Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب الجنايات
وأما الذي يرجع إلى المقْتُول فثلاثة أنواع:
أحدها: ألاَّ يكون جزء القاتل، حتى لو قتل الأب ولده لا قِصَاصَ عليه(١)، وكذلك
الجد أب الأب أو أب الأم وإن عَلاَ، وكذلك إذا قتل الرجل ولد ولده وإن سفلوا، وكذا الأم
إذا قتلت ولدها أو أم الأم أو أم الأب إذا قتل ولد ولدها؛ والأصل فيه ما روي عن
النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لا يقاد الوَالِد بولده)) واسم الوالد والولد يَتَنَاول كل
والد وإن علا، وكل ولد وإن سفل.
ولو كان في ورثة المقْتُول ولد القاتل أو ولد ولده - فلا قِصَاص؛ لأنه تعذر إيجاب
القِصَاص للوَلَد في نَصِيبه، فلا يمكن الإِيجاب للباقين؛ لأنه لا يتجزّأ، وتجب الدية للكلِّ،
ويقتل الولد بالوالد لعُمُومات القِصَاص من غير فَضْل، ثم خص منها الوالد بالنصِّ الخاص،
فبقي الولد داخلاً تحت العموم؛ ولأن القِصَاص شرع لتحقيق حِكْمة الحياة بالزَّجر والرَّدع،
والحاجة إلى الزجر في جانب الوَلَد لا في جانب الوالد؛ لأن الوالد يحب وَلَده لولده لا
اختيار له. وقياس الجمهور المكره على المضطر قياس مع الفارق لأن المضطر مختار في فعله ولم يصدر
=
منه القتل تحت سلطان مؤثر خارجي وليست حياته بأولى من حياة غيره حتى يستبيح قتله ليأكله، وحيث
إن القتل صدر منه بدافع من نفسه وجب أن يتحمل مسؤوليته، بخلاف المكره فإنه إنما يصدر منه القتل
تحت تأثير سلطة خارجية قاهرة فيجب أن يعفى من المسؤولية وأن يتحملها هذا المتسلط المتغلب وحده،
وفي قوله وَ له: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) ما يدل على رفع
المسؤولية عن المكره، ويجعل حمل المسؤولية على المكرِه متعيناً فلا وجه لما ذهب إليه أبو يوسف من
نفي القصاص عنهما معا بحجة أن الحامل متسبب غير مباشر للقتل، لأن الإكراه الملجىء سبب في معنى
العلة، فيجب أن يتحمل المتسبب وهو المكره المسؤولية.
على أن هذا القول يؤدي إلى إراقة الدماء بطريق الإكراه، إذ يصبح المكرِه في مأمن من العقوبة وقول زفر
أنه لا يعدل عن الحقيقة إلا بدليل يجاب عنه بأن الدليل قائم وهو الحديث المذكور والإكراه هنا سبب في
معنى العلة فيجب أن ينقل حكم المباشرة إليه. ومما ذكرناه يتبين رجحان ما ذهب إليه الامام أبو حنيفة
وهو القول بالقصاص من الحامل (المكره) وحده لأنه قد وصل إلى ما يريده من قتل المجني عليه بهذا
الطريق الذي توسل بها إلى مقصده، فلا يجوز أن يؤثر تدخل الفاعل (المكره) على مسؤوليته، لأنه قد
أراد القتل وبلغ ما يريده فيجب أن يعد قاتلاً وأن يقتص منه على أن من توصل به ليس إلا كالآلة له بسبب
تغلبه وتسلطه عليه، وقول أبي يوسف بعدم القصاص منه مبني على أنه متسبب وقد بينا أن هذا المتسبب
كالمباشرة أما المكره المغلوب على أمره فقد فسد اختياره فلا وجه لتحميله مسؤولية ما أكره عليه ينظر:
القتل العمد لشيخنا محمد يوسف.
(١) الأبوة مانعة من وجوب القصاص فلا يقتل الأب بابنه. وهو مذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي
وأحمد رحمهم الله جميعاً.
وذهب الامام مالك إلى أن الأبوة لا تمنع من وجوب القصاص، إذا كان يقصد قتل ابنه - كأن يضجعه
ويذبحه - أما إذا لم يقصد فلا يقتل به.
بدائع الصنائع ج ١٠ - م١٦

٢٤٢
کتاب الجنايات
لنفسه، بوصول النفع إليه من جهته أو يحبه لحياة الذكر لما يحيى به ذكره، وفيه أيضاً زيادة
شفقة تمنع الوَالِد عن قتله، فأما الولد فإنما يحب وَالِده لا لوالده بل لنفسه، وهو وصول النفع
إليه من جهته، فلم تكن محبته وشفقته مَانِعة من القَتْل، فلزم المنع بشرع القصاص كما في
الأجانب؛ ولأن محبة الولد لوالده لمَّا كانت لمنافع تصل إليه من جِهَته لا لعينه، فربما يقتل
الوَالِد ليتعجل الوصول إلى أملاكه، لا سيما إذا كان لا يصل النَّفع إليه من جهته لعوارض،
ومثل هذا يندر في جَانِب الأب.
والثاني: ألاَّ يكون ملك القاتل ولا له فيه شبهة الملك، حتى لا يقتل المولى بعبده (١)؛
(١) الاجماع قائم على أن الحريقاد بالحر وأنه يقتل العبد بالحر وأنه لا يقطع طرف الحر بطرف العبد،
واختلف العلماء في الحر إذا قتل عبداً هل يقتل به أم لا؟.
ثلاثة أقوال :
الأول: يقتل الحر بالعبد مطلقاً سواء كان عبد القاتل أو عبد غيره. قال به النخعي والبخاري.
الثاني: يقتل الحر بالعبد إلا السيد فلا يقتل بعبده.
وهو قول الحنفية وقال به سعيد بن المسيب والشعبي وقتادة والثوري.
الثالث: لا يقتل الحر بالعبد مطلقاً.
وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم، وهو قول الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة.
وقال الشوكاني في النيل: وقد اختلف أهل العلم في قتل الحر بالعبد. وحكي صاحب البحر الإجماع
على أنه لا يقتل السيد بعبده إلا عن النخعي، وهكذا حكى الخلاف عن النخعي وبعض التابعين الترمذي.
وأما قتل الحر بعبد غيره فحكاه في البحر عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وحكاه صاحب الكشاف عن
سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وحكى الترمذي عن الحسن
البصري وعطاء بن أبي رباح وبعض أهل العلم أنه ليس بين الحرّ والعبد قصاص لا في النفس ولا فيما
دون النفس. قال: وهو قول أحمد وإسحاق، وحكاه صاحب الكشاف عن عمر بن عبد العزيز والحسن
وعطاء وعكرمة ومالك والشافعي.
وحكاه في البحر عن عليّ وعمر وزيد بن ثابت وابن الزبير والعترة جميعاً والشافعي ومالك وأحمد بن
حنبل. وروى الترمذي في المسألة مذهباً ثالثاً فقال: وقال بعضهم: إذا قتل عبده لا يقتل به، وإذا قتل
عبد غيره قتل به، وهو قول سفيان الثوري انتهى. وقد احتج المثبتون للقصاص بين الحرّ والعبد بحديث
سمرة المذكور وهو نصّ في قتل السيد بعبده، ويدل بفحوى الخطاب على أن غير السيد يقتل بالعبد
بالأولى. وأجاب عنه النافون أوّلاً بالمقال الذي تقدم فيه. وثانياً بالأحاديث القاضية بأنه لا يقتل حرّ بعبد،
فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوّي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج. وثالثاً بأنه خارج مخرج التحذير.
ورابعاً بأنه منسوخ، ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه. وخامساً بأن النهي أرجح من غيره كما
تقرّر في الأصول. والأحاديث المذكورة في أنه لا يقتل حرّ بعبد مشتملة عليه. وسادساً بأنه يفهم من دليل
الخطاب في قوله تعالى - الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد - أنه لا يقتل الحرّ بالعبد، ولا يخفى أن هذه الأجوبة
يمكن مناقشة بعضها، وقد عكس دعوى النسخ المثبتون فقالوا: إن الآية المذكورة منسوخة بقوله تعالى
- النفس بالنفس .. واستدلوا أيضاً بالحديث المتقدم في أول الباب عن عليّ: ((أن النبي صلى الله عليه =

٢٤٣
كتاب الجنايات
لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ يُقَادُ الوَالِدُ بوَلَدِهِ وَلاَ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ))(١) ولأنه لو وجب
وآله وسلم قال: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم)) ويجاب عن الاحتجاج بالآية المذكورة، أعني قوله - النفس
=
بالنفس - بأنها حكاية لشريعة بني إسرائيل لقوله تعالى في أول الآية - وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس -
بخلاف قوله تعالى - الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد - فإنها خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم،
وشريعة من قبلنا إنما تلزمنا إذا لم يثبت في شرعنا ما يخالفها، وقد ثبت ما هو كذلك. على أنه قد
اختلف في التعبد بشرع من قبلنا من الأصل كما ذلك معروف في كتب الأصول، ثم إنا لو فرضنا أن
الآيتين جميعاً تشريع لهذه الأمة لكانت آية البقرة مفسرة لما أبهم في آية المائدة، أو تكون آية المائدة
مطلقة، وآية البقرة مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد. وقد أيد بعضهم عدم ثبوت القصاص بأنه لا
يقتصّ من الحرّ بأطراف العبد إجماعاً فكذا النفس، وأيد آخر ثبوت القصاص فقال: إن العتق يقارن المثلة
فيكون جناية على حرّ في التحقيق حيث كان الجاني سيده. ويجاب عن هذا بأنه إنما يتم على فرض بقاء
المجني عليه بعد الجناية زمنا يمكن فيه أن يتعقب الجناية العتق ثم يتعقبه الموت لأنه لا بد من تأخر
المعلول عن العلة في الذهن وإن تقارنا في الواقع، وعلى فرض أن العبد يعتق بنفس المثلة لا بالمرافعة
وهو محل خلاف. وقد أجاب صاحب المنحة عن هذا الإشكال فقال: إنه يتمّ في صورة جدعه وخصيه
لا في صورة قتله انتهى. وهذا وهم لأن المراد بالمثلة في كلام المورد للتأييد هي المثلة بالعبد الموجبة
لعتقه بالضرب واللطم ونحوهما لا المثلة المخصوصة التي سرى ذهن صاحب المنحة إليها. وقد أورد
على المستدلين بقوله تعالى - الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد - أنه يلزم على مقتضى ذلك أن لا يقتل العبد
بالحرّ. وأجيب بأن قتل العبد بالحرّ مجمع عليه فلا يلزم التساوي بينهما في ذلك. ينظر النيل (١٦/٧ -
١٧) والاجماع لابن المنذر (١٤٤، ١٤٦) المغني (٦٥٩/٧).
(١) أخرجه الترمذي (١٩/٤) كتاب الديات: باب الرجل يقتل ابنه هل يقاد منه أم لا حديث (١٤٠١) وابن
ماجه (٨٨٨/٢) كتاب الديات: باب لا يقتل الوالد بولده حديث (٢٦٦١) والدارمي (١٩٠/٢) كتاب
الديات: باب القود بين الوالد والولد والدارقطني (١٤٢/٣) كتاب الحدود والديات حديث (١٨٥)
والبيهقي (٣٩/٨) كتاب الجنايات: باب الرجل يقتل ابنه، والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص ٤٢٩ -
٤٣٠) وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨/٤) كلهم من طريق إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس
عن ابن عباس عن النبي بَّ قال: ((لا تقام الحدود في المسجد ولا يقاد بالولد الوالد)).
وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث إسماعيل بن مسلم وإسماعيل تكلم فيه بعض أهل العلم
من قبل حفظه اهـ.
وقال أبو نعيم: غريب من حديث طاوس تفرد به إسماعيل عن عمرو اهـ.
قلت: لكنه لم يتفرد برفع هذا الحديث فقد توبع على رفعه.
تابعه سعيد بن بشير.
أخرجه الحاكم (٣٦٩/٤) من طريق أبي الجماهير محمد بن عثمان ثنا سعيد بن بشير ثنا عمرو بن دينار
عن طاوس عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: لا يقاد ولد من والده ولا تقام الحدود في المساجد.
وتابعه عبيد الله بن الحسن.
أخرجه الدارقطني (١٤٢/٣) كتاب الحدود والديات حديث (١٨٤) والبيهقي (٣٩/٨) كتاب الجنايات:
باب الرجل يقتل ابنه، من طريق عقبة بن مكرم ثنا أبو حفص التمار ثنا عبيد الله بن الحسن العنبري عن
عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس به وتابعه قتادة أيضاً.

٢٤٤
کتاب الجنابات
أخرجه البزار كما في «نصب الراية)» (٣٤٠/٤) عن قتادة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس
=
به .
ولأول الحديث شاهد من حديث جبير بن مطعم.
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية (١/ ١٠٠) رقم (٣٦٠) وعزاه الحافظ
هناك للحارث.
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٨/٢) وقال: رواه الطبراني في «الكبير وفيه الواقدي وهو ضعيف
اهـ.
والحديث في ((المعجم الكبير)) (١٣٩/٢ - ١٤٠) رقم (١٥٩٠) وفي الباب عن عمر بن الخطاب
وعبد الله بن عمرو وسراقة بن مالك.
أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) حديث (٧٨٨) والدارقطني (٣/ ١٤٠ - ١٤١) كتاب الحدود والديات
حديث (١٨٦) والبيهقي (٣٨/٨)
كتاب الجنايات: باب الرجل يقتل ابنه، كلهم من طريق محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن عبد الله بن عمرو قال: كانت لرجل من بني مدلج جارية فأصاب منها ابناً فكان يستخدمه فلما شب
الغلام دعا بها يوماً فقال: اصنعي كذا وكذا فقال الغلام: لا تأتيك حتى متى تستأمر أمي؟ قال: فغضب
أبوه فحذفه بسيفه فأصاب رجله أو غيرها فقطعها فنزف الغلام فمات فانطلق في رهط من قومه إلى عمر
فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟ لولا أني سمعت رسول الله وَل يقول: لا يقاد الأب بابنه
لقتلتك هلم ديته قال فأتاه بعشرين أو بثلاثين ومائة بعير قال: فتخير منها مائة فدفعها إلى ورثته وترك أباه.
قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح.
قال الحافظ في ((تلخيص الحبير)) (١٦/٤): ((وصحح البيهقي سنده لأن رواته ثقات وله طريق آخر.
أخرجه الترمذي (١٨/٤) كتاب الديات: باب الرجل يقتل ابنه حديث (١٤٠٠) وابن ماجه (٨٨٨/٢)
كتاب الديات: باب لا يقتل الوالد بالولد حديث (٢٦٦٢) وأحمد (٤٩/١) وابن أبي عاصم في ((الديات))
(ص - ٩٧) وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ص - ٤٤) رقم (٤١) والدارقطني (١٤٠/٣)
كتاب الحدود والديات، كلهم من طريق الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن
عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله * يقول: لا يقاد الوالد بالولد قال الزيلعي في ((نصب الراية))
(٣٣٩/٤): قال صاحب ((التنقيح)): قال يحيى بن معين في الحجاج صدوق، ليس بالقوي يدلس عن
محمد بن عبيد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب وقال ابن المبارك: كان الحجاج يدلس فيحدثنا بالحديث
عن عمرو بن شعيب مما يحدثه العرزمي اهـ.
لكن تابعه ابن لهيعة.
أخرجه أحمد (٢٢/١) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أبو حاتم الرازي:
لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئاً. انظر المراسيل لابن أبي حاتم (١١٤).
حديث عبد الله بن عمرو
تقدم من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
حديث سراقة بن مالك.
أخرجه الترمذي (١٨/٤) كتاب الديات: باب الرجل يقتل ابنه حديث (١٣٩٩) والدارقطني (١٤٢/٣) =

٢٤٥
کتاب الجنايات
القِصَاص، لوجب له، والقصاص الواحد كيف يَجِب له وعليه؟ وكذا إذا كان يملك بعضه فقتله
لا قِصَاص عليه؛ لأنه لا يمكن اسْتِيفاء بعض القصاص دون بَعْض؛ لأنه غير متجزىء.
وكذا إذا كان له فيه شُبْهَة الملك؛ كالمكاتب إذا قَتَل عبداً من كَسْبه؛ لأن للمكاتب شُبهة
الملك في أكسابه، والشبهة في هذا الباب مُلْحقة بالحقيقة، ولا يقتل المولى بمدبره وأم ولده
ومكاتبه(١)؛ لأنهم مماليكه حقيقة.
ألا ترى أنه لو قال: كل مملوك لي فهو حرّ، عتق هؤلاء إلا المكاتب؛ فإنه لا يعتق إلا
بالنية؛ لقُصُور في الإضافة إليه بالملك لزوال مِلْك اليد، ويقتل العبد بمَوْلاه، وكذا المدبر وأم
الولد والمكاتب لعُمُومات النُّصوص، ولتحقيق ما شرع له القِصَاص وهو الحياة بالزجر والرَّدع،
بخلاف المولى إذا قتل هؤلاء؛ لأن شفقة المولى على ماله تمنعه عن القَتْل عند سيحان العداوة
الحَامِل على القتل إلا نادراً، فلا حاجة إلى الزجر بالقِصَاص بخلاف العبد.
ولو اشترك اثنان في قتل رجُل، أحدهما ممَّن يجب القِصَاص عليه لو انفرد، والآخر لا
يجب عليه لو انْفَرد ممن ذكرنا؛ كالصبي مع البالغ، والمجنون مع العاقل، والخاطىء مع
العامد، والأب مع الأجنبي، والمولى مع الأجنبي - لا قصاص عليهما عندنا.
وقال الشافعي - رحمه الله -: يجب القِصَاص على العَاقِل والبالغ والأجنبي إلا العامد؛
فإِنه لا قِصَاص عليه إذا شاركه الخاطىء؟
وجه قوله: أن سبب الوجوب وُجِد من كل واحدٍ منْهُما وهو القَتْل العمد، إلا أنه امتنع
الوُجُوب على أحدهما لمَعنى يخصُّه، فيجب على الآخر.
ولنا: أنه تمكنت شبهة عدم القَتْل في فعلٍ كل واحدٍ منهما؛ لأنه يحتمل أن يكون فعل
كتاب الحدود والديات حديث (١٨٣) من طريق إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن
=
شعيب عن أبيه عن جده عن سراقة بن مالك بن جشعم قال: حضرت رسول الله وَ لؤ يقيد الأب من ابنه
ولا يقيد الابن من أبيه.
قال الترمذي: حديث فيه اضطراب وليس إسناده بصحيح والمثنى بن الصباح يضعفه في الحديث.
وقال الدارقطني: والمثنى وابن عياش ضعيفان.
وقال الترمذي في ((العلل الكبير)) (ص - ٢٢٠): سألت محمداً - البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال: هو
حديث إسماعيل بن عياش وحديثه عن أهل العراق وأهل الحجاز كأنه شبه لا شيء ولا يعرف له أصل.
اهـ.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٤٠/٤): قال في ((التنقيح)) -: حديث سراقة فيه المثنى بن الصباح وفي
لفظه اختلاف اهـ.
(١) في أ: ومكاتبته.

٢٤٦
کتاب الجنايات
من لا يَجِب عليه القِصَاص لو انْفَرد مستقلاً في القتل، فيكون فعل الآخر فضلاً، ويحتمل على
القلب، وهذه الشبهة ثابتة في الشَّريكين الأجنبيين، إلا أن الشرع أسقط اعتبارها وألحقها
بالعدم؛ فتحالباب القصاص وسدا لباب العدوان؛ لأن الاجتماع ثم يكون أغلب وههنا أندر،
فلم يكن في معنى مورد الشّرع، فلا يلحق به وعليهما الدِّية لوجود القتل، إلا أنه امتنع وجُوب
القِصَاص للشبهة، فتجب الدِّية، ثم ما يَجِب على الصَّبي والمجنون والخاطىء تتحمّله العَاقِلة،
وما يجب على البَالِغ والعاقل والعامد يكون في مَالهِ؛ لأن القتل عمد، لكن سقط القِصَاص
للشُّبهة والعاقلة لا تعقل العَمْد، وفي الأب والأجنبي الدّية في مالهما؛ لأن القتل عَمْد، وفي
المولى مع الأجنبي على الأجنبي نِصْف قيمة العبد في ماله لما قلنا؛ وكذلك إذا جرح نفسه
وجرحه أجنبي فمات - لا قِصَاص على الأجنِيِّ عندنا، خلافاً للشّافعِيِّ، وعلى الأجنبِيِّ نصف
الدِّية؛ لأنه مات بجرحين؛ أحدهما هدر والآخر معتبر، وعلى هذا مسائل تأتي في مَوضع
آخر - إن شاء الله تعالى(١) ..
١١٩/٣
والثالث: أَنْ يكون معصُومِ الدَّم مطلقاً، فلا يقتل مُسْلم ولا ذمي / بالكَافِر الحربي ولا
بالمرتد؛ لعدم العصمة أصلاً ورأساً، ولا بالحربي المسْتَأمن في ظاهر الرِّواية؛ لأن عصمته ما
ثبتت مِطْلَقة، بل مؤقتة إلى غاية مقامه في دار الإسلام، وهذا لأن المستأمن من أهل دار
الحزب، وإنما دخل دار الإسلام لا لقصد الإقامة، بل لعارض حاجة يدفعها ثم يعود إلى وطنه
الأصلي، فكانت في عصمته شبهة العَدَم.
وروي عن أبي يوسف: أنه يقتل به قِصَاصاً؛ لقيام العصمة وقت القتل، وهل يقتل
المستأمن بالمستأمن؟ ذكر في ((السّير الكبير) أنه يقتل.
وروى ابن سماعة عن محمد: أنه لا يقتل ولا يقتل العَادِل بالباغي؛ لعدم العصمة بسبب
الحرب؛ لأنهم يقْصُدون أموالنا وأنفسنا ويستحلُّونها، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: ((قَاتِلْ
دُونَ نَفْسِكَ))، وَقَالَ: ((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ))(٢) ولا يقتل البَاغِي بالعادل أيضاً عندنا، وعند
الشافعي - رحمه الله -: يقتل؛ لأن المقتول مغصُوم مطلقاً.
ولنا: أنه غير معصوم في زعم البَاغِي؛ لأنه يستحل دم العَادِل بتأويل، وتأويله وإن كان
فاسداً لكن له منعة، والتأويل الفاسد عند وجود المنعة ألحق بالتأويل الصحيح في حقٌّ وجوب
(١) اتفق الفقهاء على أن المسلم إذا جنى على نفس مسلم عمداً - وجب عليه القصاص، متى توفرت شرائطه.
وأما إذا جنى على نفس كافر عمداً: فإن كان حربياً فلا قصاص عليه؛ لأنه محارب مهدر الدم، فكان قتله
مباحاً، بل قربة يتقرب بها وطاعة يرجي الثواب عليها.
(٢) تقدم.

٢٤٧
كتاب الجنايات
الضَّمان، بإجماع الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم -؛ فإِنه روي عن الزُّهري أنه قال: وقعت
الفِتْنة والصّحابة متوافرون، فاتفقوا على أن كل دم استحلّ بتأويل القُرآن العظيم فهو موضوع.
وعلى هذا يخرج ما إذا قال الرجل لآخر: اقتلني فقتله - أنه لا قِصَاص عليه عند
أضحَابِنا الثلاثة، وعند زفر: يجب القصاص.
وجه قوله: أَنَّ الأمرَ بالقتل لم يقدح في العِضمة؛ لأن عصمة النّفسِ مما لا تحتمل
الإباحة بحال .
ألاَّ ترى أنه يأثم بالقول، فكان الأمر ملحقاً بالعدم بخلاف الأمر بالقَطْع؛ لأن عصمة
الطّرف تحتمل الإِباحة في الجملة، فجاز أن يؤثر الأمر فيها.
ولنا: أنه تمكنت في هذه العِصْمَة شبهة العدم؛ لأن الأمر وإن لم يصحّ حقيقة فصيغته
تورث شبهة، والشبهة في هذا الباب لها حكم الحَقِيقة، وإذا لم يجب القِصَاص فهل تجب
الدية؟ فيه روايتان: عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - في رواية: تجب، وفي رواية: لا تجب؛
وذكر القدوري - رحمه الله -: أَنْ هذا أصحَّ الروايتينِ. وهو قول أبي يوسف
ومحمد - رحمهما الله -، وينبغي أَنْ يكونَ الأصحُّ هي الأولى؛ لأن العصمة قائمةَ مقام
الحرمة، وإنما سقط القِصَاص لمكان الشبهة، والشبهة لا تمنع وجُوب المَال.
ولو قال: اقطع يدي فقطع، لا شيء عليه بالإجماع؛ لأن الأطراف يسلك بها مسلك
الأموال، وعصمة الأموال تثبت حقاً له، فكانت محتملة للسقوط بالإباحة والإذْن، كما لو قال
له: أتلف مالي فأتلفه .
ولو قال: اقتل عبدي أو اقطع يده، فقتل أو قطع - فلا ضمان عليه؛ لأن عبده ماله،
وعصمة ماله تثبت حقاً له، فجاز أن يسقط بإذنه كما في سائر أمواله. ولو قال اقتل أخي فقتله
وهو وارثه القياس أن يجب القِصَاص، وهو قول زفر - رحمه الله -. وقال أبو حنيفة - رضي
الله عنه -: أستحسن أن آخذ الدية من القَاتِل.
وجه القياس: أن الأخ الآمر أجنبي عن دم أخيه، فلا يصح إذنه بالقتل، فالتحق بالعَدَم.
وجه الاستحسان: أن القصاص لو وَجَب بقَتْل أخيه لوَجَبَ له، والقتل حصل بإذنه،
والإذن إن لم يعمل شرعاً لكنه وجد حَقِيقة من حيث الصِّيغة، فوجوده يورث شبهة كالإذن بقتل
نفسه، والشُّبهة لا تؤثر في وجُوب المال [فيجب المال](١). وروى أبو يوسف عن أبي
(١) سقط من ط.

٢٤٨
كتاب الجنايات
حنيفة - رضي الله عنهما - فيمن أمر إنساناً أن يقتل ابنه فقتله - أنه يقتل به، وهذا يوجب
اختلاف الرُّوايتين في المسألتين.
ولو أمره أن يشجه فشجَّه، فلا شيء عليه إن لم يمت من الشَّجة؛ لأن الأمر بالشجة
كالأمر بالقَطْع، وإِن مات منها كانت عليه الدِّية، كذا ذكر في الكتاب، ويحتمل هذا أن يكون
على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - خاصة؛ بناء على أن العفو عن الشجَّة لا يكون عفواً عن
القتل عِنْده، فكذا الأمر بالشجَّة لا يكون أمراً بالقتل، ولما مات تبين أن الفِعْل وقع قتلاً من
حين وجُوده لا شجًّا، وكان القياس أن يجب القِصَاص، إلا أنه سقط للشّبهة فتجب الدية، فأما
على أصلهما فينبغي ألاَّ يكون عليه شيء؛ لأن العفو عن الشجَّة يكون عفواً عن القتل عندهما،
فكذا الأمر بالشجّة يكون أمراً بالقتل.
وروى ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله - فيمن أمر إنساناً بأن يقْطَع يده ففعل،
فمات من ذلك - أنه لا شيء على قاطعه. ويحتمل أن يكون هذا قَوْلهما خاصة؛ كما قالا فيمن
له القِصَاص في الطّرف إذا قطع طرف من عليه القِصَاص فمات - أنه لا شيء عليه.
فأما على قول أبي حنيفة - رحمه الله - فينبغي أن تَجِب الدية لأنه لما مات تبين أن الفعل
وقع قتلاً والمأمور به القطع لا القتل، وكان القياس أن يجب القصاص كما قال فيمن له
القصاص فى الطرف، إلا أنه سقط؛ لمكان الشبهة؛ فتجب الدية.
١٩/٣ب
وعلى هذا يخرج الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا، فقتله / مسلم؛ أنه
لا قصاص عليه عندنا؛ لأنه وإن كان مسلماً، فهو من أهل دار الحرب؛ قال الله تبارك وتعالى:
﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوِّ لَكُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنُ﴾ [النساء: ٩٢] فكونه من أهل دار الحرب أورث شبهة
في عصمته، ولأنه إذا لم يهاجر إِلينا، فهو مكثر سَوَادِ الكفرة، ومن كثر سواد قوم، فهو منهم
على لسان رسول الله - رَّيره - وهو وإِن لم يكن منهم ديناً، فهو منهم داراً؛ فيورث الشبهة.
ولو كانا مسلمين تاجرين أو أسيرين في دار الحرب، فقتل أحدهما صاحبه، فلا قصاص
أيضاً، وتجب الدية والكفارة في التاجرين، وفي الأسيرين خلاف ذكرناه في ((كتاب السير)).
ولا يشترط أن يكون المقتول مثل القاتل في كمال الذات، وهو سلامة الأعضاء، ولا أن
يكون مثله في الشرف والفضيلة؛ فيقتل سليم الأطراف بمقطوع الأطراف والأشل، ويقتل العالم
بالجاهل، والشريف بالوضيع، والعاقل بالمجنون، والبالغ بالصبي، والذكر بالأنثى، والحر
بالعبد، والمسلم بالذمي الذي يؤدي الجزية، وتجري عليه أحكام الإِسْلاَم(١).
(١) فإن كان المجني عليه ذمياً، وكان القتل عمداً أيضاً - فقد اختلف الفقهاء في وجوب القصاص من
المسلم .
=

٢٤٩
كتاب الجنايات
..
فذهب ابن حزم، وجماعة إلى القول بسقوط القصاص في العمد، وسقوط الدية في الخطأ. ولكن قالوا:
=
يؤدب المسلم بالسجن حتى يتوب كفاً لضرره.
وذهب الحنفية، والنخعي، والشعبي إلى القول بوجوب القصاص؛ وهو قول عمر، وابن مسعود، وابن
أبي ليلى.
وذهب الشافعية، والحنابلة، والثوري، والأوزاعي، إلى عدم وجوب القصاص على المسلم مطلقاً. وإنما
تجب عليه الدية مضاعفة. روي هذا عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت.
وذهب مالك؛ والليث بن سعد؛ إلى القول بوجوب القصاص في حالة خاصة. هي ما إذا قتل المسلم
الكافر غيلة، أي: تأخذه إلى مكان مخصوص، فيضجعه ويذبحه؛ ليأخذ ما معه من المال، وفي غير تلك
الحالة لا يقتص منه. وإنما تجب الدية عليه في العمد. والكفارة في الخطأ.
استدل ابن حزم، ومن معه: بأن الآيات الواردة في القصاص لم تشتمل على قتل المسلم للكافر؛ لأنها
في قتل المؤمنين خاصة لم يرد فيها ذكر للذميين والمستأمنين، دل على ذلك حكمُ الرسول في المسألة
بقوله: ((لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمْ بِكَافِرٍ))، وإذا كان الذمِّيِّ كافراً ظهر يقيناً أنه لا قصاص على قاتله المسلم، إذا قتله
عمداً.
وأيضاً لا تجب عليه الدية في قتله خطأ؛ لعدم وجوب القصاص في العمد؛ لأن الدية تابعة له، فمتى
سقط القصاص سقطت؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾
بعد قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. فقد دلت الآية بأولها، وآخرها على أنه لا عفو فلا
قصاص؛ لأنه لا مؤاخاة بين مسلم وكافر.
وإنما يسجن القاتل، ويؤدب؛ لأن قتل الذمي بغيرٍ حق منكر، واجب تغييره باليد؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((مَنْ رَأَىْ مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغيِّرِهُ بِيَدِهِ). وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البر والتَّقْوَى﴾؛ والقول
بسجنه منع له من الظلم. وتعاون على البر. وإطلاق عون له على العدوان ونوقش: بأن في عدم إجراء
القصاص بين المسلم والكافر نقضاً للعهود والمواثيق، التي أوجب الله الوفاء بها - على أن الذّمي ما أعطى
الذمة والعهد؛ إلا ليكون له ما لنا، وعليه ما علينا)). ولأجل أن يحمي نفسه وماله، فلو كان أمره؛ أنه إذا
قتل لا يقتل قاتله - لم تكن هناك فائدة من العهد، ولفات المقصود منه.
وليس لابن حزم متمسك في القول بأن وجوب الدية تابع لوجوب القصاص، إلا ربط أول الآية الواردة
في القصاص بآخرها - وليس ذلك بصحيح؛ لأن أولها عام، وآخرها خاص، وفي مثل ذلك يقدم الآخر
على الأول.
واستدل الإمام مالك على وجوب القصاص في القتل غيلة:
أولاً: ما أخرجه أبو داود في ((مراسيله))، عن طريق ابن وهب، عن عبد الله بن يعقوب؛ عن عبد الله بن
عبد العزيز بن صالح الحضرمي قال : - ((قتل رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يَوْمَ حُنَيْن مُسْلِماً بِكَافِرٍ قَتَلَهُ غِيلَةً. وقال: أَنَا
أَوْلَى، أَوْ أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمْتَهِ».
ونوقش هذا الحديث :
بأن ابن القطان قد ذكره، وقال: فيه عبد الله بن يعقوب؛ وعبد الله بن عبد العزيز مجهولان. ولم أجد
لهما ذكراً في الحديث.

٢٥٠
كتاب الجنايات
وعلى تسليم صحته لا يثبت مطلوب المستدل؛ لأنه ليس فيه إلا أن الرسول قتل، ولم يبين أنه لا واجب
=
إلا هذا، فإن المسألة للأولياء موكولة إليهم، إن شاؤوا عفوا، وأخذوا الدية. وإن شاؤوا طالبوا بالقتل،
فلعلهم في هذه الحادثة لم يقبلوا إلا القصاص.
وثانياً: بما روى ابن حزم، عن عبد الله بن حبيب الأندلسي، عن جندب الهذلي قال: كتب عبد الله بن
عامر إلى عثمان؛ أن رجلاً من المسلمين عدا على دهقان، فقتله على ماله. فكتب إليه عثمان أن اقتله؛
فإن هذا قتل على الحرابة)).
وما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بلغه أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً نصرانياً غِيلَةً من
أهل الحيرة، فأمر بقتله دلت الروايتان على أن عمر، وعثمان قتلا المسلم الذي قتل ذِمِّيًّا غِيلَةً، معللة
الرواية الأولى القتل؛ بأنه لكونه قتل غيلة على الحرابة. ومعناه: أن المسلم إنما يقتل في تلك الحالة؛
لكونه صار محارباً، أي: قاطع طريق.
ونوقش: بأن الرواية الأولى قال فيها ابن حزم: رويناه عن رجال كثيرين من أبناء الصحابة، إلا أن كل
ذلك من رواية عبد الملك بن حبيب الأندلسي. وفي بعضها ابن الزناد وهو ضعيف. وبعضها مرسل، ولا
يصح منها شيء.
وأما الرواية الثانية فمناقشة - بأن ذكر القتيل فيها لا يدل على أنه كان قتل قصاص، أو قتلاً على الحرابة،
فاحتملت، فلم تصلح دليلاً على أحدهما بعينه.
واستدل ثالثاً: بأن القاتل غيلة صار محارباً مستحقاً للقتل؛ إذ لو ترك بدون قتل حين يَقْتُل كافراً - لأصبح
وحشاً ضارياً، معتاداً على سفك الدماء؛ لوثوقه من عدم قتله. وقد يستسهل دفع الدية التي قد لا تساوي
شيئاً بجانب ما أخذ، واستولى عليه من المقتول.
ونوقش: بأن المشهور في مذهب مالك في المحارب يخالف ما هو في الدليل، فإنه إن أخذ المحارب
المال عندهم لا تأخير في نفيه، بل في القطع والقتل، والصلب. أما إن أضاف فقط فالتخيير للإمام بين
الجميع على أن المالكية عندهم أن كل من قتل في حرابته من لا يقتل به في غير الحرابة - لا يقتل به إذا
قتله في الحرابة، وهم قائلون بعدم قتل المسلم إذا قتل كافراً في غير الحرابة .
واستدل الشافعي، ومن معه على عدم القصاص - بالكتاب، والسنة، والآثار، والمعقول:
أما الكتاب: فأولاً : - قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾. وجه الدلالة أن الآية
وإن كانت بلفظ الخبر، إلا أنه أريد بها النهي، وقد نفت الآية كل سبيل لكافر على مؤمن؛ لأن السبيل
نكرة في سياق النفي، فيعم، وحيث كان القصاص سبيلاً من السُبل يكون داخلاً في عموم النفي فينفي.
ثم لا يمكن حمل السبيل على معنى الحجة والبرهان للكافر على المسلم؛ لأن هذا الحمل خاصٍّ، فلا
يناسب عموم اللفظ، ولأن هذا معلوم من غير الآية، فلا يجوز حملها على ما هو معروف من غيرها.
ونوقش: بأن الآية ورد فيها عن السلف تأويلات كلها محتملة، فيجب التحاكم إلى قواعد الشريعة؛
لمعرفة ما هو أولى بالقبول، فحيث نفى الله السبيل في الآية، وكان محتملاً لأن يكون في الآخرة فقط؛
كما روي عن علي، وابن عباس بدليل عطفه على قوله: ﴿فَاللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ويحتمل أن
يكون المراد نفي السبيل في الدنيا كما جنح إلى ذلك السدي، وخصه بالتام على معنى الاستئصال، فلا
يتمكن الكافرون من استئصال المؤمنين .
ويحتمل أن يكون السبيل المنفي عاماً في الدنيا والآخرة، إلا ما خصه الدليل، وهذا الأخير هو الراجح =

٢٥١
کتاب الجنايات
استناداً إلى ما هو الأصل في الكلام وهو العمومُ إلا ما خص بدليل، وقد قام الدليل على أن القصاص
=
خارج.
وثانياً: بقوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنْةِ﴾ دلت الآية على عدم المساواة بين
المؤمنين والكفار؛ لأن الآية وإن اشتملت على فعل منفي وهو لا يعم، إلا أنها متضمنة لنكرة، وهي عامة
اتفاقاً بعد النفي. فالتقدير لا استواء بين هؤلاء وهؤلاء. ونفي التساوي بينهما يمنع من تساوي نفوسهما،
وتكافؤ دمائهما؛ إذ القصاص مبني على المماثلة والتساوي، فلا يثبت القصاص بين المسلم والكافر.
ونوقش: بأن الآية لا يلزم منها عدمُ الاستواءِ في العصمة؛ لأن مثل هذا الكلام لا عموم له؛ كما في
قوله: ﴿لا يستوي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، المنفي هو الاستواء في البصر والعمى، لا في كل وصف؛ ولهذا
يجري القصاص بينهما لاستوائهما في العصمة، ثم الآية تحتمل أن يكون المنفي هو المساواة في الآخرة
في الثواب والعقاب.
يؤيده قوله بعده ﴿أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ﴾، وأيضاً كون الشخص صاحب جنة أو نار أمر غير مدرك،
بل هو موقوف على الخاتمة. وإذا كان غير مدرك. لا يدخل تحت علم القاضي أنه من أهل الجنة، فلا
يقتل بمن هو من أهل النار.
واستدل من السنة: بما أخرجه البخاري عن أبي حجيفة قال: قُلْتُ لِعَلِّيّ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَخِي لَيْس
في القُرآنِ. قَالَ لاَ، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسْمَةِ، إلاَّ فَهْماً يُعْطِيه الله - رجُلاً فِي الْقُرآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ
الصَّحِيفَة. قلت وما في هذه الصحيفة؟ قال: ((العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأسِيزِ، وأنْ لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ)).
أخرج هذا الحديث أحمد، والنسائي، وأبو داود، والترمذي. ومعنى العقل الدية سميت بذلك؛ لأنهم
كانوا يعقلون إبل الدية بفناء دار المقتول.
وبما روى قتادة عن الحسن عن قيس قال انطلقت أنا والأشتر إلى علي بن أبي طالب، فقلنا له هل عهد
إليك رسول الله وَ الر شيئاً لم يعهده إلى الناس، فقال: لا إلا ما في هذا الكتاب، وأخرج كتابٍ من قراب
سيفه، فإذا فيه: ((الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأَ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِم أَدْنَاهُمْ، أَلاَ لاَ يُقْتَلُ
مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُوْ عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ)) ورواه أحمد، والنسائي.
دلت الروايتان الصحيحتان في طريقهما على أن رسول الله نهى عن قتل المسلم بكافر أي كافر كان؛ لأنه
نكرة، فيكون شاملاً للذمي، والحربي، والمستأمن، فلا يخصص اللفظ بأحدهم.
ومعنى: ((وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِ)) أنه يمتنع قتل المعاهد ما دام في عَهْدِهِ، مراعاة للوفاء بالعهد.
ونوقش هذا الدليل: بأن هذه الروايات مع صحتها، وعدم الطعن في راو من رواتها لا تصلحُ للاستدلال؛
لأن المستدل اعتبر صدر الحديث. وصرف النظر عن باقيه مع أن الآخر يرد الأول.
وبيان ذلك: أن الحديث اشتمل على جملتين:
الأولى: لا يقتل مسلم بكافر.
والثانية: ولا ذو عهد في عهده - والأولى معطوف عليه تام. والثانية معطوف ناقص. ومثل هذا لا بد فيه
من تقدير في الجملة الثانية؛ لتكون مقيدة، لأن العطف للتشريك. وحيث كان العامل في الجملة الأولى
هو الفعل المقيد بكافر يقدر في الثانية بحاله. فيصبح معنى الحديث: ((لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمْ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ
في عَهْدِهِ بِگافِ».
=

٢٥٢
كتاب الجنايات
والَّذِي دَعًا إلى هذا التقدير أنه لو ترك على حاله، وبدون تقدير لصادم الإجماع؛ لأن ظاهره يفيد أن
=
الذمي لا يقتل مطلقاً. وهذا لا يتفق مع إجماعهم على قتل الذمي بالذمي، فنظرا لهذا الإجماع، خص
الكافر المقدر في الجملة الثانية بالحربي، فيرى ذلك التخصيص إلى الكافر الملفوظ في الجملة الأولى.
وحينئذٍ يصير تقدير الحديث: ((لاَ يُقْبَلُ مُسْلِمْ بِكَافِرٍ حَرْبِيّ، وَلاَ يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ حَرْبِيِّ))
ومفهومه أن يقتل المسلم بالذمي، وهو ما يخالف دعوى الشافعية - فإن قال الشافعية: إن هذا التقدير يرد
علیه :
أولاً: أنه لا حاجة إليه؛ لكون الحديث في غنى عنه يدلّ على ذلك ما ورد في سببه؛ أن رسول الله خطب
يومِ الفتح بسبب القتيل الذي قتله خزاعة. وكان له عهد فقال: ((لَوْ قَتَلْتَ مُسْلِماً بِكَافِرٍ لَقَتَلْتُهُ بِهِ)»، وقال:
((لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمْ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ)) رواه أحمد، وأبو داود - فقد دل سبب النزول، وقوله: (لاَ
يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ)) على تركه الاقتصاص من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله.
ودل قوله: ولاَ ذُوْ عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ على النهي عن الإقدام على مثل ما فعله القاتل صاحب السبب، فكانت
تلك الجملة كلاماً تامًا غير محتاج إلى تقدير، على أن التقدير خلاف الأصل، فلا يصاب إليه إلا عند
الضرورة. ولا ضرورة.
ثانياً: إن القول بكون المعطوف يقيد بكل ما قيد به المعطوف عليه يخالف لما عليه محققو النحاة. من أنه
لا يلزم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه، إلا في الحكم الذي لأجله وقع العطف، وهو ههنا النهي عن
القتل مطلقاً. من غير تعرض، لكونه قصاصاً، أو غير قصاص؛ وحينئذٍ لا يلزم من كون الأول في
القصاص أن تكون الثانية فيه، حتى تحتاج إلى ذلك التقدير.
ثالثاً: إن الجملة الثانية من الحديث لم تذكر في كثير من طرقه، والرواية الصحيحة قاصرة على الجملة
الأولى. وهذا يبعد التقدير المتقدم.
رابعاً: أن هذا التقدير يخرج الحديث عن كونه مفيداً؛ لأن معناه عليه: ((لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ
قِصَاصاً؛ وغير متصور قتله به قصاصاً حتى ينفي.
فيكون الجواب على تلك الإيرادات بالترتيب.
أولاً: أنه على اعتبار عدم التقدير؛ يصير معنى الجملة الثانية: لا يقتل ذو عهد في عهده مطلقاً في حين
أنه يقتل إذا قتل ذميا مثله اتفاقاً؛ وحينئذٍ لا بد من تقدير بغير حق من الحقوق، وعلى ذلك دار الأمر بين
تقدير تلك الجملة، وبين تقدير لفظ: ((بكافر)) المذكور في الجملة الأولى.
وإذا دار الأمر بين تقديرين: أحدهما مذكور في العطوف عليه، والآخر غير مذكور - ترجح تقدير الأول
لقرينة العطف؛ فإن الضرورة حاصلة على كل حال.
وأجيب عن الثاني: بأن الغرض أن العامل مقيد، فلا بد من تقديره مقيداً لا مطلقاً - ولا يقال: إنه يلزم
مثل ذلك في قولنا ضربت علياً يوم الجمعة وبكراً، مع أنه لم يقل بذلك أحد - لأنا نقول: إن تقدير القيد
إنما يكون متعيناً فيما إذا لم يصلح المعطوف إلا به؛ كما في الحديث الذي معناه، أما في غيره فلا.
وأجيب عن الثالث : - بأن عدم ورود الجملة الثانية في بعض الروايات لا ينفي الاستدلال؛ لأنها وردت
في كثير من الطرق، ورواها الإمام أحمد، والنسائي، وأبو داود، وهما ممن رويا رواية الاقتصار.
وأجيب عن الرابع -: بأن آيات القصاص العامة توهم ما ادعى، لولا ورود ما أفاد التخصيص؛ وذلك لأن
المستأمن ربما أوهم أمانة عصمة دمه، فإذا ما قتله المسلم قتل به، فجاء الحديث بنفي ذلك - ولا يبعد أن =

٢٥٣
کتاب الجنايات
تكون القصة الواردة في مستأمن صاحب عهد مؤقت؛ لأن الحديث غير مفيد شيئاً من ذلك، فيجب حمله
=
على ما سبق جمعاً بين الأدلة.
ولو سلمنا أن الحديث عام شامل لكل كافر، وأن المسلم لا يقتل به فماذا هم قائلون في ذمي يقتل مثله،
ثم يدخل الإسلام قبل أن يقتص منه. إن قالوا بقتله خالفوا مذهبهم، لأن قتل مسلم بكافر إذ لا يمكن
دعوى سلب الإيمان عنه بعد إتيانه بالشهادتين، وإن لم يقولوا بقتله فقد اتفقوا معنا. ويكون الحديث قد
خرج عن عمومه - وحمل الجملة الثانية على أن المعاهد لا يقتل في مدة عهده - سلب للحديث عن
فائدته؛ لأن المعاهد بمجرد عهده حرم قتله، فيكون النهي عن ذلك المعروف عبئاً كلام الرسول خال
عنه .
واستدلوا ثالثاً. بالآثار: وهي ما رى عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن
أبيه؛ أن مسلماً قتل رجلاً من أهل الذمة عمداً، فرفع إلى عثمان بن عفان، فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية
كدية المسلم: دل هذا الأثر على أن عثمان قد حكم بعدم قتل المسلم بالذمي. وكان ذلك بمحضر من
الصحابة .
قال ابن حزم: إنه لم يصح عن أحد من الصحابة شيء غير هذا، إلا ما روى النزال بن سبرة عن عمر أنه
كتب في مثل هذا أن يُقادَ به، ثم ألحقه كتاباً آخر قال فيه: لا تقتلوه.
ونوقش: بأن الشافعي قد خالف مضمون الأثر في تضعيف الدية، فلو كان صحيحاً عنده ما خالفه فيها.
وعلى ذلك، فإما أن يقبل الحديث كله ولم يفعل، أو لا يقبله كله، ولا يصلح له دليلاً - أما قول ابن حزم
إنه صح ما روي في هذا الباب، فنقول فيه: إن عدم أخذ ابن حزم به، ومخالفته له، حيث لم يوجب
الدية كما سبق - دليل ضعفه في نظره. ولعله رأى أنه قول صحابي لا حجة فيه مع كتاب الله، وسنة
رسوله. وليس بشيء؛ لأنه لم يرد في الكتاب، ولا في السنة ما ينفيه صريحاً.
واستدل رابعاً بالمعقول من وجهين:
الوجه الأول: ما جاء بـ((الأم)): أن الله فرق بين المسلمين والذميين في أحكام الدنيا. ألا ترى أن المسلم
والكافر إذا حضرا القتال أعطى المسلم نصيبه، وإن كان في غناء، وحرم الكافر وإن كان فقيراً اتفاقاً.
وقد أباح الله للمسلم أن يتزوج بحرائر الكتابيات. وحرم على الكافر الإماء المسلمات. ألا ترى أن الله
أمرنا بأخذ المال من المسلم؛ طهرة وتزكية. ومن الكافر صغاراً وذلة: فمن هذا وذاك علمنا أن الله وضع
الكافر موضع العبودية للمسلم، فأنى يتساويان؟ !. وكيف يقتص من المسلم بقتله الكافر مع قيام المبيح
لدمه. وهو كفره المورث للشبهة في الحد؟.
ونوقش: بأنا لا نسلم أن كفر الذمي ينفي المساواة بين الكافر والمسلم في كل شيء. فإن ذمته ساوت بينه
وبين المسلم في عصمةِ المال والنفس. وإذا كان الحكم عند الخصم أن تقطع يد المسلم بسرقة مال
الذمي - كان هذا دليل قوله بعصمة ماله. وليس يوجد فرق بين عصمة المالِ والنفس، بل النفس أولى
بالعصمة من المال لأن الإنسان يهون عليه ماله دون نفسه. ويفرط في كل شيء لحفظها، ويفتديها بكل ما
يملك.
- والقول بأن الكفر القائم في الذمي مبيح لدمه غير مسلم، بل إن المبيح هو الحرابة؛ ولهذا حكم بعدم
قتل الصبي، والمرأة، والشيخ الفاني.
=

٢٥٤
کتاب الجنايات
والوجه الثاني: هو قياسُ الذمي على المستأمن بجامع الكفر في كل منهما. وحيث كان المسلم لا يقتل
=
بالمستأمن، وليس سبباً في ذلك سوى كفره، فلا يفرق بينهما، إذ يجمعهما وصف واحد، فيجمعهما
حکم واحد.
ونوقش: بالفرق بين المستأمن والذمي، فإن أمان الذمي مؤبد. وأمان المستأمن موقت. كما أن المستأمن
لا يدفع تطير أمانه شيئاً. والذمي يدفع جزية يعصم بسببها ماله، ونفسه وولده. كذلك المستأمن أمانة من
فرد من أفراد المسلمين. والذمي أمانة من الإمام فلا يتساويان. وكيف يكونا سواء. والذمي تقطع يد
المسلم بسرقة ماله. والمستأمن قد أهدرت أمواله، فلا تقطع يد المسلم بسرقتها .
فإن قيل: إن عهد الذمي مؤقت أيضاً إلى أن ينقص العهد، فكلا العهدين سواء - أجيب: بأن المسلم
معصومٌ دمه ما دام مسلماً، فإذا ارتد صار دمه مباحاً. فكذلك الكفر قائم في كل من المستأمن والذمي،
لكن هذا معصوم. وذاك غير معصوم؛ لأن العصمة كما تكون بالإسلام تكون بالدار. والدار عاصمة
للذمي؛ لكونه بين ظهراني المسلمين، بخلاف المستأمن فإنه على شرف الرجوع إلى بلده دار الحرب.
واستدل الحنفية لمذهبهم: وهو وجوبُ القصاص.
أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ دلت الآية على أن حكم الله في
التوراة هو قتلُ النفس بالنفس. وهو وإن كان شرع من قبلنا إلا أن إقرار شرعنا له، وقصَّه علينا بدون إنكار
جعله شرعاً لنا .
والنفس: في الآية عامة تشمل المسلم، والذمي. والحربي لولا حرابة - لكان داخلاً، إلا أن دمه أهدر؛
لخروجه عن الطاعة .
ثم عموم النفس في الآية دل عليه ما روى البخاري، عن ابن مسعود، أن رسول اللهِ وَ ل﴿ قال: لاَ يَحِلُّ دَمُ
امْرِىءٍ يَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ الله إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ، قَالَ مِنْهَا: ((النّفْسُ بالنَّفْسِ)) فمقتضى
الحديث أن نفس المسلم لا تحل إلاَّ إِذَا قَتَلَ نَفْساً أَيَّ نَفْسٍ كَانَتْ، عدا نفس المحارب؛ فإنها مستثناة لما
قدمنا .
ونوقشت الآية: بأنها إنما نثبت حكم القصاص في التوراة، وليست شرعاً لنا. ثم إن الآية نزلت في
اليهود، وكانوا ملة واحدة ليس فيهم مسلم وكافر؛ لما كانوا جميعاً أحراراً ليس فيهم أرقاء. فإن عقد
الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي وَلّ من بين سائر الأنبياء، لأن الاستعباد أصله من الغنائم، وهي لم تحل
لغير نبينا. وإذا كان كذلك خلت الآية عن الدلالة؛ إذ يكون معناها أن كل نفس من اليهود تقابل بنفس
منهم، وليس فيها ما يدل على مقابلة نفس مسلمة بنفس غير مسلمة، بل ذلك معلوم نفيه بالمفهوم.
فإن قلتم: إنه غير معتبر - قلنا: إن الآية ساكتة: عن ذلك، وحكمه مأخوذ من الحديث السابق: ((لاَ يُقْتَلُ
مُسْلِمُ بِكَافِرٍ))، وعلى فرض عموم الآية فالحديث مخصِّص لها يدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية:
﴿فَمَنْ تَصَدُّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. ولا خلاف أن صدقة الكافر الذي هو ولي للمقتول لا تكون كفارة؛
وحينئذٍ لا يثبت المدعي.
وأجيب: بأن الآية وإن نزلت في حقُّ اليهود، إلا أن حكاية الله لها علينا جعلها شرعا لنا. والآية عامة في
اليهود، فتكون عامة عندنا أيضاً، والحديث وإن سلم من المناقشات السابقة، فهو خبر واحد لا يقوى
على تخصيص الآية. على أنه يمكن حمله على نفي القصاص بين المسلم والحربي. وتحمل الآية على ما =

٠٢٥٥
كتاب الجنايات
سوى ذلك جمعاً بين الدليلين والذي يدل كذلك. على أن الآية تشريع إسلامي قول رسول الله بَّل في
=
قصة الربيع، حينما انكسرت ثنيته جارية أثر لطمة ((كِتَابُ الله القِصَاصَ))، وليس في كتاب الله إلا قوله:
((السِّنُّ بِالسِّنٍ))، في تلك الآية.
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأَنْثَى بِالأَنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ - وجه الدلالة أنه سبحانه أثبت القصاص على القاتل، من
غير فرق بين أن يكون المقتول مسلماً أو كافراً؛ فوجب القصاص من المسلم القاتل للذمي.
ونوقش: بأن الخطاب للمسلمين، فكان هذا دليلاً على أن القتلى منهم، وإلا لتفكك النظم في الآية
- وأيضاً أنه سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي
الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأَنْثَى بِالْأَنْثَى﴾. وإذا كان نقص العبد عن الحرِّ بسبب رقه الذي هو أثر
من آثار الكفر مانعاً من جريان القصاص بينه وبين الحر - فأولى أن يجري القصاص بين الكافر - وفيه نفس
الكفر لا أثره - وبين المسلم.
وأجيب عن ذلك: بأن الخطاب وإن كان في الآية للمسلمين، إلا أنه غير مخرج للكفار من حكمها؛ لأن
المخاطب بتنفيذ القصاص هم المسلمون لا غيرهم. وإنما ينفّذونه على أنفسهم، وعلى من تحت طاعتهم
من الذميين. وعليه فالقتلى في الآية باقٍ على عمومه، مراداً به الذين وقع القتل عليهم. وربط أول الآية
بآخرها غيرُ لازم؛ إذ يصح أن يكون الأول عاماً، والآخر خاصا؛ ويجري كل على أفراده. ولم يقتل الحر
بالعبد لمعنى سيأتي.
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيُّهِ
سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. دلَّتِ الآيتان على أن في شرعية القصاص تحقيقاً لحياة المجتمع. فلو لم
يقتل المسلم بالكافر - لفات هذا المقصود؛ إذ قد تحمل العداوة الدينية أولياء المقتول على الانتقام، وقتل
جماعة بواحد وعلى أن وليَّ المقتول له سلطانٌ على القاتل مطلقاً، وهو بعمومه الذي لم يفصل بين قاتل
مسلم وكافر - مثبت للسلطان على المسلم، إذا قتل ذميًّا. ومعنى ذلك: أنه يقتص منه المسلم.
ونوقش: بارتفاع السلطان ينفي السبيل في قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، فبقيت
الآية فيما عدا قتل المسلم للكافر.
وأجيب: بأن السبيل محتمل كما قدمنا؛ لأن يكون في الآخرة بدلالة قوله في صدر الآية: ﴿فَالله يَخْكُمُ
بَيْنَهُمْ﴾، ومع احتمالها لا تصلح لرفع حكم ثابت.
استدل الحنفية ثانياً من السنة: بما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه في ((مسنديهما))، والدارقطني
في ((سننه))، والطبراني في ((معجمه))، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أن رسول الله وَ لتر قال: ((الْعَمْدُ
قودُ، إلا أنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ)».
وجه الدلالة أن الرسول قد حكم في كل قتل عمد بالقود، من غير تفرقة بين قتيل وآخر. ومقتضى ذلك
جريان القصاص بين المسلم والكافر، حينما يكون القتل عمداً.
وبما أخرجه الدارقطني، والبيهقي عن عبد الرحمن بن البيلماني مسنداً. وعن ابن عمر مرسلاً؛ أن رسول
الله ◌َّ قتل مسلماً بمعاهد، ((وَقَالَ أَنَا أَكْرَمُ مَنْ وَنَّى بِذِمَّتِهِ».
ونوقش : - بأن الدارقطني قال في هذا الحديث: إنه مرسل لا يثبت به حجة. وابن البيلماني ضعيف، لا =

٢٥٦
کتاب الجنايات
يقوم به حجة؛ إذا وصل الحديث، فكيف إذا أرسل.
وقال القرطبي: إنه منقطع لا تقوم به حجة. وقال أبو عبيد فيه: هذا حديث ليس بمسند، ولا يجعل إماماً
تسفك به دماء المسلمين، وتكلم فيه بغير هذا - وعلى فرض صحته فهو منسوخ بحديث: ((لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ
◌ِكَافِرٍ))، كما نقل ذلك الشوكاني.
وأجيب: بأن الحديث وإن كان مرسلاً من طريق البيلماني، لكن تقوى بما روي عن عمر، وعلي،
وعبد الله بن مسعود: ((من قتل المسلم بالذمي)) قال في نصب الراية: قال في ((التنقيح))،
وعبد الرحمن بن البيلماني وثقه بعضهم، وضعفه بعضهم.
ما رواه عمران حصين، وأبو هريرة، ومعقل بن يسار، أن رسول الله وَ ال﴿ه قال: ((لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرِ، وَلاَ
ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ)).
- وجه الدلالة - أن التقدير: لا يقتل مؤمن بكافر حربي؛ ولهذا عطف ذا العهد عليه وهو الذمي. فكان
الحديثُ في عجزه تقديره: ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي؛ لأن ذا العهد إذا قتل مثله قتل به، فتعين
أن يكون المرادُ بالكافر المقدر الكافر الحربي. وعلى ذلك. فالحديثُ لا دلالة فيه على نفي قتل المسلم
بالذمي .
ونوقش: بأن معناه لا يقتل مؤمن بكافر، ولا بذي عهد، أي: لا يقتل بكافر: حربي، ولا ذمي.
وأجيب : - بأنه لو أُريد ذلك لكان لحناً؛ لأنه لا يجوز أن يعطف المرفوع على المجرور، ولا تجوز نسبة
ذلك إلى الرسول.
واستدلوا ثالثاً بالآثار: ما جاء في ((مسند)) الإمام أحمد، وما أخرجه الطبراني، أن علياً رضي الله عنه أُتِيَ
بِرَجل مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَ رَجُلاً من أهل الذمة، فقامت عليه البينةُ، فأمر بقتله، فجاء أخوه، وقال: إني قد
عفوت، قال: فلعلهم هدَّدوك أو قرعوك قال: لا. ولكن قتله لا يرد عليَّ أخي. وعوضوا لي ورضيت،
قال: أنت أعلم من كان في ذمتنا، فدمه كدمنا، ودیته کدیتنا)).
١
وهذا أثر ظاهر الدلالة في أن دم غير المسلم الذمي كدم المسلم، ومعناه: أن يقتص من أحدهما بالآخر.
ما رواه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق الشافعي، أنبأنا محمد بن الحسن، حدثنا أبو حنيفة، عن حماد،
عن إبراهيم النخعي؛ أن رجلاً من بكر بن وائل قتل رجلاً من أهل الحيرة، فكتب فيه عمر بن الخطاب؛
أن يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، فدفع الرجل إلى وليّ المقتول. ثم أتبع
عمر ذلك بأن بعث رجلاً، وقال: إن كان الرجلُ لم يقتل فلا تقتلوه.
ما رواه عبد الرزاق في ((مصنفه))؛ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أمير الجزيرة في رجل مسلم قتل رجلاً
من أهل الذمة؛ أن ادفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه. فدفعه إليه، فضرب عنقه، وأنا أنظر
إليه .
دلت الروايتان على جريان القصاص بين المسلم والكافرِ.
ونوقش الأثر الثاني: بأنه عليكم لا لكم، فإن أمر عمر ثانياً بعد الأمر بالقتل - دليلٌ على عدم القصاص
بين المسلم والكافر.
وأجيب : - بأن كتابة عمر إليهم ثانياً بعدم القتل - راجعٌ إلى أمر في القاتل هو كونه من فرسان المسلمين،
فأراد إبقاءه عدة للإسلام، ولم ينفذ فيه القصاص.
((واستدلُّوا بالمعقول وهو:

٢٥٧
كتاب الجنايات
وقال الشافعي - رحمه الله - كون المقتول مثل القاتل في شرف الإِسلام والحرية - شرط
وجوب القصاص، ونقصان الكفر والرق يمنع من الوجوب؛ فلا يقتل المسلم بالذمي، ولا
الحر بالعبد، ولا خلاف في أن الذمي إِذا قتل ذميًّا، ثم أسلم القاتل؛ أنه يقتل به قصاصاً، وكذا
العبد إذا قتل عبدا، ثم عتق القاتل.
احتج في عدم قتل المسلم بالذمي بما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ
أن المسلم قد ساوى الذميَّ في حقن الدم وعصمته، فوجب أن يجري القصاص بينهما كالمسلمين. وإذا
=
كانت يد المسلم تقطع بسرقة مال الذمي - فأولى أن يقتص من نفسه لنفسه. فما حرمة المال بأغلظ من
حرمة النفس.
وأيضاً إذا كان الكافر إذا قتل كافراً مثله ثم أسلم يقتص منه، ولم يكن إسلامه مانعاً من القصاص - كذلك
يكون إسلام المسلم ابتداء غير مانع من استيفاء القود؛ ولأنه لما جاز للكافر قتل المسلم دفعاً عن نفسه
- كان قتله قوداً بنفسه واجباً، لأنهما في الحالين قتل مسلم بكافر.
ونوقش: يمنع قياس الكافر على المسلم في حقن الدم؛ لأن دم المسلم محقون بسبب إسلامه. وإسلامه
مانع من استرقاقه. ولا كذلك الكافر - وأما كون حرمة النفس أغلظ من حرمة المال. فجوابه من وجهين:
الأول: أن القطع في السرقة حق الله تعالى، غير جائز العفو عنه - فجاز أن يستحق في مال الكافر؛ كما
يستحق في مال المسلم.
أما القود فلما كان من حقوق الآدميين، وجائز العفو عنه لم يستحقه كافر على مسلم.
الثاني: أنه لما جاز قطع المسلم بسرقة مال الذمي المستأمن، ولم يقتل المسلم به قصاصاً - جاز أن يقطع
في مال الذمي، ولا يقتل به.
وأما قولهم: لو قتل كافر مثله، ثم أسلم لم يكن إسلامه مانعاً من الاستيفاء. فجوابه : - أن القود حد،
والحدود تعتبر بحال الوجوب، ولا تعتبر بما بعده؛ لأن المجنون لو قتل حال جنونه، ثم عقل - لم يجب
عليه القود بعد ما سقط. ولو أنه كان عاقلاً وقت القتل، ثم جُنَّ - لوجب عليه القود.
وأجيب عن تلك المناقشات: بأنه إذا ثبت أن عصمة المال تابعة لعصمة النفس - كانت عصمة المال
لازماً، والنفس ملزوماً. وتساوي اللوازم موجب لتساوي الملزومات. وإلا لخرج اللازم عن أن يكون
لازماً، والملزوم ملزوماً - وأما إن قطع اليد أقل خطرا من النفس، ولا يلزم من ثبوت الأدنى ثبوت
الأعلى.
فجوابه: أن العضو تابع للنفس، فإذا أبيح قطع العضو في شيء حقير وهو المال، فكيف لا يباح قتل
النفس بالنفس، أفلا يكن كافياً أن يقدِّم المسلم مقداراً من المال نظير ذلك المال المسروق. ويحفظ له
العضو عن الإهدار. فاللازم أحد أمرين أن تتساوى النفس والأطراف في الحرمة، أو الإهدار عند الجناية
على الذمي، ولا وجه للتفرقة؛ فوجب التساوي.
((وبعد)) فهذه حجج المذاهب في المسألة وما ورد عليها. بالتأمل بخبر أنه لم يبق للجمهور من الأدلة
صحيحاً عن المناقشة المعتبرة سوى حديث ((لا يقتل مسلم بكافر» والأخذ به راجح. ينظر: أثر الاختلاف
في الأحكام لشيخنا بدران أبو العنين نيل الأوطار ٨/٧، منتقى الأخبار (٦٧٦/٢) ينظر المحلى لابن حزم
(٣٤٧/١٠)، المنتقى على الموطأ (٧/ ٩٧).
بدائع الصنائع ج ١٠ - م١٧

٢٥٨
کتاب الجنايات
يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ))(١) وهذا نص في الباب، ولأن في عصمته شبهة العدم؛ لثبوتها مع القيام
المنافي وهو الكفر؛ لأنه مبيحٌ في الأصل؛ لكونه جناية متناهية؛ فيوجب عقوبة متناهية؛ وهو
القتل؛ لكونه من أعظم العقوبات الدنيوية، إلا أنه منع من قتله لغيره، وهو نقض العهد الثابت
بالذمة؛ فقيامه يورث شبهة، ولهذا لا يقتل المسلم بالمستأمن، فكذا الذمي؛ ولأن المساواة
شرط وجوب القصاص، ولا مساواة بين المسلم والكافر.
ألا ترى؛ أن المسلم مَشْهُودٌ له بالسعادة، والكافر مشهود له بالشقاء؛ فأنى يتساويان؟!
ولنا: عمومات القصاص من نحو قوله - تبارك وتعالى -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ في
القَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾
[المائدة: ٤٥]، وقوله - جلت عظمته -: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيَّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء: ٣٣]
من غير فصل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم؛ فمن ادعى التخصيص
والتقييد، فعليه الدليل.
وقوله - سبحانه وتعالى عز من قائل : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وتحقيق
معنى الحياة في قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم؛ لأن العداوة الدينية
تحمله على القتل خُصُوصاً عند الغضب، ويجب عليه قتله لغرمائه، فكانت الحاجة إلى الزاجر
أَمسَّ؛ فكان في شرع القصاص فيه في تحقيق معنى الحياة - أبلغ. وروى محمد بن
الحسن - رحمهما الله - بإسناده عن رسول الله - رَله - أنه أقاد مؤمناً بكافر، وقال عليه الصلاة
والسلام: ((أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى ذِمَّتَهُ))(٢) وأما الحديث: فالمراد منه: الكافر المستأمن، لأنه
(١) أخرجه أبو داود (٦٧٠/٤) كتاب الديات: باب إيقاد المسلم بالكافر حديث (٤٥٣١) والترمذي (٢٥/٤)
كتاب الديات باب دية الكافر حديث (١٤١٣) وابن ماجة (٨٨٧/٢) كتاب الديات: باب لا يقتل مسلم
بكافر حديث (٢٦٥٩) وأحمد (١٩٤/٢) والبيهقي (٢٩/٨ - ٣٠) كتاب الجنايات باب لا قصاص
باختلاف الدينين كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠١/١٠) رقم (١٨٥١٤) وابن أبي شيبة (٢٩٠/٩) وأبو داود في ((المراسيل)) (ص -
٢٠٧) رقم (٢٥٠) والدارقطني (١٣٥/٣) كتاب الحدود والديات: حديث (١٦٦، ١٦٧) وفي ((غرائب
مالك)) كما في ((التعليق المغني)) (١٣٦/٣) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٥/٣) كتاب
الجنايات: باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً، والبيهقي (٣٠/٨ - ٣١) كتاب الجنايات: باب ضعف الخبر
في قتل المؤمن بالكافر، من طرق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني أن
النبي ◌َّل﴿ أتى برجل من المسلمين قد قتل معاهداً من أهل الذمة فأمر به فضرب عنقه وقال: أنا أحق من
وفى بعهده.
وقد أعله الطحاوي بالإرسال.
-

٢٥٩
کتاب الجنايات
قال - عليه الصلاة والسلام: ((لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنْ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ)) (١) عطف قوله:
وقد جاء هذا الحديث موصولاً.
=
أخرجه الدارقطني (١٣٥/٣) كتاب الحدود والديات حديث (١٦٥) والبيهقي (٣٠/٨) كتاب الجنايات:
باب ضعف الخبر في قتل المؤمن بالكافر، من طريق عمار بن مطر ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر أن رسول الله وَّ﴿ قتل مسلماً
بمعاهد وقال: أنا أكرم من وفی بذمته.
قال الداقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث والصواب عن ربيعة عن ابن
البيلماني مرسل عن النبي ◌َّ﴿ وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله
وقال البيهقي: هذا خطأ من وجهين أحدهما وصله بذكر ابن عمر فيه وإنما هو ابن البيلماني عن النبي وَّر
مرسلاً، والآخر روايته عن إبراهيم عن ربيعة، وإنما يرويه إبراهيم عن محمد بن المنكدر والحمل فيه
على عمار بن مطر الرهاوي فقد كان يقلب الأسانيد ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك من رواياته وسقط
عن حد الاحتجاج به، ورواية إبراهيم عن محمد بن المنكدر والتي أشار إليها البيهقي أخرجها الشافعي
(١٠٥/٢) كتاب الديات حديث (٣٥٠) والبيهقي (٨/ ٣٠) كتاب الجنايات: باب ضعف الخبر في قتل
المؤمن بالكافر من طريق إبراهيم بن يحيى عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن البيلماني به.
وحديث شاهدان مرسلان من حديث محمد بن المنكدر وعبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي.
مرسل محمد بن المنكدر.
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٥/٣) كتاب الجنايات: باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً،
من طريق يحيى بن سلام عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن النبي 83# مرسلاً بمثل
حديث ابن البيلماني.
وهذا إسناد ضعيف جداً.
محمد بن أبي حميد قال البخاري في ((التاريخ الصغير)» (١٦٩/٢): منكر الحديث وذكره الذهبي في
(«المغني)) (٢/ ٥٧٣) رقم (٥٤٤٩) وقال؛ ضعيف لا من قبل الحفظ قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير،
وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو زرعة: يكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال صالح جزرة: ما رأيت
أحذق بالكذب منه من ابن الشاذكوني. اهـ.
ويحيى بن سلام ضعفه الدارقطني ينظر المغني (٧٣٦/٢) رقم (٦٩٧٦).
مرسل عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي.
أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (ص - ٢٠٨) رقم (٢٥١) من طريق ابن وهب عن عبد الله بن يعقوب
حدثنا عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي قال: قتل رسول الله وَّر يوم خيبر مسلماً بكافر قتله
غيلة وقال: ((أنا أولى أو أحق من وفى بذمته)).
قال الزيلعي في («نصب الراية)) (٣٣٦/٤): قال ابن القطان في ((كتابه)) وعبد الله بن يعقوب وعبد الله بن
عبد العزيز هذان مجهولان ولم أجد لهما ذكراً اهـ. قال الحازمي في ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ)» (ص
١٩٢ - ١٩٣): قال الشافعي: حديث ابن البيلماني على تقدير ثبوته منسوخ بقوله عليه السلام في زمن
الفتح: لا يقتل مسلم بكافر.
والحديث ذكره الألباني في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (١/ ٤٧١) رقم (٤٦٠) وقال: منكر.
(١) تقدم.
٠٠

٢٦٠
کتاب الجنايات
((ولا ذو عهد في عهده)) على ((المسلم))؛ فكان معناه: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد به،
ونحن به نقول، أو نحمله على هذا؛ توفيقاً بين الدلائل؛ صيانة لها عن التناقض.
وأما قوله: ((في عصمته شبهة العدم)) - ممنوع، بل دمه حرام لا يحتمل الإباحة بحال مع
قيام الذمة بمنزلة دم المسلم مع قيام الإِسلام.
وقوله: ((الكفر مبيح على الإطلاق» - ممنوع، بل المبيح هو الكفر الباعث على
الحراب، وكفره ليس بباعث على الحراب؛ فلا يكون مبيحاً.
وقوله: ((لا مساواة بين مسلم والكافر)» - قلنا: المساواة في الدين ليس بشرط؛ ألا ترى
أن الذمي إِذا قتل ذميًّا، ثم أسلم القاتل يقتل به قصاصاً، ولا مساواة بينهما في الدين، لكن
القصاص محنة امتحنوا بنا الخلق بذلك؛ فكل من كان أقبل بحق الله - تعالى - وأشكر لنعمه
كان أولى بهذه المحنة؛ لأن العذر له في ارتكاب المحذور أقل؛ وهو بالوفاء بعهد
الله - تعالى - أولى، ونعم الله تعالى في حقه أكمل؛ فكانت جنايته أعظم.
واحتج في قتل الحر بالعبد؛ بقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾
[البقرة: ١٧٨]وفسر القصاص المكتوب في صدر الآية بقتل الحر بالحر والعبد بالعبد؛ فيجب ألاَّ
يكون قتل الحر بالعبد قصاصاً؛ ولأنه لا مساواة بين النفسين في العصمة لوجهين:
أحدهما: أن الحر آدمي من كل وجه، والعبد آدمي من وجه، مال من وجه، وعصمة
الحر تكون له، وعصمة المال(١) تكون للمالك.
والثاني: أن في عصمة العبد شبهة العدم؛ لأن الرق أثر الكفر، والكفر مبيح في الأصل؛
فكان في عصمته شبهة العدم، وعصمة الحر تثبت مطلقة؛ فأنى يستويان في العصمة؟! وكذا لا
١٢٠/٣ مساواة بينهما في الفضيلة والكمال؛ لأن الرق يشعر بالذل والنقصان، والحرية/ تنبىء عن العزة
والشرف .
ولنا: عموماتُ القصاص من غير فصل بين الحر والعبد؛ ولأن ما شرع له القصاص؛
وهو الحياة لا يحصل إلا بإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد؛ لأن حصوله يقف على
حصول الامتناع عن القتل؛ خوفاً على نفسه؛ فلو لم يجب القصاص بين الحر والعبد، لا
يخشى الحر تلف نفسه بقتل العبد؛ فلا يمتنع عن قتله، بل يقدمه عليه عند أسباب حاملة على
القتل من الغيظ المفرط، ونحو ذلك؛ فلا يحصل معنى الحياة، ولا حجة له في الآية؛ لأن
فيها أن قتل الحر بالحر والعبد بالعبد قصاص، وهذا لا ينفي أن يكون قتل الحر بالعبد
قصاصاً، لأن التنصيص لا يدل على التخصيص.
(١) في أ: العبد