Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الجنايات
وأما نصيب الآخر فيقال للمولى: ادفع نصف العبد؛ أو افد بنصف الدية على قول أبي
حنيفة - رضي الله عنه -: لأن الصلح قد بطل عنده، وعلى قولهما يدفع نصف العبد أو يفدي
بنصف الدية، والنصف الآخر يباع في حصة المصالح، أو يقضي عنه المولى، وأما القن إذا
قتل رجلاً عمداً، وله وليان فصالح العبد أحدهما، ينقلب نصيب الآخر مالاً، ونصيب المصالح
يؤخذ بعد العتاق؛ بلا خلافٍ، وأما غير المصالح فيخاطب المولى بدفع نصف العبد إليه أو
الفداء بنصف الدية .
ولو مات المكاتب قبل أن يؤخذ شيء من ذلك ولم يترك شيئاً أصلاً أو لم يترك وفاء
بالكتابة، بطلت الجناية؛ لأنه إذا مات عاجزاً فقد مات قنًّا، والقن إذا جنى جناية ثم مات تبطل
الجناية أصلاً ورأساً، وما تركه يكون للولي [لأنه] (١) إذا مات عبداً كان المتروك مال المولى،
فیکون له .
ولو مات المكاتب وترك مالاً وعليه دين وكتابة، يبدأ بدين الأجنبي؛ لأن دين المولى
دين ضعيف؛ إذ لا يجب المولى على عبده دين، فكانت البداية بالأقوى أولى.
وحكي عن قتادة - رضي الله عنه - قال: قلت لابن المسيب: إن شريحاً يقول: الأجنبي
والمولى يتحاصان؟ فقال سعيد بن المسيب: أخطأ شريح، وإن كان قاضياً، قضاء زيد بن ثابت
أوْلَى، وكان زيد يقول: يبدأ بدين الأجنبي، فالظاهر أنه كان لا يخفى قضاؤه على الصحابة،
ولم يعرف له مخالف، فيكون إجماعاً.
ولو مات المكاتب وترك وفاء بالكتابة وجناية، فالجناية أوْلَى؛ لأنها أقوى، ولو مات
وترك مالاً وعليه دينٌ وكتابة وجناية، فإن كان قضى عليه بالجناية فصاحب الجناية وصاحب
الدين سواء؛ لأن الجناية إذا قضى بها صارت ديناً، فهما دينان؛ فلا يكون أحدهما بالبداية به
أَوْلَى من صاحبه، وإن كان لم يقض عليه بالجناية يبدأ بالدين؛ لأنه متعلق بذمته، ودين الجناية
لم يتعلق بذمته بعد، فكان الأول آكد وأقوى، فيبدأ به ويقضي الدين منه، ثم ينظر إلى ما بقي،
فإن كان به وفاء بالكتابة، فصاحب الجناية أوْلَى فيبدأ به، وإن لم يكن به وفاء بالكتابة، فما بقي
يكون للمولى؛ لأنه يموت قنًّا على ما بينا/، وهذا بخلاف ما قبل الموت أن المكاتب يبدأ بأيّ
الديون شاء، إن شاء بدين الأجنبي، وإن شاء بأرش الجناية، وإن شاء بمال الكتابة؛ لأنه يؤدي
من كسبه، والتدبير في إكسابه إليه، فكان له أن يبدأ بأي ديونه شاء.
وعلى هذا قالوا في المكاتب إذا مات فترك ولداً إن ولده يبدأ من كسبه، أي الديون شاء؛
(١) في ط: الدين.
١٣٦/٣

٣٤٢
کتاب الجنايات
لأنه قام مقام المكاتب، فتدبير كسبه إليه، بخلاف ما إذا مات ولم يترك ولداً؛ لأن الأمر في
موته إلى القاضي، فيبدأ بالأولى فالأولى؛ والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو اختلف المولى وولي الجناية في قيمته وقت الجناية، فالقول قول المكاتب في قول
أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد، وفي قول أبي يوسف الأول ينظر إلى قيمته للحال؛ لأن
الحال يصلح حكماً في الماضي، فيحكم.
وَجْهُ قوله الأخير أن ولي الجناية يدعي زيادة الضمان؛ وهو ينكر، فكان القول قوله،
والله تعالى الموفق.
وأَمَّا قدر الواجب بجنايته، فهو الأقل من قيمته ومن الدية؛ لأن الأرش إن كان أقل، فلا
حق لولي الجناية في الزيادة، وإن كانت القيمة أقل فلم يوجد من الكاتب منع الزيادة، فلا تلزمه
الزيادة، وإن كانت قيمته أقل من الدية وجبت قيمته، ولا يخير، وإن كانت أكثر من الدية أو
قدر الدية، ينقص من الدية عشرة دراهم، لأن العبد لا يتقوم في الجناية بأكثر من هذا القدر،
سواء كانت الجناية منه أو عليه، وتعتبر قيمته يوم الجناية؛ لأن القيمة كالبدل عن الدفع،
والدفع يجب عند الجناية، وكذا المنع بالكتابة السابقة لحق المكاتب إنما يصير سبباً عند وجود
الجناية، فيعتبر الحكم وهو وجوب القيمة عند وجود الجناية، والله تعالى أعلم.
وأما صفة الواجب فهي أن يجب عليه حالاً لا على العاقلة مؤجلاً؛ لأن الحكم الأصلي
في جناية العبد هو الدفع، وهذا كالخلف عنه، والدفع يجب عليه حالاً لا مؤجلاً؛ فكذا
الخلف، والله تعالى أعلم.
هَذَا إذا كان المقتول أجنبيًّا، فأما إذا كان مولى القاتل، فالقاتل لا يخلو إما إن كان قنًّا،
وإما إن كان مدبراً، وإما إن كان أم ولد، وإما إن كان مكاتباً.
فإن كان قنَّا فقتل مولاه خطأ، فجنايته هدرٌ؛ لأن المولى لا يجب له على عبده دين وإن
قتله عمداً فعليه القصاص لما مر، ولو قتله عمداً وله وليان، فعفا أحدهما حتى سقط
القصاص؛ بطلت الجناية، ولا يجب للذي لم يعف شيء في قولهما، وقال أبو يوسف رحمه
الله: يُقال للذي عَفَا إما أن تدفع نصف نصيبك، وهو ربع العبد إلى الذي لم يعف، أو تفديه
بربع الدية .
وَجْهُ قوله: إن القصاص كان مشتركاً بينهما؛ لكلِّ واحد منهما النصفُ، فإذا عفا
أحدهما، فقد سقط نصف القصاص، وانقلب نصيب صاحبه - وهو النصف - مالاً شائعاً في
النصفين، نصفه وهو الربع في نصيبه، ونصفه في نصيب الشريك، فما كان في نصيبه يسقط،
وما كان في نصيب الشريك يثبت.
وجه قولهما إن الدية إما أن تجب حقًّا للمولى، والوارث يقوم مقامه في استيفاء حق

٣٤٣
کتاب الجنايات
وجب له، وإما أن تجب حقًّا للورثة بانتقال الملك إليهم بطريق الوراثة، وكيفما كان فالمولى لا
یجب له على عبده دین.
وإن كان مدبراً فقتل مولاه خطأ، فجنايته هَدَرٌ، وعليه السعاية في قيمته؛ لأنه لو وجبت
الدية لوجبت على المولى؛ لأنه لو جنى على أجنبي لوجبت الدية عليه، فههنا أولى، ولا سبيل
إلى الإيجاب له، وعليه، إلا أنه يسعى في قيمة نفسه؛ لأن العتق يثبت بطريق الوصية.
ألا ترى أنه يعتبر من الثلث والوصية لا تسلم للقاتل، إلا أن العتق بعد وقوعه لا يحتمل
الفسخ، فوجب عليه قيمة نفسه، ولو قتله عمداً فعليه القصاص، ويسعى في قيمته لما قلنا،
وورثته بالخيار: إن شاؤوا عجلوا استيفاء القصاص، وبطلت السعاية، وإن شاؤوا استوفوا
السعاية ثم قتلوه قصاصاً؛ لأنهما حقان ثَبَتَا لهم، واختيار السعاية لا يكون مسقطاً للقصاص؛
لأنَّ السعاية ليست بعوض عن المقتول، بل هي بدل عن الرق.
ولو كان للمولى وليَّن عفا أحدهما، ينقلب نصيب الآخر مالاً، بخلاف القن؛ لأن هناك
لا يمكن إيجاب الضمان؛ لأنه لو وجب لوجب للمولى على عبده، وليس يجب للمولى على
عبده دينٌ، وههنا يمكن؛ لأن المدبر يعتق بموت سيده، فيسعى وهو حُرٍّ، فلم يكن في إيجاب
الدية عليه إيجاب الدين للمولى على عبده، فهو الفرق.
وإن كان أم ولد فقتلت مولاها خطأ أو عمداً، فحكمها حكم المدبر، وإنما يختلفان في
السعاية، فأم الولد لا سعاية عليها، والمدبر يسعى في قيمته؛ لأن العتق هناك يثبت بطريق
الوصية وعتق أم الولد ليس بوصية حتى لا يعتبر من الثلث.
وَلو قتلت أم الولد مولاها عمداً وله ابنان من غيرها، فعفا أحدهما، سعت في نصف
قيمتها للذي لم يعف؛ لأن القصاص قد سقط بعفو أحدهما وانقلب نصيب الآخر مالاً، وَإنما
وجب عليها السعاية في نصف قيمتها لا في نصف الدية، وإن كانت هي حرة وقت وجوب
السعاية/؛ لأنها عتقت بموت سيدها وتسعى وهي حرة؛ لأنها كانت مملوكة وقت الجناية،
فيجب اعتبار الحالين حال وجود الجناية، وحال وجوب السعاية.
ولو كانت مملوكة في الحالين؛ بأن قتلت أجنبيًّا خطأ لوجبت القيمة، وكانت على
المولى لا عليها، فإن كانت مملوكة حال الجناية، حرة حال السعاية، اعتبرنا بالحالين، فأوجبنا
نصف القيمة اعتباراً إلى وجود الجناية، وأوجدنا ذلك عليها لا على المولى؛ اعتباراً بحال
وجوب السعاية، اعتباراً للحالين بقدر الإمكان، ولو كان أحد الابنين منها لا يجب القصاص
عليها، وسعت في جميع قيمتها.
أما عدم وجوب القصاص؛ فلأنه لو وجب لوجب مشتركاً بينهما، ولا يمكن الإيجاب
في نصيب ولدها، إذ لا يجب للولد على أمه قصاص؛ لتعذر الاستيفاء؛ احتراماً للأم.
٣٦/٣ب

٣٤٤
كتاب الجنايات
وأما لزوم السعاية؛ فلأن القصاص سَقَطَ للتعذر، ولا تعذر في القيمة، فتسعى في جميع
قيمتها، وتكون بينهما، وإن كان مكاتباً فقتل مولاه خطأ، فعليه الأقل من قيمته أو الدية؛ لأنه
جناية الكاتب على مولاه لازمة؛ كجناية مولاه عليه؛ لأنه فيما يرجع إلى إكسابه وأروش(١)
جناياته كالأجنبيِّ؛ لأنه أحق بإكسابه من المولى، وتجب القيمة حالة؛ لأنها تجب بالمنع من
الدفع، فتكون حالة كما تجب على المولى بجناية مدبره، وإن كان عمداً فعليه القصاص. والله
أعلم.
هَذَا إذا كان القاتل والمقتول حرين، أو كان القاتل حُرًّا والمقتول عبداً، أو كان القاتل
عبداً والمقتول حُرًّا، فأما إذا كانا عبدين؛ بأن قتل عبد عبداً خطأ، فالمقتول لا يخلو إما إن كان
عبداً لأجنبي، وإما إن كان عبداً لمولى القاتل، فإن كان عبداً لأجنبي بأن كان القاتل قنًّا،
يخاطب المولى بالدفع أو الفداء، سواء كان المقتول قّا أو مدبراً أو أم ولد أو مكاتباً، وهذا
وما إذا كان المقتول حرًّا أجنبيًّا سواء، إلا أن هناك يخاطب المولى بالدفع أو بالفداء بالدية،
وههنا يخاطب بالدفع أو الفداء بالقيمة، وإن كان القاتل مدبراً أو أم ولد، فعلى المولى قيمة
الولد والمدبر وأم الولد، سواء كان المقتول قًّا أو مدبراً أو مكاتباً؛ كما إذا كان المقتول حُرًّا
أجنبيًّا، وإن كان القاتل مكاتباً، فعليه قيمة نفسه، سواء كان المقتول قنَّا أو مدبراً أو أم ولد أو
مكاتباً؛ كما إذا كان المقتول حرًّا أجنبيًّا.
هَذَا إذا كان المقتول عبداً لأجنبي، فإن كان عبداً لولي القاتل، فجناية القاتل عليه هدر،
وإن القاتل قنًّا أو مدبراً أو أم ولد، سواء كان المقتول قنًّا أو مدبراً أو أم ولد أو مكاتباً، وإن
كان القاتل مكاتباً فجنايته عليه لازمة، كائناً من كان المقتول؛ لما ذكرنا فيما تقدم، والله تعالى
أعلم بالصواب.
هذا إذا قتل عبد عبداً خطأ، فإن قتله(٢) عمداً فعليه القصاص، كائناً من كان المقتول،
والله جَلَّ شأنه الموفق.
وأما القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ فنوعان: نَوعٌ هو في معناه من كل وجهٍ، وهو
أن يكون على طريق المباشرة، ونوعٌ هو في معناه من وجه؛ وهو أن يكون من طريق التسبب.
أما الأول فنحو النائم ينقلب على إنسان فيقتله، فهذا القتل في معنى القتل الخطأ من كل
وجه؛ لوجوده لا عن قصد؛ لأنه مات بثقله، فترتب عليه أحكامه؛ من وجوب الكفارة،
والدية، وحرمان الميراث، والوصية؛ لأنه إذا كان في معناه من كل وجه، كان ورود الشرع
بهذه الأحكام هناك وروداً ههنا دلالة؛ وكذلك لو سقط إنسان من سطح على قاعد فقتله.
(١) في ط: وأرش.
(٢) في ط: قتل.

٣٤٥
کتاب الجنايات
أما وجوب الدية، فلوجود معنى الخطأ، وهو عدم القصد، وأما وجوب الكفارة وحرمان
الميراث والوصية؛ فلوجود القتل مباشرة؛ لأنه مات بثقله، سواء كان القاعد في طريق العامة أو
في ملك نفسه، ولو مات الساقط دون القاعد ينظر: إن كان في ملك نفسه، أو في موضع لا
يكون قعوده فيه جناية، لا شيء على القاعد؛ لأنه ليس بمتعد في القعود، فما تولد منه لا
يكون مضموناً عليه، ويهدر دم الساقط، وإن كان في موضع يكون قعوده فيه جناية، فدية
الساقط على القاعد تتحملها العاقلة؛ لأنه متعد في القعود، فالمتولد منه يكون مضموناً عليه كما
في حفر البئر، ولا كفارة عليه لحصول القتل بطريق التسبيب [حكماً] كما في [حفر] (١) البئر،
وكذلك إذا كان يمشي في الطريق حاملاً سيفاً أو حجراً أو لبنة أو خشبة، فسقط من يده [على
إنسان](٢) فقتله؛ لوجود معنى الخطأ فيه، وحصوله على سبيل المباشرة لوصول الآلة. لبشرة
المقتول.
ولو كان لابساً سيفاً فسقط على غيره فقتله، أو سقط عنه ثوبه أو رداؤه أو طيلسانه أو
عمامته وهو لابسه - على إنسان فتعقل به فتلف، فلا ضمان عليه أصلاً؛ لأن في اللبس
ضرورة؛ إذ الناس يحتاجون إلى لبس هذه، والتحرز عن السقوط ليس في وسعهم، فكانت
البلية فيه عامة، فتعذر التضمين، ولا ضرورة في الحمل والاحتراز عن سقوط المحمول ممكن
أيضاً، وإن كان الذي لبسه مما لا يلبس عادة فهو ضامنٌ؛ وكذلك الراكب إذا كان يسير في/
الطريق العامة فوطئت دابته رجلاً بيدها أو برجلها؛ لوجود معنى الخطأ في هذا القتل، وحصوله
على سبيل المباشرة، لأن ثقل الراكب على الدابة، والدابة آلة له، فكان القتل الحاصل بثقلها
مضافاً إلى الراكب، فكان قتلاً مباشرة.
١٣٧/٣
وَلَوْ كدمت أو صدمت أو خبطت فهو ضامنٌ، إلا أنه لا كفارة عليه ولا يحرم الميراث
والوصية؛ لحصول القتل على سبيل التسبب دون المباشرة، ولا كفارة على السائق والقائد، ولا
يحرمان الميراث والوصية؛ لأن فعل السوق والقود يقرب الدابة من القتل، فكان قتلاً تسبيباً لا
مباشرة، وهو لا يتعلق بهذه الأحكام؛ بخلاف الراكب؛ لأنه قاتل مباشرة على ما بينا.
والرديف والراكب سواء، وعليهما الكفارة، ويحرمان الميراث والوصية، لأن ثقلهما على
الدابة، والدابة آلة لهما، فكانا قاتلين على طريق المباشرة.
ولو نفحت الدابة برجلها أو بذنبها [وهي تسير](٣) فلا ضمان في ذلك على راكب ولا
سائق ولا قائد، والأصل أن السير والسوق والقود في طريق العامة مأذوناً فيه بشرط سلامة
(١) سقط من ط.
(٣) في ط: وهو يسير.
(٢) سقط من ط.

٣٤٦
کتاب الجنايات
العاقبة، فما لم تسلم عاقبته لم يكن مأذوناً فيه، فالمتولد منه يكون مضموناً، إلا إذا كان مما لا
يمكن الاحتراز عنه بسد باب الاستطراق على العامة، ولا سبيل إليه، والوطءُ، والكدم،
والصدم، والخبط في السير، والسوق، والقود مما يمكن الاحتراز عنه بحفظ الدابة وذود
الناس، والنفح مما لا يمكن التحرز عنه، وكذا البول والروث واللعاب، فسقط اعتباره والتحق
بالعدم .
وقد روي أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ((الرِّجْلُ جُبَارٌ))(١) أي: نَفْحُهَا؛ ولهذا
(١) أخرجه أبو داود (٧١٤/٤) كتاب الديات: باب الدابة تنفح برجلها حديث (٤٥٩٢) والدارقطني (١٥٢/٣)
كتاب الحدود والديات حديث (٢٠٨) والبيهقي (٣٤٣/٨) كتاب الأشربة والحد فيها: باب الدابة تنفح
برجلها، والطبراني في ((الصغير)) (٢٦٢/١) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان)) (١٥٢/٢) كلهم من طريق
سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله تليفون: الرجل
جبار.
قال الطبراني: لم يروه عن الزهري إلا سفيان بن حسين.
وقال الدارقطني: لم يروه غير سفيان بن حسين وهو وهم لم يتابعه عليه أحد وخالفه الحفاظ عن الزهري:
منهم مالك ويونس وسفيان بن عيينة ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل والليث بن سعد وغيرهم وكلهم
رووه عن الزهري: العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار ولم يذكروا الرجل وهو الصواب.
وكذلك رواه أبو صالح السمان وعبد الرحمن الأعرج ومحمد بن سيرين ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي
هريرة ولم يذكروا فيه الرجل جبار وهو المحفوظ عن أبي هريرة.
قال الخطابي في ((معالم السنن)) (٣٩/٤): وقد تكلم الناس في هذا الحديث وقيل إنه غير محفوظ
وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ قال الزيلعي في ((نصب الراية» (٣٨٧/٤): وقال المنذري في
((مختصر السنن)) وسفيان بن حسين أبو محمد السلمي الواسطي استشهد به البخاري وأخرج له مسلم في
المقدمة ولم يحتج به واحد منهما وفيه مقال. اهـ. وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة.
أخرجه الدارقطني (١٥٤/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٢١٥) من طريق آدم بن أبي إياس عن شعبة
عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله وَلجر: ((الدابة جرحها جبار والرجل جبار والبئر جبار
والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)).
قال الدارقطني: تفرد به آدم بن أبي إياس وهو وهم لم يتابعه عليه أحد عن شعبة.
((شرح كلام الحافظ الدارقطني)).
من كلام الدارقطني رحمه الله يظهر لنا أن أكثر أصحاب الزهري رووه عنه دون ذكر ((الرجل جبار)) والتي
تفرد به سفيان بن حسين والذي وصفه الخطابي في ((معالم السنن)) (٣٩/٤) بسوء الحفظ، وقال فيه
المنذري أن فيه مقال وقد وصف الدارقطني الذين خالفوا سفيان بن حسين بالحفاظ وهم مالك ويونس
وسفيان بن عيينة ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد، ولم يكتف بذلك الدار قطني بل
أثبت أن أصحاب أبي هريرة أيضاً رووه عن أبي هريرة دون ذكر ((الرجل جبار)) وسوف نخرج جميع هذه
الروايات بألفاظها لإثبات خطأ وضعف رواية سفيان بن حسين عن الزهري وهي ((الرجل جبار)).
تخريج روايات أصحاب الزهري.
١١

٣٤٧
كتاب الجنايات
رواية مالك عن الزهري.
=
أخرجها مالك (٨٦٨/٢ - ٨٦٩) كتاب العقول: باب جامع العقل (١٢) ومن طريقه البخاري (٣٦٤/٣)
كتاب الزكاة: باب في الركاز الخمس حديث (١٤٩٩) ومسلم (١٣٣٥/٣) كتاب الحدود: باب جرح
العجماء والمعدن والبئر جبار حديث (١٧١٠/٤٥) والنسائي (٤٥/٥) كتاب الزكاة: باب المعدن،
والدارمي (٣٩٣/١) كتاب الزكاة: باب في الركاز (١٩٦/٢) كتاب الديات: باب العجماء جرحها جبار،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٣/٣) باب ما أصابت البهائم في الليل والنهار، والبيهقي (٤/
١٥٥) كتاب الزكاة: باب زكاة الركاز، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٥٢/٣ - بتحقيقنا) كلهم من طريق
مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله وقلقه
قال: جرح العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس.
رواية سفيان بن عيينة عن الزهري.
أخرجها مسلم (١٣٣٥/٣) كتاب الحدود: باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار حديث (١٧١٠/٤٥)
وأبو داود (٧١٥/٤) كتاب الديات: باب العجماء والمعدن والبئر جبار حديث (٤٥٩٣) والترمذي (٣/
٦٦١) كتاب الأحكام باب العجماء جرحها جبار حديث (١٣٧٧) والنسائي (٤٤/٥ - ٤٥) كتاب الزكاة:
باب المعدن، وابن ماجة (٨٩١/٢) كتاب الديات: باب الجبار حديث (٢٦٧٣) وأحمد (٢٣٩/٢)
والحميدي (٤٦٢/٢) رقم (١٠٧٩) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٧٩٥) والدارقطني (١٤٩/٣ -
١٥٠) كتاب الحدود والديات حديث (٢٠٤) والبيهقي (١٥٥/٤) كتاب الزكاة: باب زكاة الركاز، كلهم
من طريق سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول
اللهِ وَ* قال: العجماء جرحها جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس.
وقال الترمذي: حسن صحيح اهـ.
رواية مسلم وأحمد عن أبي سلمة وحده.
ورواية النسائي والترمذي وابن ماجه من طريق سعيد بن المسيب وحده أما باقي الروايات فهي عن
سعيد بن المسيب وأبي سلمة معاً.
رواية يونس عن الزهري.
أخرجها مسلم (١٣٣٥/٣) كتاب الحدود: باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار حديث (٤٥ /١٧١٠)
والنسائي (٤٥/٥) كتاب الزكاة: باب المعدن، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٤/٣) كتاب
الجنايات باب ما أصابت البهائم، كلهم من طريق يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن
عبد الله عن أبي هريرة عن رسول الله وَل بمثل حديث سفيان بن عيينة.
رواية معمر عن الزهري.
أخرجها عبد الرزاق (٦٦/١٠) رقم (١٨٣٧٣) وأحمد (٢٥٤/٢، ٢٧٤) والنسائي (٤٥/٥) كتاب الزكاة:
باب المعدن، كلهم من طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة أن
رسول الله وَلي قال: ((العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جرحه جبار وفي الركاز الخمس)).
رواية ابن جريج عن الزهري.
أخرجها عبد الرزاق (٦٥/١٠ - ٦٦) رقم (١٨٣٧٣) وأحمد (٢/ ٤٩٣) بمثل رواية معمر عن الزهري حيث إن
عبد الرزاق قد أخرجه عن معمر وابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة به . =

٣٤٨
کتاب الجنايات
سقط اعتبار ما ثار من الغبار من مشى الماشي؛ حتى لو أفسد متاعاً لم يضمن؛ وكذا ما أثارت
الدابة بسنابكها من الغبار أو الحصى الصغار، لا ضمان فيه؛ لما قلنا؛ كذا هذا.
وأما الحصى الكبار؛ فيجب الضمان فيها؛ لأنه يمكن التحرز عن إثارتها؛ إذ لا يكون
ذلك إلا بتعنيف في السوق.
ولو كبح الدابة باللجام؛ فنفحت برجلها أو بذنبها، فهو هَدَرٌ؛ لعموم البلوى به، ولو
أوقف الدابة في الطريق فقتلت إنساناً، فإن كان ذلك في غير ملكه كطريق العامة، فهو ضامن
لذلك كله، سواء وطئت بيدها أو برجلها، أو كدمت أو صدمت أو خبطت بيدها أو نفحت
برجلها، أو بذنبها، أو عطب شيء بروثها أو بولها أو لعابها - كل ذلك مضمونٌ عليه، وسواء
كان راكباً أو لا؛ لأن روث الدابة في طريق العامة ليس بمأذون فيه شرعاً، إنما المأذون فيه هو
رواية الليث عن الزهري.
=
أخرجها البخاري (٢٥٤/١٢) كتاب الديات: باب المعدن جبار والبئر جبار حديث (٦٩١٢) ومسلم (٣/
١٣٣٤) كتاب الحدود: باب جرح العجماء جبار حديث (١٧١٠/٤٥) والترمذي (٦٦١/٣) كتاب
الأحكام باب العجماء جرحها جبار حديث (١٣٧٧). والبيهقي (٨/ ١١٠) كتاب الديات: باب البئر جبار
والمعدن جبار، كلهم من طريق الليث عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن
أبي هريرة أن رسول الله وَ ير قال: ((العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)).
قال الترمذي: حسن صحيح.
رواية الزبيدي عن الزهري .
أخرجها الدارقطني (١٥١/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٢٠٦) من طريق بقية عن الزبيدي عن
الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة به.
رواية زمعة عن الزهري.
أخرجها أبو داود الطيالسي (١٧٥/١ - منحة) رقم (٨٢٧) ثنا زمعة عن الزهري عن سعيد أو غيره عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله الر: ((الدابة العجماء جرحها جبار والمعدن جبار والبئر جبار وفي الركاز
الخمس)».
هكذا اتفق أصحاب الزهري على رواية الحديث عنه دون ذكر الرجل جبار.
قال الحافظ في «الفتح» (٢٦٧/١٢): وقد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث روي عن
الزهري في حديث الباب ((الرجل جبار)) بكسر الراء وسكون الجيم وما ذاك إلا أن الزهري مكثر من
الحديث والأصحاب فتفرد سفيان عنه بهذا اللفظ فعد منكراً، وقال الشافعي: لا يصح هذا وقال
الدار قطني: رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والأعرج وأبو صالح
ومحمد بن زياد ومحمد بن سيرين فلم يذكروها وكذلك رواه أصحاب الزهري وهو المعروف اهـ.
وقد تقدم تخريج حديث ((العجماء جرحها جبار)) في كتاب الزكاة تخريجاً مجملاً عن أبي هريرة وخرجنا له
شواهد عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم.
فتنظر الشواهد هناك.

٣٤٩
كتاب الجنايات
المرور لا غير؛ إذ الناس يتضررون بالوقوف ولا ضرورة فيه، فكان الوقوف فيه تعدياً من غير
ضرورة، فما تولد منه يكون مضموناً عليه، سواء كان مما يمكن التحرز عنه أو لا يمكن، غير
أنه إن كان راكباً فعليه الكفارة في الوطء باليد والرجل؛ لكونه قاتلاً من طريق المباشرة، وإن لم
يكن راكباً لا كفارة عليه؛ لوجود القتل منه تسبيباً لا مباشرة.
وكذلك لو أوقف دابة على باب المسجد، فهو مثل وقفه في الطريق؛ لأنه متعدٍ في
الوقف، إلا أن يكون الإمام جعل للمسلمين عند باب المسجد موقفاً يقفون فيه دوابهم، فلا
ضمان عليه فيما [إذا](١) أصابت في وقوفها؛ لأن للإمام أن يفعل ذلك إذا لم يتضرر الناس به،
فلم يكن متعدياً في الوقوف، فأشبه الوقوف في ملك نفسه، إلا إذا كان راكباً فوطئت دابته
إنساناً فقتلته؛ لأن ذلك قتل بطريق المباشرة، فيستوي في المواضع كلها.
ألا ترى أنه لو كان في ملكه يضمن؛ وكذلك لو أوقف دابته في موضع أذن الإمام
بالوقوف فيه؛ كما في سوق الخيل والبغال؛ لما قلنا.
وكذلك إذا أوقف دابته في الفلاة؛ لأن الوقوف في الفلاة مباحٌ لعدم الإضرار بالناس،
فلم يكن متعدياً فيه، وكذلك في الطريق إن كان وقف في المحجة، فالوقوف فيها كالوقوف في
سائر الطرق العامة .
ولو كان سائراً في هذه المواضع التي أذن الإمام فيها بالوقوف للناس أو سائقاً أو قائداً،
فهو ضامنٌ؛ لأن أثر الإذن في سقوط ضمان الوقف لا في غيره؛ لأن إباحة الوقف فيها استفيد
بالإذن؛ لأنه لم يكن ثابتاً قبله، فأما إباحة السير والسوق والقود، فلم يثبت بالإذن من الإمام؛
لأنه كان ثابتاً قبله، فبقي الأمر فيها على ما كان قبل الإذن.
وإن كان الوقف أو السير أو السوق أو القود في ملكه، فلا ضمان عليه في شيء مما
ذكر، إلاَّ فيما وطئت دابته بيدها أو برجلها وهو راكب؛ لأن هذه الأفعال تقع تعدياً في الملك،
والتسبيب إذا لم يكن تعدياً لا يكون سبباً لوجوب الضمان، فأما الوطء باليد والرجل في حال
السير أو الوقوف، فهو قتل مباشرة لا تسبيباً، حتى تجب الكفارة لوجود الضمان على كل،
سواء كان في ملكه أو في غير ملكه/ سواءٌ كان الذي لحقته الجناية مأذوناً في الدخول أو غير
مأذونٍ [حال](٢)، لأن التلف حصل بفعله مباشرة، ومن دخل ملك غيره بغير إذنه لا يباح
إتلافه .
٣٧/٣ب
ولو ربط الدابة في غير ملكه، فما دامت تجول في رباطها إذا أصابت شيئاً بيدها أو
برجلها، أو راثت أو بالت فعطب به شيء، فذلك كله مضمونٌ عليه؛ لأنه متعد في الوقوف في
غير ملکه.
(١) سقط من ط.
(٢) سقط من ط.
(٣) في أ: القتل.

٣٥٠
کتاب الجنايات
ولو انفتح الرباط وذهبت من ذلك الموضع، فما عطب به شيء فهو هَدَرٌ، لأن معنى
التعدي قد زال بزوالها من موضع الوقوف، وإن أوقفها غير مربوطة، فزالت عن موضعها بعدما
أوقفها، ثم جنت على إنسان أو عَطَبَ بها شيءٌ، فهو هَدَرٌ؛ لأنها لما زالت عن موضع الوقف
فقد زال التعدي، فكأنها دخلت في هذه المواضع بنفسها وَجَنَتْ.
ولو نفرت الدابة من الرجل أو انفلتت منه، فما أصابت في فورها ذلك فلا ضمان عليه؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((العَجْمَاءُ جُبَارٌ))(١)، أي: البهيمة جرحها جبارٌ؛ ولأنه لا صنع له
في نفارها وانفلاتها، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها، فالمتولد منه لا يكون مضموناً [عليه](٢).
وَلَوْ أرسل دابته فما أصابت من فورها ضمن؛ لأن سيرها في فورها مضافٌ إلى إرسالها،
فكان متعدياً في الإرسال، فصار كالدافع لها أو كالسائق، فإن عطفت يميناً وشمالاً ثم أصابت،
فإن لم يكن لها طريق إلا ذلك، فذلك مضمون على المرسل؛ لأنها باقية على حكم الإرسال،
وَإن كان لها طريق آخر لا يضمن؛ لأنها عطفت باختيارها، فينقطع حكم الإرسال، وصارت
کالمنفلتة .
ولو أرسل طيراً فأصاب شيئاً في فوره ذلك، لا يضمن ذلك بالإجماع، ذكره في الزيادات
فيمن أرسل بازيًّا في الحرم، فأتلف طيبة الحرم؛ أنه لا يضمن؛ لأنه يفعل باختياره، وفعلُهُ
جبارٌ.
ولو أغرى به كلباً حتى عقر رجلاً، فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة - رغمي الله
عنه _؛ كما لو أرسل طيراً، وعند أبي يوسف - رحمه الله - يضمن؛ كما لو أرسل البهيمة.
وقال محمد - رحمه الله -: إن كان سائقاً له أو قائداً يضمن، وإن لم يكن سائقاً له ولا
قائداً لا يضمن، وبه أخذ الطحاوي - رحمه الله -.
وجه قول محمد إن العقر فعل الكلب باختياره، فالأصل هو الاقتصار عليه، وفعله جبار
إلا أنه بالسوق أو القود يصير مغرياً إياه إلى الإتلاف، فيصير سبباً للتلف، فأشبه سوق الدابة
وقودها .
وجه قول أبي يوسف أن إغراء الكلب بمنزلة إرسال البهيمة، فالمصاب على فور الإرسال
مضمون على المرسل؛ فكذا هذا.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن الكلب يعقر باختياره، والإغراء للتحريض، وفعله
جبار، ولو دخل رجلٌ دار غيره فعقره كلبه، لا يضمن، سواء دخل داره بإذنه أو بغير إذنه؛ لأن
(١) تقدم.
(٢) سقط من ط.

٣٥١
کتاب الجنايات
فعل الكلب جُبّارٌ، ولم يوجد من صاحبه التسبيب إلى العقر؛ إذ لم يوجد منه إلا الإمساك في
البيت، وأنه مباح، قال الله - تبارك وتعالى - وهو أصدق القائلين ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا
عَلَّمَكُمُ الله، فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
ولو ألقى حية أو عقرباً في الطريق، فلدغت إنساناً، فضمانه على الملقي؛ لأنه متعدٍّ في
الإلقاء، إلا إذا عدلت عن ذلك الموضع إلى موضع آخر، فلا يضمن؛ لارتفاع التعدي
بالعدول.
إذا اصْطَدَمَ فارسان فماتا، فديةُ كُلِّ واحدٍ منهما على عاقلة الآخر، في قول أصحابنا
الثلاثة - رحمهم الله -.
وعند زفر - رحمه الله - على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر، وهو قول الشافعي
- رحمه الله -.
وَجْهُ قول زفر أن كل واحد منهما مات بفعلين، فعل نفسه وفعل صاحبه، وهو صدمة
صاحبه وصدمة نفسه، فيهدر ما حصل بفعل نفسه، ويعتبر ما حصل بفعل صاحبه، فيلزم أن
يكون على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر؛ كما لو جرح نفسه وجرحه أجنبي، فمات؛
أن على الأجنبي نصف الدية؛ لما قلنا؛ كذا هذا.
ولنا ما روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال مثل مذهبنا، ولأن كل واحد منهما
مات من صدم صاحبه إياه؛ فيضمن صاحبه؛ كمن بنى حائطاً في الطريق فصدم رجلاً فمات؛
أن الدية على صاحب الحائط؛ كذا هذا.
وبه تبين أن صدمة لنفسه مع صدم صاحبه إياه [فيه] غير معتبرٍ، إذ لو اعتبر لما لزم باني
الحائط على الطريق جميع الدية؛ لأن الرجل قد مشى إليه وصدمه؛ وكذلك حافر البئر يلزمه
جمیع الدية، وإن کان الماشي قد مشی إليها .
رجلان مَدا حبلاً حتى انقطع، فسقط كل واحد منهما، فإن سقطًا على ظهرهما فماتا،
فلا ضمان فيه أصلاً؛ لأن كل واحد منهما لم يمت من فعل صاحبه؛ إذ لو مات من فعل
صاحبه لخر على وجهه، فلما سقط على قفاه علم أنه سقط بفعل نفسه وهو مده، فقد مات كل
واحد منهما من فعل نفسه، فلا ضمان على أحد، وَإن سَقَطًا على وجهيهما فماتا، فدية كل
واحد منهما على عاقلة الآخر؛ لأنه لما خر على وجهه علم أنه مات من جذبه، وإن سقط
أحدهما على ظهره والآخر على وجهه فماتا جميعاً، فدية الذي سقط على وجهه على عاقلة
الآخر؛ لأنه مات بفعله وهو جذبه، ودية الذي سقط على ظهره هَدَرٌ؛ لأنه مات من فعل
نفسه. وَلَوْ قطع قاطع الحبل فسقطا/ جميعاً فماتا، فالضمان على القاطع؛ لأنه تسبب في
اتلافهما، والإتلاف تسبيباً يوجب الضمان؛ كحفر البئر ونحو ذلك.
١٣٨/٣

٣٥٢
کتاب الجنايات
صبيٍّ في يد أبيه جذبه رجلٌ من يده، والأب يمسكه حتى مات، فديته على الذي جذبه،
ويرثه أبوه؛ لأن الأب محق في الإمساك، والجاذب متعد في الجذب، الصمان عليه.
ولو تجاذب رجلان صبيًّا وأحدهما يدعي أنه ابنه، والآخر يدعي أنه عبده فمات من
جذبهما، فعلى الذي يدعي أنه عبده ديته؛ لأنه متعد في الجذب؛ لأن المتنازعين في الصبي إذا
زعم أحدهما أنه أبوه فهو أوْلَى به من الذي يدعي أنه عبده: فكان إمساكه بحق، وجذب الآخر
بغير حق فيضمن.
رجل في يده ثوب تشبث به رجل، فجذبه صاحب الثوب من يده، فخرق الثوب ضمن
الممسك نصف الخرق؛ لأن حق صاحب الثوب في دفع الممسك وعليه دفعه بغير جذب، فإذا
جذب فقد حصل التلف من فعلهما، فانقسم الضمان بينهما .
رَجُلٌ عض ذراع رجل فجذب المعضوض ذراعه من فيه، فسقطت أسنان العاض، وذهب
لحم ذراع هذا، تهدر دية الإسنان، ويضمن العاض أرش الذراع؛ لأن العاض متعد في العض،
والجاذب غير متعد في الجذب؛ لأن العض ضرر، وله أن يدفع الضرر عن نفسه.
رَجُلٌ جلس إلى جنب رجل، فجلس على ثوبه وهو لا يعلم، فقام صاحب الثوب فانشق
ثوبه من جلوس هذا عليه، يضمن الجالس نصف ذلك؛ لأن التلف حصل من الجلوس
والجذب، والجالس متعد في الجلوس، إذ لم يكن له أن يجلس عليه، فكان التلف حاصلاً من
فعليهما، فينقسم الضمان عليهما.
رجلٌ أخذ بيد إنسان فصافحه فجذب يده من يده، فانقلب فمات، فلا شيء عليه؛ لأن
الآخذ غير متعد في الأخذ للمصافحة، بل هو مقيم سنة، وإنما الجاذب هو الذي تعدى على
نفسه؛ حيث جذب يده لا لدفع ضرر لحقه من الآخذ.
وإن كان أخذ يده ليعصرها، فآذاه فَجَرَّ يَدَهُ، ضمن الآخذ ديته؛ لأنه هو المتعدي، وإنما
صاحب اليد دفع الضرر عن نفسه بالجر(١)، وله ذلك، فكان الضمان على المتعدي، فإن
انكسرت يد الممسك وهو الآخذ بالجذب لم يضمن الجاذب؛ لأن التعدي من الممسك، فكان
جانياً على نفسه، فلا ضمان على غيره، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وَأَمَّا الثاني: فنحو جناية الحافر وَمَنْ في معناه ممن يحدث شيئاً في الطريق أو المسجد،
وجناية السائق والقائد وجناية الناخس وجناية الحائط .
(١) في أ: بالمد.
سـ

٣٥٣
کتاب الجنايات
أما جناية الحافر، فالحفر لا يخلو إما إن كان في غير الملك أصلاً، وإما إن كان في
الملك، فإن كان في غير الملك، ينظر إن كان في غير الطريق بأن كان في المفازة لا ضمان
على الحافر؛ لأن الحفر ليس بقتل حقيقة، بل هو تسبيب إلى القتل إلا التسبيب قد يلحق
بالقتل إذا كان المسبب متعدياً في التسبيب، والمتسبب ههنا ليس بمتعد؛ لأن الحفر في المفازة
مباحٌ مطلق، فلا يلحق به، فانعدم القتل حقيقة وتقديراً، فلا يجب الضمان.
وَإن كان في طريق المسلمين فَوَقَعَ فيها إنسان فمات، فلا يخلو إما إن مات بسبب الوقوع،
وإما إن مات غمًّا أو جوعاً، فإن مات بسبب الوقوع، فالحافر لا يخلو إما إن كان حرًّا، وإما إن
كان عبداً، فإن كان حُرًّا يضمن الدية؛ لأن حفر البئر على قارعة الطريق سبب لوقوع المار فيها.
إذا لم يعلم، وهو متعد في هذا التسبيب، فيضمن الدية، وتتحمل عنه العاقلة؛ لأن التحمل في
القتل الخطأ المطلق للتخفيف على القاتل - نظراً له، والقتل بهذه الطريق دون القتل الخطأ،
فكانت الحاجة إلى التخفيف أبلغ، ولا كفارة عليه؛ لأن وجوبها متعلق بالقتل مباشرة، والحفر
ليس بقتل أصلاً حقيقة، إلا أنه ألحق بالقتل في حق وجوب الدية، فبقي في حق وجوب الكفارة
على الأصل، ولأن الكفارة في الخطأ المطلق إنما وجبت شكراً لنعمة الحياة بالسلامة عند وجود
سبب فوت السلامة؛ وذلك بالقتل، فإذا لم يوجد لم يجب الشكر؛ وكذا لا يحرم الميراث إن
كان وارثاً للمجني عليه، ولا الوصية إن كان أجنبيًّا؛ لأن حرمان الميراث والوصية حكم متعلقٌ
بالقتل؛ قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ مِيرَاثَ لِقَاتِل))(١)، وقال - عليه الصلاة والسلام:
((لاَ وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ))(٢) ولم يوجد القتل حقيقةً، وإن مات غَمَّا أُو جوعاً، فقد اختلف أصحابنا فيه،
قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يضمن.
وقال محمد: يضمن.
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إن مات غمًّا يضمن، وَإن مات جوعاً لا يضمن.
وجه قول محمد - رحمه الله - أن الضمان عند الموت بسبب السقوط إنما وجب لكون
الحفر تسبيباً إلى الهلاك، ومعنى التسبيب موجود ههنا؛ لأن الوقوع سبب الغم والجوع؛ لأن
البئر يأخذ نفسه، وإذا طال مكثه يلحقه الجوع والوقوع بسب الحفر، فكان مضافاً إلى الحفر،
كما إذا حبسه في موضع حتى مات وجه قول أبي يوسف أن الغم من آثار الوقوع فكان مضافاً
إلى الحفر فأما الجوع فليس من آثاره، فلا يضاف إلى الحفر.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه/ لا صنع للحافر في الغم، ولا في الجوع حقيقة؛ لأنهما ٣٨/٣ب
يحدثان بخلق الله تعالى، لا صنع للعبد فيهما أصلاً، لا مباشرة ولا تسبيباً.
(٢) تقدم.
(١) تقدم.
بدائع الصنائع ج١٠ - م٢٣

٣٥٤
كتاب الجنايات
أما المباشرة فلا شك في انتفائها، وأما التسبيب فلأن الحفر ليس بسبب الجوع لا شك
فيه؛ لأنه لا ينشأ منه، بل من سبب آخر، والغم ليس من لوازم البئر، فإنها قد تغم وقد لا
تغم، فلا يضاف ذلك إلى الحفر، وإن أصابته جناية فيما دون النفس، فضمانها على الحافر؛
لأنها حصلت بسبب الوقوع، والوقوع بسبب الحفر، ثم إن بلغ القدر الذي تتحمله العاقلة،
حمله عليهم، وإلا فیکون في ماله.
وكذا إذا كان الواقع غير بني آدم؛ لأن ضمان المال لا تتحمله العاقلة؛ كما لا تتحمل
سائر الديون، ثم إن جنايات الحفر وإن كثرت من الحر يجب عليه لكل جناية أرشها، ولا
يسقط شيء من ذلك بشيء منه، ولا يشرك المجني عليهم فيما يجب لكل واحد منهم؛ لأنه
بالحفر جنى على كل واحد منهم بحياله، فيؤخذ بكل واحدة من الجنايات بحيالها، هذا هو
الأصل، وإن كان الحافر عبداً، فإن كان الحافر عبداً، فإن كان قنًا فجنايته بالحفر بمنزلة جنايته
بيده وقد ذكرنا حكم ذلك فيما تقدم، وهو أن يخاطب المولى بالدفع أو الفداء، قَلَّت جنايته أو
كثرت، غير أنه كان المجني عليه واحداً يدفع إليه أو يفدي، وإن كانوا جماعة يدفع إليهم أو
يفدي بجميع الأروش؛ لأن جنايات القن في رقبته، يقال للمولى: ادفع أو افد، والرقبة تتضايق
عن الحقوق، فيتضاربون في الرقبة، والواجب بجناية الحر يتعلق بذمة العاقلة، والذمة لا
تتضايق عن الحقوق، فإن وقع فيها واحد فمات فدفعه المولى إلى ولي جنايته، ثم وقع آخر،
يشارك الأول في الرقبة المدفوعة؛ وكذلك الثالث والرابع، فكلُّ ما يحدث من جناية بعد
الدفع، فإنهم يشاركون المدفوع إليه الأول في رقبة العبد، وكل واحد منهم يضرب بقدر
جنايته؛ لأن المولى بالدفع إلى الأول خرج عن عهدة الجناية؛ لأنه فعل ما وجب عليه، فخرج
عن عهدة الواجب، ثم الجناية في حق الثاني والثالث حصلت بسبب الحفر أيضاً، والحكم فيها
وجوب الدفع، فكان الدفع إلى الأول دفعاً إلى الثاني والثالث؛ لاستواء الكل في سبب
الوجوب؛ كأنه دفعه إلى الأول دفعة واحده.
وَلَوْ حفرها ثم أعتقه المولى بعد الحفر قبل الوقوع، ثم لحقت الجنايات، فذلك على
المولى في قيمته يوم عتق يشترك فيها أصحاب الجنايات التي كانت قبل العتق وبعده، يضرب
في ذلك كل واحد بقدر أرش الجناية؛ لأن جناية القن وإن كثرت فالواجب فيها الدفع والولي
بالإعتاق فوت الدفع من غير اختيار الفداء، فتعتبر قيمته وقت الإعتاق؛ لأن فوات الدفع حصل
بالإعتاق، فتعتبر قيمته يوم الإعتاق؛ بخلاف المدبر أنه لا تعتبر قيمته يوم التدبير، بل يوم
الجناية .
وَإن كان فوات الدفع بالتدبير لكن التدبير إنما يصير سبباً عند وجود شرطه، وهو
الجناية، فتعتبر قيمته حينئذٍ على ما بينا فيما تقدم.

٣٥٥
کتاب الجنايات
وَإن كان الحافر مدبراً أو أم ولد، فعلى المولى قيمة واحدة، قَلَّتِ الجناية أو كثرت،
وتعتبر قيمته يوم الجناية وهو يوم الحفر، ولا تعتبر زيادة القيمة ونقصانها؛ لأنه صار جانياً
بسبب الحفر عند الوقوع، فتعتبر قيمته وقت الجناية كما إذا جنى بيده، وإن كان مكاتباً فجنايته
على نفسه لا على مولاه؛ كما إذا جنى بيده وتعتبر قيمته يوم الحفر؛ لما بينا.
ولو حفر بئراً في الطريق، فجاء إنسان ودفع إنساناً وألقاه فيها، فالضمان على الدافع لا
على الحافر؛ لأن الدافع قاتل مباشرة، ولو وضع رجل حجراً في قعر البئر، فسقط إنسان فيها،
لا ضمان على الحافر مع الواضع ههنا؛ كالدافع مع الحافر، ولو جاء رجل فحفر من أسفلها ثم
وقع فيها إنسان، فالضمان على الأول؛ كذا ذكر الكرخى - رحمه الله -.
وذكر محمد - رحمه الله - الكتاب: ينبغي في القياس أن يضمن الأول، ثم قال: وبه
نأخذ، ولم يذكر الاستحسان.
وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)) - رحمه الله - في الاستحسان الضمان
عليهما؛ لاشتراكهما في الجناية، وهي الحفر، فيشتركان في الضمان.
وجه القياس أن سبب الوقوع حصل من الأول، وهو الحفر بإزالة المسكة، والحفر من
الثاني بمنزلة نصب السكين أو وضع الحجر في قعر البئر، فكان الأول كالدافع، فكان الضمان
عليه، ولو حفر رجل بئراً فجاء إنسان ووسع رأسها فوقع فيها إنسان، فالضمان عليهما نصفان؛
هكذا أطلق في ((الكتاب)) ولم يفصل.
وقيل: جواب الكتاب محمولٌ على ما إذا وسع قليلاً، بحيث يقع رجل في حفرهما،
فأما إذا وسع كثيراً بحيث يقع قدمه في حفر الثاني، فالضمان على الثاني لا على الأول؛ لأن
التوسع إذا كان قليلاً بحيث يقع قدمه في حفرهما، كان الوقوع بسبب وجد منهما، وهو
حفرهما، فكان الضمان عليهما، وإذا كان كثيراً كان الوقوع بسبب وجد من الثاني، فكان
الضمان عليه .
١٣٩/٣
ولو حفر بئراً ثم كبسها، فجاء رجل وأخرج ما/ كبس فوقع فيها إنسان، فالكبسُ لا
يخلو إما إن كان بالتراب والحجارة، وإما إن كان بالحنطة والشعير، فإن كان بالأول فالضمان
على الثاني، وإن كان بالثاني فالضمان على الأول؛ لأن الكبس بالتراب والحجارة يعد طماً للبئر
وإلحاقاً له بالعدم، فكان إخراج ذلك منها بمنزلة إخراج بئرٍ أخرى.
فأما الحنطة والشعير ونحوهما، فلا يعد ذلك طماً، بل يعد شغلاً لها؛ ألا يرى أنه بقي
أثر الحفر بعد الكبس بالحنطة والشعير، ولا يبقى أثره بعد الكبس بالتراب والحجارة، ولو حفر
بئراً وسد الحافر رأسها، ثم جاء إنسان فنقضه فوقع فيها إنسان، فالضمان على الحافر، لأن أثر

٣٥٦
کتاب الجنايات
الحفر لم ينعدم بالسد، لكن السد صار مانعاً من الوقوع والفاتح بالفتح أزال المانع، وزوال
المانع شرط للوقوع، والحكم يضاف إلى السبب لا إلى الشرط.
ولو وضع رجل حجراً في الطريق؛ فتعثر عليه رجل، فوقع في بئر حفرها آخر، فالضمان
على واضع الحجر؛ لأن الوقوع بسبب التعثر، والتعثر بسبب وضع الحجر، والوضع تعد منه،
فكان التلف مضافاً إلى وضع الحجر، فكان الضمان على واضعه، وإن كان لم يضعه أحد،
ولكنه حمل السيل، فالضمان على الحافر؛ لأنه لا يمكن أن يضاف إلى الحجر؛ لعدم التعدي
منه، فيضاف إلى الحافر؛ لكونه متعدياً في الحفر.
ولو اختلف الحافر وورثة الميت، فقال الحافر: هو ألقى نفسه فيها متعمداً، وقال
الورثة: بل وقع فيها، فالقولُ قولُ الحافر في قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد، وفي
قول أبي يوسف الأول: القولُ قولُ الورثة.
وَجْهُ قوله الأول أن الظاهر شاهد للورثة؛ لأن العاقل لا يلقي نفسه في البئر عمداً،
والقول قول من يشهد له الظاهر.
وجه قوله الآخر أن حاصل الاختلاف يرجع إلى وجوب الضمان، فالورثة يدعون على
الحافر الضمان وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه، وما ذكر من الظاهر معارض بظاهر
آخر؛ وهو أن الظاهر أن المار على الطريق الذي يمشي فيه يرى البئر، فتعارض الظاهران،
فبقي الضمان على أصل العدم.
ولو حفر بئراً في الطريق فوقع رجل فيها، فتعلق آخر وتعلق الثاني بثالث، فوقعوا
فماتوا، فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين: إما إن علم حال موتهم؛ بأن خرجوا أحياء
فأخبروا عن حالهم، وإما إن لم يعلم، فإن علم ذلك فأما موت الأول فلا يخلو من سبعة
أوجه: إما إن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة. وإما إن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه
خاصة، وإما إن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة، وإما إن علم أنه مات بوقوع الثاني
والثالث عليه. وإما إن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه، وإما إن علم أنه مات
بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه، وإما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني
والثالث عليه، فإن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة، فالضمان على الحافر؛ لأن الحافر هو
القاتل تسبيباً، وهو متعد فيه، فكان الضمان عليه؛ فإن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة،
قدمه هَدَرٌ؛ لأنه هو الذي قتل نفسه حيث جره على نفسه، وجناية الإنسان على نفسه هَدَرٌ،
وَإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة، فالضمان على الثاني؛ لأن الثاني هو الذي جر
الثالث على الأول حتى أوقعه عليه.

٣٥٧
كتاب الجنايات
وَإن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه، فنصفه هدر، ونصفه على الثاني؛ لأن جره
الثاني على نفسه هدر، لأنه جناية على نفسه، وجر الثاني والثالث عليه معتبر، فهدر النصف
وبقي النصف.
وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر، ووقوع الثاني عليه، فالنصف على الحافر لوجود
الجناية منه بالحفر، والنصف هدر لجره الثاني على نفسه.
وَإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه، فالنصف على الحافر والنصف
على الثاني؛ لأنه هو الذي جر الثالث على الأول.
وَإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني والثالث عليه، فالثلث هدر والثلث على
الحافر والثلث على الثاني؛ لأنه مات بثلاث جنايات، أحدها هدر وهي جره الثاني على نفسه،
فبقيت جناية الحافر، وجناية الثاني بجره الثالث على الأول فتعتبر.
وأما موت الثاني فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما إن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة،
وَإما إن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة، وَإما إن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع
الثالث عليه، فإن علم أنه مات بسقوطه في البئر خاصة، فديته على الأول، وليس على الحافر
شيء؛ لأن الأول هو الذي جره إلى البئر، فكان كالدافع.
وَإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة، فدمه هدر؛ لأنه مات بفعل نفسه؛ حيث/ ٣٩/٣ب
جر الثالث على نفسه، فهدر دمه.
وَإن علم أنه مات بسقوطه في البئر ووقوع الثالث عليه، فالنصف هدر والنصف على
الأول؛ لأنه مات بسببين(١)، أحدهما فعل نفسه وهو جره الثالث على نفسه وجنايته على نفسه
هدر، والثاني فعل غيره وهو جر الأول وإيقاعه في البئر، وأما موت الثالث فله وجه واحد لا
غير؛ وهو سقوطه في البئر وديته على الثاني؛ لأنه هو الذي جره إلى البئر وأوقعه فيه.
هذا كله إذا علم حال وقوعهم، وأما إذا لم يعلم فلا يخلو إما إن وجد بعضهم على
بعض، وَإما إن وجدوا متفرقين، فإن كانوا متفرقين فدية الأول على الحافر، ودية الثاني على
الأول، ودية الثالث على الثاني، وإن كان بعضهم على بعض، فالقياس هكذا أيضاً وهو أن
يكون دية الأول على الحافر ودية الثاني على الأول ودية الثالث على الثاني، وهو قول محمد
- رحمه الله -.
(١) في أ: بشيئين.

٣٥٨
کتاب الجنايات
وفي الاستحسان دية الأول أثلاث: ثلث على الحافر، وثلث على الثاني، وثلث هدر،
ودية الثاني نصفان: نصف هدر، ونصف على الأول، ودية الثالث كلها على الثاني، ولم يذكر
محمد - رحمه الله - في الاستحسان أنه قول من.
وجه القياس أنه وجد لموت كل واحد سبب ظاهر، وهو الحفر للأول، والجر من الأول
للثاني، والجر من الثاني للثالث، وَإضافة الأحكام إلى الأسباب الظاهرة أصل في الشريعة.
وَجْه الاستحسان أنه اجتمع في الأول ثلاثة أسباب، كل واحد منها صالح للموت،
وقوعه في البئر، ووقوع الثاني، ووقوع الثالث عليه، إلا أن وقوع الثاني عليه حصل بجره إياه
على نفسه، فهدر الثلث وبقي الثلثان: ثلث على الحافر بحفره، وثلث على الثاني بجره الثالث
على نفسه، ووجد في الثاني سببان(١): الحفر ووقوع الثالث عليه، إلا أن وقوعه عليه حصل
بجره، فهدر نصف الدية وبقي النصف على الحافر، ولم يوجد في الثالث إلا سبب واحد وهو
جر الثاني إياه إلى البئر، والأصل في الأسباب اعتبارها ما أمكن، واعتبارها يقتضي أن يكون
الحكم ما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
ولو استأجر رجلاً ليحفر له بئراً في الطريق، فحفر فوقع فيها إنسان، فإن كانت البئر في
فناء المستأجر، فالضمان عليه لا على الأجير؛ لأن له ولاية الانتفاع بفنائه إذا لم يتضمن الضرر
بالمارة على أصلهما مطلقاً .
وعلى أصل أبي حنيفة - رحمه الله - إذا لم يمنع منه مانع فانصرف مطلق الأمر بالحفر
إليه، فإذا حفر في فنائه انتقل فعل المأمور إليه، كأنه حفر بنفسه فوقع فيها إنسان، ولو كان
كذلك وجب الضمان عليه؛ كذا هذا.
وإن لم يكن ذلك في فنائه، فإن أعلم المستأجر الأجير أن ذلك ليس من فنائه، فالضمان
على الأجير لا على الآمر؛ لأن الأجير لم يحفر بأمره، فبقي فعله مقصوراً عليه؛ كأنه ابتدأ
الحفر من نفسه من غير أمر، فوقع فيها إنسان، وَإن لم يعلمه، فالضمان على الآمر؛ لأنه غره
بالأمر بحفر البئر في الطريق مطلقاً، إنما يأمر بما يملكه مطلقاً عادة، فيلزمه ضمان الغرور،
وهو ضمان الكفالة في الحقيقة؛ كأنه ضمن له ما يلزمه من الحفر بمنزلة ضمان الدرك.
وَلَوْ أمر عبده أن يحفر بئراً في الطريق، فحفر فوقع فيها إنسان، فإن كان الحفر في فنائه،
فالضمان على عاقلة المولى؛ لأنه يملك الأمر بالحفر في هذا المكان، فينتقل فعله إلى المولى؛
كأنه حفر بنفسه، وإن كان في غير فنائه، فالضمان في رقبة العبد، يخاطب المولى بالدفع أو
(١) في ط: شيئان.

٣٥٩
كتاب الجنايات
الفداء؛ لأن الأمر بالحفر لا ينصرف إلى غير فنائه، فصار مبتدئاً في الحفر بنفسه، سواء أعلم
العبد أنه ليس من فنائه أو لم يعلمه، بخلاف الأجير؛ لأن وجوب الضمان على الآمر هناك
بمعنى الغرور على ما بينا، ولا يتحقق الغرور فيما بين العبد وبين مولاه، فيستوي فيه العلم
والجهل، وإن كان الحفر في الملك، فَإن كان في ملك غيره بأن حفر بئراً في دار إنسان بغير
إذنه فوقع فيها إنسان، يضمن الحافر؛ لأنه متعدٍّ في التسبيب.
ولو قال صاحب الدار: أنا أمرته بالحفر، وأنكر أولياء الميت، فالقياس أن لا يصدق
صاحب الدار، والقول قول الورثة، وفي الاستحسان يصدق، والقول قول الحافر.
وجه القياس أن الحفر وقع موجباً للضمان ظاهراً؛ لأنه صادف ملك الغير وأنه محظور،
فكان متعدياً في الحفر من حيث الظاهر، فصاحب الدار بالتصديق يريد إبراء الجاني عن
الضمان، فلا يصدق.
وجه الاستحسان أن قول صاحب الدار أمرته بذلك إقرارٌ منه بما يملك إنشاءه للحال،
وهو الأمر بالحفر، فيصدق، وإن كان في ملك نفسه، لا ضمان عليه؛ لأن الحفر مباح مطلق
له، فلم يكن متعدياً في التسبيب، وإن كان في فنائه يضمن؛ لأن الانتفاع به مباح بشرط
السلامة؛ كالسير في الطريق.
١٤٠/٣
ولو استأجر أربعة/ يحفرون له بئراً، فوقعت عليهم من حفرهم فمات أحدهم، فعلى كل
واحد من الثلاثة ربع الدية، وهدر الربع؛ لأنه مات من أربع جنايات، إلا أن جناية المرء على
نفسه هدر، فبطل الربع، وبقي جنايات أصحابه عليه، فتعتبر، ويجب عليهم ثلاث أرباع الدية
على كل واحد منهم الربع.
وقد روى الشعبي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قضى على القارصة والقامصة
والواقصة بالدية أثلاثاً؛ وَهُنَّ ثلاث جواري ركبت إحداهن الأخرى فقرصت الثالثة المركوبة،
فقمصت، فسقطت الراكبة، فقضى للتي وقصت بثلثي الدية على صاحبتها، وأسقط الثلث؛ لأن
الواقصة أعانت على نفسها.
وروي أن عشرة مَدُّوا نخلة فسقطت على أحدهم فمات، فقضى سيدنا علي - رضي الله
عنه - على كل واحد منهم بعشر الدية وأسقط العشر؛ لأن المقتول أعان على نفسه.
ولو استأجر أجراء حُرًّا وعبداً محجوراً ومكاتباً - يحفرون له بئراً، فوقعت البئر عليهم من
حفرهم فماتوا، فلا ضمان على المستأجر في الحر، ولا في المكاتب، ويضمن قيمة العبد
المحجور لمولاه، أما الحر والمكاتب؛ فلأنه لم يوجد فيهما من المستأجر سبب وجوب
الضمان؛ لأن استئجارهما وقع صحيحاً، فكان استعماله إياهما في الحفر بناءً على عقد

٣٦٠
کتاب الجنايات
صحيح، فلا يكون سبباً لوجوب الضمان، ووقوع البئر عليهما حصل من غير صنعه، فلا يجب
الضمان عليه، وأما العبد فلأن استئجاره لم يصح، فصار المستأجر باستعماله في الحفر غاصباً
إياه، فدخل في ضمانه، فإذا هلك فقد تقرر الضمان، فعليه قيمته لمولاه.
ثم إذا دفع قيمته إلى المولى، فالمولى يدفع القيمة إلى ورثة الحر والمكاتب، فيتضاربون
فيها، فيضرب ورثة الحر بثلث دية الحر، وورثة المكاتب بثلث قيمة المكاتب، وإنما كان
كذلك؛ لأن موت كل واحد منهم حصل بثلاث جنايات، بجناية نفسه وجناية صاحبيه، فصار
قدر الثلث من الحر والمكاتب تالفاً بجناية العبد، وجناية القن توجب الدفع، ولو كان قنًّا
لوجب دفعه إلى ورثة الحر والمكاتب؛ يتضاربون في رقبته على قدر حقوقهم، فإذا هلك وجب
دفع القيمة إليهم يتضاربون فيها أيضاً، فيضرب ورثة الحر فيها بثلث دية الحر، وورثة المكاتب
بثلث قيمة المكاتب؛ لأن الحر مضمون بالدية، والمكاتب مضمون بالقيمة، ثم يرجع المولى
على المستأجر بقيمة العبد مرة أخرى ويسلم له تلك القيمة؛ لأنه وَإِن رد المغصوب إلى
المغصوب منه يرد قيمته إليه، لكنه رده مشغولاً، وقد كان غصبه فارغاً، فلم يصح رده في حق
الشغل، فيضمن القيمة مرة أخرى، وللمستأجر أن يرجع على عاقلة الحر بثلث قيمة العبد؛ لأن
ملك العبد بالضمان من وقت الغصب، فتبين أن الجناية حصلت من الحر على ثلث عبد
المستأجر، فيضمن ثلث قيمته، فتؤخذ من عاقلته، ويأخذ ورثة المكاتب أيضاً من عاقلة الحر
ثلث قيمة المكاتب؛ لوجود الجناية من الحر على ثلث قيمته، فيضمن ثلث قيمته، فتؤخذ من
عاقلته، ثم يؤخذ من تركة المكاتب مقدار قيمته، فتكون بين ورثة الحر وبين المستأجر، لوجود
الجناية منه على الحر وعلى العبد، يضرب ورثة الحر بثلث دية الحر، ويضرب المستأجر بثلث
قيمة العبد؛ لأنه جنى على ثلث الحر وعلى ثلث العبد، فأتلف من كل واحد منهما ثلثه،
والحُرُّ مضمونٌ بالدية والعبد بالقيمة، وقد ملك المستأجر العبد بالضمان، فكان ضمان الواردة
على ملكه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقالوا فيمن حفر بئراً في سوق العامة لمصلحة المسلمين، فوقع فيها إنسان ومات - إنه
إن كان الحفر بإذن السلطان لا يضمن، وإن كان بغير إذنه يضمن؛ وكذلك إذا اتخذ قنطرة
للعامة .
وروي عن أبي يوسف أنه لا يضمن، ووجهه أن ما كان من مصالح المسلمين كان الإذن
به ثابتاً دلالة، والثابت دلالة كالثابت نَصًّا.
وجه ظاهر الرواية أن ما يرجع إلى مصالح عامة المسلمين كان حقًّا لهم، والتدبير في أمر
العامة إلى الإمام، فكان الحفر فيه بغير إذن الإمام؛ كالحفر في دار إنسان بغير إذن صاحب
الدار .