Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كتاب الجنايات هذا الذي ذكرنا حكم الحافر في الطريق، وكذلك مَنْ كان في معنى الحافر ممن يحدث شيئاً في الطريق، كمن أخرج جناحاً إلى طريق المسلمين، أو نصب فيه ميزاباً فصدم إنساناً فمات، أو بنى دكاناً أو وضع حجراً أو خشبة أو متاعاً أو قَعَدَ في الطريق ليستريح، فعثر بشيء من ذلك عائر، فوقع فمات، أو وقع على غيره فقتله، أو حدث به أو بغيره من ذلك العثرة والسقوط جناية من قتل أو غيره، أو صب ماء في الطريق فزلق به إنسان، فهو في ذلك كله ضامنٌ . وكذلك ما عطب بذلك من الدواب؛ لأنه سبب التلف بإحداث هذه الأشياء، وهو متعد في التسبيب؛ فما تولد منه يكون مضموناً عليه؛ كالمتولد من الرمي. ٤٠/٣بـ ثم ما كان من الجناية في بني آدم تتحملها العاقلة إذا بلغت القدر الذي تتحمل العاقلة، وهو نصف عشر دية الرجل/، وما لم يبلغ ذلك القدر، أو كان منها في غير بني آدم - يكون في ماله؛ لأن تحميل العاقلة ثبت بخلاف القياس؛ لعدم الجناية منهم؛ وقد قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] عرفناه بنص خاص في بني آدم بهذا القدر، فبقي الأمر فيما دونه، وفي غير بني آدم على الأصل، ولا كفارة عليه، ولا يحرم الميراث لو كان وارثاً للمجني عليه، ولا الوصية لو كان أجنبيًّا؛ لأنه لم يباشر القتل. وقد قالوا فيمن وضع كناسة في الطريق فعطب بها إنسان أنه يضمن؛ لأن التلف حصل بوضعه، وهو في الوضع متعد. وقال محمد: إن وضع ذلك في طريق غير نافذة وهو من أهله، لم يضمن لعدم التعدي منه؛ إذ الطريق مشترك بين أهل السكة؛ فيكون لكل واحد من أهلها الانتفاع به؛ كالدار المشتركة . وَلَوْ سقط الميزاب الذي نصبه صاحب الدار إلى طريق المسلمين على إنسان فقتله إن أصابه الطرف الداخل في الحائط لم يضمن؛ لأنه في ذلك القدر متصرف في ملك نفسه، فلم يكن متعدياً فيه، وإن أصابه الطرف الخارج إلى الطريق، يضمن؛ لأنه متعد في إخراجه إلى الطريق، وإن أصابه الطرفان جميعاً يضمن النصف؛ لأنه متعد في النصف لا غير، وإن كان لا يدري، فالقياس أن لا يضمن شيئاً؛ لأنه إن كان أصابه الطرف الداخل، لا يضمن، وإن كان أصابه الطرف الخارج يضمن، والضمان لم يكن واجباً، فوقع الشك في وجوبه، فلا يجب بالشك . وفي الاستحسان يضمن النصف؛ لأنه إذا لم يعرف الطرف الذي أصابه أنه الداخل أو الخارج، يجعل كأنه أصابه الطرفان جميعاً؛ كما في الغرقى والحرقى أنه إذا لم يعرف التقدم ٣٦٢ كتاب الجنايات والتأخر في موتهم، يجعل كأنهم ماتوا جملة واحدة في آنٍ(١) واحدٍ؛ حتى لا يرث البعض من البعض؛ كذا هذا. ولو أحدث شيئاً مما ذكرنا في المسجد؛ بأن حفر بئراً في المسجد - لأجل الماء، أو بنى فيه بناء دكاناً أو غيره، فعطب به إنسان، فإن كان الحافر والباني من أهل المسجد، فلا ضمان عليه، وإن كان من غير أهله، فإن فعل بإذن أهل المسجد، فكذلك، وَإن فعل بغير إذنهم يضمن بالإجماع؛ لأن تدبير مصالح المسجد إلى أهل المسجد فما فعلوه لا يكون مضموناً عليهم؛ كالأب أو الوصي إذا فعل شيئاً من ذلك في دار اليتيم، ومتولي الوقف إذا فعل في الوقف، وأما غير أهل المسجد فليس له ولاية التصرف في المسجد بغير إذن أهل المسجد، فإذا فعل بغير إذنهم كان متعدياً في فعله، فكان مضموناً عليه. ولو علق قنديلاً أو بسط حصيراً أو ألقى فيه الحصى، فإن كان من أهل المسجد فلا ضمان عليه، وإن لم يكن من أهل ذلك المسجد، فإن فعله بإذن أهل المسجد فكذلك، وَإن فعل بغير إذنهم يضمن في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وفي قولهما: لا يضمن. وجه قولهما إن المسجد لعامة المسلمين، فكان كل واحد من آحاد المسلمين بسبيل من إقامة مصالحه، ولأن هذه المصالح من عمارة المسجد، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله﴾ [التوبة: ١٨] من غير تخصيص، إلا أن لأهل المسجد ضرب اختصاص به، فيظهر ذلك في التصرف في نفسه بالحفر والبناء، لا في القنديل والحصير؛ كالمالك مع المستعير؛ أن للمستعير ولاية بسط الحصير وتعليق القنديل في دار الإعارة، وليس له ولاية الحفر والبناء؛ كذا هذا. ولأبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن التدبير في مصالح المسجد إلى أهل المسجد لا إلى غيرهم؛ بدليل أن لهم ولاية منع غيرهم عن التعليق والبسط وعمارة المسجد، فكان الغير متعدياً في فعله، فالمتولد منه يكون مضموناً عليه؛ كما لو وضع شيئاً في دار غيره بغير إذنه، فعطب به إنسان؛ ولهذا ضمن بالحفر والبناء؛ كذا هذا. وكون المسجد لعامة المسلمين، لا يمنع اختصاص أهله بالتدبير والنظر في مصالحه؛ كالكعبة فإنها لجميع المسلمين، ثم اختص بنو شيبة بمصالحها (٢)؛ حتى روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أخذ مفتاح الكعبة منهم ودفعه إلى عمه العباس - رضي الله عنه - عند طلبه ذلك، أمره الله تبارك وتعالى برده إلى بني شيبة بقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. (١) في ط: أوان. (٢) في ط: بمفاتحها. ٣٦٣ کتاب الجنايات ولو جلس في المسجد فعطب به إنسان، إن كان في الصلاة لا يضمن الجالس، سواء كان الجالس من أهل المسجد أو لم يكن من أهله، لأن المسجد بني للصلاة، فلو أخذ المصلي بالضمان لصار الناس ممنوعين عن الصلاة في المساجد؛ وهذا لا يجوز. وإن جلس لحديث أو نوم فعطب به إنسان، يضمن في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وفي قولهما: لا يضمن. وجه قولهما إن الجلوس في المسجد لغير الصلاة من الحديث والنوم مباح، فلم يكن الهلاك حاصلاً بسبب هو متعد فيه، فلا يجب الضمان؛ كما لو جلس في داره فعبر عليه إنسان فعطب به؛ أنه لا يضمن؛ كذا هذا. ١٤١/٣ ولأبي حنيفة - رضي الله عنه/ - أن المسجد بني للصلاة لا للحديث والنوم، فإذا شغله بذلك صار متعدياً فيضمن؛ كما لو جلس في الطريق للاستراحة فعطب به إنسان؛ أنه يضمن؛ لأن الطريق جعل للاجتياز لا للجلوس، وَإذا جلس فقد صار متعدياً، فيضمن؛ كذا هذا. وقولهما الحديث والنوم مباح في المسجد، مُسَلَّمٌ، لكن بشرط سلامة العاقبة، ولم يوجد الشرط، فكان تعدياً . ولو جلس لانتظار الصلاة أو لقراءة قرآن أو لعبادة من العبادات غير الصلاة، فلا شك أن على أصلهما لا يضمن؛ لأنه لو جلس لغير قربة لا يضمن، فإذا جلس لقربة فَهُوَ أَوْلَى. وأما على أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم لا يضمن؛ لأن المنتظر للصلاة في الصلاة على لسان رسول الله - وَل ــ، وقال بعضهم يضمن؛ لأنه ليس في الصلاة حقيقة، وإنما ألحق بالمصلي في حق الثواب لا غير، والله تعالى أعلم. ومن هذا الجنس جناية السائق والقائد؛ بأن ساق دابة في طريق المسلمين أو قادها فوطئت إنساناً بيدها أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت، فهو ضامن لما ذكرنا من الأصل أن السوق والقود في الطريق مباح بشرط سلامة العاقبة، فإذا حصل التلف بسببه ولم يوجد الشرط فوقع تعدياً، فالمتولد منه فيما يمكن التحرز عنه يكون مضموناً، وهذا مما يمكن الاحتراز عنه؛ بأن يذود الناس عن الطريق فيكون مضموناً، وسواء كان السائق أو القائد راجلاً أو راكباً، إلا أنه إذا كان راكباً فعليه الكفارة؛ إذا وطىء دابته إنساناً بيدها أو برجلها ويحرم الميراث والوصية، وإن كان راجلاً لا كفارة عليه، ولا يحرم الميراث والوصية؛ لأن هذه الأحكام يتعلق ثبوتها بمباشرة القتل، لا بالتسبيب، والمباشرة من الراكب لا من غيره. وإن كان أحدهما سائقاً والآخر قائداً، فالضمان عليهما؛ لأنهما اشتركا في التسبيب، فيشتركان في الضمان؛ وكذلك إذا كان أحدهما سائقاً والآخر راكباً، أو كان أحدهما قائداً ٣٦٤ کتاب الجنايات والآخر راكباً، فالضمان عليهما لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما، إلا أن الكفارة تجب على الراكب وحده فيما [إذا](١) وطئت دابته إنساناً فقتلته؛ لوجود القتل منه وحده مباشرة، فإن قاد قطاراً فما أصاب [الأول أو الآخر أو الأوسط] إنساناً بيد أو رجل، أو صدم إنساناً فقتله، فهو ضامن لذلك؛ لأنه فعل فعلاً هو سبب حصول التلف، فيضمن، وهو مما يمكن الاحتراز عنه؛ كما إذا وضع حجراً في الطريق أو حفر فيه بئراً، فإن كان معه سائق في آخر القطار، فالضمان عليهما؛ لأن كل واحد منهما سبب التلف، وإن كان السائق في وسط القطار فما أصاب مما خلف هذا السائق وما بين يديه شيئاً، فهو عليهما؛ لأن ما بين يديه هو له سائق، والأول له قائد، وما خلفه هما له قائدان، أما قائد القطار فلا شك فيه؛ لأن بعضه مربوط ببعض، وأما السائق الذي في وسط القطار، فلأنه يسوقه ما بين يديه قائد لما خلفه؛ لأن ما خلفه ينقاد بسوقه، فكان قائداً له، والقود والسوق كل واحد منهما سبب لوجود الضمان؛ لما بينا. وإن كان أحياناً في وسط القطار، وأحياناً يتأخر، وأحياناً يتقدم، وهو يسوقها في ذلك، فهو والأول سواء؛ لأنه سائق وقائد، والسوق والقود كل واحد منهما سبب لوجود الضمان. وَإن كانوا ثلاثة أحدهم في مقدمة القطار والآخر في مؤخر القطار وآخر في وسطه، فإن كان الذي في الوسط والمؤخر لا يسوقان، ولكن المقدم يقود، فما أصاب الذي قدام الوسط شيئاً فذلك كله على القائد؛ لأن التلف حصل بسبب القود، وما أصاب الذي خلفه فذلك على القائد الأول، وعلى الذي في الوسط؛ لأنهما قائدان لما بينا، وعلى المؤخر أيضاً إن كان يسوق هو، وإن كان لا يسوق لا شيء عليه؛ لأنه لم يوجد منه صنع، وإن كانوا جميعاً يسوقون فما تلف بذلك فضمانه عليهم جميعاً؛ لوجود التسبيب منهم جميعاً. وذكر محمد في الكيسانيات: لو أن رجلاً [كان](٢) يقود قطاراً، وآخر من خلف القطار يسوقه يزجر الإبل، فينزجرن بسوقه، وعلى الإبل قوم في المحامل نيام، فوطىء بعير منها إنساناً فقتله، فالدية على عاقلة القائد والسائق والراكب على البعير الذي وطىء، وعلى الراكبين على الذين قدام البعير الذي وطىء، على عواقلهم جميعاً على عدد الرؤوس، والكفارة على راكب البعير الذي وطىء خاصة، أما السائق والقائد فلأنهما مقربان القطار إلى الجناية، فكانا متسببين(٣) للتلف. (١) سقط من ط. (٢) سقط من ط. (٣) مسببين. ٣٦٥ كتاب الجنايات وأما الراكب للبعير الذي وطىء فلا شك فيه؛ لأن التلف حصل بفعله. ٤١/٣ ب وأما الراكبون أمام البعير الذي وطىء فلأنهم قادة لجميع ما خلفهم، فكانوا قائدين للبعير الواطىء ضرورة، فكان متسببين للتلف أيضاً، فاشتركوا في سبب وجوب الضمان، فانقسم/ الضمان عليهم، وإنما كانت الكفارة على راكب البعير الذي وطىء خاصة؛ لأنه قاتل بالمباشرة لحصول التلف بثقله وثقل الدابة، إلا أن الدابة آلة له، فكان الأثر الحاصل بفعله مضافاً إليه، فكان قاتلاً بالمباشرة، ومن كان من الركبان خلف البعير الذي وطىء لا يزجر الإبل ولا يسوقها راكباً على بعير منها أو غير راكبٍ، فلا ضمان على أحد منهم؛ لأنه لم يوجد منهم سبب وجوب الضمان؛ إذ لم يسوقوا البعير الذي وطىء ولم يقودوه، فصاروا كمتاع على الإبل ولو قاد قطاراً وعلى بعير في وسط القطار راكب لا يسوق منه شيئاً، فضمان ما كان بين يديه على القائد خاصة، وضمان ما خلفه عليهما جميعاً؛ لأن الراكب غير سائق لما بين يديه؛ لأن ركوبه لهذا البعير لا يكون سوقاً لما بين يديه، كما أن مشيه إلى جانب البعير، لا يكون سوقاً إياه إذا لم يسقه، ولكنه سائق لما ركبه؛ لأن البعير إنما يسير بركوب الراكب وحثه، وَإذا كان سائقاً له كان قائداً لما خلفه، فكان ضمانه عليهما. وإذا كان الرجل يقود قطاراً فجاء رجلٌ وربط إليه بعيراً فوطىء البعير إنساناً، فالقائد لا يخلو إما إن كان لا يعلم بربطه، وإما إن علم ذلك، فإن لم يعلم فالدية على القائد تتحمل عنه عاقلته، ثم عاقلته يرجعون على عاقلة الرابط . أما وجوب الدية على القائد؛ فلأنه قاتل تسبيباً، وضمان القتل ضمان إتلاف، وَأنه لا يختلف بالعلم والجهل. وأما رجوع عاقلة القائد على عاقلة الرابط؛ فلأن الرابط متعد في الربط، وهو السبب في لزوم الضمان للقائد، فكان الرجوع عليه، وكذلك لو كانت الإبل وقوفاً لا تقاد، فجاء رجل وربط إليها بعيراً، والقائد لا يعلم، فقاد البعير معها، فوطىء البعير إنساناً فقتله، فالدية على القائد، يتحمل عنه عاقلته، إلا أن ههنا لا ترجع عاقلة القائد على عاقلة الرابط؛ لأن الرابط وإن تعدى في الربط وأنه سبب لوجوب الضمان، لكن القائد لما قاد البعير عن ذلك المكان، فقد أزال تعديه، فيزول الضمان عنه، ويتعلق بالقائد؛ كمن وضع حجراً في الطريق، فجاء إنسان فدحرجه عن ذلك المكان، ثم عطب به إنسان، فالضمان على الثاني لا على الأول؛ لما قلنا؛ كذا هذا. بخلاف المسألة الأولى؛ لأن هناك وجد الربط والإبل سائرة، فلم يستقر مكان التعدي ليزول بالانتقال عنه، فبقي التعدي ببقاء الربط . ٣٦٦ کتاب الجنايات وإن كان القائد علم بالربط في المسألتين جميعاً فقاده على ذلك، فوطىء البعير إنساناً فقتله، فالدية على القائد تتحمل عنه عاقلته، ولا ترجع عاقلته على عاقلة الرابط، لأنه لما قاد مع علمه بالربط فقد رضي بما يلحقه من العهدة في ذلك، فصار علمه بالربط بمنزلة أمره بالربط، ولو ربط بأمره كان الأمر على ما وصفنا؛ كذا هذا. ولو سقط سرج دابة فعطب به إنسان، فالدية على السائق أو القائد؛ لأن السقوط لا يكون إلا بتقصير منه في شد الحزام، فكان مسبباً للقتل متعدياً في التسبيب، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومن هذا النوع جناية الناخس والضارب، وجملة الكلام فيه أن الدابة المنخوسة أو المضروبة إما أن يكون عليها راكب، وإما أن لا يكون عليها راكب، فإن كان عليها راكب، فالراكب لا يخلو إما إن كان سائراً، وإما إن كان واقفاً، والسير والوقوف إما أن يكون في موضع أذن له بذلكَ، وإما أن يكون في موضع لم يؤذن له به، والناخس أو الضارب لا يخلو من أن يكون نخس أو ضرب بغير أمر الراكب أو بأمره، فإن فعل ذلك بغير أمر الراكب فنفحت الدابة برجلها أو ذنبها أو نفرت، فصدمت إنساناً فقتلته، فإن فعلت شيئاً من ذلك على فور النخسة والضربة، فالضمان على الناخس، والضارب، يتحمل عنهما عاقلتهما، لا على الراكب، سواء كان الراكب واقفاً أو سائراً، وسواء كان في سيره أو وقوفه فيما أذن له [بالسير] فيه والوقوف، أو فيما لم يؤذن؛ بأن كان يسير في ملكه، أو في طريق المسلمين، أو في ملك الغير، أو كان يقف في ملكه أو في سوق الخيل ونحوه، أو في طريق المسلمينَ، وإنما كان كذلك؛ لأن الموت حصل بسبب النخس أو الضرب وهو متعد في السبب، فيضمن ما تولد منه؛ كما لو دفع الدابة على غيره والراكب الواقف على طريق العامة، وإن كان متعدياً أيضاً، لكنه ليس بمتعد في التعدي، والناخس متعد في التعدي؛ وكذا الضارب، فأشبه الدافع مع الحافر. وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه ضمن الناخس دون الراكب؛ وكذا روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه فعل هكذا، وكان ذلك منهما بمحضرٍ من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم يعرف الإنكار من أحدٍ، فيكون إجماعاً من الصحابة. وإنما شرط الفور لوجوب الضمان على الناخس والضارب، لأن الهلاك عند سكون الفور يكون مضافاً إلى الدابة، لا إلى الناخس والضارب. ولو نخسها أو ضربها وهو سائر عليها فوطئت إنساناً فقتلته لم يذكر هذا في ظاهر ١٤٢/٣ الرواية/ . وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الضمان عليهما؛ لأن الموت حصل بثقل الراكب ٣٦٧ کتاب الجنايات وفعل الناخس، وكل واحد منهما سبب لوجوب الضمان، فقد اشتركا في سبب وجوب الضمان، وكذلك إذا كان واقفاً عليها؛ لما قلنا. وتجب الكفارة على الراكب لوجود القتل منه مباشرة؛ كما قلنا في الراكب مع السائق أو القائد. ولو نخسها أو ضربها فوثبت وألقت الراكب، فالناخس أو الضارب ضامن لحصول التلف بسبب هو متعد فيه، وهو النخس والضرب، فيضمن ما تولد منه، فإن لم تلقه ولكنها جمحت به فما أصابت في فورها ذلك فعلى الناخس والضارب؛ لما ذكرنا أن فعل كل واحد منهما وقع سبباً للهلاك، وهو متعد في التسبيب، فإن نفحت الدابة الناخس أو الضارب فقتلته، فدمه هَدَرٌ؛ لأنه هلك من جناية نفسه، وجناية الإنسان على نفسه هَدَرٌ. هذا إذا نخس أو ضرب بغير أمر الراكب، فأما إذا فعل ذلك بأمر الراكب، فإن كان الراكب سائراً فيما أذن له بالسير فيه؛ بأن كان يسير في ملك نفسه، أو في طريق المسلمين، أو واقفاً فيما أذن له بالوقوف؛ بأن وقف في ملك نفسه أو في سوق الخيل وغيره من المواضع التي أذن بالوقوف فيها، فنفحت الدابة برجلها إنساناً فقتلته - فلا ضمان على الناخس، ولا على الضارب، ولا على الراكب؛ لأنه أمره بما يملكه بنفسه، فصح أمره به، فصار كأنه نخس أو ضرب بنفسه فنفحت، وقد ذكرنا أن النفحة في حال السير والوقوف في موضع إذن بالسير، أو الوقوف فيه غير مضمونٍ على أحدٍ، لا على الراكب ولا على السائق ولا على القائد. وإن كان الراكب سائراً فيما لم يؤذن له بالسير؛ بأن كان يسير في ملك الغير، أو كان واقفاً فيما لم يؤذن له بالوقوف فيه؛ كما إذا كان واقفاً في ملك غيره أو في طريق المسلمين، فنفحت، فالدية عليهما نصفان، نصف على الناخس أو الضارب، ونصف على الراكب، ولا كفارة عليهما؛ كذا ذكر في ظاهر الرواية. وَروى ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله - أن الضمان على الراكب، ووجهه أن الناخس أو الضارب نخس أو ضرب لها بإذن الراكب. وهو راكب، وهو يملك ذلك بنفسه، فانتقل فعله إليه، فكان فعله بنفسه، فكان الضمان عليه. وجه ظاهر الرواية أن الناخس أو الضارب مع الراكب اشتركا في سبب وجوب الضمان، أما الناخس أو الضارب فلا يشكل لوجود سبب القتل من كل واحد منهما على سبيل التعدي، وأما الراكب فلأنه صَارَ بالأمر بالنخس أو الضرب ناخساً أو ضارباً، والنفحة المتولدة من نخسه وضربه في هذه المواضع مضمونة عليه؛ إلا أنه لا كفارة عليهما لحصول القتل بالتسبيب لا بالمباشرة . هذا إذا نفحت، فأما إذا صدمت، فإن كان الراكب سائراً أو واقفاً في ملك نفسه، فلا ٣٦٨ کتاب الجنايات ضمان على الناخس والضارب. ولا على الراكب؛ لأن فعل النخس والضرب مضافٌ إلى الراكب؛ لحصوله بأمره، والصدمة في الملك غير مضمونة على الراكب، سواء كان سائراً أو واقفاً، وإن كان سيره أو وقوفه في طريق المسلمين أو في ملك الغير، فينبغي أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في النفحة إذا كان الراكب واقفاً في موضع لم يؤذن بالوقوف فيه؛ لأن الصدمة مضمونة على الراكب إذا كان في طريق المسلمين، واقفاً كان أو سائراً؛ وكذا في ملك الغير، فيتأتى فيه الخلاف الذي ذكرنا في النفحة، والله سبحانه وتعالى أعلم. هَذَا إذا نفحت أو صدمت، فأما إذا وطئت إنساناً فقتلته، فالضمان عليهما، سواء كان الراكب سائراً أو واقفاً في أي موضع كان، فيما أذن فيه أو لم يؤذن؛ لأنهما اشتركا في سبب القتل لحصول الموت بثقل الراكب والدابة وفعل الناخس، وتجب الكفارة على الراكب؛ لأنه قاتل مباشرة، فصار الراكب مع الناخس كالراكب مع السائق والقائد؛ أن الدية عليهما نصفان، والكفارة على الراكب خاصة؛ كذا ههنا. هذا الذي ذكرنا إذا كان على الدابة المنخوسة أو المضروبة راكب، فأما إذا لم يكن عليها راكب، فإن لم يكن لا سائق ولا قائد، فنخسها إنسان أو ضربها فما أصابت شيئاً على فور النخسة والضربة، فضمانه على الناخس والضارب في أي موضع كانت الدابة؛ لأنه سبب الإتلاف بالنخس والضرب، وهو متعد في التسبيب، فما تولد منه يكون مضموناً عليه. وَإن كان عليها سائق أو قائد، فنخس أو ضرب بغير أمره. فنفحت أو نفرت فصدمت أو وطئت إنساناً فقتلته، فالضمان على الناخس والضارب، لا على السائق والقائد، في أيِّ موضع كان الناخس والقائد؛ لأن الناخس مع السائق والقائد كالدافع مع الحافر؛ لأنه بالنخس أو الضرب كأنه دفع الدابة على غيره؛ وكذلك إذا كان لها سائق وقائد يقود أحدهما ويسوق الآخر، فنخس أو ضرب بغير إذن واحد منهما/ فالضمان على الناخس والضارب، لا عليهما، في أيِّ موضع كان الناخس والقائد؛ لما ذكرنا أن الناخس متعمد كالدافع للدابة؛ وكذا الضارب ولا تعمد من السائق والقائد. ٤٢/٣ب وَإن كان كل واحد منهما أمره بذلك فنفحت، فإن كان سوقه أو قوده فيما أذن له بالسوق والقود فيه، فلا ضمان على الناخس والضارب، وَإن فعل ذلك بأمر السائق أو القائد فإن كان يسوق أو يقود فيما أذن له بالسوق والقود فيه؛ بأن كان في ملكه أو في طريق المسلمين لا ضمان على أحد؛ لأن فعله يضاف إليه كالسائق أو القائد . وَإن كان يسوق أو يقود فيما أذن له بذلك؛ بأن كان في ملك الغير، فعلى قياس ما ذكرنا في ظاهر الرواية الضمان على الناخس والضارب، وعلى السائق أو القائد، ولا كفارة عليهما، وعلى قياس ما ذكره ابن رستم عن أبي يوسف الضمان على السائق أو القائد خاصة، وإن ٣٦٩ کتاب الجنايات صدمت فقتلت إنساناً فإن كان السائق [أو القائد] يسوق في ملك نفسه، فلا ضمان على أحد؛ لأن فعل الناخس أو الضارب بأمر السائق أو القائد مضافٌ إليه، والصدمة في الملك غير مضمونة على السائق والقائد والراكب. وَإنْ كان يسوق أو يقود في طريق المسلمين، أو في ملك الغير، فهو على الاختلاف، وَإِن وطئت إنساناً فقتلته، فهو على الاختلاف أيضاً، سواء كان سوقه أو قوده فيما أذن له بالسوق أو القود فيه، أو لم يكن؛ لأن الوطأة مضمونة على كل حال، والله تعالى أعلم. وَإِن وطئت تجيب القيمة بلا خلافٍ، لكن في قياس ظاهر الرواية على الناخس والضارب، وعلى السائق والقائد نصفان، وعلى قياس رواية ابن سماعة عن أبي يوسف على السائق والقائد خاصة، والله تعالى أعلم بالصواب. ومن هذا القبيل جناية الحائط المائل إذا سقط على رجل فقتله، أو على متاع فأفسده، أو على دار فهدمها، أو على حيوان فعطب به، وجملة الكلام فيه أن الحائط لا يخلو إما إن بنى مستوياً مستقيماً ثم مال، وإما إن بنى مائلاً من الأصل، فإن بنى مستقيماً ثم مال، فميلانه لا يخلو إما أن يكون إلى الطريق، وإما أن يكون إلى ملك إنسان، فإن كان إلى الطريق: لا يخلو من أن يكون نافذاً وهو طريق العامة، أو غير نافذ وهو السكة التي ليست بنافذة، فإن كان نافذاً فسقط فعطب به شيء مما ذكرنا، يجب الضمان على صاحب الحائط إذا وجد شرائط وجوبه، فيقع الكلام في سبب وجوب الضمان، وفي بيان شرائط الوجوب، وفي بيان ماهية الضمان الواجب وكيفيته. أما الأول: فسبب وجوب الضمان هو التعدي بالتسبيب إلى الإتلاف بترك النقص المستحق مع القدرة على النقص؛ لأنه إذا مال إلى طريق العامة فقد حصل الهواء في يد صاحب الحائط من غير فعله، وهو الطريق حق العامة؛ كنفس الطرق، فقد حصل حق الغير في يده بغير صنعه، فإذا طولب بالنقض فقد لزمه إزالة يده عنه بهدم الحائط، فإذا لم يفعل مع الإمكان، فقد صار متعدياً باستيفاء يده عليه؛ كثوب هبت به الريح فألقته في دار إنسان فطولب به، فامتنع من الرد مع إمكان الرد حتى هلك، يضمن لما قلنا؛ كذا هذا. وقد روي عن جماعة من التابعين مثل الشعبي وشريح وَإبراهيم وغيرهم - رحمهم الله - أنهم قالوا: إذا تقدم إليه في الحائط فلم يهدمه، وجب عليه الضمان، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . فصل في شرائط الوجوب وأما شرائط الوجوب: فمنها المطالبة بالنقض؛ حتى لو سقط المطالبة فعطب به شيء لا بدائع الصنائع ج١٠ - م٢٤ ٣٧٠ کتاب الجنايات ضمان على صاحب الحائط؛ لأن الضمان يجب بترك النقض المستحق؛ لأنه به يصير متعدياً في التسبيب إلى الإتلاف، ولا يثبت الاستحقاق بدون المطالبة، وصورة المطالبة هي أن تتقدم إليه واحد من عرض الناس، فيقول له: إن حائطك هذا مائل أو مخوف فارفعه، فإذا قال ذلك لزمه رفعه؛ لأن هذا حق العامة، فإذا قام به البعض صار خصماً عن الباقين، سواء كان الذي تقدم إليه مسلماً أو ذميًّا، حرًّا أو عبداً، بعد أن كان أذن له مولاه بالخصومة فيه، بالغاً أو صبيًّا بعد أن كان عاقلاً، وقد أذن له وليه بالخصومة فيه، لأن الطريق حق جميع أهل الدار، فكان لكل واحد من أهل الدار حق المطالبة بإزالة سبب الضرر عنه، إلا أنه لا بد من عقل الطالب وكونه مأذوناً بالتصرف؛ لأن كلام المجنون والمحجور عليه غير معتبرٍ في الشرع، فكان ملحقاً بالعدم، وينبغي أن يشهد على الطلب. وتفسير الإشهاد ما ذكره محمد - رحمه الله - وهو أن يقول الرجل: اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا، والإشهاد للتحرز عن الجحود والإنكار؛ لجواز أن ينكر صاحب الحائط المطالبة بالنقض؛ فتقع الحاجة إلى الإشهاد لإثبات الطلب عند القاضي لا لصحة الطلب، فَإن الطلب يصح بدون الإشهاد؛ حتى لو اعترف صاحب الدار بالطلب يجب ١٤٣/٣ عليه الضمان وإن لم/ يشهد عليه؛ وكذا إذا أنكر يجب عليه الضمان فيما بينه وبين الله - سبحانه وتعالى -. ونظيره ما قلنا في الشفعة أن الشرط فيها الطلب لا الإشهاد، وإنما الإشهاد للحاجة إلى إثبات الطلب على تقدير الإنكار؛ حتى لو أقر المشتري بالطلب يثبت حق الشفعة، وإن لم يشهد على الطلب؛ وكذا لو جحد الطلب يثبت الحق له فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى؛ وكذا الإشهاد في باب اللقطة على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - من هذا القبيل، وقد ذكرنا ذلك في ((كتاب اللقطة)). ولو طولب صاحب الحائط بالنقض، فلم ينقض حتى سقط إلى الطريق، فعثر بنقضه إنسان فعطب به، فإن كان قد طولب برفع النقض، يضمن؛ لأنه إذا طولب بالرفع لزمه الرفع، فإذا لم يرفع صار متعدياً، فيضمن ما تولد منه، وإن كان لم يطالب برفعه، لا ضمان عليه عند أبي یوسف، وعند محمد یضمن. وجه قول محمد أنه لما طولب بالنقض فلم ينقض حتى سقط صار متعدياً بترك النقض، فحصل التلف بسبب هو متعد فيه فيضمن؛ ولهذا ضمن إذا وقع على إنسان؛ كذا إذا عطب بنقضه إنسان. وجه قول أبي يوسف أن الحائط قد زال عن الموضع الذي طولب فيه؛ لانتقاله عن محل الجناية، وهو الهواء، إلى محل آخر بغير صنع صاحبه، فلا بد من مطالبة أخرى؛ كمن وضع ٣٧١ کتاب الجنايات حجراً في الطريق فدحرجته الريح إلى موضع آخر، فعطب به إنسانٌ أنه لا ضمان على الواضع؛ كذا ههنا؛ بخلاف ما إذا سقط على إنسان؛ لأنه لما زال عن محل المطالبة وهو الهواء الذي هو محل الجناية، فلا يحتاج إلى مطالبة أخرى. وَإن كان الطريق غير نافذٍ، فالخصومة إلى واحد من أهل تلك السكة؛ لأن الطريق حقهم، فكان لكل واحد منهم ولاية التقدم إلى صاحب الحائط. وَإن كان ميلان الحائط إلى ملك رجل، فالمطالبة بالنقض والإشهاد إلى صاحب الملك؛ لأن هواء ملكه حقه، وقد شغل الحائط حق صاحب الملك، فكانت المطالبة بالتفريغ إليه، فإن كان في الدار ساكن كالمستأجر والمستعير، فالمطالبة والإشهاد إلى الساكن، فيشترط طلب الساكن أو المالك؛ لأن الساكن له حق المطالبة بإزالة ما يشغل الدار، فكان له ولاية المطالبة بإزالة ما يشغل الهواء أيضاً. ولو طولب صاحب الحائط بالنقض، فاستأجل الذي طالبه أو استأجل القاضي فأجله، فإن كان ميلان الحائط إلى الطريق، فالتأجيل باطلٌ، وَإن كان ميلانه إلى دار رجل، فأجله صاحب الدار، أو أبرأه منه، أو فعل ذلك ساكن الدار - فذلك جائز، ولا ضمان عليه فيما تلف بالحائط، والله أعلم. ووجه الفرق بينهما أن الحق في الطريق لجماعة المسلمين، فإذا طالب واحد منهم بالنقض، فقد تعلق الضمان بالحائط لحق الجماعة، فكان التأجيل والإبراء إسقاطاً لحق الجماعة، فلا يملك ذلك، بخلاف ما إذا كان الميلان إلى دار إنسان؛ لأن هناك الحق لصاحب الدار خاصة، وكذلك الساكن، فكان التأجيل والإبراء منه إسقاطاً لحق نفسه فيملكه، وكذلك لو وضع رجل في دار غيره حجراً أو حفر فيها بئراً أو بنى فيها بناءً، وأبرأه صاحب الدار منه، كان بريئاً، ولا يلزمه ما عطب بشيء من ذلك، سواء عطب به صاحب الدار أو داخل دخل؛ لأن الحق له فيملك إسقاطه؛ كأنه فعل ذلك بإذنه. ومنها: أن يكون المطالب بالنقض ممن يلي النقض؛ لأن المطالبة بالنقض ممن لا يلي النقض سفه، فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة، فلا تصح مطالبة المستودع والمستعير والمستأجر والمرتهن؛ لأنه ليس لهم ولاية النقض، فتصح مطالبة الراهن؛ لأن له ولاية النقض لقيام الملك فينقض، ويقضي الدين، فيصير متعدياً بترك النقض. وتصح مطالبة الأب والوصي في هدم حائط الصغير؛ لثبوت ولاية النقض لهما، فإن لم ينقضا حتى سقط يجب الضمان على الصبي؛ لأن التلف بترك النقض المستحق على الولي؛ والوصي مضاف إلى الصبي؛ لقيامهما مقام الصبي، والصبي مؤاخذ بأفعاله، فيضمن، وتتحمل عنه عاقلته فيما تتحمل العاقلة، ويكون في ماله فيما لا تتحمله العاقلة كالبالغ سواء. ٣٧٢ کتاب الجنايات وعلى هذا يخرج ما إذا كان الحائط المائل لجماعة فطولب بعضهم بالنقض، فلم ينقض حتى سقط، فعطب به شيءٌ، أن القياس أن لا يضمن أحد منهم شيئاً. وفي الاستحسان: يضمن الذي طولب. وجه القياس أنه لم يوجد من أحد منهم ترك النقض المستحق. أما الذين لم يطالبوا بالنقض، فظاهر، وأما الذي طولب به؛ فلأن أحد الشركاء لا يلي النقض بدون الباقين. وجه الاستحسان: أن المطالب بالنقض ترك النقض مع القدرة عليه؛ لأنه يمكنه أن يخاصم الشركاء ويطالبهم بالنقض إن كانوا حضوراً، وإن كانوا غيباً يمكنه أن يرفع الأمر إلى القاضي؛ حتى يأمره القاضي بالنقض؛ لأن فيه حقًّا لجماعة المسلمين، والإمام يتولى ذلك لهم، فيأمر الحاضر بنقض نصيبه ونصيب الغائبين، فَإذا لم يفعل فقد صار متعدياً/ بترك النقض المستحق، فيضمن ما تولد منه، لكن بقدر حصته من الحائط في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وفي قولهما عليه ضمان النصف. وَجْهُ قولهما أن أنصباء الشركاء الآخرين لم يجب بها ضمان، فكانت كنصيب واحد؛ كمن جرحه رجل وعقره سبع ونهشته حية، فمات من ذلك كله أن على الجارح النصف؛ لأن عقر السبع ونهش الحية لم يجب بهما ضمان، فكانا كالشيء الواحد؛ كذا هذا. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن التلف حصل بثقل الحائط، وليس ذلك معنى مختلفاً في نفسه، فيضمن بمقدار نصيبه، والله تعالى أعلم. ومنها: قيام ولاية النقض وقت السقوط، ولا يكتفي بثبوتها وقت المطالبة؛ لأنه إنما يصير متعدياً بترك النقض عند السقوط؛ كأنه أسقطه، فإذا لم يبق له ولاية النقض عند السقوط، لم يصر متعدياً بترك النقض، فلا يجب الضمان عليه. وعلى هذا يخرج ما إذا طولب بالنقض، فلم ينقض حتى باع الدار التي فيها الحائط من إنسان، وقبضه المشتري أو لم يقبضه، ثم سقط على شيء فعطب به - أنه لا ضمان على البائع؛ لانعدام ولاية النقض وقت السقوط بخروج الحائط عن ملكه، ولا على المشتري أيضاً؛ لانعدام المطالبة في حقه، فرق بين هذا وبين ما إذا شرع جناحاً إلى الطريق، ثم باع الدَّار مع الجناح، ثم وقع على إنسان - أنه يضمن البائع. ووجه الفرق: أن وجوب الضمان هناك على البائع قبيل البيع؛ لكونه متعدياً بإشراع الجناح، والإشراع على حاله لم يتغيَّر، فلا يتغير ما تعلق به من الضَّمان ووجوب الضَّمان؛ لكونه متعدياً بترك النّقض المستحق، وذلك عند سُقُوط الحائط، وقد بطل الاستحقاق بالبيع، فلم يوجَد التّعدي عند السُّقوط بترك النَّقض، فلا يجب الضمان . ٣/ ٤٣ب ٣٧٣ کتاب الجنايات وعلى هذا يخرج ما إذا طولب الأب بنَقْض حائطِ الصغير، فلم ينقض حتى مات الأب، أو بلغ الصبي، ثم سقط الحائط - أنه لا ضَمَان فيه؛ لأن قيام الولاية وقت السقوط شرط، وقد بطلت بالموت والبلوغ، والله تعالى أعلم. ومنها: إمكان النَّقض بعد المطَالبَة؛ وهو أن يكون سقوط الحائط بعد المطَالبَة بالنقض في مدَّة يمكنه نقضه فيها؛ لأن الضمان يجب بتَرْك النَّقض الواجب، ولا وجوب بدون الإمكان، حتى لو طولب بالنقض فلم يفرط في نقضه، ولكنه ذهب يطلب من ينقضه، فسقط الحائط فتلف به شيء - لا ضمان عليه؛ لأنه إذا لم يتمكّن من النَّقض لم يكن بترك النقض متعدياً، فبقي حق الغير حاصلاً في يده بغير صنعة، فلا يكون مضموناً عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. فصل وأما بيان ماهية الضَّمان الواجب بهذه الجناية وكيفيته؛ فالواجب بهذه الجِنَاية ما هو الوَاجِب بجنسِها من جناية الحَافِر ومن في معناه، وجناية السائق والقائد والناخس، وهو ما ذَكَرْنا أن الجناية إن كانت على بَنِي آدم وكانت - فالواجب بها الدِّية، وإن كانت ما دون النَّفس فالواجب بها الأرش، فإذا بلغ الواجب بها نصف عُشْر دية الذكر وهو عشر دية الأنثى فما فوقه - تتحمله العاقلة ولا تتحمل ما دُون ذلك، ولا ما يجب بالجناية على غير بني آدم، بل يَكُون في ماله لما بينا فيما تقدم؛ إلا أن ظهور الملك لصَاحِب الحائط في الدَّار عند الإنكار بحجّة مطلقة، وهي البينة شرط تحمل العَاقِلة، حتى لو أنكرت العاقلة كون الدَّار ملكاً لصاحب الحَائِط - لا عقل عليهم حتى يقيم صَاحِب الدَّار البينة على الملك، كذا ذكر محمد - رحمه الله - فقال: لا تضمن العَاقِلة حتى يشهد الشُّهود على ثلاثة أشياء: على التقديم إليه [على أنه مات] من سُقُوط الحائط؛ وعلى أن الدار له يريد به عند الإنكار. أما الشّهادة على الملك فلأن الملك وإن كان ثابتاً له بظاهر اليد، لكن الظاهر لا يستحقّ به حقّ على غيره؛ إذ هو حجة للدَّفع لا حجَّة الاستحقاقِ؛ لحياة المفقود وغير ذلك، فلا بدّ من الإثبات بالبيئة. وعند زفر - رحمه الله - تتحمَّل العاقلة بظاهر اليَدِ، وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الشُّفعة. وأما الشَّهادة على المطالبة؛ فلأن المطالبة شَرْط وجوب الضَّمان لما ذكرنا فيما تقدم، فلا بدَّ من إثباتها بالبينة عند الإنْكَار، وأما الشهادة على الموت من سُقُوط الحائطِ؛ فلأن به يظهر سَبَبَ وجوب الضَّمان، وهو التعدِّي؛ لأنه ما لم يعلم أنه مات من السُّقوط لا يعلم كَوْن صاحب الحَائِط متعديًّا عليه، والله أعلم. ٣٧٤ کتاب الجنايات = (١) فصل في القسامة(١) هذا الذي ذَكَرْنا حكم قتل نفس علم قاتلها، فأما حُكْم نفس لم يعلم قاتلها فوجوب القَسَامة والدِّية عند عامة العُلَمَاءِ - رحمهم الله تعالى -، وعند مالكِ - رحمه الله -: وجوب القَسَامة والقِصَاص، والكلام في القَسَامة يقع في موَاضِع : في تفسير القَسَامة وبيان محلها . وفي بيان شَرَائِط وجوب القَسَامة والدية. وفي بيان سَبَب وجوب القَسَامة والدية. وفي بيان من يدخل في القَسَامة والدية. وفي بيان ما يكون إبراء عن القسامة والدية. ١٤٤/٣ أما تفسير القسامة وبيان محلها: فالقَسَامة/ في اللُغة تستعمل بمعنى الوَسَامة؛ وهي الحسن والجمال، يقال: فلان قسيم أي: حسن جَمِيل، وفي صفات النبي - عليه الصلاة والسلام - قسيم، وتستعمل بمعنى القسم وهو اليمين، إلا أن في عرف الشّرع تستعمل في اليمين بالله - تبارك وتعالى -؛ بسبب مَخْصُوص وعدد مخصوص وعلى شخص مخصوص، (١) القَسَامَةُ. في اللغة مأخوذة من القَسَم، وهو اليمين، والقَسَامَةُ الأيْمَانُ نقسم على أولياء إذا ادّعوا الدم، يقال: قتل فلان بالقسامة إذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل، دعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليل دون البَيِّنة، فحلفوا خمسين يميناً أن المدعى عليه قتل صاحبهم. وفي اصطلاح الفقهاء هي الأيمان المُكررة في دعوى القتل. ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القَسَامَةَ مشروعة، وقد استدلّوا على ذلك بأحاديث منها: ما روي عن سَهْلٍ ابن أبي حثمة قال: انطلق عَبْدُ الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود إلى ((خيبر)) وهي يومئذٍ صلح، فتفرقا، فأتى محيّصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحّط في دمه قتيلاً، فدفنه، ثم قدم ((المدينة))، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيّصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ◌َّ فذهب عبد الرحمن يتكلّم فقال ◌َله (كبر كبر)) وهو أحدث القوم، فسكت فتكلما، فقال: ((أتحلفون وتستحقُّون دم صاحبكم، فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا له: كيف نأخذ بأيمان قوم كفّار، فعقّله النبي بَلّر من عنده. وفي رواية متفق عليهما قال ◌َلجر: ((يقسم خمسون منكم على رَجُلٍ منهم، فيدفع برمته)) فقالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف؟ قال فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا: يا رسول الله قوم كفار الحديث. فقوله وَّيقر: ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم)) دليل على مشروعية القَسَامَةِ، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة والتابعين، والعلماء من ((الحجاز)) و((الكوفة)) و((الشام)) كما حكى ذلك القاضي - عَيَاضٌ: ولم يختلفوا في الجملة؛ ولكن اختلفوا في التفاصيل. ٣٧٥ كتاب الجنايات وهو المدعى عليه على وجه مخصوص، وهو أن يقول خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها: بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، فإذا حلفوا يغرمون الدِّية، وهذا عند أصحابنا - رحمهم الله -. وقال مالك - رحمه الله -: إن كان هُنَاك لوث يستحلف الأولياء خمسين يميناً، فإذا حلفوا يقتص من المدعى عليه. وتفسير اللوث(١) عنده أن يكون هناك علامة القَتْل في واحدٍ بعينه، أو يكون هناك عداوة ظَاهِرة. وقال الشافعي - رحمه الله -: إن كان هناك لوث، أي عداوة ظاهرة، وكان بين دخوله المحلّة وبين وجوده قتيلاً مدة يسيرة، يقال للولي: عين القاتل فإن عيّن القاتل يقال للولي: اخْلِف خمسين يميناً، فإن حلف فله قولان: في قول: يقتل القَاتِل الذي عينه كما قال مالك - رحمه الله -، وفي قول: يغرمه الدية؛ فإن عدم أحد هذين الشَّرطين اللذين ذكرناهما يحلف أهل المحلة، فإذا حلفوا لا شيء عليهم كما في سائر الدَّعَاوى. احتجًّا لوجوب القَسَامة على المدعي بحديث سَهْل بن أبي خيثمة أنه قال: وجد عبد الله بن سَهْل(٢) قتيلاً في قليب(٣) خيبر فجاء أخُوه عبد الرحمن بن سَهْل وعماه حُوَيِّصَةً وَمُحَيِّصَة إلى رسول الله - وَهـــ فَذَهَبَ عَبْدُ الرحمن يتكلّم عند النبيِّ - عليه الصلاة والسلام - فقال عليه الصلاة والسلام: ((الكُبْرَ الكُبْرَ)) فتكلَّم أَحَدُ عَمَّيْهِ، إِمَّا حُوَيِّصَةُ وَإِمَّا مُحَيِّصَةُ الكَبِيرُ مِنْهُمَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ وَجَدْنَا عَبْدَ الله قَتِيلاً في قَلِيبٍ مِنْ قليب خَيْبَرَ، وَذَكَرَ عَدَاوَةً الْيَهُودِ لَهُمْ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَّةُ وَالسَّلامُ: يَخْلِفُ لَكُمُ الْيَهُودُ خَمْسِينَ يَمِيناً أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ، فَقالُوا: كَيْفَ نَرْضَى بِأَيْمَانِهِمْ وَهُمْ مُشْرِكُونَ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ: ((فَيَقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَقَالُوا: كَيْفَ نُقْسِمُ عَلَى مَا لَمْ نَرَهُ؟! فَوَدَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنْ عِنْدِهِ)(٤). (١) اللَّوْثُ - بِالْفَتْحِ: الْقُوَّةُ، قال الأعشى: بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَثَرتْ فالتَّعْسُ أَذْنَى لَها مِنْ أَنْ يُقَالَ لَعَا وَمِنْهُ سُمِّيَ الْأَسَدُ لَيْثَاً، فَاللَّوْثُ: قُوَّةُ جَنَبَةِ الْمُدَّعِي. وَأَمَّ اللَّوثُ - بِالضَّمِّ - فَهُوَ الاسْتِزْخَاءِ. وَاللّوثَةُ: مَسُّ جُنُونٍ. ينظر النظم ٣٦٠/٢. (٢) عبد الله بن سهل صحابي قال ابن إسحاق: أنه خرج مع أصحابه إلى خيبر يمتارون فوجد في عين قد كسرت عنقه ثم طرح فيها. ينظر ((التقريب)) (٤٢١/١) و((التهذيب)) (٢٤٧/٥) والإصابة (١٠٦/٤). (٣) قليب: بئر. (٤) أخرجه مالك (٨٧٧/٢ - ٨٧٨) كتاب القسامة: باب تبرئة أهل الدم في القسامة حديث (١) والبخاري = ٣٧٦ کتاب الجنايات ووجه الاستدلال بالحديث: أنه - عليه الصلاة والسلام - عرض الأيمان على أولياء القتيل، فدلَّ أن اليمين على المدعي. ولما: ما روي عن زياد بن أبي مريم أنه قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي وَجَدَتْ أَخِي قَتِيلاً فِي بَنِي فُلاَنٍ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((اجْمَعْ مِنْهُمْ خَمْسِينَ، فَيَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَتَلُوهُ، وَلاَّ عَلِمُوا لَهُ قَاتِلاً)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَيْسَ لِي مِنْ أَخِي إِلَّ هَذَا، فَقَالَ: بَلْ لَكَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ))(١) فَدَلَّ الحديث على وجُوب القَسَامَة على المدَّعى عليهم وهم أهل المحلة، لاعلى المدعي، وعلى وجوب الدية عليهم مع القَسَامة. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وجد فَتِيل بخيبر، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((اخْرُجُوا مِنْ هَذَا الدَّم))، فقالت اليهود: قد كان وجد في بني إسرائيل على عهد (٢٢٩/١٢) كتاب الديات: باب القسامة حديث (٦٨٩٨) ومسلم (١٢٩١/٣) كتاب القسامة والمحاربين = والقصاص والديات: باب القسامة حديث (١٦٦٩/١) وأبو داود (٦٥٥/٤) كتاب الديات: باب القتل بالقسامة حديث (٤٥٢٠) والترمذي (٣٠/٤ - ٣١) كتاب الديات: باب ما جاء في القسامة حديث (١٤٢٢) والنسائي (٥/٨ - ٧) كتاب القسامة: باب تبرئة أهل الدم في القسامة، وابن ماجة (٨٩٢/٢، ٨٩٣) كتاب الديات: باب القسامة حديث (٢٦٧٧) والحميدي (١٩٦/١ - ١٩٧) رقم (٤٠٣) وأحمد (٤/ ٣) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٧٩٨، ٧٩٩، ٨٠٠) وابن حبان (٥٩٧٧ - الإحسان) والدار قطني (١٠٩/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٩٥) والبيهقي (١٢٦/٨ - ١٢٧) كتاب القسامة: باب ما جاء في القتل بالقسامة والبغوي في ((شرح السنة)) (٤١٤/٥ - بتحقيقنا) كلهم من حديث سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذٍ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ور فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال النبي ◌َّر كبر كبر وهو أحدث. القوم فسكت فتكلما قال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم فقالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال فتبرئكم يهود بخمسين يميناً فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي وَلّر من عنده. (١) لم أجده بهذا الإسناد. وزياد بن أبي مريم قال الحافظ في التقريب (٢١١١): وثقه العجلي من السادسة ولم يثبت سماعه من أبي موسی . وقال الذهبي في الميزان (١٣٦/٣): ((فيه جهالة وقد وثق لكن ورد من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن أناس من أصحاب النبي ول# فقد أخرجه مسلم (١٢٩٥/٣) كتاب القسامة: باب القسامة حديث (٧، ١٦٧٠/٨) والنسائي (٥/٨) كتاب القسامة: باب القسامة من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن أناس من أصحاب رسول الله وَ لقر أن القسامة كانت في الجاهلية فأقرها رسول الله ولميول على ما كانت عليه وقضى بها بين أناس من الأنصار في قتیل ادعوه على يهود خيبر. ٣٧٧ کتاب الجنايات سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - فقضى في ذلك، فإن كنت نبياً فاقْضٍ، فقال لهم النبيُّ - عليه الصلاة والسلام -: (تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً ثُمَّ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ»(١) فقالوا: قضيت بالنّاموس، أي: بالوحي، وهذا نص في الباب، وبه يبطل قول مالك - رحمه الله - بإيجاب القِصَاص به؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - غرمهم الدِّية لاَ القِصَاص، ولو كان الوَاجِبِ هو القصاص لغرمهم القِصَاص لا الدِّية . وروي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - حكم في قتيل وُجِد بين قريتين، فطرحه على أقربهما وألزم أهل القرية القَسَامة والدية؛ وكذا روي عن سيدنا علي - رضي الله عنهم، - ولم ينقل الإنكار عليهما من أحدٍ من الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فيكون إجماعاً. وأما حَدِيث سهل ففيه ما يدلُّ على عدم الثُّبوت؛ ولهذا ظهر النَّكير فيه من السَّلف، فإن فيه أنه - عليه الصلاة والسلام - دعاهم إلى أيمان اليهود فقالوا: كيف نرضى بأيمانهم وهم مُشْرِكون؟ وهذا يجري مجرى الردِّ لما دعاهم إليه، مع ما أن رضا المدعي لا مدخل له في يَمِينِ المُدَّعى عليه، وفيه أيضاً أنه لما قال لهم: يحلف منكم خَمْسُون أنهم قتلوه، قالوا: كيف نحلف على ما لم نشهد . وهذا أيضاً يجري مجرى الرد؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -؛ ثم إنهم أنكروا ذلك لعدم علمهم بالمَخلُوف عليه ورسول الله - نَّطير - كان يعلم أنهم لا علم لهم بذلك، فكيف استجاز عرض اليمين عليهم، ولئن ثبت فهو مؤوّل، وتأويله أنهم لما قالوا: لا نرضى بأيْمَان اليَهُود، فقال لهم - عليه الصلاة والسلام: يحلف منكم خَمْسُون على الاسْتِفْهَام، أي: أيحلف؛ إذ الاستفهام قد يكون بحَذْف حرف الاستفهام كما قال الله تعالى جلَّ شأنه: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] أي أتريدون. كما روي في بعض ألفاظ حديث سهل: ((أَتَخَلَفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ))؟ عَلى سبيل الردّ والإِنْكَار عليهم (٢)؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] حملناه على هذا توفيقاً بين الدَّلائل، والحديث المشْهُور/ دليلٌ على ما قلنا، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((البَيْنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلى المُذَّعَى عَلَيْهِ»(٣) جعل جِنْس اليمين على المدَّعى عليه، فينبغي ألاّ يكون شيء من الأيمان على المدَّعي. ٤٤/٣ب (١) ورواه البيهقي في الكبرى (٨/ ١٢٣) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مختصراً. وقال: فهذا لا يحتج به الكلبي متروك وأبو صالح هذا ضعيف. وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٣٩٤/٤) إلى الدارقطني ونقل قول الدار قطني: ((الكلبي متروك)). (٢) تقدم. (٣) تقدم. ٣٧٨ کتاب الجنايات فإن قيل: روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنَّهُ قال: ((البَيْنَةُ عَلَى المُذَّعي وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ، إلاَّ فِي القَسَامَةِ))(١) استثنى القَسَامة، فينبغي ألاَّ تكون اليمين على المدعى عليه في القَسَامة؛ لأنَّ حكم المستثنى يخالف حُكُم المستثنى منه. فالجواب: أن الاستثناء لو ثَبَتَ فله تأْوِيلان أحدهما: اليمين على المدَّعى عليه بعينه إلا في القَسَامة، فإنه يحلف من يدعي(٢) عليه القَتْل بعينه. والثاني: اليمين كل الوَاجِب على المدَّعى عليه إلا في القَسَامة فإنه تجب معها الدِّية، والله تعالى أعلم. وإنما جمعنا في القَسَامة بين اليمين البَتَات والعلم إلى آخره؛ لأن إحدى اليمينين كانت على فِعْلهم فكانت على البَتَات؛ والأخرى على فعل غيرهم فكانت على العلم، والله تعالى عز وجل أعلم. فإن قيل: أي فائدة في الاستخلاف على العلم، وهم لو علموا القاتل فأخبروا به، لكان لا يقبل قولهم؛ لأنهم يسقطون به الضَّمان عن أنْفُسهم، فكانوا متهمين دافعين الغُزْم عن أنْفُسهم، وقد قال - عليه السلام - ((لاَ شَهَادَةَ لِلْمُتَّهمَ)) (٣) وقال عليه الصلاة والسلام: ((لاَ شَهَادَةً لِجَارِ المَغْنَمِ، وَلاَ لِدَافِعِ المَغْرَم)» (٤) قيل: إنما استحلفوا على العلم اتباعاً للسنة؛ لأن السنة هكذا ورَدَتَ لما روينا مَن الأخبار، فاتبعنا السنة من غير أن نعقل فيه المعنى. ثم فيه فائدة من وَجْهَين: أحدهما: أن من الجَائِزِ أن يكون القَاتِل عبداً لواحد منهم، فيقر عليه بالقَتْل فيقبل إقراره؛ لأن إقرار المَوْلى على عبده بالقَتْل الخطأ - صحيح؛ فيقال له: ادفعه أو افده، ويسقط الحكم عن غيره، فكان التَّخلِيف على العلم مفيداً، وجائز أن يقر على عَبْد (١) تقدم. (٢) في ط: لم يدع. (٣) لم أجده بهذا اللفظ. لكن روى الترمذي في سننه (٥٤٥/٤) كتاب الشهادات، باب ما جاء فيمن لا تجوز شهادته الحديث (٢٢٩٨) والدار قطني (٢٤٤/٤). والبيهقي (١٥٥/١٠) كتاب الشهادات، باب من قال لا تقبل شهادته. من طريق مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن غروة عن عائشة قالت: قال رسول الله يقول: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حداً ولا مجلودة ولا ذي غمر لأخيه ولا مجرب شهادة ولا القانع أهل البيت لهم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)). ورواه أبو داود (٣٠٦/٣) كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته رقم (٣٦٠١) وابن ماجه (٢/ ٧٩٢) كتاب الأحكام، باب من لا تجوز شهادته الحديث (٢٣٦٦). والبيهقي في الكبرى (١٥٥/١٠) كتاب الشهادات، باب من قال لا تبطل شهادته. من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً. (٤) تقدم تخريجه. ٣٧٩ کتاب الجنايات غيره، ويصدقه مؤلاه فيؤمر بالدفع أو الفداء، ويسقط الحُكْم عن غيره فكان مفيداً، فجاز أن يكون التَّخْلِيف على العِلْم لهذا المعنى في الأصل، ثم بقي هذا الحكم. وإن لم يكن لواحدٍ من الحالفين عبد كالرَّمَلِ في الطّواف؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يرمل فيِ الطَّواف؛ إظهاراً للجلادة والقوّة مرَاآَةً للكفرة بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((رَحِمَ الله امْرَأْ أَظْهَرَ اليَوْمَ الجَلاَدَةَ مِنْ نَفْسِهِ))(١) ثم زال ذلك اليَوْم، ثمٍ بقي الرمل سنة في الطَّواف؛ حتى روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - كان يرملُ في الطّواف ويقول: ما أهز كَتِفي ولم أجد أحداً رأيته، لكني رأيت رسول الله - مول ر - يفعل ذلك، كذا هذا. والثاني: أنه لا يَمْتَنِع أن يكون واحدٌ منهم أمر صبيًّا أو مجنوناً أو عبداً محجوراً عليه بالقَتْل، ولو أقر به - يلزَمُه في ماله، يحلف بالله ما علمت له قاتلاً، لأنه لو قال: علمت له قاتلاً وهو الصَّبي الذي أمره بقتله - لكان حاصل الضَّمان عليه، ويسقط الحكم عن غَيْرِه فكان مفيداً، والله تعالى أعلم. فصل في شرائط وجوب القسامة وأما شَرَائط وجوب القَسَامة والدِّية فأنواع: منها: أن يكون المؤْجُود قتيلاً؛ وهو أن يكون به أثر القَتْل من جراحة أو أثر ضَرْب أو خنق، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا قسامة فيه ولا دية، لأنه إذا لم يكن به أثر القتل فالظاهر أنه مات حتف أنفه، فلا يجب فيه شيء، فإذ احتمل أنه مَاتَ حتف أنفه، واحتمل أنه قتل احتمالاً على السواء؛ فلا يجِب شيء بالشّك والاحتمال، ولهذا لو وُجَد في المعركة ولم يكن به أثر القَتْل لم يكن شهيداً حتى يغسل. وعلى هذا قالوا: إذا وجد والدَّم يخرج من فمه أو من أنفه أو دبره أو ذكره - لا شيء فيه، لأن الدَّمُ يخرج من هذه المَواضِع عادة بدون الضَّرب بسبب القيء والرعاف وعارض آخر، فلا يعرف كونه قتيلاً؛ وإن كان يخرج من عينه أو أذنه، ففيه القسامة والدية؛ لأن الدم لا يخرج من هذه الموَاضِع عادة، فكان الخروج مضافاً إلى ضرب حادثٍ فكان قتيلاً؛ ولهذا لو وجد هكذا في المغْرَكة كان شهيداً وفي الأول لا يكون شهيداً، ولو مر في محلة فأصابه سيف أو خنجر(٢) فجرحه، ولا يدري من أي مَوْضِع أصابه، فحمل إلى أهله فمات من تلك الجِرَاحة، فإن كان لم يَزل صاحب فِرَاشِ حتى مات - فعلى عاقلة القَبِيلةَ القَسَامَة والدية؛ وإن لم يكن صَاحِب فِرَاش، فلا قَسَامة ولا دية، وهذا قولهما. (١) تقدم في الحج. (٢) في أ: حجر. ٣٨٠ كتاب الجنايات وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لاَ قَسَامة فيه ولا ضَمَان في الوَجْهَين جميعاً، وهو قول ابن أبي ليلى - رحمه الله -. وجه قول أبي يوسف: أن المجرُوح إذا لم يمت في المحلّة، كان الحاصل في المحلة ما دون النّفس، ولا قسامة فيما دون النفس؛ كما لو وجد مقْطُوع اليد في المحلة؛ ولهذا لو لم یکن صَاحِبٍ فِرَاش فلا شيء فیه، كذا هذا. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله -: أنه إذا لم يبرأ عن الجراحة، وكان لم يزل صاحب فِرَاش حتى مات - علم أنه مات من الجِرَاحة، فعلم أن الجِرَاحة حصلت قتلاً من حين وجودها، فكان قتيلاً في ذلك الوقت؛ کأنه مات في المحلّة، بخلاف ما إذا لم يكُن/ صاحبٍ فِرَاش؛ لأنه إذا لم يصر صاحب فِرَاش لم يعلم أن الموت حَصَل من الجِرَاحة، فلم يوجد قتيلاً في المحلة فلا يثبت حکمه. وعلى هذا يخرج ما إذا وجد من القَتِيل أكثر بدنه، أن فيه القسامة والدية؛ لأنه يسمى قتيلاً؛ لأن للأكثر حكم الكلِّ. ولو وجد عضوٌ من أعضائه كاليد والرَّجل، أو وجد أقل من نِصْف البدن. فلا قسامة فيه ولا دية؛ لأن الأقل من النصف لا يسمى قتيلاً؛ ولأنا لو أوجبنا في هذا القَدْر القسامة لأوجبنا في البَاقِي قسامة أخرى، فيؤدي إلى اجتماع قَسَامتين في نَفْس واحدةٍ، وهذا لا يجوز؛ وإن وجد النِّصف فإن كان النّصف الذي فيه الرَّأس، ففيه القَسَامة والدية، وإن كان النصف الآخر فلا قسامة فيه ولا دية؛ لأن الرأس إذا كان مَعَهُ يسمى قتيلاً، وإذا لم يكن لا يسمَّى قتيلاً؛ لأن الرأس أصل؛ ولأنا لو أوجبنا في النّصف الذي لا رأس فيه، للزمنا الإيجاب في النّصف الذي معه الرأس، فيؤدِّي إلى ما قلنا. وإن وجد الرأس وحده فلا قَسَامة ولا دية؛ لأن الرَّأس وحده لا يسمى قتيلاً، وإن وجد النّصف مشقوقاً فلا شيء فيه؛ لأن النّصف المشْقُوق لا يسمى قتيلاً؛ ولأن في اعتباره إيجاب القَسَامتين على ما بينا، ونظير هذا ما قُلْنَا في صلاة الجنازة، إذا وجد أكثر البَدَن أو أقلّ أو نصفه على التَّفْصيل الذي ذكرنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها: ألاَّ يعلم قاتله، فإن علم فلا قَسَامة فيه، ولكن يجب القصاص إن كان قتيلاً يوجب القِصَاص، وتجب الدية إن كان قتيلاً يوجب الدِّية، وقد ذكرنا جَمِيع ذَلِك فيما تقدم. ومنها: أن يكون القَتِيل من بني آدم - عليه الصلاة والسلام -، فلا قَسَامة في بهيمة وُجدت في محلة قوم ولا غرم فيها؛ لأن لزوم القَسَامة في نفسها أمر ثبت بخلاف القياس؛ لأن تَكْرَار اليمين غير مشْرُوع، واعتبار عدد الخَمْسِين غير معقول؛ ولهذا لم يعتبر في سائر ١٤٥/٣