Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب الجنايات حديث ابن مسعود. = أخرجه الدارقطني (٨٨/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٢٣) والطبراني في ((الكبير)) (١٠٩/١٠) رقم (١٠٠٤٤) وابن عدي في ((الكامل)) (٣٤٠/٥) والبيهقي (٦٣/٨) كتاب الجنايات: باب لا قود إلا بحديدة، كلهم من طريق سليمان بن أرقم عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ◌َلجر: ((لا قود إلا بالسيف)) قال الدارقطني؛ أبو معاذ هو سليمان بن أرقم وهو متروك. والحديث ضعفه ابن عدي وأعله بعبد الكريم بن أبي المخارق وقال: والضعف بين على كل ما يرويه. ونقل تضعيفه عن أيوب وابن معين وابن عيينه وأحمد والساجي والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد((٢٩٤/٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو معاذ سليمان بن أرقم وفيه عنعنة بقية وعبد الكريم هو ابن أبي المخارق ضعيف. حديث أبي هريرة. أخرجه الدارقطني (٨٨/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٢٢) وابن عدي (٢٥٢/٣) والبيهقي (٦٣/٨) كتاب الجنايات: باب لا قود إلا بحديدة، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٢/ ٧٩٢) من طريق سليمان ابن أرقم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل: ((لا قود إلا بالسيف)). قال الدار قطني: عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وقال سليمان بن أرقم: متروك. وقد نقل ابن عدي عن البخاري وأحمد ويحيى والنسائي والسعدي والفلاس تضعيفه فقال البخاري: سليمان بن أرقم عن الحسن والزهري؛ تركوه. وقال أحمد: ليس بشيء لا يروي عنه الحديث. وقال يحيى: ليس بشيء وقال: ليس يساوي فلساً. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال السعدي : ساقط . وقال الفلاس: ليس بثقة روى أحاديث منكرة اهـ. وقال ابن الجوزي في «العلل» (٧٩٢/٢): هذا حديث لا يصح وسليمان بن أرقم. قال أحمد بن حنبل: ليس بشيء لا يروى عنه الحديث، وقال يحيى: لا يساوي فلساً وقال النسائي وأبو داود والدار قطني متروك اهـ. والحديث ذكره الحافظ الغساني في («تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدار قطني، (ص - ٢٧٦) رقم (٦٢٣) . حديث علي بن أبي طالب أخرجه الدارقطني (٨٨/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٢١) من طريق معلى بن هلال عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله صل#: ((لا قود إلا بحديدة)). قال الدارقطني: معلى بن هلال متروك. وهذا الحديث علقه البيهقي (٦٣/٨) وقال: هذا الحديث لم يثبت له إسناد معلى بن هلال الطحان متروك وسليمان بن أرقم ضعيف ومبارك بن فضالة لا يحتج به وجابر بن يزيد الجعفي مطعون فيه. = ٢٨٢ کتاب الجنايات والقصاص هو الاستيفاء؛ فكان هذا نفي استيفاء القصاص بالسيف؛ ولأن القطع إذا اتصلت به السراية، تبين أنه وقع قتلاً من حين وجوده؛ فلا يجازى إلا بالقتل؛ فلو قطع، ثم احتيج إِلى الحز، كان ذلك جمعاً بين القتل والحز، فلم يكن مجازاة بالمثل. وقوله: الحز يقع تتميماً للقطع - فاسد؛ لأن المتمم للشيء من توابعه، والحز قتل، وهو أقوى من القطع؛ فكيف يكون من تمامه، وإِن أراد الولي أن يقتل بغير السيف، لا يمكن؛ لما قلنا، ولو فعل يعزر، لكن لا ضمان عليه، ويصير مستوفياً بأي طريق قتله؛ سواء قتله بالعصا، أو بالحجر، أو ألقاه من السطح أو ألقاه في البئر، أو ساق عليه دابة حتى مات، ونحو ذلك؛ لأن القتل حقه، فإذا قتله فقد استوفى حقه بأي طريق كان، إلا أنه يأثم بالاستيفاء، لا بطريق مشروع؛ لمجاوزته حد الشرع. وله أن يقتل بنفسه وبنائبه؛ بأن يأمر غيره بالقتل؛ لأن كل أحد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه؛ إما لضعف بدنه، أو لضعف قلبه، أو لقلة هدايته إليه؛ فيحتاج إلى الإِنابة، إلا أنه لا بد من حضوره عند الاستيفاء، لما ذكرنا فيما تقدم. ثم إِذا قتله المأمور والآمر حاضر (١)، صار - مستوفياً، ولا ضمان عليه، فأما/ إِذا قتله والآمر غير حاضر(٢)، وأنكر ولي هذا القتيل الأمر - فإنه يجب القصاص على القاتل، ولا يعتبر تصديق الولي؛ لأن القتل عمداً سبب لوجوب القصاص في الأصل، فلو خرج من أن يكون سبباً إِنما يخرج بالأمر، وقد كذبه ولي هذا القتيل في الآمر، وتصديق ولي القصاص غير معتبر؛ لأنه صدقه بعد ما بطل حقه عن المصاص؛ لفوات محله فصار أجنبيًّا عنه؛ فلا يعتبر تصديقه؛ فلم يثبت الأمر؛ فبقي القتل العمد موجباً للقصاص. ١٢٤/٣ والحديث ذكره أيضاً الحافظ الغساني في «تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني (ص - ٢٧٧) = رقم (٦٢٤). مرسل الحسن أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤/٩) كتاب الديات: باب لا قود إلا بالسيف حديث (٧٧٧٢) وأحمد كما في ((نصب الراية)) (٣٤١/٤) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٨٩/١٤) كلهم من طريق أشعث ابن عبد الملك عن الحسن قال: قال رسول الله وَله: ((لا قود إلا بحديدة)). وهذا حديث مرسل ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل. وبالجملة فطرق هذا الحديث كلها ضعيفة لا يصح منها شيء وضعفها متفاوت ولا ينجبر ضعف هذه الطرق إذا اجتمعت وقد ضعف هذا الحديث البيهقي فقال: لم يثبت له إسناد. وقال في المعرفة (١٨٨/٦): وروي من أوجه أخر كلها ضعيفة. وقال عبد الحق: طرقه كلها ضعيفة وكذا قال ابن الجوزي كما في ((تلخيص الحبير)) (٢٠/٤). وضعف أكثر طرقه ابن عدي في الكامل وضعف حديث النعمان وأبي بكرة البوصيري في ((الزوائد» وضعف حديث ابن مسعود الهيثمي في («مجمع الزوائد». (٢) في أ: ظاهر. (١) في أ: ظاهر. ٢٨٣ کتاب الجنايات ولو حفر بئراً في دار إنسان، فوقع فيها إنسان، ومات، فادعى ولي القتيل الدِّية؛ فقال الحافرُ: حفرته بإذن صاحب الدار، وصدقه صاحب الدار في ذلك - فلا ضمان على الحافر [استحساناً] ويعتبر تصديقه؛ لأنه صدقه في فعل يملك إنشاء الأمر به للحال، وهو الحفر في ملكه، فلم يكن هذا تصديقاً بعد فوات المحل، فاعتبر، بخلاف الأول؛ والله تعالى أعلم بالصواب . فصل في بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه وأما بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه: فالمسقط له أنواع. منها: فَوَاتُ محل القصاص؛ بأن مات من عليه القصاص بآفة سماوية؛ لأنه لا يتصور بقاء الشيء في غير محله، وإِذا سقط القصاص بالموت، لا تجب الدية عندنا؛ لأن القصاص هو الواجب عيناً عندنا، وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله _(١). وعلى قوله الآخر: تجب الدية، وقد بينا فساده فيما تقدم، وكذا إِذا قتل من عليه القصاص بغير حق، أو بحق بالردة والقصاص؛ بأن قتل إنساناً، فقتل به قصاصاً يسقط (١) سقط من ط. قال الشيخ محمد مبروك انعدام محل القصاص يكون بموت القاتل لأنه محله فيسقط القصاص بموت الجاني، وقد اختلف الفقهاء عند سقوطه بذلك فذهب الحنفية والمالكية. إلى أنه لا شيء لأولياء المقتول لأن القصاص هو المتعين حقاً للولي وقد فات بفوات محله. وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر. إلى أنه إذا مات القاتل وجبت الدية في ماله لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط فوجبت الدية كقتل غير المكافىء ولأن ما ضمن بشيئين على سبيل البدل إذا تعذر أحدهما وجب الآخر كذوات الأمثال وتكون الدية في مال القاتل لأنها دية عمد. والخلاف في هذه المسألة متفرع على الخلاف فيما يجب بالقتل العمد وقد قال الحنفية والمالكية: إن القصاص واجب عيناً وليس للولي أن يعدل عنه إلى الدية إلاّ برضا الجاني وهذا القول يقتضي أنه إذا مات القاتل فقد سقط القصاص إلى غير بدل. وعلى ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة في موجب القتل يجب الدية في مال القاتل إذا مات وقد قال الشافعية في المشهور عنهم أن الواجب القصاص عيناً والدية بدل عنه عند سقوطه بعفو أو غيره كموت الجاني وقد رجحنا هذا القول سابقاً. وعلى ضوء ما تقدم من الأدلة يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من وجوب الدية في مال القاتل إذا مات القاتل قبل أن يقتص منه، لأننا إذا علمنا أن أولياء الدم يكونون من أثر الجناية في غيظ وتحرق وجدنا المصلحة قاضية بتعويضهم الدية بدلاً عن القصاص الذي فات بفوات محله حتى لا يشعروا بهدر دم قتيلهم فتتحرك نفوسهم للثأر من أهل القاتل. ولما كان القصاص مبنياً على المساواة وجب المصير إلى الدية عند التعذر تحقيقاً للمساواة بقدر الإمكان. ينظر: القتل العمد لشيخنا محمد مبروك یوسف . ٢٨٤ کتاب الجنايات القصاص، ولا يجب المال لما قلنا، وكذلك القصاص الواجب فيما دون النفس إذا مات ذلك العضو بآفة سماوية، أو قطع بغير حق يسقط القصاص من غير عندنا لما قلنا، وإن قطع بحق بأن قطع يد غيره، فقطع به أو سرق مال إِنسان فقطع، يسقط القصاص أيضاً لفوات محله، لكن يجب أرش اليد، فيقع الفرق في موضعين: أحدهما: بين القتلِ والقطع بحق. والثاني: بين القطع بغير حق، وبين القطع بحق والفرق أنه إذا قطع طرفه بحق، فقد قضى به حقًّا واجباً عليه، فجعل كالقائم، وجعل صاحبه ممسكاً له تقديراً؛ كأنه أمسكه حقيقة وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ ونحو ذلك، وهناك يجب الأرش؛ كذا هذا، وهذا المعنى لم يوجد فيما إذا قطع بغير حق؛ لأنه لم يقض حقًّا واجباً عليه، وفي القتل إن قضى حقًّا واجباً عليه لكن لا يملك (١) أن يجعل ممسكاً للنفس بعد موته تقديراً، لأنه لا يتصور حقيقة بخلاف الطرف، والله تعالى أعلم. ومنها: العفو(٢)، والكلام فيه في ثلاثة مواضع: (١) في أ: يمكن. (٢) اتفق العلماء على جواز العفو عن القصاص وأنه أفضل والأصل في مشروعيته. قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية كانت في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلى هذه الآية ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾. قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمد. قال ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أن يطلب بمعروف ويؤدى بإحسان رواه البخاري. وبقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين﴾ ... إلى قوله ... ﴿والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ... ﴾. وفي هذه الآية دليل على فضل العفو ومشروعيته، وقد ذكر العلماء فيه تفسيرين : - الأول: أن من تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق وعليه أكثر الصحابة ومن بعدهم. الثاني: أن المعنى فهو كفارة للجاني فلا يؤاخذ بجنايته. واستدلوا بعموم الآيات الدالة على فضله كقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾. وكقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. واستدلوا من السنة بما يلي: ١ - استدلوا بما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما رأيت النبي وَّ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة . ٢ - وبما ورد في قصة الربيع وفيها أن النبي رَ ير قال: ((يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم وعفوا)) رواه البخاري. ٢٨٥ كتاب الجنايات أحدها: في بيان ركنه. والثاني: في بيان شرائط الركن. والثالث: في بیان حکمه. أما ركنه: فهو أن يقول العافي: عفوت، أو أسقطت، أو أبرأت، أو وهبت، وما يجري هذا المجرى (١) . ٣ - وبما رواه أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: ((ما من رجل يصاب = بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة أو حط عنه به خطيئة)) رواه ابن ماجة. ٤ - وعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن النبي ◌َ ◌ّر قال: ((من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم» رواه أبو داود. واستدلوا بالاجماع على مشروعية العفو: فقد أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص وأن العفو أفضل من استيفاء القصاص في الجملة. (١) فيجوز العفو عن القاتل بأي صيغة تفيده. وذهب أهل الظاهر إلى أن صاحب الحق في العفو عن القصاص إنما هم المستحقون جميعاً فلا يصح العفو إلاّ إذا أجمع عليه المستحقون فالقول لمن طلب القود منهم وقد استدل أبو حنيفة ومن وافقه بما يأتي. أولاً: بما روي عن زيد بن وهب أن عمر رضي الله عنه أتى برجل قتل قتيلاً فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت امرأة المقتول وهي أخت القاتل قد عفوت عن حقي فقال عمر الله أكبر عتق القتيل رواه أبو داود. ثانياً: بأن القصاص حق مشترك بين الورثة جميعاً وهو مما لا يتبعض ومبناه على الدرء والإسقاط كالحدود فإذا أسقط بعض الورثة حقه سرى إلى الباقين كالمعتق. ثالثاً: بأن العفو أفضل من القصاص وأقرب للتقوى فيجب أن يرجح جانب من دعا إلى ما هو أقرب للتقوى وهو العفو، ومتى سقط القصاص بعفو أحد الورثة فللباقين نصيبهم من الدية لأن حقهم في القصاص سقط بغير رضاهم فيثبت لهم البدل ولما روي عن عمر رضي الله عنه في شأن امرأة قد قتلت فعفا بعض إخوتها عن القاتل فقضى لسائرهم بالدية . واستدل من قال إن حق العفو إنما هو للرجال وليس للنساء عفو، بأن القصاص إنما ثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح، ولا يملك العفو عنه إلا من له الحق فيه وليس للزوجين حق في القصاص عند هؤلاء كالمالكية فلا عفو لهما. واستدل المالكية بما يأتي. أولاً: بأن العافي إذا كان في درجة غيره أو أعلى منه فقد ترجح جانبه من حيث إنه دعا إلى العفو الذي هو أفضل وأقرب للتقوى فيصح عفوه ويسقط به القصاص. أما إذا كان العافي أنزل درجة أو استحقاقاً فلا يترجح جانبه فلا يصح عفوه إذ الترجح فرع التساوي على الأقل. وعند ما يكون الأولياء رجالاً ونساء أعلى منهم فإنه يترجح جانب الرجال من حيث إنهم عصبة القتيل وقد لا يثبت القتل إلاّ بسببهم كما في حالة القسامة، كما يترجح جانب النسوة من حيث كونهن أقرب للميت ولهذا لا يصح العفو إلا إذا صدر من الفريقين أو بعض من كل منهما. ٢٨٦ کتاب الجنايات وأما الشرائط فمنها: أن يكون العفو من صاحب الحق؛ لأنه إسقاط الحق، وَإسقاط الحق ولا حق محالٌ، فلا يصح العفو من الأجنبي لعدم الحق، ولا من الأب والجد في قصاص وجب للصغير؛ لأن الحق للصغير لا لهما، وإنما لهما ولاية استيفاء حق وجب للصغير؛ ولأن ولايتهما مقيدة بالنظر للصغير، والعفو ضرر محض؛ لأنه إسقاط الحق أصلاً ورأساً، فلا يملكانه؛ ولهذا لا يملكه السلطان فيما له ولاية الاستيفاء على ما بينا(١)، والله تعالى أعلم. ثانياً: بأن إذا عفا من هو أقل درجة من غيره فحق غير العافي لم يرض بإسقاطه ولم يترجح جانب العافي = عليه بل لم يساوه، فيترجح جانب غير العافي في طلب القصاص، ومن المعلوم أنه كلما كان الشخص أقرب إلى القتيل كلما كان أكثر اهتماماً بدفع العار فيترجح جانبه ويمكن من القصاص إذا طلبه. وقد استدل أهل الظاهر بما يأتي. أولاً: بأن القاتل متيقن حل دمه بنفس القتل والعافي يريد تحریم دم قد صح. (١) اختلف الفقهاء فيمن له حق العفو عن القاتل والتنازل عن القصاص منه فذهب أبو حنيفة وأحمد والشافعي، إلى أن صاحب الحق في العفو هم الورثة جميعاً. وإلى أن صدور العفو من أي وارث يسقط القصاص فكما أن للورثة الحق في طلبه فلهم الحق في العفو عنه ويسقط بعفو أحدهم. وذهب الليث والأوزاعي والزهري إلى أن الحق في العفو إنما هو للرجال وليس للنساء عفو وذهب المالكية. إلى أن العفو إنما يصح إذا كان العافي رجلاً في درجة غيره أو كان العافي أعلى من غيره في الدرجة، وإن كان ولاة الدم رجالاً ونساء أعلى درجة منهم فإن العفو يكون حقاً للطرفين مجتمعين ويكون القول قول من طلب القصاص منهما ولا عفو إلا باجتماع الطرفين أو بعض من كل منهما كالبنات مع الإخوة أو الأعمام. تحليله بيقين فليس له ذلك إلا بنص أو اجماع والداعي إلى القود داع إلى ما قد صح بيقين فوجب أن یکون القول له. ثانياً: بأن من يريد أخذ الدية من الأولياء دون من معه يريد إباحة أخذ الأموال المحرمة بقوله وعلا: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)) فليس له ذلك إلا بنص ولم يأت النص بإباحة الدية إلا بأخذ الأهل لها، ولفظ الأهل يقتضي إجماعهم على أخذها ولا إجماع - فيكون الداعي إلى أخذ الدية داع إلى ما لا يصح أما الداعي إلى القود فهو داع إلى ما قد صح بيقين فيكون القول له وبذلك لا يسقط القصاص إلا بعفو جمیع الأولياء. ثالثاً: بقوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ وذلك يدل على أن عفو العافي لا يلزم غيره ولا يسري عليه فالقول لمن دعا إلى القود لما ذكرناه من رجحان جانبه. ولقد أجاب الظاهرية عن أدلة الجمهور وهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومن وافقهم بأنه يرد على قولهم أن العفو أقرب للتقوى فيجب أن يترجح جانب من دعا إليه أن غاية ما تدل عليه هذه الآية وأمثالها أن العفو أعظم أجراً والقصاص بلا شك مباح وإذا كان كلاهما مباحاً فلا يجوز أن يجبر على الأفضل من لا يريده غير راغب فيه فبطل أن يكون في الآية دليل على سقوط حق من أراد القصاص إذا عفا أحد الورثة ومثل ذلك يقال في حديث أنس رضي الله عنه وقد أجابوا عن قولهم إن القصاص حق مشترك بين الورثة وهو لا يتبعض ومبناه على الدرء والإسقاط فإذا عفا بعضهم عن حقه سرى إلى الباقين كالعتق، بأن الإنسان إنما يملك التصرف في حقه إذا كان لا يضر بغيره والقياس على العتق قياس مع الفارق فإن الشارع = ٢٨٧ کتاب الجنايات ومنها: أن يكون العافي عاقلاً. ومنها: أن يكون بالغاً، فلا يصح العفو من الصبي والمجنون، وإن كان الحق ثابتاً لهما؛ لأنه من التصرفات المضرة المحضة، فلا يملكانه كالطلاق والعتاق ونحو ذلك. وأما حكم العفو، فالعفو في الأصل لا يخلو إما أن يكون من الولي، وإما أن يكون من المجروح، فإن كَانَ مِنَ الولي لا يخلو من أن يكون منه بعد الموت، أو قبل الموت بعد الجرح؛ فإن كان بعد الموت فإما أن يكون الولي واحداً، وإما أن يكون أكثر، فإن كان واحداً؛ بأن كان القاتل والمقتول واحداً فعفا عن القاتل، سقط القصاص؛ لأن استيفاءه لتحقق(١) معنى الحياة، وهذا المعنى يحصل بدون الاستيفاء بالعفو؛ لأنه إذا عفا فالظاهر أنه لا يطلب الثأر بعد العفو، فلا يقصد قتل القاتل، فلا يقصد القاتل قتله، فيحصل معنى الحياة بدون الاستيفاء، فيسقط القصاص لحصول ما شرع له استيفاؤه بدونه . متشوف إلى الحرية التي هي حياة كاملة، وكذلك في القصاص حياة الأولياء المقتول أي حياة وهو = الواجب الأصلي بالجناية فوجب أن يترجح جانب من دعا إليه لا أن يرجح غيره عليه. فلم يبق للجمهور متمسك إلا الأثر الذي ورد عن عمر رضي الله عنه ويمكن حمله على أن باقي الأولياء قد رضوا بالدية التي قضى لهم بها فكأنهم وافقوا على العفو وقد أجابوا عن أدلة من قال بإخراج الزوجين عن أن يكون لهم حق في العفو وقد استدلوا إخراجهما بأنهما ليسا من العصبة ولا يعقلان مع العاقلة. أولاً: بأنه لا دليل على أن أمر القصاص والعفو عنه إلى العصبة بل إلى الأهل وقد ثبت أن الزوجة منهم فكذلك الزوج وأما أنهما لا يعقلان مع العاقلة فصحيح ولكن ذلك في الخطأ ولا دخل لحكم العاقلة في العفو عن الدم فهذا في العمد خاصة وقد أجابوا عن دليل من قال إن العفو للرجال دون النساء وقد قاسوا أمر القصاص على ولاية النكاح بأنه قياس مع الفارق فإن الولاية في النكاح لم تثبت لهن لسبب معقول وهو صونهن عن مواطن الرجال حتى لا ينسين إلى الوقاحة بخلاف أمر القصاص فإن العار في عدم تمكينهن من طلبه على أن النساء كذلك يعنون بدفع العار عنهن كالرجال. وأيضاً النساء يرثن الدية التي هي بدل عن القصاص فيرثن القصاص أيضاً فيكون لهن حق العفو عنه أيضاً وقد أجاز عمر رضي الله عنه عفو الزوجة فدل ذلك على أن للنساء حقاً فيه وفي العفو عنه وقد أجاب الظاهرية عن أدلة المالكية أيضاً بأنهم يراعون اتفاق المستحقين على العفو في بعض الصور كالبنت مع الأخ. ثم لا يراعون ذلك في مثل البنات مع البنين، وفي مثل البنين أو الإخوة إذا عفا أحدهم: ويقولون إن ما ذهبوا إليه في غاية التناقض لأنهم مرة غلبوا جانب من دعا إلى القصاص كالبنت مع العاصب واحتجوا بأنها قد يحملها زوجها على العفو وأمرها إلى الضعف فلا تجاب إذا دعت إلى العفو وأراد العاصب القصاص. ثم قالوا إن دعت البنت إلى القتل فالقول لها لأنها المصابة بأبيها. ومرة غلبوا جانب من دعا إلى العفو كالبنين يعفو أحدهم ومرة غلبوا الرجال على النساء كالبنات مع الابن ومرة غلبوا الأقرب كالبنات مع الأخوات. ينظر: القتل العمد لشيخنا محمد مبروك يوسف. ينظر المحلى (٤٧٧/١٠)، المغني (٤٦٤/٩ - ٤٦٥). (١) في أ: لتحقيق. ٢٨٨ کتاب الجنايات وهكذا قال الحسن - رحمه الله - في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] أي: من أحياها بالعفو. وقيل في قوله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]: أن ذلك العفو والصلح على ما قيل إن حكم التوراة القتل لا غير، وحكم الإنجيل العفو بغير بدلٍ لا غير، فخفف سبحانه وتعالى على هذه الأمة، فشرع العفو بلا بدلٍ أصلاً، والصلح ببدل، سواء عَفَا عن الكلِّ أو عن البعض؛ لأنَّ القصاصَ لا يتجزأ. وذكر (١) البعض فيما لا يتبعض ذكر الكل؛ كالطلاق وتسليم الشفعة وغيرهما، وإذا سقط ٢٤/٣ب القصاص بالعفو لا ينقلب مالاً عندنا؛ لأن حق الولي في القصاص عيناً وهو أحد/ قولي الشافعي - رحمه الله، وقد أسقطه لا إلى بدلٍ، ومن له الحق إذا أسقط حقه مطلقاً وهو من أهلٍ الإسقاط، والمحل قابل للسقوط، يسقط مطلقاً؛ كالإبراء عن الدين ونحو ذلك. وعلى قوله الآخر الواجب أحدهما، فإذا عَفَا عن القصاص انصرف إلى الواجب تصحيحاً لتصرفه؛ كمن له على آخر دراهم أو دنانير ولا ينوي أحدهما بعينه، فأبرأه المديون عن أحدهما، ليس له أن يطالبه بالآخر، لما قلنا؛ كذا هذا. وَلَوْ عَفَا عنه ثم قتله بعد العفو، يجب عليه القصاص عند عامة العلماء - رضي الله تعالى عنهم -. وَقَال بعض الناس: لا يجب، واحتجوا بقوله - تبارك وتعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] جعل جزاء المعتدي وهو القاتل بعد العفو العذاب الأليم؛ وهو عذاب الآخرة، نستجير بالله - سبحانه وتعالى - من هَوْلِهِ، فلو وجب القصاص في الدنيا؛ لصار المذكور بعض الجزاء، ولأن القصاص في الدنيا يرفع عذاب الآخرة، لقوله - عليه الصلاة والسلام - ((السَّيْفُ مَخَّاءٌ لِلذُّنُوبِ))(٢) وفيه نسخ الآية الشريفة. (١) في أ: وذلك. (٢) رواه ابن حبان في صحيحه (٥١٩/١٠) رقم (٤٦٦٣) في حديث طويل من حديث عتبة بن عبد السلمي وكان من أصحاب النبي ◌ُّالر وفيه. ((إن السيف محاء للخطايا)). ورواه أحمد (١٨٥/٤ - ١٨٦) والدارمي (٢٠٦/٢ - ٢٠٧). والبيهقي أيضاً في الكبرى (٩/ ١٦٤) كتاب فضل الشهادة في سبيل الله والطبراني في الكبير (١٢٥/١٧ - ١٢٦) رقم (٣١٠)، (٣١١) وقال الهيثمي في المجمع (٣٠١/٥): ((رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح خلا أبي المثنى الأملوكي وهو ثقة)) اهـ. ٢٨٩ کتاب الجنايات وَلَنا عمومات القصاص من غير فصلٍ بين شخصٍ وشخص، وحالٍ وحالٍ، إلا شخصاً أو حالاً قيد بدليل؛ وكذا الحكمة التي لها شرع القصاص؛ وهو الحياة، على ما بينا - يقتضي الوجوب . وأما الآية فقد قيل في بعض وجوه التأويل أن العذاب الأليم ههنا هو القصاص، فإن القتل غاية العذاب الدنيوي في الإيلام، فعلى هذا التأويل كانت الآية حجة عليهم، وتحتمل هذا وتحتمل ما قالوا، فلا تكون حجة مع الاحتمال. وإن كان القصاص أكثر؛ بأن قتل رجلان واحداً، فإن عفا عنهما، سقط القصاص أصلاً لما ذكرنا، وإن عَفًا عن أحدهما سقط القصاص عنه، وله أن يقتل الآخر؛ لأنه استحق على كل واحد منهما قصاصاً كاملاً، والعفو عن أحدهما لا يوجب العفو عن الآخر. وذكر في المنتقى عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يسقط القصاص عنهما؛ لأن طريق إيجاب القصاص عليهما أن يجعل كل واحد منهما قاتلاً على الانفراد؛ كأن ليس معه غيره، إذ القتل تفويت الحياة، ولا يتصور تفويت حياة واحدة من كل واحد منهما على الكمال، فيجعل كل واحد منهما قاتلاً على الانفراد، ويجعل قتل صاحبه عدماً في حقه، فإذا عَفَا عن أحدهما، والعفُو عن القاتل جعل فعل الآخر عدماً تقديراً، فيورث شبهة، والقصاص لا يستوفي مع الشبهة. وهذا ليس بسديدٍ؛ لأن طريق إيجاب القصاص عليهما ليس ما ذكر، وليس القتل اسماً لتفويت الحياة، بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادةً، وَهَذا حصل لكل واحد منهما على الكمال، فالعفو عن أحدهما لا يؤثر في الآخر. هذا إذا كان الولي واحداً، فأما إذا كان اثنين أو أكثر فعفا أحدهما، سقط القصاص عن القاتل، لأنه سقط نصيب العافي بالعفو، فيسقط نصيب الآخر ضرورة أنه لا يتجزأ؛ إذ القصاص قصاص واحد، فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، وينقلب نصيب الآخر مالاً بإجماع الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم، فإنه روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - أنهم أوجبوا في عفو بعض الأولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الدية؛ وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه أنكر أحدٌ عليهم، فيكون إجماعاً. وقيل: إن قوله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] نزلتْ في دم بين شركاء يعفو أحدهم عن القاتل، فللآخرين أن يتبعوه بالمعروف في نصيبهم؛ لأنه قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ عُفَيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وهذا العفو عن بعض الحق ويكون نصيب الآخر وهو نصف الدية في مال القاتل؛ لأن القتل عمد إلا أنه تعذر استيفاء القصاص بدائع الصنائع ج ١٠ - م١٩ ٢٩٠ كتاب الجنايات لما ذكرنا، والعاقلة لا تعقل العمد، ويؤخذ منه في ثلاث سنين عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر في سنتین. وجه قوله أن الواجب نصف الدية، فيؤخذ في سنتين؛ كما لو قطع يد إنسان خطأ ووجب عليه نصف الدية؛ أنه يؤخذ في سنتين؛ كذا ههنا. ولنا: أن الواجب جزء مما يؤخذ في ثلاث سنين، وحكم الجزء حكم الكل؛ بخلاف القطع، فإن الواجب هناك كل لا جزء؛ لأن كل دية يد واحدة هذا القدر، إلاّ أنه قدر كل ديتها بنصف دية النفس، وهذا لا ينفي أن يكون كل دية الطرف، ولو عفا أحدُهما فقتله الآخر، ينظر: إن قتله ولم يعلم بالعفو أو علم به، لكنه لم يعلم بالحرمة، لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -، وعند زفر - رحمه الله - عليه القصاص. وجه قوله إنه قتل نفساً بغير حقٍّ؛ لأن عصمته عادت بالعفو؛ ألا ترى أنه حرم قتله، فكانت مضمونة بالقصاص؛ كما لو قتله قبل وجود القتل منه، فلو سقط إنما سقط بالشبهة، ومطلق الظن لا يورث شبهة، كما لو قتل إنساناً وقال: ظننتُ أنه قاتل أبي. ولنا: أن في عصمته شبهة العدم في حق القاتل؛ لأنه قتله على ظن أن قتله مباح له، وهو ظن مبني على نوع دليل؛ وهو ما ذكرنا أن القصاص وجب حقاً للمقتول/ وكل واحد من الأولياء بسبيل من استيفاء حق وجب للمقتول، فالعفو من أحدهما ينبغي أن لا يؤثر في حق الآخر؛ ولأن سبب ولاية الاستيفاء وجد في حق كل واحد منهما على الكمال، وهو القرابة، فينبغي أن لا يؤثر عفو أحدهما في حق صاحبه. إلاَّ أنه امتنع هذا الدليل عن العمل بإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - على ما بينا، فقيامه يورث شبهة عدم العصمة، والشبهة في هذا الباب تعمل عمل الحقيقة، فتمنع وجوب القصاص، ويجب عليه نصف الدية؛ لأن القصاص إذا تعذر إيجابه للشبهة، وجب عليه كمال الدية، كان على القاتل نصف الدية، فصار النصف قصاصاً بالنصف، فيوجب عليه النصف الآخر، ويكون في ماله لا على العاقلة؛ لأنه وجب بالقتل وهو عمدٌ، والعاقلة لا تعقل العمد، وإن علم بالعفو والحرمة، يجب عليه القصاص؛ لأن المانع من الوجوب الشبهة، وأنها نشأت عن الظن ولم يوجد، فزال المانع، وله على المقتول نصف الدية؛ لأنه قد كان انقلب نصيبه مالاً بعفو صاحبه، فبقي ذلك على المقتول . هذا إذا كان القصاص الواحد مشتركاً بينهما فعفا أحدهما عن نصيبه، فأما إذا وجب لكل واحد منهما قصاص كاملٌ قبل القاتل؛ بأن قتل واحد رجلين فعفا أحدهما عن القاتل - لا يسقط قصاص الآخر؛ لأن كل واحد منهما استحق عليه قصاصاً كاملاً، ولا استحالة له في ذلك؛ لأن القتل ليس تفويت الحياة ليقال إن الحياة الواحدة لا يتصور تفويتها من اثنين، بل هو اسم لفعل ١٢٥/٣ ٢٩١ کتاب الجنايات مؤثر في فوات الحياة عادةً، وهذا يتصور من كل واحدٍ منهما في محل واحد على الكمال، فعفو أحدهما عن حقه وهو القصاص لا يؤثر في حق صاحبه؛ بخلاف القصاص الواحد المشترك، والله سبحانه وتعالى - أعلم. هذا إذا عَفَا الولي عن القاتل بعد موت وليه، فأما إذا عفا عنه بعد الجرح قبل الموت، فالقیاس أن لا یصح عفوه، وفي الاستحسان يَصِحُ. وجه القياس أن العفو عن القتل يستدعي وجود القتل، والفعل لا يصير قتلاً إلاَّ بفوات الحياة عن المحل، ولم یوجد، فالعفو لم یصادق محله، فلم يصح، وللاستحسان وجهان : أحدهما: أن الجرح متى اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلاً من حين وجوده، فكان عفواً عن حق ثابت، فيصح؛ ولهذا لو كان الجرح خطأ فكفر بعد الجرح قبل الموت ثم مات، جاز التكفير . والثاني: أن القتل إن لم يوجد للحال، فقد وجد سبب وجوده؛ وهو الجرح المفضي إلى فوات الحياة، والسبب المفضي إلى الشيء يُقَام مقام ذلك الشيء في أصول الشرع؛ كالنوم مع الحدث، والنكاح مع الوطء، وغير ذلك؛ ولأنه إذا وجد سبب وجود القتل، كان العفو [منه] (١) تعجيل الحكم بعد وجود سببه، وأنه جائز كالتكفير بعد الجرح قبل الموت في قتل الخطأ، والله أعلم. وكذلك العفو من المولى، واحداً كان أو أكثر، والعفو من الوارث سواء في جميع ما وصفنا، إلا أن في القصاص بين الموليين إذا عفا أحدهما، فللآخر حصته من قيمة العبد وههنا من الدية؛ لأن القيمة في دم العمد كالدية في دم الحر. فأما فيما وراء ذلك، فلا يختلفان، هذا كله إذا كان العفو من المولى أو من الولي، فأما إذا كان من المجروح؛ بأن كان المجروح عفا، لا يصح عفوه؛ لأن القصاص يجب حقًّا للمولى لا له، وإن كان حُرًّا فإن عفا عن القتل، ثم مات، صح؛ استحساناً، والقياس: أن لا يصح. وجه القياس والاستحسان على نحو ما ذكرنا، وإن عفا عن القطع أو الجراحة أو الشجة أو الجناية ثم مات أولاً، فجملةُ الكلام فيه أن الجرح لا يخلو إما أن يكون عمداً أو خطاً، فإن كان عمداً، فالمجروح لا يخلو إما أن يقول: عفوت عن القطع، أو الجراحة، أو الشجة، أو (١) سقط من ط. ٢٩٢ کتاب الجنايات الضربة، وهذا كله قسم واحدٌ، وإما إن يقول عفوت عن الجناية، والقسم الأول لا يخلو إما إن ذكر معه ما يحدث منها، وإما لم يذكر، وحال المجروح لا يخلو إما إن برىء وَصَحَّ، وإما إن مات من ذلك، فإن برىء من ذلك صح العفو في الفصول كلها؛ لأن العفو وقع عن ثابت؛ وهو الجراحة، أو موجبها وهو الأرش، فيصح، وإن سرى إلى النفس ومات، فإن كان العفو بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها، صح بالإجماع، ولا شيء على القاتل؛ لأن لفظ الجناية يتناول القاتل، وكذا لفظ الجراحة وما يحدث منها، فكان ذلك عفواً عن القتل، فيصح، وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر (ما يحدث منها)، لم يصح العفو في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - والقياس أن يجب القصاص، وفي الاستحسان تجب الدية في مال القاتل، وعندهما يصح العفو ولا شيء على القاتل. وجه قولهما إن السراية أثر الجراحة، والعفو/ عن الشيء يكون عفواً عن أثره؛ كَمَا إذا قال: عفوت عن الجراحة وما يحدث منها. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - وجهان. أحدهما: أنَّه عفا عن غير حقه، فإن حقه في موجب الجناية لا في عينها؛ لأن عينها عرض لا يتصور بقاؤها، فلا يتصور العفو عنها، ولأن عينها جناية وجدت من الخارج، والجناية لا تكون حق المجني عليه، فكان هذا عفواً عن موجب الجراحة، وبالسراية يتبين أنه لا موجب بهذه الجراحة؛ لأن عند السراية يجب موجب القتل بالإجماع؛ وهو القصاص إن كان عمداً، والدية إن كان خطأ، ولا يجب الأرش وقطع اليد مع موجب القتل؛ لأن الجمع بينهما غير مشروع. والثاني: إن كان العَفْوُ عن القَطْع والجرح صحيحاً، لكن القطع غير والقتل غير، فالقطعُ إيانة الطرف، والقتل فعل مؤثر في فَوات الحياة عادةً، وموجب أحدهما القطع والأرش، وموجب الآخر القتل والدية، والعفو عن أحد الغيرين لا يكون عفواً عن الآخر في الأصل، فكان القياس أن يجب القصاص لوجود القتل العمد وعدم ما يسقطه، إلا أنه سقط للشبهة، فتجب الدية وتكون في ماله؛ لأنها وجبت بالقتل العمد، والعاقلة لا تَعْقِلُ العمدَ. هذا إذا كان القتل عمداً، فأما إذا كان خطأ، فإن برىء من ذلك، صح العفو بالإجماع، ولا شيء على القاطع، سواء كان بلفظ الجناية أو الجراحة، وذكر ما يحدث منها أو لم يذكر؛ لما قلنا . وَإن سرى إلى النفس، فإن كان بلفظ الجناية أو الجراحة وما يحدث منها، صح أيضاً لما ذكرنا، ثم إن كان العفو في حال صحة المجروح؛ بأن كان يذهب ويجيء، ولم يصر صاحب ٢٥/٣ب ٠ ٢٩٣ کتاب الجنايات فراش، يعتبر من جميع ماله، وإن كان في حال المرض بأن صار صاحب فراش، يعتبر عفوه من ثلث ماله؛ لأن العفو تبرع منه، وتبرع المريض مرض الموت يعتبر من ثلث ماله، فإن كان قدر الدية يخرج من الثلث، سقط ذلك القدر عن العاقلة، وإن كان لا يخرج كله من الثلث، فثلثه يسقط عن العاقلة، وثلثاه يؤخذ منهم. وَإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر ما يحدث منها، لم يصح العفو، والدية على العاقلة عند أبي حنيفة، وعندهما يصح العفو، وهذا وقوله: عفوت عن الجراحة وعن الجناية وما يحدث منها سواء؛ وقد بينا حكمه، والله أعلم. ولو كان مكان العفو صلح؛ بأن صالح من القطع أو الجراحة على مال، فهو على التفصيل الذي ذكرنا أنه إن برىء المجروح، فالصلح صحيحٌ بأيّ لفظٍ كان، وسواء كان القطع عمداً أو خطأ؛ لأن الصلح وقع عن حق ثابت، فيصح، وإن سرى إلى النفس، فإن كان الصلح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها، فالصلح صحيحٌ أيضاً، لأنه صلح عن حق ثابت؛ وهو القصاص، وإن كان بلفظ الجراحة، ولم يذكر: وما يحدث منها، فعند أبي حنيفة - رحمه الله - لا يصح الصلح، ويؤخذ جميع الدية من ماله في العمد، وإن كان خطأ يرد بدل الصلح، ويجب جميع الدية على العاقلة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو كان مكان الصلح نكاح؛ بأنْ قطعتْ امرأةٌ يدٌ رجلٍ أو جرحته، فتزوجها على ذلك، فهو على ما ذكرنا من التفاصيل أنه إن برىء من ذلك جاز النكاح، وصار أرش ذلك مهراً لها؛ لأنه تبين أن موجب ذلك الأرش، سواء كان القطع عمداً أو خطأ؛ لأن القصاص بين الذكور والإناث لا يجري فيما دون النفس، فكان الواجب هو المال، فإذا تزوجها عليه، فقد سمى المال، فكان مهراً لها . وإن سرى إلى النفس، فإن كان النكاح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها، وكان القطع خطاً، جاز النكاح، وصار دم الزوج مهراً لها؛ لأنه لما اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلاً موجباً للدية على العاقلة، فكان التزوج على موجب الجناية وهو الدية، وسقطت عن العاقلة لصيرورتها مهراً لها . وَهَذَا إذا كان وَقْتُ النكاح صحيحاً، فإن كان مريضاً، فبقدر مهر المثل يسقط عن العاقلة؛ لأنه ليس بمتبرع في هذا القدر. وأما الزيادة على ذلك فينظر: إن كانت تخرج من ثلث ماله يسقط أيضاً، وإن كانت لا تخرج من ثلث ماله، فبقدر الثلث يسقط أيضاً، والزيادة تكون للزوج ترجع إلى ورثته، وإنما اعتبر خروج الزيادة من ثلث ماله؛ لأنه متبرعٌ بالزيادة، وهو مريض مرض الموت. ٢٩٤ كتاب الجنايات هذا في الخطأ، وأما في العمد جاز النكاح، وصار عفواً. أما جواز النكاح، فلا شك فيه؛ لأن جوازه لا يقف على تسمية ما هو مال. وأما صيرورة النكاح على القصاص عفواً له؛ لأنه لما تزوجها على القصاص فقد أزال حقه عنه وأسقطه، وهذا معنى العفو، ولها مهر المثل من تركة الزوج؛ لأن النكاح لا يجوز إلا بالمهر، والقصاص لا يصلح مهراً؛ لأنه ليس بمالٍ، فيجب لها العوض الأصلي وهو مهر المثل، فَإن كان بلفظ الجراحة، ولم يذكر: وما يحدث منها؛ فكذلك/ الجواب عندهما فى العمد والخطأ . وعند أبي حنيفة - رحمه الله - بطل العفو إذا كان عمداً، ولها مهر المثل من مال الزوج، وتجب الدية من مالها، فيتناقصان بقدر مهر المثل، وتضمن المرأة الزيادة، وإن كانت خطأ فتجب الدية على عاقلتها، ولها مهر المثل من مال الزوج، ولا ترث المرأة من مال الزوج شيئاً؛ لأنها قاتلة، ولا ميراث للقاتل، والله تعالى أعلم. ولو كان مكان النكاح خلع؛ بأن قَطَعَ يَدَ امرأته أو جرحها جراحةً، فخلعها على ذلك، فهو على ما ذكرنا أنها إن برئت جاز الخلع، وكان بائناً، لأنه تبين أنه خلعها على أرش اليد، فصح الخلع، وصار أرش اليد بدل الخلع، والخلع على مال طلاق بائن، ويستوي فيه العمد والخطأ؛ لما مر. وإن سرى إلى النفس، وكان خطأ، فإن ذكر بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها، جاز الخلع، ويكون بائناً؛ لأنه تبين أن الفعل وقع قتلاً، فتبين أنه وقع موجباً للدية، فكان الخلع واقعاً على ماله، وهو الدية، فيصح، ويكون بائناً، ثم إن كانت المرأة صحيحة وقت الخلع، جاز ذلك من جميع المال، وإن كانت مريضة، صارت الدِّية بدل الخلع، ويعتبر خروج جميع الدِّية من الثلثِ؛ بخلاف النّكاح حيث يعتبر هناك خروج الزيادة على قدر مهر المثل من الثلث؛ لأن تلك الحال حال دخول البضع في ملك الزوج، وهذه حالة الخروج والبضع يعد مالاً حال الدخول في ملك الزوج، ولا يعد مالاً حال الخروج عن ملكه، وإن كان يخرج من الثلث سقط عن العاقلة، وإن لم يكن لها مال يسقط، والثلثان على العاقلة، ويكون بمنزلة الوصية . هذا في الخطأ، فأما في العمد، جاز العفو ولا يكون مالاً، وخلعها بغيرِ مالٍ يكون رجعيًّا، وإن كان الخلع بلفظ الجراحة، ولم يذكر: وما يحدث منها، فعندهما الجواب كذلك، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - لم يصح العفو، وتجب جميع الدية في ماله في العمد، وفي الخطأ على العاقلة، ويكون الخلع بغير مالٍ، فيكون الطلاق رجعيًّا، والله تعالى أعلم. ١٢٦/٣ ٢٩٥ كتاب الجنايات ومنها: الصلح(١) على مال؛ لأن القصاصَ حق للمولى، ولصاحب الحق أن يتصرف في حقه استيفاء وإسقاطاً؛ إذا كَانَ من أهل الإسقاط، والمحل قابلٌ للسقوط؛ ولهذا يملك العفو، فيملك الصلح؛ ولأنَّ المقصود من استيفاء القصاص وهو الحياة يحصل به؛ لأن الظاهر أن عند أخذ المال عن صلح وتراض، تسكن الفتنة، فلا يقصد الولي قتل القاتل، فلا يقصد القاتل قتله، فيحصل المقصود من استيفاء القصاص بدونه. وقيل: إن قوله - تبارك وتعالى -: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية، نزل في الصلح عن دم العمد، فيدل على جواز الصلح، وسواء كان بدل الصلح قليلاً أو كثيراً، من جنس الدية أو من خلاف جنسها، حالاً أو مؤجلاً، بأجلِ معلوم أو مجهول جهالةً متفاوتةً؛ كالحصاد والدياس ونحو ذلك؛ بخلاف الصلح من الدية على أكثر مما تجب فيه الدية أنه لا يجوز؛ لأن المانع من الجواز هناك تمكن الربا، ولم يوجد ههنا؛ لأن الربا يختص بمبادلة المال بالمال، والقصاص ليس بمالٍ، وقد ذكرنا شرائط جواز الصلح وَمَنْ يملك الصلح ومن لا يملكه في كتاب الصلح. ولو صالح الولي القاتل على مال، ثم قتله، يقتص منه عند عامة العلماء - رضي الله عنهم -. وقال بعض الناس: لا قصاص عليه، وقد مرت المسألة في العفو. ولو كان الولي اثنين، والقصاص واحدٌ، فصالح أحدهما، سقط القصاص عن القاتل، وينقلب نصيب الآخر مالاً؛ لما ذكرنا في العفو. ولو قتله الآخر بعد عفو صاحبه، فهو على التفصيل والخلاف والوفاق الذي ذكرناه في العفو . ولو كان القصاص أكثر، فصالح ولي أحد القتيلين، فللآخر أن يستوفي؛ وكذا لو صالح (١) يجوز الصلح على القصاص ولا خلاف في ذلك بين العلماء والدليل على ذلك. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَ ل قال: ((من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم» رواه الترمذي. وما روي أن هدبة بن خشرم قتل قتيلاً فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات لیعفو عنه فأبى ذلك وقتله. ومن المعقول: ((أن الصلح عوض عن غير مال (القصاص) فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه كالصداق وعوض الخلع. ٢٩٦ کتاب الجنايات الولي مع أحد القاتلين، كان له أن يقتص للآخر؛ لما ذكرنا في العفو؛ وكذلك حكم المولى في الصلح عن دم العمد في جميع ما وصفنا. ومنها: إرث القصاص؛ بأن وجب القصاص لإنسان فمات مَنْ له القصاص فورث القاتل القصاص، سقط القصاص؛ لاستحالة وجوب القصاص له وعليه، فيسقط ضرورة. ولو قتل رجلان رجلين كل واحد منهما ابن الآخر عمداً، وكل منهما وارث الآخر، قال أبو یوسف - رحمه الله -: لا قصاص عليهما. وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -: يوكل كل واحد منهما وكيلاً يستوفي القصاص، فيقتلهما الوكيلان معاً . وقال زفر - رحمه الله -: يقال للقاضي: ابتدِ بأيهما شئت، وسلمه إلى الآخر حتى يقتله ويسقط القصاص عن الآخر. وجه قول زفر - رحمه الله - أن القصاص وجب على كل واحدٍ منهما لوجود السبب من كل واحدٍ منهما، وهو القتل العمد، إلا أنه لا يتمكن استيفاؤهما؛ لأنه إذا استوفى أحدهما يسقط الآخر؛ لصيرورة القصاص ميراثاً للقاتل الآخر، فكان الخيار فيه إلى القاضي يبتدىء بأيهما شاء، ويسلمه إلى الآخر حتى يقتله ويسقط القصاص عن الآخر/ . وجه قول الحسن - رحمه الله - أن استيفاء القصاص منهما ممكن بالوكالة؛ بأن يقتل كل واحد من الوكيلين كل واحد من القاتلين في زمان واحدٍ، فلا يتوارثان؛ كما في الغرقى والحرقی. وجه قول أبي يوسف - رحمه الله - أن وجوب القصاص وجوب الاستيفاء لا يعقل له معنى سواه، ولا سبيل إلى استيفاء القصاص؛ لأنه إذا استوفى أحدهما سقط الآخر، وليس أحدهما بالاستيفاء أولى من الآخر، فتعذر القول بالوجوب أصلاً؛ ولأن في استيفاء أحد القصاصين إبقاء حق أحدهما، وإسقاط حق الآخر، وهذا لا يجوز، والقول باستيفائهما بطريق التوكيل غير سديد؛ لأن الفعلين قل ما يتفقان في زمان واحد، بل يسبق أحدهما الآخر عادةً؛ وكذا أثرهما الثابت عادةً وهو فوات الحياة، وفي ذلك إسقاط القصاص عن الآخر. وقالوا في رجلٍ قطع يد رجل، ثم قتل المقطوع يده ابن القاطع عمداً، ثم مات المقطوع يده من القطع - إن على القاطع القصاص، وهو القتل لولي المقطوع يده؛ لأنه مات بسبب سابق على وجود القتل منه، وهو القطع السابق؛ لأن ذلك القطع صار بالسراية قتلاً، فوجب القصاص على القاطع، ولا يسقط بقتل المقطوع يده ابن القاطع، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ٢٦/٣ب ٢٩٧ كتاب الجنايات ومنها: حرمان الميراث لحصول القتل مباشرة بغير حقِّ؛ ولهذا يثبت بالقتل الخطأ، فبالعمد أولى(١) . وأما الكفارة، فلا تجب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - تجب(٢)، وجه قوله إن (١) واختلف في القتل المانع من الإرث فعن معاشر الشافعية لا يرث من له مدخل في القتل. ولو كان بحق كمقتص وإمام وقاصد وجلاء بأمرهما أو أحدهما سواء أكان مباشراً أم متسبباً بالاختيار أم بالإكراه - لكنهم رجحوا في صورة من حفر بئراً في ملكه فقتل فيه مورثه. وكذا من وضع حجراً أو نصب ميزاباً في ملكه أو بنى حائطاً في ملكه فمات المورث بسببها - رجحوا في هذه الصور الإرث ... لأنه لم يتعد فيها. أما إذا تعدى بأن حفر بئراً في الطريق فإنه لا يرث إذا مات بها مورثه - هذا إذا كان التسبب قريباً. بخلاف ما إذا كان بعيداً كأن أحبل الزوج زوجته فماتت بالولادة فإنه يرث. وإن كان له تسبب في موتها بالإحبال - لكنه بعيد - ولأن الوطء من باب الاستمتاع. ومن شأنه ألا يتسبب إليه قتل. هذا والقتل يشمل المقصود كما تقدم وغير المقصود كقتل النائم والمجنون والصبي غيرهم. فلا يرث واحد منهم من قتله. وأما حديث ((رفع القلم عن ثلاث ـ عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق)) فلا يرد علينا - لأن المرفوع هنا إنما هو قلم التكليف ولا تعلق له بالإرث. وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال بإرث القاتل إذا كان صبياً أو مجنوناً لارتفاع القلم عنهما. وعندنا لا إرث لمن له دخل في القتل سواء أقصد به مصلحة كضرب الأب ابنه للتأديب فيموت بسببه وربطه الجرح للمعالجة أم لا . قال ◌َله: ((ليس للقاتل من الميراث شيء)) أي ليس لمن له مدخل في القتل شيء من الإرث. وأما السادة الحنفية. فيقولون: إن القتل المانع من الإرث هو ما يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة. فالذي يوجب القصاص هو العمد. وما يوجب الكفارة إما شبه العمد وإما الخطأ - وموجبهما الكفارة والدية على العاقلة ولا إثم فيه. ويحرم القاتل الميراث في هذه الصور كلها - هذا إذا كان القتل بغير حق - أما لو قتل موزئه قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه فلا يحرم الميراث - وكذا إذا تسبب في القتل ولم يباشره مطلقاً سواء كان في تسببه متعدياً أم لا . واعترض على الحنفية في قصر المانع على القتل الموجب للقصاص أو الكفارة - بما إذا قتل الأب ابنه عمداً فإنه لم يثبت به قصاص ولا كفارة مع أنه محروم اتفاقاً وأجيب بأنه موجب للقصاص بحسب أصله إلا أنه سقط بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقتل الوالد بولده ولا السيد بعبده)). وعند السادة الحنابلة كل قتل مضمون بدية أو قصاص أو كفارة مانع وما لا فلا - أما القتل بحق فلا يمنع الميراث. وعند السادة المالكية. يرث القاتل خطأ من المال دون الدية. ولا يرث القاتل عمداً وعدواناً. ينظر المواريث لشيخنا وهبة إبراهيم. (٢) يقول الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاَّ خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلاَّ أن يصدقوا ... ﴾ إلى أن قال ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً﴾ . ٢٩٨ کتاب الجنايات فبين سبحانه وتعالى أن القتل في ذاته جريمة منكرة ليس من شأن المؤمن أن يقدم عليها، ولا من طبعه = الميل إليها، وأنه إن فعل ذلك إنما يفعله عن كُرْهٍ منه، وعلى غير قصد، وأنه في هذه الْحَالَةِ عليه أن يخرج رقبة من ذُلْ العبودية تتمتع بنسيم الحرية بدل تلك الرقبة التي فارقت الحياة الدنيا، فإن كان معسراً عاجزاً عن تحرير تلك الرقبة، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين تهذيباً لنفسه، وإشعاراً لها بما وقع منها من التقصير؛ لعل الله يغفر لها ما فرط من ذنب إنه غفور رحيم. وهذه الآيات بظاهرها تفيد أن الكفارة إنما تجب في قتل الخطأ دون العمد إذ القاتل عمداً جعل الله جزاءه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عَلَيْهِ، وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً. ومن هنا اتفقت كلمة الفقهاء على وجوب الكفارة في قتل الخطأ . وبعد اتفاق الفقهاء على وجوب الكفارة في قتل الخطأ اختلفوا في وجوبها في غيره، كالعمد، وشبه العمد عند من يقول به . فالإمام مالك، وأهل الظاهر يرون أن الكفارة لا تجب في العمد، ولا في شبه العمد. ويرى المالكية: أن على القاتل عمداً إذا عفى عنه أن يكفر بما يكفر به القاتل خطأ على سبيل النوب، لا على سبيل الوجوب، ويُجْلَدُ مِائةً، ويغرب سنة ويرى الحنفية: أن الكفارة تجب في شبه العمد دون العمد . ويرى الشافعية: أنها تجب في كل قتل سواء كان خطأ أم عمداً، أم شبه عمد، وهو رواية عن الإمام أحمد . واستدل المالكية، ومن وافقهم بالآيتين السابقتين، ووجه الدلالة منهما أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر فيهما ما يترتب على كل منهما، وما ذكره بجانب كل هو تمام ما وجب فيه، ولم يذكر بجانب قتل العمد كفارة، فعلم من ذلك أنها غير واجبة فيه، ولم يثبت من طريق صحيح ما يفيد وجوبها في غير الخطأ، فكان القول بالوجوب قولاً بلا دَلِيلِ. ونوقش هذا الدليل بأن الله تعالى لم يذكر بجانب قتل العمد جلد مائة للقاتل، ولا تغريب سنة، ومع ذلك. فالمستدل بالدليل السابق كالمالكية يوجبونها على القاتل عمداً إذا عفي عنه، فمن أين أخذوا ذلك؟ أليس ذلك ثابتاً عندهم بطريق القياس على الزَّانِي، فكان الأجدر بهم أن يقيسوا القتل عمداً على القتل خطأً؛ لأن جنس القتل يجمعهما. واستدل الحنفية على عدم وجوبها في العمد بالآية السابقة، وعلى وجوبها في شبه العمد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنَاً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... ) الآية. ووجه الاستدلال: أن شبه العمد فيه خطأ من وجه، فكان داخلاً في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... ) الآية. فيجب فيه ما يجب في الخطأ. ويرد هذا الاستدلال بأن شبه العمد مغاير للعمد كما هو مغاير للخطأ، والآية لم يذكر فيها إلا الخطأ، كما أن الآية الثانية لم يذكر فيها إلا العمد، فكان مقتضى الاستدلال على عدم وجوب الكفارة في القتل عمداً بالآية السابقة عدم وجوبها أيضاً في شبه العمد، وإلا كان ذلك زيادة على النص، كما يقولون. وإثباتهم الكفارة في شبه العمد ظهرٍ أنه بالقياس على الخطأ لوجود ما يجمعهما، فيجب القول بثبوتها كذلك في القتل عمداً بالقياس على القتل خطأ - لاشتراكهما معاً في جنس القتل، ولا يفيدهم القول بأن الكفارات لا تثبت بالقياس بعد ما ثَبَتَ من قولهم به بثبوت الكفارة في شبه العمد، وبعد ما ظهر أن ذلك بالقياس على الخطأ . = ٢٩٩ کتاب الجنايات الكفارة لرفع الذنب ومحواً لإثم، ولهذا وجبت في القتل الخطأ، والذنب في القتل العمد أعظم، فكانت الحاجة إلى الدفع أشد. ولنا: إن التحرير أو الصوم في الخطأ إنما وجب شكراً للنعمة؛ حيث سلم له أعز الأشياء إليه في الدنيا، وهو الحياة، مع جواز المؤاخذة بالقصاص؛ وكذا ارتفع عنه المؤاخذة في الآخرة، مع جواز المؤاخذة، وهذا لم يوجد في العمد فيقدر الإيجاب شكراً أوجب لحق التوبة عن القتل بطريق الخطأ، وألحق بالتوبة الحقيقية؛ لخفة الذنب بسبب الخطأ، والذنب ههنا أعظم، فلا يصلح لتحرير توبة [له] (١)، والله تعالى أعلم. وأما شبه العمد، فيتعلق به أحكامٌ. منها: وجوب الدية المغلظة على العاقلة، أما وجوب الدية فلأن القصاص امتنع وجوبه مع وجود القتل العمد للشبهة فتجب الدية . واستدل الشّافِعِيَّةُ على وجوبها في غير الخطأ بما رواه أحمد، وأبو داود، وِالنَّسَائِيُّ عن وَائِلَةَ بنِ الْأَسْقَعِ = قال: أتينا رَسُولَ اللهِ وَه فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ ((يَعْنِي النَّارَ بِالْقَتْلِ)) فَقَالَ: «أَعْتَقُواْ عَنْهُ يَعْتِقُ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ الثَّارِ)). ووجه الدلالة أن النّبِيَّ وََّ - أَمَرَ السائلين بأن يعتقوا رَقْبَةً عمن مات، وقد استحق النار بالقتل؛ ومعلوم أن الذي يستحق النار بالقتل هو من قتل قتلاً عمداً، أو شبه عمد؛ لأن القاتل خطأ لا يستحق النار بالقتل اتفاقاً لعذره بالخطأ مصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأْ، والنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُواْ عَلَيهِ)). والأمر للوجوب؛ فكانت الكفارة في غير الخطأ واجبة، وبذلك يكون هذا الحديث مبنياً أن المذكور في الآية المتعلقة بالقتل العمد ليس هو كل جزاء القاتل، بل يكون هذا جزاءه إن لم يخرج الكفارة، وإذا كانت الكفارة ثابتة في الخطأ مع أنه لا إثم فيه، فلا شك أن ثبوتها في القتل العمد من باب أولى؛ لأن الكفارة شأنها أن تكفر، وتستر ما وقع من ذنب أو خطيئة، وذلك في العمد متحقق بأجلى معانيه؛ لأن الإثم فيه عظيم، والجرم فيه كبير: ومما تقدم يظهر لنا رجحان مذهب الشافعية؛ لأن دليلهم لم يرد عليه ما ورد على غيره من مناقشات تجعله غير صالح للاستدلال به، ولكن ينبغي أن يفصل بين من اقتص منه، فلا تجب عليه كفارة؛ لأن القصاص نفسه كفارة، كما تقدم في مبحثٌ ((الْحُدُودُ كَفَّارَات)) وبين من لم يقتص منه فتجب عليه، ويؤيد هذا الحديث المذكور عن وائلة بن الأسقع. مما تقدم علم أن العلماء مختلفون في سبب كفارة القتل. فمنهم من يرى أن السبب هو القتل خطأ، ولذا لا يوجبها بغيره، ومنهم من يرى أن السبب هو القتل مطلقاً عمداً أو خطأ، ولذا أوجبها فيهما. ينظر الكفارات لشيخنا حسن على حنين الكاشف، وينظر: المغني ٦٧١/٩، الخطيب على المنهاج ١٠٨/٤، والمحلى ٢٥٩/١٠ والشرح الكبير ٢٥٤/٤. (١) سقط من ط. ٣٠٠ كتاب الجنايات وأما صفة التغليظ فلإجماع الصحابة رضي الله عنهم لأنهم اختلفوا في كيفية التغليظ على ما نذكر إن شاء الله تعالى، واختلافهم في الكيفية دليلُ ثبوت الأصل. وأما الوجوب على العاقلة(١)؛ فلأن العاقلة إنما تعقل الخطأ تخفيفاً على القاتل؛ نظراً له لوقوعه فيه لا عن قصد، وفي هذا القتل شبهة عدم القصد لحصوله بآلة لا يقصد بها القتل عادة؛ فكان مستحقاً لهذا النوع من التخفيف. ومنها : حرمان الميراث. ومنها: عدم جواز الوصية؛ لأنه قتل مباشرة بغير حقٍّ. وهل تجب الكفارة في هذا القتل؟ . ذكر الكرخي رحمه الله - أنها تجب، وألحقه بالقتل الخطأ المحض في وجوب الكفارة. وقال بعض مشايخنا: لا تجب، وألحقه بالعمد المحض في عدم وجوب الكفارة. وجه ما ذكره الكرخي - رحمه الله - إن الكفارة إنما وجبت في الخطأ، إما لحق الشكر أو لحق التوبة على ما بينا، والداعي إلى الشكر والتوبة ههنا موجود؛ وهو سلامة البدن، وكون الفعل جناية فيها نوع خفة لشبهة عدم القصد، فأمكن أن يجعل التحرير فيه توبة. وجه القول الآخر أن هذه جناية متغلظة؛ ألا ترى أن المؤاخذة فيها ثابتة بخلاف الخطأ، فلا يصلح التحرير توبة (٢) بها كما في العمد؛ والله تعالى أعلم. وأما القتل الخطأ، فيختلف حكمه باختلاف حال القاتل والمقتول، فنفصل الكلام فيه، فنقول : القاتل والمقتول إما أن يكونا جميعاً حُرَّيْن، وإما إن كان للقاتل حراً والمقتول عبداً، وإما إن كان القاتل عبداً والمقتول حرّاً، وإما إن كانا جميعاً عبدين؛ فإن كانا حرين، فيتعلق به أحکام. (١) العاقلة: مأخوذ من العقل، وهو الدية، وسميت الدية عقلاً؛ لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، يقال؛ عقلت المقتول: إذا أديت ديته، ومنه سمي العقل عقلاً؛ لأنه يمنع من الخطأ كما يمنع العقال الدابة من الذهاب. (٢) في ط: بها.