرأس. ينظر: أنيس الفقهاء ص ٢٩٤. (٦) هي ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو ثغرة نحر أو صدر أو نحو ذلك. والجوف المذكور هو: ((من ثغرة النحر إلى المثانة)) وهذا هو المعروف عند أهل العلم والمذكور في كتب اللغة . = ٣٩٨ کتاب الجنايات الجَوْف، والمواضع التي تنفذ الجِرَاحة منها إلى الجوف هي الصَّدر والظهر والبطن والجنبان وما بين الأنثيين والدبر، ولا تكون في اليَدَيْن والرجلين ولا في الرَّقبة والحلق جائفة؛ لأنه لا يصل إلى الجَوْف. وروي عن أبي يوسف: أن ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي لو وصل إليه من الشراب قطرة - يكون جائفة؛ لأنه لا يقطر إلا إذا وَصَلَ إلى الجوف، ولا تكون الشجَّة إلا في الرأس والوَجْه، وفي مواضع العَظْم مثل الجبهة، والوجنتين والصدغين والذقن دون الخدين، ولا تكون الآمة إلا في الرَّأس والوجه وفي الموضع الذي تتخلص منه إلى الدِّماغ، ولا يثبت حكم هذه الجِرَاحات إلا في هذه المَواضع عند عامَّة العلماء - رضي الله عنهم .. وقال بعض الناس: يثبت حُكْم هذه الجراحات في كل البَدَن، وهذا غير سديد؛ لأن هذا القائل إن رجع في ذلك إلى اللَّغة فهو غلط؛ لأن العرب تفصل بين الشّجة وبين مطلق الجراحة، فتسمى ما كان في الرَّأس والوجه في مواضع العظم منها شجَّة، وما كان في سائر البدن جِرَاحة، فتسمية الكُلّ شجة، يكون غلطاً في اللغة، وإن رجع فيه إلى المعنى فهو خطأ؛ لأن حكم هذه الشّجاج يثبت للشين الذي يلحق المشجُوج ببقاء أثرها، بدليل أنها لو برأت ولم يبق لها أثر لم يجب بها أرْشٌ، والشين إنما يلحق فيما يظهر في البدن وذلك هو الوَجْه والرَّأس، وأما ما سواهما فلا يظهر بل يغطى عادةً، فلا يلحق الشّين فيه مثل ما يلحق في الوَجْه والرأس، والله سبحانه وتعالى الموفق. فصل في أحكام الشجاج وأما أحكام هذه الأنواع فهذه الأنواع مختلفة الأحكام: منها ما يجب فيه القِصَاص. ومنها: ما يجب فيه دية كَامِلة. ومنها: ما يجب فيه أزش مقدّر. ومنها ما يجب فيه أرشٌ غير مقدر. أما الذي فيه القصاص فهو الذي اسْتَجمع شرائط الوُجُوب فيقع الكلام في موضعين: ولا فرق في هذا بين أن يجيف بحديدة أو خشبة أو غير ذلك فالعبرة بوصول الجرح إلى الجوف. وخرج = بالجوف المذكور غيره كالفم والأنف والجفن والعين وممر البول، إذ لا يعظم فيها الحطر كجائفة البطن. ولا فرق بين الجائفة الصغيرة والكبيرة إذا لا تختلف الدية فيها بكبرها أو صغرها فمتى ما أجافه ونفذ إلى الجوف ولو بغرز إبرة ففيه ثلث الدية. ينظر: أنيس الفقهاء ص ٢٩٤، نيل الأوطار ٢١٦/٧ المغني (٤٨١٨). ٣٩٩ کتاب الجنايات أحدهما: في بيان شَرَائط وجوب القِصَاص. والثاني: في بيان وقت الحُكْم بالقِصَاص. أما الأول فنقول: شرائط وجوب القِصَاص أنواع، بعضها يعم النَّفس وما دونها، وبعضها يخص ما دون النفس؛ أما الشرائط العامة فما ذكرنا في بيان شَرَائط وجُوب القِصَاص في النفس، من کَوْن الجاني عاقلاً بالغاً متعمداً مختاراً، وكون المجني عليه معصوماً مطلقاً لا يكون جزء الجاني ولا ملكه، وكون الجناية حاصلة على طريق المُبَاشرة، لما ذكرنا من الدَّلائل. وأما الشَّرَائط التي تخصُّ الجناية فيما دون النَّفْس: فمنها المماثلة بين المحلّين في المنافع والفعلين وبين الأزْشَين؛ لأن المماثلة فيما دون النّفس معتبرة بالقَدْر الممكن، فانْعِدامها يمنع وجوب القِصَاص، والدليل على أن المماثلة فيما دون النفس معتبرة شرعاً النص والمعقول. أما النص: فقوله تبارك وتعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله جل شأنه: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. فإن قيل: ليس في كِتَاب الله تبارك وتعالى بيان حُكْم ما دون النَّفس، إلا في هذه الآية الشريفة، وأنه إخبار عن حكم التوراة، فيكون شريعة من قبلنا، وشَرِيعة من قبلنا لا تَلْزَمنا. فالجواب: أن من القراء المعْرُوفين(١) من ابتدأ الكلام من قوله عز شأنه: ﴿وَالْعَيْنَ (١) قوله تعالى: ﴿أَنَّ النفسَ بالنفسِ﴾: الآية. ((عليهم)) الضمير للذين هادُوا، و((فيها) للتوراةِ و((أن النفس بالنفس)): ((أن)» واسمُها وخبرُها في محل نصبٍ على المفعولية بـ((كتبنا»، والتقدير: وكتبنا عليهم أَخْذَ النفس بالنفس. وقرأ الكسائي ((والعينُ)) وما عطف عليها بالرفع وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب الجميع، وقرأَ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر بالنصب فيما عدا ((الجروح)) فإنهم يرفعونها، فأما قراءة الكسائي فوجَّهَها أبو علي الفارسي بثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ الواوُ عاطفةً جملةً اسمية على جملةٍ فعليةٍ فَتَعْطِفُ الجملَ كما تعطِف المفردات، يعني أنَّ قولَه: ((والعين)) مبتدأ، و((بالعين)) خبره، وكذا ما بعدها والجملةُ الاسميةُ عطفٌ على الفعليةِ من قولهِ: ((وكتبنا» وعلى هذا فيكون ذلك ابتداءَ تشريع، وبيانَ حكم جديد غيرٍ مندرج فيما كتب في التوراة، قالوا: وليست مشركة للجملة مع ما قبلها لا في اللفظ ولا فيّ المعنى. وعَبَّر الزمخشري عن هذا الوجهِ بالاستئنافِ، قال: ((أو للاستئنافِ، والمعنى: فَرَضْنا عليهم أنَّ النفسَ مأخوذةٌ بالنفسِ مقتولةٌ بها إذا قَتَلَتها بغيرٍ حقٌّ، وكذلك العينُ مفقوءةُ بالعينِ، والأنفُ مجدوعٌ بالأنف، والأذنُ مصلَومةٌ أو مقطوعة بالأذن، والسنّ مقلوعةٌ بالسن، والجروحُ قصاصٌ وهو المُقاصَّة))، وتقديرهُ: أنَّ النفسَ مأخوذةٌ بالنفس، سبقه إليه الفارسي، إلا أنه قَدَّر ذلك في جميع المجروراتِ، أي: والعينُ مأخوذةٌ بالعين إلى آخره، والذي قَدَّره الزمخشري مناسبٌ جداً، فإنه قَدَّر متَعلَّق كلٌ مجرور بما يناسبهُ: فالفَقْءُ للعينِ، والقلعُ للسنِّ، والصَّلْمُ للأذن، والجذعُ للأنف. إلا أنَّ الشيخ كأنه غَضَّ منه حيث = ٤٠٠ کتاب الجنايات بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] بالرفع إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ على ابتداء الإيجاب لا قَدَّر الخبر الذي تعلَّق به المجرورُ كوناً مقيداً. والقاعدةُ في ذلك إنما يقَّدر كوناً مطلقاً، قال: ((وقال الحوفي: = ((بالنفس)) يتعلَّقُ بفعلٍ محذوفٍ تقديرهُ يجب أو يستقر، وكذا العينُ بالعينِ وما بعدها، فقدَّر الكونَ المطلقَ، والمعنى: يستقر قَتْلُها بقتل النفس)) إلا أنه قال قبل ذلك: ((وينبغي أنْ يُحمل قولُ الزمخشري على تفسيرِ المعنى لا تفسير الإعراب» ثم قال: «فقدَّر - يعني الزمخشري - ما يقربُ من الكونِ المطلق وهو: ((مأخوذٌ»، فإذا قلت: ((بعت الشياه شاةً بدرهم فالمعنى: مأخوذة بدرهم، وكذلك الحر بالحر أي: مأخوذ)». الوجه الثاني من توجيه الفارسي: أن تكونَ الواوُ عاطفةً جملةٌ اسمية على الجملة من قوله: «أنَّ النفسَ بالنفس))، لكنْ من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ، فإنَّ معنى «كَتَبْنا عليهم أنَّ النفس بالنفس)) قلنا لهم النفس بالنفس، فالجملُ مندرجةً تحت الكَثْبِ من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ. وقال ابنُ عطية: ((ويُحتمل أن تكونَ الواوُ عاطفةً على المعنى، وذكر ما تقدم، ثم قال: ((ومثلُه لَمَّا كان المعنى في قوله: ﴿يُطاف عليهم بكأس من مَعِين﴾ يُمْنحون عَطَفَ ((وحوراً عينا)) عليه، فنظر هذه الآية بتلك لاشتراكِهما في النظرِ إلى المعنى دوّنَ اللفظِ وهو حسنٌ. قال الشيخ: ((وهذا من العطفِ على التوهُم، إذ توهَّم في قوله ((أنَّ النفسَ بالنفس)): النفسُ بالنفسِ وضعَّفه بأن العطف على التوهُم لا ينقاس. والزمخشري نحا إلى هذا المعنى، ولكنه عَبَّر بعبارةٍ أخرى فقال: ((الرفع [للعطف] على مَحلٌ ((أنَّ النفسَ)) لأن المعنى: ((وكتبنا عليهم النفسُ بالنفس: إِمَّا لإجراء «كتبنا)» (مُجْرى)) قُلْنا، وإِمَّا أن معنى الجملة التي هي ((النفس بالنفس)) مِمَّا يقع عليه الكتب كما تقع عليه القراءة تقول: كَتَبْتُ: الحمدُ لله وقرأت: سورةٌ أَنْزلناها، ولذلك قال الزجاج: ((لو قُرىء إنَّ النفسَ بالنفسِ بالكسرِ لكان صحيحاً)). قال الشيخ: ((هذا هو [الوجهُ] الثاني من توجيه أبي عليّ، إلا أنه خَرَج عن المصطلح حيث جَعَلَه من العطفِ على المحلِّ وليس منه، لأنَّ العطفَ على المحل هو العطفُ على الموضع، وهو محصورٌ ليس هذا منه، ألا ترى أنَّا لا نقول: ((أنَّ النفسَ بالنفس» في محلٌ رِفع لأنَّ طالبَه مفقودٌ، بل ((أن)) وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ لفظُه وموضعُه نصبٌ، إذ التقديرُ: كَتَبْنا عليهم أَخَذَ النفسِ)). قلت: والزمخشري لم يَغْنِ أنَّ ((أنَّ)) وما في حَيِّزها في محل رفع فعطف عليها المرفوعَ حتى يُلْزِمَه الشيخُ بأنَّ لفظها ومحلها نصبٌ، إنما عَنَى أنَّ اسمّها محلُّه الرفعُ قبلَ دخولها، فراعى العطفَ عليه كما راعاه في اسم ((إنَّ) المكسورة. وهذا الردُّ ليس للشيخ، بل سَبَقَه إليه أبو البقاء فأخذه منه. قال أبو البقاء: ((ولا يجوز أن يكونَ معطوفاً على ((أنَّ)) وما عملت فيه؛ لأنها وما عملت فيه في موضع نصب)) انتهى. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: ((فمعنى الحديث: قُلْنا لهم: النفسُ بالنفسُ، فَحَمَل ((العين بالعين)) على هذا، لأنَّ ((أنَّ) لو حُذِفت لاستقام المعنى بحذفها كما استقام بثبوتها، وتكون ((النفس)) مرفوعة فصارت ((أنَّ) هنا كـ«إِنَّ)) المكسورة في أنَّ حَذفها لا يُحِلُّ بالجملةِ، فجاز العطفُ على محل اسمِها كما يجوزُ على محلٌ اسم المكسورة، وقد حُمِل على ذلك: ﴿أَنَّ الله بريء من المشركين ورسوله﴾. قال الشيخ أبو عمرو - يعني ابن الحاجب ـ ورسولُه بالرفع معطوف على اسم ((أنَّ) وإنْ كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة، وهذا موضعٌ لم يُنَبِّه عليه النحويون)). قلت: بلى قد نَبَّه النحويون على ذلك واختلفوا فيه، فجوَّزه بعضهم وهو الصحيحُ، وأكثرُ ما يكون ذلك بعد ((علم)) أو ما في معناه كقوله: وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُمْ بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِي شِفَاقٍ ينظر: الدر المصون (٥٢٩/٢ - ٥٣١).