Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الإقرار شهر، وقال المقر له: لا بل كفلت بها حاله - أن القول قول المقرّ عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن [هناك](١) الظاهر شَاهِد للمقر؛ لأن الكَفَالة تكون مؤجَّلة عادة بخلاف الدين، والله تعالى أعلم . وعلى هذا إذا أقر أنه اقتضى من فلانٍ ألف درهم، كانت له عليه وأنكر المقرّ له أن يكون له عليه شيء، وقال: هو مالي قبضته مني - فالقول قوله مع يَمِينه ويؤمر بالردِّ إليه؛ لأن الإقرار بالاقْتِضاء إقرار بالقبض، والقبض سبب لوجوب الضَّمان في الأصل بالنص، فكان الإقرار بالقَبْض إقراراً بوجود سبب وجُوب الضَّمان منه، فهو بدعوة(٢) القبض بجهة الاقتضاء يدَّعي براءته عن الضَّمان وصَاحِبه ينكر، فيكون القول قوله مع يمينه، وكذلك إذا أقر أنه قبض منه ألْفَ درهم كَانَت عنده وديعةً، وأنكر المقر له - فالقول قول المقرّ له لما قلنا. ولو قال: أسَكَنْت فلاناً بيتي ثم أخْرَجته، وادعى السَّاكن أنه له - فالقول قول المقرّ عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: القول قول السَّاكن مع يمينه، ولو قال: أعرته دابتي ثم أخذتها منه، وقال صاحبه: هي لي - فهو على هذا الاختلاف. وجه قولهما: أن قوله: أسكنته داري ثم أخرجته/ وأعَرْته دابتي. ثم أخذتها منه - إقرار منه باليد لهما ثم الأخذ منهما، فيؤمر بالرّد عليهما لقوله - عليه الصلاة والسلام - ((عَلى اليَدِ ما أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» (٣) ولهذا لو غابتاه(٤) سكن الدَّار، فزعم المقر أنه أعارها منه ــ لم يقبل قوله، فكذا إذا أقرَّ. وجْه قول أبي حنيفة: أن المقر به ليس هو اليد المطلقة، بل اليد بجهة الإعارة والسكنى؛ وهذا لأن اليد لهما ما عرفت إلا بإقراره، فبقيت على الوَجْه الذي أقر به، فيرجع في بيان كيفية الید إليه . ولو أقر فقال: إن فلاناً الخياط خاط قَمِيصي بدرهم، وقبضت منه القَمِيص وادَّعى الخيَّاط أنه ــ له فهو على هذا الاختلاف الذي ذكّرْنا، ولو قال: خاط لي هذا القَمِيص ولم يقل: قبضه منه، لم يؤمر بالرد عليه(٥) بالإجماع؛ لأنه إذا لم يقل: قبضه منه لم يوجد منه الإقرار باليَدِ للخياط؛ لجواز أنه خاطه في بيته، فلم تثبت يَدُه عَلَيْه فلا يُجْبَر على الردّ. هذا إذا لم يكن الدَّار والثّوب معروفاً له فإن كان معروفاً للمقر - فالقول قوله بالإجماع؛ (١) سقط في ط. (٢) في ب: بدعواه. (٣) تقدم. (٤) في ط: غايباه. (٥) في ط: أعارهما، وثبت في هامش ط: هكذا بالأصل. (٦) في ب: إليه. ٢٠٢ كتاب الإقرار لأنه إذا لم يكن معروفاً له كان قول صَاحِبه: هو لي منه دَغْوى التملك، فلا تسمع منه إلا ببينة . ولو أقر أن فلاناً ساكن في هذا البَيْت، والبيت لي وادَّعى ذلك الرجل البيت - فهو له وعلى المقر البينة؛ لأن الإِقْرَار بالسّكْنَى إقرار باليَدِ، فصار هو صاحب يد فلا يثبت المِلْك للمدعي إلا ببينة، ولو أقر أن فلاناً زرع هذه الأرض أو بنى هذه الدَّار أو غرس هذا الكَزْم، وذلك في يدي المقرّ، وادَّعى المقر له أنه له - فالقول قول المقر؛ لأن الإقرار بالزَّرع والغرس والبِنَاء لا يكون إقراراً باليد؛ لجواز وجودها في يد الغير، فلا يؤمر بالرّد إليه، والله تعالى أعلم. وعلى هذا أن من أعتق عَبْدَه ثم أقر المولى أنه أخذ منه هذا الشَّيء في حال الرق، وهو قائم بعينه، وقال العَبْد: لا بل أخذته بعد العِثْق - فالقول قول العَبْد ويؤمر بالرد إليه بالإجماع، لأن قول العَبْد يقتضي وجُوب الردّ، وقول المولى لا ينفي الوجوب بل يقتضيه، لأن الأخذ في الأصْل سبب لوجوب ضَمَان الرد والإضافة إلى حال الرق لا تَنْفي الوجوب؛ فإن المولى إذا أخذ کسب عبده المأذون المدیُون، يلزمه الرد إليه. ولو أقر بالإتلاف بأن قال: أتلفت عليك مالاً وأنت عبدي، وقال العبد: لا بل أتلفته وأنا حرِّ - فالقول قول العَبْد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: القول قول المولى، وعلى هذا الاختلاف إذا قال المولى: قطعت يدَك قبل العتق، وقال العبد: لا بَلْ قطعتها بعد العِثْق. ولو تنازعا في الضَّريبة فقال المولى: أخذت منك ضريبة كلٌّ شهر كذا، وهي ضريبة مثله، وقال العبد: لا بل كان بعد العِثْق ـ فالقول قول المولى بالاتّفاق. وكذلك لو ادَّعى المولى وطء الأمة قبل العِثْق، وادَّعت الأمة بعد العتق - فالقول قَوْل المولى بالإجماع. وجه قول محمد وزفر رحمهما الله -: أن المولى ينكر وجوب الضَّمان، فكان القَوْل قوله؛ وهذا لأنه أضاف الضَّمان إلى حال الرقّ حيث قال: أتلفت وهو رقيق، والرق ينافي الضَّمان؛ إذ المولى لا يجب عليه لعَبْده ضمان، فكان مُنْكراً وجوب الضَّمان، والعَبْد بقوله: أتلفت بعد العتق يدَّعي وجوب الضَّمَان عليه وهو ينكر، فَكَانَ القَوْل قوله، ولهذا كان القَوْل قوله في الغلة والوَطْء كذا هذا. وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى -: أن اعتبار قول العبد يوجِبُ الضَّمان على المولى؛ لأن إتلاف مال الحر يوجب الضَّمان، واعتبار قول المولى لا يُنفِي الوجوب؛ لأنه أقر بالأخذ، والأخذ في الأصل سبب لوجوب الضَّمان، والإضافة إلى حال الرق لا تَنْفِي الوُجُوب، فإن إتلاف كَسْب العبد المأذُون المديون ديناً مستغرقاً للرَّقبة، والكَسْب موجب للضمان؛ فإذا وجد الموجب وانعدم المانع، بقي خبره واجب القَبُول، بخلاف الوطء والغلة؛ لأن وطء الرَّقيقة لا يوجب الضمان أصلاً، وكذلك أخذ ٢٠٣ كتاب الإقرار ضريبة العَبْد وهي الغلة لا يوجِبُ الضَّمان على المولى؛ فإن المولى إذا أخذ ضَريبة العبد وعليه دين مستغرق ليس للغرماء حق الاسِتْردَاد على ما مرَّ في كتاب المأذون، فكان المؤْلَى بقوله كان قبل العتق منكراً وجوب الضَّمان، فكان القول قوله مع ما أن الظَّاهر شاهد للمولى؛ لأن الأصل في الوطء ألاَّ يكون سبباً لوجوب الضَّمان؛ لأنه إتلاف مَنافِع البضع، والأصل في المنافع ألاَّ تكون مضْمُونة بالإتلافِ، فترجَّح خبر المولى بشهادة الأصْلَ له، فكان أولى بالقبول كما في الإخبار عن طَهَارة الماء ونجاسته/ . فأما الأصل في أخذ المال أن يكون سبباً لوجوب الضَّمان، فَكَانَ الظَّاهر شاهداً للعبد، وكذلك الغلة لأنها بدل المَنْفعة، والمنافع في الأصل غير مَضْمُونة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا إذا استأمن الحَرْبي أو صَارَ ذمة. فقال له رجل مسلم: أخذت منك ألف درهم وأنْت حَرْبي في دَارِ الحَرْب، فقال له المقر: لا بل أخذته وأنا مستأمن(١) أو ذميَّ في دار الإسلام - والألف قائمة بعينها فالقول قول المقرّ له، ويؤمر بالرد إليه بالإجماع، ولو قال: أخذت منك ألفاً فاستهلكتها وأنت حربي في دار الحرب أو قال: قطعت يدك، وقال المقر له: لا بل فعلت وأنا مستأمن أو ذمي في دار الإسلام ويضْمَن له المقر ما قطع وأتلف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر - رحمهم الله -: لا يضمن شيئاً. وجه قول محمد وزفر: أن المولى منكر وجوب الضَّمان؛ لإضافة الفعل إلى حالة منافية للوُجُوب وهي حالة الحراب، والقَوْل قول المنكر. وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الظَّاهر شاهد للعبد؛ إذ العصمة أصل في النُّفوس، والسقوط بعَارِض المسقط، فالقول قول من يشْهَد له الأصل. وعلى هذا إذا قَالَ: لفلان علي ألف درهم، ولم يذكر الوَزْن(٢) يلزمه الألف وزناً لا عدداً؛ لأن الدراهم في الأصل موزُونة، إلا إذا كان الإقرار في بلدة دراهمها عددية، فينصرف إلى العدد المَتعارف، وكذلك إذا ذكر العدد؛ بأن قال: لفلان علي ألف درهم عدداً، يلزمه ألف درهم وزناً ويلغو ذكر العدد، ويقع على ما يتعارفه أهل البلد من الوزن، وهو في ديارنا وخراسان والعراق وزن سبعة وهو الذي يكُون كل عشرة منها سبعة مَثَاقِيل، فإن كان الإقرار في هذه البِلاَد يلزمه بهذا الوَزْن؛ وإن كان الإقرار في بلد يَتَعاملون فيه بدَرَاهم وزنها ينقص عَنْ وَزْن سبعة مَثَاقِيل - يقع إقراره على ذلك الوَزْن؛ لانصرافِ مُطْلق الكلام إلى المتعارف، حتى لو ادَّعى وزناً أقل من وزن بلده [لا](٣) يصدق؛ لأنه يكون رجوعاً؛ ولو كان في البَلَد أوزان (١) في ب: مسلم. (٢) في ب: ألف درهم. (٣) سقط في ط. ٢٠٤ کتاب الإقرار مختلفة يعتبر فيه الغَالِب كما في نَقْد البلد، فإن استوت يحمل على الأقَلُ منها؛ لأن الأقل متيقن به والزيادة مشكوك فيها، والوجوب في الذمة/ أو لم يكن، والوجوب في أقله لم يَكُن، فمتى وقع الشَّك في ثبوته فلا يثبت مع الشَّك، ولو سمى زيادة على وزن البلد أو أنْقَص منه؛ بأن قال: لفلان علي ألف دِرْهَم وزن خمسة، إن كان موصولاً يقبل وإلا فلا؛ لأن اسم الدَّرَاهم يحتمله، لكنه خلاف الظَّاهر، فاحتمل البيان المَوْصُول، ولا يصدق إذا فصل لانصراف الأفهام عند الإطلاق إلى وَزْن البلد، فكان الإخبار عن غيره رجوعاً فلا يصحّ. وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم مثاقيل، يلزمه ذلك؛ لأنه زاد على الوزن المغروف، وهو غير متهم في الإقرار على نَفْسه بالزِّيادة فيقبل منه. ولو أقر وهو ببغداد فقال: لفلان علي ألف درهم طبرية، يلزمه ألف درهم طبرية لكن بوزنَ سَبْعة؛ لأن قوله: طبرية خرج وصفاً للدراهم، أي دراهم منْسُوبة إلى طبرستان، فلا يوجب تغيير وزن البلد. وكذلك إذا قال: لفلان علي كر حنطة موصلية والمقر ببغداد - يلزمه كر حنطة موصلية، لكن بكيل بَغْداد لما قلنا. ولو قال: لفلان علي دينار شاميّ أو كوفي، فعليه أن يعطيه ديناراً واحداً وزنه مثقال، ولا يجُوز أن يعطيه دينارين وزْنُهما جميعاً مثقال، بخلاف الدَّراهم أنه إذا أعطاه دِرْهَمين صغيرين مكان دِرْهَم واحد كبير - أنه يجبر على القَبُول. كذا ذكر في الكِتَاب، وكان في عرفهم أن الدينار إذا كان نَاقِص الوزن يكون نَاقِص القيمة، فكان نُقْصَان الوزن فيه وَضِيعة، كذلك(١) اعتبر الوَزْن والعدد جميعاً وفي الدراهم بخلاف(٢)، فأما في عُزْف ديارنا فالعبرة للوزْن، فسواء أعطاه ديناراً واحداً أو دينارين يجبر على القَبُول بعد أن يكون وَزْنهما مثقالاً. وكذلك لو قال: لفلان علي قفيز حنطة فهو بقَفِيز البَلَد، وكذلك الأوقار والأمنان(٣) لما قلنا في الدَّراهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الذي يدْخُل على(٤) قدر المقر به: فهو أن يكون المقرّ به مجهول القَدْر، وأنه في الأصل لا يخلو مِنْ أحد وجهين: إمَّا أن يذكر عدداً واحداً، وإما أن يجمع بين عَدَدَيْن؛ فالأول نحو أن يقول: لفلان علي دَرَاهم أو دنانير، لا يصدق في أقل من ثلاثة؛ لأن الثَّلاثة أقل الجمع الصَّحيح، فكان ثابتاً بيقين، وفي الزيادة عليها شك، وحكم الإقرار لا يلزم/ بالشّك. ولو قال: لفلان علي دُرَيْهِم أو دَنُينِير، فعليه درهم تام ودينار كاملٌ؛ لأن التَّصغير له قد (١) في ب: لذلك. (٢) في ط: بخلاف. (٣) تقدم تعريف المن. (٤) في ب: في. ٢٠٥ كتاب الإقرار يذكر لصِغَر الحَجم، وقد يذكر لاستحقار الدِّرهم واستقلاله، وقد يذكر لنقصان الوَزْن، فلا ينقص عن الوزن بالشّك. وروي عن أبي يوسف فيمن قال: لفلان علي شيء من دراهم أو شيء من الدَّراهم - أن عليه ثلاثة دراهم؛ لأنه أجمل الشيء وفسره بدَرَاهم أي الشيء الذي هو دَرَاهم؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاجْتَنْبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أي الرجس التي هي أوثان، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو قال: لفلان علي دراهم مضاعفة، لا يصدق في أقل من ستة؛ لأن أقلَّ الجمع الصَّحيح للدراهم ثلاثة، وأقل التَّضْعيف مرة واحدة، فإذا ضعفنا الثلاثة مرة تَصِير ستّة. ولو قال: لفلان علي دَرَاهم أضعافاً مضاعفة؛ لا يصدق في أقل من ثمانية عشر؛ لما بينا أن الدراهم المضَاعَفة ستة، وأقل أضْعَاف الستة ثلاث مرات، فذلك ثمانية عشر. ولو قال: لفلان علي عشرة دراهم وأضعافها مضَاعَفة، لا يصدق في أقل من ثَمَانِين؛ لأنه ذكر عشرة دراهم وضاعف عليها أضعافها مضَاعَفة، وأقل أضعاف العَشْرة ثلاثون، فذلك أربعون وأقل تَضْعيف الأربعين مرة، فذلك ثمانون. وروي عن محمد فيمن قال: لفلان علي غير ألف - أن عليه ألفين، ولو قال: غير ألفين عليه أربعة آلاف؛ لأن ((غَير)) من أسماء الإضافة، فيقتضي ما يغايره لاستحالة مُغَايرة الشّيء نفسه، فاقتضى ألفاً تغاير الألف الذي عليه، فَصَار معناه لفُلاَن على غير ألف؛ أي غير هذا الألف ألف آخر، فكان إقراراً بألفين، وكذا هذا الاعتبار في قَوْله: غير ألفين، ويحتمل أن يكون قَوْله: غير ألف أي مثل ألف؛ لأن المغايرة من لَوَازِم المماثلة؛ لاستحالة كون الشيء مماثلاً لنفسه، ولهذا قبل في حدّها غير أن ينوب كل واحدٍ منهما مناب صاحبه ويسد مسده، والملازمة بين شيئين طَرِيق الكتابة، فصحت الكتابة عن المُمَاثلة بالمغايرة، فإذا قال: لفلان علي غير ألف درهم، فكأنه قال: مثل ألف، ومثل الألف ألف مثله، فكان إقراراً بألفين، وكذا هذا الاعتبار في قوله: غير ألفين. ولو قال [له](١) على زهاء ألف أو عظم ألف / أو جل ألف فعليه خمسمائة وشيء؛ لأن هذه عبارات عن أكثر هذا القدر في العُرف، وكذا إذا قال: قَرِيب من ألف؛ لأن خمسمائة وشيئاً أقْرَب إلى الألف مِنْ خمسمائة. ولو قال: لفُلاَن علي دَرَاهم كثيرة لا يصدق في أقل من عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهم الله -: لا يصدق في أقلّ من مائتي درهم. وجه قولهما: (١) سقط في ط. ٢٠٦ کتاب الإقرار أن المقر به دَرَاهم كثيرة، وما دون المائتين في حد القلّة؛ ولهذا لم يعْتبر ما دونه نصاب الزَّكَاة. وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه جعل الكَثْرة صفة للدَّراهم، وأكثر ما يستعمل فيه اسم الدَّراهم العشرة. ألا ترى أنه إذا زاد على العَشرة يُقَال: أحد عشر درهماً واثني عشر درهماً هكذا، ولا يقال: دراهم، فكانت العشرة أكثر ما يستعمل فيه اسم الدَّراهم، فلا تلزمه الزّيادة عليها . .. ولو قال: لفلان علي مالٌ عظيم أو كثير، لا يصدق في أقل من مِائَتي دِرْهم في المَشْهُور، وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله -: أن عليه عشرة. وجه ما روي عنه: أنه وصف المال بالعظم والعشرة لها عظم في الشّرع. ألا ترى أنه علق قطع اليَدِ بها في باب السَّرقة، وقدر بها بَدَل البُضْع وهو المَهْر في باب النكاح. وجه القول المشهور: أن العشرة لا تستعظم في العُرف، وإنما يستعظم النِّصاب؛ ولهذا استعظمه الشّرع حيث علق وجوب المعظم وهو الزَّكاةُ به، فكان هذا أقل ما استعظمه الشّرع عرفاً فلا يصدق في أقل من ذلك، وقيل: إن كان الرَّجُل غنياً يقع على ما يستعظم عند الأغْنِيَاء، وإن كان فقيراً يقع على [ما يستعظم عند الفُقَراء](١)، ولو قال: علي أموال عظام فعليه ستمائة درهم؛ لأن عظام جمع عَظِيم، وأقل الجمع الصَّحيح ثلاثة، وهذا على المشهور من الرّوايات، فأما على ما روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - فَيَقع على ثَلاَثِين درهماً. ولو قال: غصبت فلاناً إيلاً كثيرةً، فهو على خمس وعشرين؛ لأنه وصف بالكَثْرة ولا تكثر إلا إذا بلغت نصاباً تجب الزكاة فِيهَا في جِئْسها، وأقل ذلك خَمْس وعشرون. ولو قال: لفلان علي حِنْطة كثيرة، فعند أبي حنيفة - رحمه الله - البيان إليه، وعندهما: لا يصدق في أقل من خمسة أوْسُق/ ؛ بناء على أن النّصاب في باب العشر ليس بشَرْط عند أبي حنيفة، وعندهما: شرط. ولو قال: لفلان علي ما بين مائة إلى مائتين، أو من مائة إلى مائتين - فعليه مائة وتسعة وتسعون عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: عليه مائتان، وعند زفر: عليه تسعة وتسعون؛ ولذلك إذا قال: لفلان علي ما بين دِزهم إلى عشرة، أو من درهم إلى عشرة - فعليه تسعة دراهم عند أبي حنيفة، وعندهما: عليه عشرة، وعند زفر: عليه ثمانية. (١) بدل ما بين المعكوفين في ب: النصاب. ٢٠٧ كتاب الإقرار ولو قال ما بين هذين الحَائِطين لفُلاَن، لم يدخل الحَائِطان في إقراره بالإجماع، وكذلك لو وَضَع بين يديه عشرة مرتبة، فقال: ما بين هذا الدرهم إلى هذا الدرهم - وأشار إلى الدرهمين - لفُلاَن، لم يدخل الدِّرهمان تحت إقراره بالاتّفاق، والأصل فيه (١) أن الغايتان لا يَدْخُلان، وعندهما: يدْخُلان، وعند أبي حنيفة: يدْخُل الأول دون الآخر. وجه قول زفر: أن المقر به ما ضربت به(٢) الغَايَة لا الغاية، فلا تَدْخُل الغاية تحت ما ضربت له الغَايَة، وهنا (٣) لم يَدْخُل في باب البيع. وجه قولهما: أنه لما جعلهما غايتين، فلا بدَّ من وجودهما ومن ضَرُورة وجودهما لزومهما . وجه قول أبي حنيفة: الرجوع إلى العُرف والعَادَة، فإن من تكلّم بمثل هذا الكَلام يريد به دُخُول الغاية الأولى دون الثّانية، ألا ترى أنه إذا قيل: سنُّ فُلاَنٍ ما بين تسعين إلى مائة، لا يراد به دُخُول المائة، كذا ههنا. ولو قال: لفلان علي ما بين كر شَعِير إلى كر حِنْطَةٍ، فعليه كر شعير وكر حنطة إلا قفيزاً، على قِيَاس قول أبي حنيفة، وعندهما: عليه كران؛ ولو قال: لفلان علي من دِزهم إلى عشرة دنانير، أو من دينار إلى عشرة دَرَاهم - فعند أبي حنيفة - رحمه الله: عليه أربعة دَنَانير وخمسة دراهم، تجعل الغاية الأخيرة من أفْضَلهما، وعندهما: عليه خمسة دنانير وخَمْسَة دراهم، وعند زفر: عليه مِنْ كل جِئْس أربعة . ولو قال: له عليّ من عشرة دَرَاهم إلى عشرة دنانير، عليه عشرة دراهم وتسعة دنانير عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وكذلك لو قال: له علي من عشرة دَنَانير إلى عشرة دَرَاهم قدم أو أخر، وعندهما: عليه الكلّ، وكذلك هذا الاختلاف في الوصية والطلاق، ولو قال: / لفلان علي خَمْسةِ دراهم في خمسة دَرَاهم، ونوى الضرب والحِسَاب فعليه خمسة، وقال زفر: عليه خمسة وعشرون. وجه قوله: أن خمسة في خمسة على طريق الضَّرب والحساب خمسة وعشرون، فيلزمه ذلك. ولنا: أن الشيء لا يتكثّر في نفسه بالضَّرب، وإنما يتكثر بأجزائه، فخمسة في خمسة له (١) في ب: في هذا. (٢) في ط: به. (٣) في ب: ولهذا. ٢٠٨ كتاب الإقرار خمسة أجزاء، فيلزمه ذلك بالإقْرَار، وإن نوى به خمسة مع خمسة فعليه عشرة؛ لأن (في) تَحْتَمل (مع) لمناسبة بينهما في معنى الاتّصال، ولو أقر بتمر في قوصرة فعليه التمر والقوصرة جميعاً؛ وكذلك إذا قال: غصبت من فُلاَن ثوباً في مِنْدِيل، يلزمه الثوب والمنديل، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا يلزمه الظرف، ولو أقر بدابة في إصطبل لا يلزمه الإصطبل بالإجماع. وجه قول الشافعي - رحمه الله -: أن الداخل تحت الإقرار التمر والثوب لا القوصرة والمنديل؛ لما ذكرنا أن ذلك ظرفاً، فالإقرار بشيء في ظرفه لا يكون إقراراً به وبظرفه؛ كالإقرار بدابة في الإصطبل وبنخلة في البستان - أنه لا يكون إقراراً بالإضطبل والبستان. ولنا: أن الإقرار بالتَّمر في قوصرة إقرار بوجود سبب وجوب الضَّمان فيهما؛ وكذلك الإقرار بغضب الثوب في منديل؛ لأن الثّوب بغصب مع المنديل الملفُوف فيه عادة؛ وكذلك التمر مع القوصرة. وأما غَصْب الدابة مع الإصْطَيل فغير معتادٍ، مع أن العقار لا يحتَمل الغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -؛ ولو قال: لفلان علي ثَوْب في ثوب، فعليه ثوبان لما قلنا، ولو قال: ثوب في عشرة أثواب، فليس عليه إلا ثوب واحد عند أبي يوسف، وعند محمد - رحمه الله -: عليه أحد عشر ثوباً. وجه قول محمد - رحمه الله -: أنه جعل عشرة أثْوَاب ظرفاً لثوب واحد، وذلك يحتمل بأن يكون في وسط العشرة، فأشبه الإقرار بثَوْبٍ في منديل أو في ثوب. وجه قول أبي يوسف: أن ما ذكره محمَّد ممكن لكنه غير معتاد، ومطلق الكلام للمعتاد، هذا إذا ذكر عدداً واحداً مجملاً؛ فإن ذكر عدداً واحداً معلوماً لكن أضَافَه إلى صنفين؛ بأن قال: لفلان عليّ مائتا مثقال ذهب وفضة، أو كرا حنطة وشَعِير - فله من / كل واحدٍ منهما النّصف، وكذلك لو سَمَّى أجناساً ثلاثة فعليه من كل واحد الثلث، وكذلك لو تزوج على ذلك؛ لأنه ذكر عدداً واحداً وأضافه إلى عددين(١) من غير بيان حِصَّة كل واحدٍ منهما، فتكون حصَّة كل واحدٍ منهما على السَّواء، كما إذا أضافه إلى شَخْص واحدٍ؛ بأن أقر بمائتي درهم لرجلين، فإن لكل واحد منهما النصف، كذا هذا. ويهودي، فالقول قول المقر؛ إن شاء جعل (٢) ولو قال: استودعنى ثلاثة أثواب زطى زطيين ويهودياً، وإن شاء جعل يهوديين وزطيا؛ لأنه جعل الأثواب الثّلاثة من جِنْس الزطي واليهودي، فيكون زطي ويهودي مراداً بيقينٍ، فكان البَيَان في الآخر إليه لتعذر اعتبار المُسَاوَاة فیه . (١) في ب: معدودين. (٢) نسبة إلى الزُّطْ؛ وهم جيل من الهند. ترتيب القاموس المحيط (زطط). ٢٠٩ كتاب الإقرار ولو قال: استودعني عشرة أثواب هروية ومروية، كان من كل صنفٍ النّصف؛ لأن اعتبار المُسَاوَاة ههنا ممكن. وأما إذا جمع بين عددين، فلا يخلو إما أن جمع بين عددين مجملين، وإما أن أجمل أحدهما وبين الآخر، فإن جمع بين عَدَين مجملين؛ بأن قال: لفلان علي كذا وكذا درهماً، لا يصدق في أقل من أحَدَ عشر درهماً؛ لأنه جمع بين عددين مبهمَّين وجعلهما اسماً واحداً من غير خَرْف الجمع، وذلك يحتمل أحد عشر واثنا عشر هكذا إلى تسعة عشر، إلا أن أقل عدد يعبر عنه بهذه الصِّيغة أحد عشر فيحمل عليه لكونه متيقَّنا به، ويلزمه أحد عشر درهماً؛ لأنه فسر هذا العدد بالدَّراهم لا بغيرها. ولو قال: لفلان علي كَذَا وكذا درهماً، لا يصدق في أقل من إحدى وعشرين درهماً، لأنه جمع بين عددين مُبْهَمين بحرف الجمع، وجعلهما اسماً واحداً، وأقل ذلك إحدَى وعشرون. وأما إذا أجمل أحدهما وبين الآخر، فنحو أن يقول: لفلان علي عشرة دراهم ونيف، فعليه عشرة، والقول قوله في النيّف من دِرْهم أو أكثر أو أقل؛ لأنه عبارة عن مُطْلَق الزيادة، ولو قال: لفلان عليّ بضع وخَمْسُون درهماً لا يصدق في بيان البُضْع في أقل من ثلاثة دراهم؛ لأن البِضْع في اللّغة اسم لقطعة من العَدَد، وفي عرف اللّغة يستعمل في الثلاثة إلى التِّسعة، فيحمل على أقل المتعارف؛ لأنه متیقن به. ولو قال: لفلان علي عشرة دراهم ودانق أو قيراط، فالدانق والقيراط من الدَّراهم؛ لأنه/ عبارة عن جزء من الدَّراهم؛ كأنه قال: لفلان علي عشرة وسدس؛ ولو قال: لفلان علي مائة ودرهم فالمائة دراهم، ولو قال: مائة ودينار فالمائة دنانير، ويكون المعطوف عليه من جنس المعْطُوف، وهذا استحسان، والقياس أن يلزمه دِرْهَم والقول قوله في المائة. وجه القياس: أنه أبهم المائة وعطف الدِّرهم عليها، فيعتبر تصرُّفه على حسب ما أوقعه فيلزمه درهم، والقَوْل في المبهم قوله. وجه الاستخسان: أن قوله: لفلان علي مائة ودِرْهَم أي مائة درهم ودرهم، هذا معنى هَذَا في عرف النَّاس، إلا أنه حذف الدِّرهم طلباً للاختصار على ما عليه عادة العَرب من الإضمار والحذف في الكلام، وكذلك لو قال: لفلان علي مائة وشاة، فالمائة من الشياه عليه تعرف(١) الناس. (١) في ب: عرف. بدائع الصنائع ج ١٠ - ١٤٣ ٢١٠ کتاب الإقرار ولو قال: لفلان علي مائة وثوب، فعليه ثوب والقَوْل في المائة قوله؛ لأن مثل هذا لا يسْتَعمل في بيان کَوْن المغْطُوف عليه من جِنْس المعطوف، فبقيت المائة مجْمَلة فكان البيان فيما أجمل عليه، وكذلك إذا قال: مائة وثوبان. ولو قال: مائة وثلاثة أثواب فالكل ثياب؛ لأن قوله: مائة وثلاثة كل واحد منهما مجمل. وقوله: أثواب يصلح تفسيراً لهما، فجعل تفسيراً لهما، وكذلك روي عن أبي يوسف - رحمه الله - فيمن قَالَ: لفلان علي عشرة وعبد - أن عليه عبد والبيان في العشرة إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكذلك إذا قال: لفلان علي عشرة ووصيفة، أن عليه وَصِيفة والبيان في العشرة إليه، ولو أقر لرجل بألف في مجلس، ثم أقر له بألف أخرى - نظر في ذلك؛ فإن أقر له في مجلس آخر فعليه ألفان عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعند أبي يوسف ومحمد: عليه ألف واحدةٌ، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أيضاً، وإن أقر له في مجلس واحدٍ، فعندهما لا يشكل أنَّ عليه ألفاً واحداً، وأما عند(١) أبي حنيفة: ذكر عن الكرخي أن عليه ألفين، وذكر عن الطحاوي أن عليه ألفاً واحداً؛ وهو الصحيح. وجه قول أبي يوسف ومحمد: أن العادة [جرت](٢) بين الناس بِتَكْرار الإقرار بمال واحدٍ في مجلسين مختلفين لتكثير الشهود، كما جرت العادة بذلك في مجلس/ واحد ليفهم (٣) الشهود، فلا يحمل على إنْشَاء الإقرار مع الشّك. وجه قول أبي حنيفة: أن الألف المذْكُور في الإقرار الثَّاني غير الألف المذكور في الإقرار الأول؛ لأنه ذكر كل واحد من الألفين منكراً، والأصل أن النّكرة إذا كررت يراد بالثّاني غير الأول، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً، إنَّ مَع العُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: ٦] حتى قال ابن عباس - رضي الله عنه -: لن يغلب عسر يسرين، إلا أنا تركنا هذا الأصل في المَجْلس الواحد للعَادة، والله أعلم. فصل في شرائط الركن وأما شَرَائط الركن فأنواع، لكن بعضها يعم الأقارير كلها. وبعضها يخصُّ البعض دون البَعْض، أما الشَّرائط العامة فأنواع: منها العقل، فلا يصح إقرار المجنُون والصَّبي الذي لا (١) في ب: عن. (٢) سقط في ط. (٣) في ب: لتفهيم. ٢١١ كتاب الإقرار يعقل، فأما البلوغ فليس بِشَرْط، فيصح إقرار الصَّبي العاقل بالدين والعين؛ لأن ذلك من ضَرُورات التِّجارة على ما ذَكَرْنا في كتاب المأُذُون، إلا أنه لا يصحُّ إقرار المحجور؛ لأنه من التصرُّفات الضَّارة المخضَة من حيث الظَّاهر، والقَبُول من المأذون للضَّرورة ولم يوجد، وأما الحرية فليست بِشَرْطٍ لصحّة الإقرار، فيصح إقرار العبد المأذون بالدين والعين؛ لما بينا في كتاب المأذون، وكذا بالحدود والقِصَاص، وكذا العبد المحجُور يصح إقراره بالمَالِ لكن لا ينفذ على المولى للحَال، حتى لا تباع رقبته بالدَّين بخلاف المأذون؛ لأن إقرار المأذون [بالدين](١) إنما صحَّ لكونه من ضَرُورات التجارة على ما ذكر في كتاب المأذُون. والمحجور لا يَمْلِك التِّجارة فلا يملك ما هو من ضَرُوراتها، إلا أنه يصحُّ إقراره في حَقٌّ نَفْسه حتى يؤاخذ به بعد الحريَّة؛ لأنه من أهل الإقرار لوجود العقل والبلوغ، إلا أنه امتنع النَّفاذ على المولى للحال لحقه، فإذا عتق فقد زال المَانِع فيؤاخذ به . وكذا يصحُّ إقراره بالحُدُود والقصاص، فيؤاخذ به للحال؛ لأن نفسه في حق الحُدُود والقِصَاصُ كالخارج عن مِلْك المولى، ولهذا لو أقرَّ المولى عليه بالحدود والقِصَاص لا يصحُّ؛ وكذلك الصحة ليست بشَرْط لصحة الإقرار، والمرض ليس بمَانِع حتى يصحَّ إقرار المَرِيض في الجُمْلة؛ لأن صحَّةُ إقرار الصحيح برجَحَان(٢) جانب الصِّدق على جانب الكذب، وحال المريض أدل على الصِّدق، فكان إقراره أولى بالقَبُول على ما نَذْكُره في موضعه إن شاء الله تعالى . / وكذلك الإسلام ليس بشرط لصحة الإقرار؛ لأنه في الإقرار على نفسه غير متهم، ومنها ألاَّ يكون متهماً في إقراره، لأن التهمة تخل برجْحَان [جانب](٣) الصدق على جانب الكذب في إقراره؛ لأن إقرار الإنسان على نفسه شَهَادة، قال الله تعالى: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءٍ لله وَلَوْ عَلَى أَنْفِسُكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] والشهادة على نفسه إقرار دلَّ أن الإقرار شهادة، وأنها ترد بالتهمة، وفروع هذه المسائل تأتي في خلال المسائل إن شاء الله تعالی. ومنها الطوع حتى لا يصحَّ إقرار المكره؛ لما ذكرنا في كتاب الإكراه. ومنها أن يكون المقرّ معلوماً؛ حتى لو قال رجلان: لفلان على واحد منَّا ألف درهم، لا يصحُّ؛ لأنه إذا لم يكن معلوماً لا يتمكّن المقر له من المَطَالبة، فلا يكون في هذا الإقرار فائدة فلا يصحُّ. (١) سقط في ط. (٢) في ب: الرجحان. (٣) سقط في ط. ٢١٢ کتاب الإقرار وكذلك إذا قال أحدهما: غصب واحد منا، وكذلك إذا قال: واحد منا زنى أو سرق أو شرب أو قذف؛ لأن من عليه الحدّ غير مَعْلُوم، فلا يمكن إقامة الحَدّ. وأما الذي يخص بعض الأقارير دون البَعْض، فمعرفته مبنيّة على معرفة أنْوَاع المقر به، فنقول ولا قوة إلا بالله تعالى: إن المقر به في الأصْلِ نَوْعان: أحدهما: حقّ الله تعالى عز شأنه، والثّاني: حق العَبْد. أما حق الله سبحانه وتعالى فنوعان أيضاً: أحدهما: أن يكون خالصاً لله تعالى وهو حد الزِّنا والسرقة والشرب. والثاني: أن يكون للعَبْد فيه حق وهو حد القذف، ولصحة الإقرار بها شَرَائط ذكرناها في ((کتاب الحدود)). فصل في حق العبد وأما حق العَبْد فهو المال من العين والدَّين والنَّسب والقِصَاص والطلاق والعَتَاق ونحوها، ولا يشْتَرط لصحَّة الإقرار بها ما يشترط لصحة الإقرار بحقوق الله تعالى، وهي ما ذكرنا من العدد ومجلس القَضَاء والعبارة، حتى أن الأخرس إذا كَتَب الإقرار بِيَده أو أومأ بما يعرف أنه إقرار بهذه الأشياء - يجوز، بخلاف الذي اعتقل لسانه؛ لأن للأخْرَس إشارة معْهُودة، فإذا أتى بها يخصُل العلم بالمشار إليه، وليس ذلك لمن اعتقل لسانه؛ ولأن إقامة الإشارة مقام العبارة أمر ضَرُوري، والخرس ضرورة لأنه أصلي. فأما اعتقال اللسان فليس من باب الضَّرورة؛ لكونه على شرف الزوال، بخلاف الحُدُود؛ لأنه لا يجعل ذلك إقراراً بالحدود؛ لما بينا أن مبنى الحُدُود على صَرِيح البيان؛ بخلاف/ القصاص فإنه غير مبنيّ على صريح البيان، فإنه إذا أقر مطلقاً عن صفة التعمد بذلك آلة دالة عليه وهي السيف ونحوه يستوفي بمِثْله القصاص، وكذا لا يشترط لصحَّة الإقرار بها الصّحو، حتى يصحّ إقرار السَّكران، لأنه يصدق(١) في حقّ المقر له أنه غير صاحي، أو لأنه ينزل عقله قائماً في حق هذه التصرُّفات، فيلحق فيها بالصَّاحي مع زواله حقيقة عقوبة عليه، وحقوق العباد تثبت مع الشُّبهات، بخلاف حُقُوق الله تعالى، لكن الشّرائط المختصَّة بالإقرار بحُقُوق العباد نوعان: نوع يرجع إلى المقر له، ونوع يرجع إلى المقر به. أما الذي يرجع إلى المقر له فنوع واحد، وهو أن يكون معلوماً، موجوداً كان أو حملاً، حتى لو كان مجهولاً بأن قال لواحد من الناس: عليّ أو لزيد علي ألف درهم لا يصحُّ؛ لأنه لا يملك أحد مُطَالَبته فلا يفيد الإقرار، حتى لو عين واحداً بأن قال: عينت به فلاناً يصحُ. ولو قال: لحمل فلانة علي ألف درهم فإن بين جهة يصِحُ وجوب الحق للحَمْل من تلك (١) في ب: لا يصدق. ٢١٣ کتاب الإقرار الجِهَة؛ بأن قال المقر: أوصى بها فلان له، أو مات أبوه فورثه صحَّ الإقرار؛ لأنَّ الحق يجب له من هذه الجِهَة، فكان صادقاً في إقراره فيصح، وإن أجمل الإقرار لا يصحُّ عند أبي يوسف، وعند محمد: يصح. وجه قول محمد: أن إقرار العاقل يجب حَمْلُه على الصّحة ما أمكن، وأمكن حمله على إقراره على جِهَة مصححة له وهي ما ذكرنا، فوجب حمله عليه. وجه قول أبي يوسف: أن الإقرار المبهم له جهة الصحة والفَسَاد؛ لأنه إن كان يصحُ بالحمل على الوصيَّة، والإرث يفسد بالحَمْلِ على البيع والغصب والقَرْض، فلا يصحُّ مع الشّك، مع ما أن الحمل في نفسه محتمل الوُجُود والعدم، والشك من وجهٍ واحد يمنع صحّة الإقرار فمن وَجْهَين أولى. والله أعلم. هذا إذا أقر للحمل، أما إذا أقر بالحمل بأن أقر بحمل جَارِية أو بحمل شاة لرجلٍ - صحّ أيضاً؛ لأن حمل الجارية والشّاة مما يحتمل الوُجُوب في الذمة؛ بأن أوصى له به مَالِك الجارية والشّاة فأقر به، والله أعلم. وأما الذي يرجع إلى المقر به، أما الإقرار بالعَيْن والدّين فشرط صحّة الفراغ عن تعلّق/ حق الغير؛ فإن كان مشغولاً بحق الغير لم يصحَّ؛ لأن حق الغير معصوم محترم، فلا يجوز إيطاله من غير رضاه، فلا بدَّ من معرفة وقت التعلّق ومعرفة محل التعلق. أما وقت التعلق فهو وقت مَرَض الموت(١)، فما دام المديون صحيحاً فالدين في ذمَّته، (١) المراد بالمريض هنا المريض مرض الموت وهو المرض الذي يغلب فيه الهلاك وإن لم يكن صاحبه صاحب فراس ولم يمنعه عن قضاء حوائجه الخارجة إن كان رجلاً أو الداخلة إن كانت امرأة فما كان من الأمراض المزمنة التي طالت ولم يخف منها الهلاك كالفالج ونحوه لا يعتبر مرض موت وإن صير صاحبه صاحب فراس ومنعه من قضاء حوائجه. ويلحق بالمريض المذكور في الحكم كل من كان غالب حاله الهلاك بأن بارز رجلاً أو قدم ليقتص منه أو ليرجم أو كان في سفينة وتلاطمت بها الأمواج وخيف الغرق أو بقي على لوح من السفينة أو افترسه سبع وبقي في فيه أو قدمه ظالم ليقتله فجميع هؤلاء الأشخاص يكون حكمهم حكم المريض مرض الموت في جميع التصرفات ويشترط في المريض وفيهم لاعتبار تصرفاتهم تصرفات مرض أن يتصل بهم الموت وهم في أحوالهم المذكورة فلو لم يتصل بهم الموت اعتبرت تصرفاتهم تصرفات صحة لا تصرفات مرض فتنفذ ما لم يمنع مانع آخر من النفاذ. وعلى هذا لا يعتبر الشخص الذي يمرض يومين ويصح ثلاثة أو يمرض يوماً ويصح يومين مريضاً مرض الموت إلا في المدة التي يمرض فيها ويعقبها الموت فما يسبقها من التصرفات يكون تصرفات صحة وما يكون فيها يكون تصرفات مرض. هذا ومتى أقر المريض المذكور أو من ألحق به ممن غلب عليهم الهلاك بحق الآخر فإما أن يقر بدين أو يقر بعين وعلى كل فإما أن يقر لأجنبي أو يقر لوارث ولكل حكم مخصوص. ينظر: الإقرار لشيخنا عبد الحميد حسن طائل. ٢١٤ كتاب الإقرار فإذا مرض مرض المَوْت يتعلق بتركته، أي يتعين فيها ويتحوَّل من الذمة إليها، إلا أنه لا يعرف كَوْن المَرَض مرض المَوْت إلا بالموت(١)، فإذا اتصل به المَوْت تبين أن المَرَض كان مَرَضُ الموت من وقت وُجُوده، فتبين أن التعلُّق يثبت من ذلك الوَقْت، وبَيَان ذلك الوقت ببيان حكم إقرار المَرِيض. والصَّحِيح وما يفترقان فيه وما يتّصل به وما يسْتَويان فيه، فنقول وبالله التوفيق: إقرار المريض في الأصْلِ نَوْعَان: إقراره بالدّين لغيره، وإقراره باستيفاء الدَّين من غيره. فأما إقراره بالدّين لغيره، فلا يخلو من أحد وجهين: إما إن أقر به لأجنبي أو لوارث؛ فإن أقر به لوارثٍ فلا يصحُّ إلا بإجازة البَاقِين عندنا. وعند الشافعي: يصح. وجه قول الشافعي رحمه الله: أن جهة الصحة للإقرار هي رُجْحان جانب الصّدق على جانب الكَذِب، وهذا في الوارثِ مثل ما في الأجنبي، ثم يقبل إقرار الأجنبي كذا الوَارِث. ولنا: ما روي عن سيدنا عمر وابنه سيدنا عبد الله - رضي الله عنهما - أنهما قالا: إذا أقر المريض لوارثه لم يجز، وإذا أقر لأجنبي جَاز، ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فيكون إجماعاً؛ ولأنه متهم في هذا الإقرار؛ لجواز أنه آثر بعض الورثة على بَعْضٍ؛ بميل الطبع أو بقضاء حق موجب للبعث على الإحسان، وهو لا يملك ذلك بطريق التبرّع والوصية به، فأراد تَنْفِيذ غَرَضه بصورة الإقرار من غير أن يكون للوَارِث عليه دين، فكان متَّهماً في إقراره فيرد؛ ولأنه لما مرض مرض الموت فقد تَعلَّق حق الورثةِ بماله، ولهذا لا يملك أن يتبرَّع عليه بشيء من الثلث، مع ما أنه خالص ملكه لا حق لأجنبي فيه، فكان إقراره للبعض إبطالاً لحق الباقين، فلا يصح في حقهم ولأن الوصية لم تجز لوارث فالإقرار أولى؛ لأنه لو جاز الإقْرَار لارتفع(٢) بطْلاَن الوصية؛ لأنه يميل إلى الإقرار اختياراً للإيثار/ ، بل هو أولى من الوصية؛ لأنه لا يذهب بالوصية إلا الثلث، وبالإقرار يذهب جميع المال، فكان إبطال الإقرار إبطال الوصية بالطَّريق الأولى. ويصحُّ إقرار الصَّحيح لوارثٍ؛ لأنَّ ما ذكرنا من المَوانِع منعدمة في إقراره، هذا إذا أقر لوارثٍ؛ فإن أقر لأجنبي، فإن لم يَكُن عليه دين ظاهرٌ معلوم في حالة الصِّحة يصحُ إقراره من جميع التركة استحساناً، والقياس ألاَّ يصح إلا في الثلث. وجه القياس: أن حق الورثة بما زاد على الثُّلث متعلق؛ ولهذا لم يملك التبرّع بما زاد على الثُّلث، لكنا تركنا القياس بالأثر، وهو ما روي عن ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: إذا أقرَّ المَرِيض بدين لأجنبي، جاز ذلك من جميع تركته، ولم يعرف له فيه من الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - مخالف، فيكون إجماعاً؛ ولأنه في الإقرار للأجنبي غير متّهم فيصح. (١) في ب: لم ينفع. ٢١٥ كتاب الإقرار ويصحُّ إقرار الصَّحيح للأجنبي من جميع المال؛ لانعدام تعلق حق الورثة بماله في حالة الصّحة، بل الدين في الذمة، وإنما يتعلّق بالتركة حالة المرض؛ وكذا لو أقر الصَّحيح بديون لأناسٍ كثيرة متفرقة؛ بأن أقر بدين [ثم بدين](١) جاز عليه كله؛ لأن حالة الصِّحة حال الإطلاق لوجود الموجب للإطلاق، وإنما الامتناع لعارض تعلّق حق الورثة أو للتهمة، وكل ذلك ههنا منعدم، ويستوي فيه المتقدم والمتأخر، لحصول الكل في حالة الإطلاق. ولو أقر المَرِيض بديون لأناس كثيرة متفرّقة؛ بأن أقر بدين ثم بدين - جاز ذلك كله واستوى فيه المتقدم والمتأخر استواء الكُلِّ في التعلق؛ لاستوائهما في زمان التعلق وهو زمان المَرَض؛ إذ زمن المرض مع امْتِداده بتجدد أمثاله حقيقةً بمنزلة زمانٍ واحدٍ في الحكم، فلا يتصور فيه التقدُّم والتأخر. ولو أقر وهو مَريض بدين ثم بعين؛ بأن أقر أن هذا الشّيء الذي في يده وديعة لفلان - فهما دينان، ولا تقدم الوديعة لأن إقراره بالدَّين قد صحَّ، فأوجب تعلق حق الغُرَماء بالعين لكونها مَمْلُوكة من حيث الظَّاهر، والإقرار بالوديعة لا يبطل التعلُّق؛ لأن حق الغير يصَانُ عن الإبطال ما أمكن، وأمكن أن يجعل ذلك إقراراً بالدين لإقراره باستهلاك الوَدِيعةُ بتقديم / الإقرار بالدّين عليه، وإذا صار مقراً باستهلاك الوديعة، فالإقرار باستهلاك الوَدِيعة يكون إقراراً بالدین؛ لذلك کانا دینین. ولو أقر بالوَدِيعة أولاً ثم أقرَّ بالدين، فالإقرار بالوديعةِ أولى؛ لأن الإقرار بالوَدِيعة لما صح خرجت الوديعة من أن تكُون محلاً للتعلقِ؛ لخروجها عن ملكه فلا يثبت التعلّق بالإقرار، لأن حق غَرِيم المرض يتعلق بالتّركة لا بغيرها ولم يوجد، وكذلك لو أقرَّ المريض بمال في يده أنه بضاعة أو مضاربة، فحكمه وحكم الوَدِيعة سواء، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا إذا أقر المريض بالدّين وليس عليه دين ظاهر مَعْلُوم في حال الصِّحة - يعتبر(٢) إقراره، فأما إذا كان عليه دين ظاهرٌ معلوم بغير إِقْرَاره ثم أقر بدين آخر - نظر في ذلك فإن لم يكن المقرّ به ظاهراً معلوماً بغير إقراره، تقدم الديون الظاهرة لغرماء الصِّحة في القضاء، فتقضى ديونهم أولاً من التّركة، فما فضل يصرف إلى غير غرماء الصِّحة، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - يستويان. وجه قوله: أن غريم المَرَض مع غريم الصِّحة استويا في سبب الاسِتْحَقَاق؛ وهذا لأن الإقرار إنما كان سبباً لظهور الحق؛ لرجْحَان جانب الصِّدق على جانب الكَذِب، وحالة المرض أدل على الصدق؛ لأنها حالة يتدارَك الإنسان فيها ما فرط في حالة الصِّحة؛ فإن الصدق فيها أغلب فكان أولى بالقَبُول. (١) سقط في ط. (٢) في ب: تعين. ٢١٦ كتاب الإقرار ولنا: أن شرط صحة الإقرار في حق غَرِيم الصِّحة لم يوجد - فلا يصح في حقُّه؛ ودليل ذلك أن الشرط فراغ المال عن تعلق حقِّ الغير به لما بينا ولم يوجد، لأن حق غَرِيم الصِّحة متعلّق بماله من أول المَرَض، بدليل أنه لو تبرع بشيء من ماله لا ينفذ تبرعه، ولولا تعلق حق الغير به لنفذ؛ لأنه حينئذٍ كان التبرُّع تصرفاً من الأصل(١) في محلِّ هو خالص ملكه، وحكم الشرع في مثله النَّفاذ، فدل عدم النفاذ على تعلّق النفاذ، وإذا ثبت التعلق فقد انعدم الفَرَاغ الذي هو شرط صحَّة الإقرار في حق غريم الصِّحة فلا يصح في حقه، ولأنه إذا لم يعلم وجُوبه بسبب ظاهر معلوم سوى إقراره - كان متهماً في هذا الإقرار في حق غُرَماء الصحة؛ لجواز أن يكون له ضَرْب عناية في حق شخص يميل طبعه إلى الإحسان إليه، أو بينهما حقوق تبعثه على المعْرُوف والصلة في حقه، ولا يَمْلك ذلك بطريق التبرع، فيريد به تحصيل مراده بصورة الإقرار، فكان متهماً في حق أصحاب الديون الظاهرة أنه أظهر الإقرار من غَيْر أن يكون عليه دَيْن، فيرد إقراره بالتهمة. وكذلك إذا كان عليه دين الصِّحة فأقر بعبده في يده - إنه لفلان لا يصحُ إقراره في حق غُرَمَاء الصِّحة، وكانوا أحق بالغرماء من الذي أقر له؛ لأنه لما مرض مرض الموت فقد تعلق حق الغُرَمَاء بالعَبْد لما بينا، وكان الإقرار بالعبد لفلان إبطالاً لحقهم، فلا يصح إقراره في حقهم. هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن الدّين المقر به ظاهراً معلوماً بغير إقراره، فأما إذا كان بدلاً عن مال مِلْكه؛ كبدل القرض وثمن المبيع، أو بدلاً عن مال استهلكه فهو بمَنْزلة دين الصِّحة ويقدّمان جميعاً على دين المَرَضِ؛ لأنه إذا كان ظاهراً معلوماً بسبب معلوم لم يحتمل الردّ، فيظهر وجوبه بإقراره وتعلقه بالتّركة من أول المرض، وكذا إذا كان ظاهراً معلوماً بسبب معلوم لا يتهم في إقراره، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكذلك إذا تزوج امرأة في مرضِهِ بألف درهم ومهر مثلها ألف درهم - جاز ذلك على غرماء الصِّحة والمرأة تحاصصَهم (٢) بمَهْرها؛ لأنه لما جاز النكاح ولا يجوز إلا بوجوب المهر، كان وجوبه ظاهراً معلوماً؛ لظهور سبب وجوبه وهو النكاح، فلم يكن وجُوبه محتملاً للرد فيتعلق بماله ضرورة. يحققه أن النّكاح إذا لم يجز بدون وُجُوب المَهْر، والنّكاح من الحوائج الأصلية للإنسان، فكذلك وجُوب المَهْر الذي هو من لوازمه شرعاً، والمريض غير محجُور عن صرف ماله إلى حوائجه الأصلية كثمن الأغذية والأدوية، وإن كان عليه دين الصّحة. (١) في ب: الأهل. (٢) تحاصصهم: تقاسمهم الحصص. ٢١٧ كتاب الإقرار وللصَّحيح أن يؤثر بعض الغُرَماء على بعض، حتى أنه لو قضى دين أحدهم لا يشاركه فيه البَاقُون؛ لما بينا أن الدين في حالة الصِّحَّةُ لم يتعلق بالمال بل هو في الذمة، فلا يكون في إيثار البَعْض إبطال حق الباقين، إلا أن يقر لرجلين بدين واحد، فما قبض أحدهما منه شيئاً كان لصاحبه أن يُشَاركه فيه؛ لأنه قضى ديناً مشتركاً، فكان المَقْبُوض على الشركة وليس للمَرِيض أن يؤثر بعض غُرَمَائه على بَعْض، سواء كانوا غرماء المرض أو غرماء الصِّحَّة، حتى أنه لو قضى دين أحدهم شاركه البَاقُون في المقبوض؛ لأن المرض أوْجَب تعلّق الحقّ بالتّركة وحقوقهم في التعلق على السواء؛ فكان في إيثار البعض إبطال حق الباقين، إلا أن يكون ذلك بدل قَرْض أو ثمن مبيع؛ بأن استقرض في مَرضه، أو اشترى شيئاً بمثل قيمته وكان ذلك ظاهراً معلوماً - فله أن يُقْضِي القَرْض وينقد الثمن، ولا يشاركه الغرماء في المَقْبُوض والمنقود؛ لأن الإيثار في هذه الصُورة ليس إبطالاً لحق الباقين؛ لأن حقوقهم متعلّقة بمعنى الشّركة لا بصورتها، والتركة قائمة من حيث المَعْنَى؛ لقيام بدلها؛ لأن بدل الشيء يقوم مقامه كأنه هو، فلم يكن ذلك إبطالاً معنى. ولو تزوج امرأة أو اسْتَأجر أجيراً فنقدهما المهر والأجرة - لا يسلم لهما المنقود، بل الغرماء يتبعونهما ويخاصِمُونهما بديونهم، وكانوا أسوة الغرماء؛ لأن التسليم - أعني جعل المنقود سالماً لهما - إبطال حق (١) الغُرَماء صورةً ومعنّى؛ لأن المهر بدل عن ملك النّكاح، وملك النجاح لا يحتمل تعلُّق حق الغُرَماء به، وكذلك الأجرة بدل عن المَنْفَعة المسْتَوفاة، وهي مما لا يحتمل تعلُّق الحق به، لذلك لزم الاستواء في القِسْمَة، والله تعالى أعلم. وعلى هذا الأصل يخرج تقديم الدين على الوَصِيّة والميراث، لأن الميراث حق وضع في المال الفارغ عن حاجة الميِّت، فإذا مات وعليه دين مسْتَغرق للتركة، والتركة مشغولة بحاجته، فلم يوجد شَرْط جريان الإرث فيه، قال الله تعالى عز من قائل: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وقد قدم الدَّين على الميراث، وسواء كان دين الصِّحة أو دين المرض؛ لأن الدليل لا يوجب الفصل بينهما، وهو ما بينا، وإذا اجتمعت الدُّيون فالغرماء يقسمون التركة على قدر دُيُونهم بالحصص؛ ولو ترى شيء من التركة قبل القِسْمة، اقتسموا الباقي بينهم بالحصص، ويجعل الناوي كأنه لم يكن أصلاً؛ لأن حق كل واحد منهم تعلّق بكل جزء من التركة، فكان الباقي بينهم على قَدْر ديونهم، والله تعالى أعلم. فصل في بيان محل تعلق بالحق وأما بيان محل تعلُّق الحق فمحل تعلق الحقّ هو المال؛ لأن الدين يقضى من المَالِ لا (١) في ب: لحق. ٢١٨ كتاب الإقرار من غيره، فيتعلق حق الغُرَمَاء بكل مَتْرُوك هو مال من العَيْن، والدين ودية المذْيُون وأرش الجنايات الواجبة له بالجناية عليه خطأ أو عمداً؛ لأن كلَّ ذلك مال، ولا يتعلَّق بالقصاص في النفس وما دونها حتى لا يصحّ عفوهم؛ لأنه ليس بمَالٍ. ولو عفا بعض الورثة عن القِصَاص حتَّى انْقَلب نصيب الباقين مالاً يتعلق حقّ الغُرَماء به ويقضي منه ديونهم؛ لأنه بدل نفس المقْتُول فكان حقّه، فيصرف إلى ديونه كَسَائر أمواله المتروكة، وكذلك المذيُون إذا كانت امْرَأة يتعلَّق حق الغرماء بمَهْرها ويقسم بينهم بالحصصِ؛ لأن المَهْر مال، والله أعلم. وما عرف من أحْكَام الأقارير وتَفَاصِيلها في الصِّحَّة والمَرَض في إقرار الحر - فهو الحكم في إقرار العَبْد المأُذُون؛ لأنه يملك الإقْرَار بالدَّين والعين؛ لكونه من ضَرُورات التّجارة على ما بيئًا في كتاب المأذُون، فكان هو في حُكْم الإقرار والحر سواء؛ ولو تصرّف المأُذُون في مرضه، جازت محاباته من جَمِيع المال، ومحاباة الحر المريض لا تَجُوز إلا من الثلث. ووجه الفَرْق: أن انحجار الحر عن المحاباة لتعلق حق الوَرَثة، والعبد لا وارث له، وحكم تصرفه يقع لمولاه، فأشبه الوَكِيل بالبيع إذا بَاعَ في مَرَض موته وحابى - أنه تجوز مُحَابَاته مِنْ جميع المال، كذا هذا. ولو كان على العَبْد دين وفي يده وفاء بالدَّين، أخذ الغرماء ديونهم وجَازَت المحاباة فيما بقي من المَالِ، وإن كان الدين محيطاً بما في يَدِه يقال للمشتري: إن شئت فأدّ جميع المحاباة وإلا فاردد المبيع، كالحر المريض إذا حابى وعليه دين. والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في إقرار المريض باستيفاء دين وجب له وأما إقرار المريض باستيفاء دَيْن وجب له على غيره، فلا يخلو من أحد وجهين: إما إن أقر باستيفاء دین وجب له علی وارث. وإما إن أقر باستيفاء دَيْن وجب له على أجنبي، فإن أقر باستيفاء دين وَجَب له على أجْنَبي، فإما إن أقر باستيفاء دَيْن وجب له في حالة الصِّحَّة، وإما إن أقر باستيفاء دين وَجَب له في حالة المرض، فإن أقر باستيفاء دَيْن وجب له في حالة الصُّحة يصحُّ ويصدق في إقراره بالاستيفاء، حتى يبرأ الغريم عن الدين، سواء كَانَ الدَّين الوَاجِب في حالة الصِّحة بدلاً عما ليس بمال؛ نحو أزش جناية أو بدل صُلْح عن عمد، أو كان بدلاً عما هو مال؛ نحو بدل قرض أو ثمن مبيع، وسواء لم يكن عليه دين الصِّحة أو كان عليه دين الصحة. أما إذا وجب بدلاً عما هو مَالٍ؛ فلأن المريض بهذا الإقرار لم يبطل حق الغرماء؛ لأن ٢١٩ كتاب الإقرار المديون استحق البراءة عن الدَّين بالإقرار باستيفاء الدَّين حالة الصحة، كما استحقَّها بإيفاء الدين بالتَّخلية بين المَالِ وبين صَاحِب الدين، والعارض هو المَرَضِ، وأثره في حجر المَرِيض عما كان له لا في حجره عما كان حقاً مستحقاً عليه؛ كالعبد المَأْذُون إذا أقر بعد الحجر باسْتِيفاء دَيْن ثبت له في حالة الإذْن - أنه يصح إقراره لما قلنا، كذا هذا بل أولى؛ لأن حجر العبد ((أقوى؛ لأنه يصير محجوراً عن البيع والشراء، والمريض لا يصير محجوراً عن البيع والشراء، ثم أثر الحجر هناك ظهر فيما له لا فيما عليه، فههنا أولى. وأما إذا وجب بدلاً عما ليس بمال؛ فلأن بالمَرَضِ لم يتعلّق حق للغرماء بالمبدل وهو النفس؛ لأنه ليس بمال فلا يتعلّق بالبدل، وإذا لم يتعلق حقهم به فلا يكون الإقرار باسْتِيفاء الدين إبطالاً لحق الغُرماء، فيصحُ ويبرأ الغريم. وكذلك إذا أقر المولى باستِيفَاء بدل الكِتَابة الوَاقِعة في حالة الصِّحة - يصدق ويبرأ المكاتب لما قلنا . هذا إذا أقرَّ باستيفاء دين وَجَب له في حالة الصِّحة، فأما إذا أقر باستيفاء دين وَجَبَ له في حالة المرض؛ فإن وجب بدلاً عما هو مال لم يصحَّ إقراره، ولا يصدق في حق غرماء الصحة، ويجعل ذلك منه إقراراً بالدين؛ لأنه لما مرض فقد تعلَّق حق الغرماء بالمبدل؛ لأنه مالٌ فكان البيع والقَرْض إبطالاً لحقهم عن المبدل، إلا أن يصل البدل إليهم فيكون بدلاً(١) معنى؛ لقيام البدل مقامه لما أقر بالاستيفاء؛ فلا وُصُول للبدل إليهم، فلم يصحّ إقراره بالاستيفاء في حقِّهم، فبقي إقراراً بالدين؛ لأن الإقرار بالاستيفاء إقرار بالدَّين؛ لأن كل من استرقى دينا من غيره يصير المسْتَوفى دينا في ذمة المستوفي ثم تقع المقاصة، فكان الإقرار بالاستيفاء إقراراً بالدَّين، وإقرار المَرِيض بالدين وعليه دَيْن الصِّحة لا يصحُّ في حقّ غُرَمَاءِ الصحة . وكذلك لو أتْلَف رجل على المَرِيض شيئاً في مرضه، فأقر المَرِيض بقبض القيمة منه - لم يصدق في ذلك إذا كان عليه دين الصِّحَّة؛ لأنَّ الحقَّ كان متعلّقاً بالمبدل حَالَة المَرَضِ فيتعلق بالبدل. ولو أتلف في حالة الصِّحة فأقر في حَالةِ المرض صحَّ؛ لأن الإقرار بقبض دين الصِّحة في حالة المرض صحيحٌ، وإن كان بدلاً عما هو بالمال لما بينا، وإن وجب بدلاً عما ليس بمال يصحُّ إقراره؛ لأنه بالمرض لم يتعلّق حق غُرَماء الصِّحة بالمبدل؛ لأنه لا يحتمل التعلُّق (١) في ب: إبطالاً . ٢٢٠ کتاب الإقرار لأنه ليس بمالٍ؛ فلا يتعلق بالبدل، فصَارَ الإقرار باسْتِيفائه والإقرار باستيفاء دين وَجَب له في حال الصحة - سواء، وذلك صحيح، كذا هذا. وكذلك لو أقرَّ رجل للمريض أنه قتل عبداً [له] (١) في مرضه خطأ، أو قطع يد العبد، أو قامت البيئَةُ على ذلك فلزمه نصف القِيمَة، فأقر المَرِيض بالاستيفاء - فهو مصدق؛ لأن الواجب بقتل العَبْد بدل النفس عندنا لا بدلَ المَالِ؛ بدليل أنه يجب مقدراً كأرشٍ الأحرار، حتى لو قطع يد عبد قِيمَتُه ثلاثون ألف درهم، فعليه عشرة آلاف درهم إلا أحد عشر درهماً عند أبي يوسف - رحمه الله -: فينقص عشرة عن عشرة آلاف لئلا يبلغ دية الحر، وينقص الدرهم الحادي عشر لئلا تبلغ بَدَل یده بَدَل نفسه. وعند محمد - رحمه الله - يجب بقطع يد هذا العبد خمسة آلاف إلا عشرة دراهم - دل أن أرش يد العَبْد وجب مقدراً، فكان بدلاً عما ليس بمال كأرش الحر، فلا يتعلق به حقّ الغرماء، فلا يكون الإقرار بالاستيفاء إبطالاً لحقُّهم، وكذلك لو كان الجَانِي قتل العبد متعمداً، فصالحه المريض على مالٍ ثم أقر أنه استوفى بدل الصُّلح جاز وكان مصدقاً؛ لأن بدل الصلح بدل عما ليس بمال، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. فصل فيما لو أقر باستيفاء دين وجب له وإن أقر باستيفاء دين وَجَبَ له على وَارثٍ لا يصحُّ، سواء وجب بدلاً عما هو مال أو بدلاً عما ليس بمال؛ لأنه إقرار بالدين؛ لما بينا أن استيفاء الدين بطريق المقاصة، وهو أن يصير المستوفى ديناً في ذمة المستوفي، فكان إقراره بالاستيفاء إقراراً بالدين، وإقرار المَرِيض لوارثه باطل، وعلى هذا إذا تزوج امرأةً فأقرَّت في مرض موتها أنها استوفت مَهْرها من زَوْجِها، ولا يعلم ذلك إلا بقولها وعليها دين الصِّحة، ثم ماتت قبل أن يطلقها زوجها. ولا مال لها غير المهر - لا يصحُّ إقرارها، ويؤمر الزَّوج برد المهر إلى الغرماء، فيكون بين الغُزماء بالحصص؛ لأن الزوج وارثها، وإقرار المريض بدين وَجَبَ له على وارثه - لا يصح وإن وجب بدلاً عما ليس بمال؛ لما بينا أن ذلك إقرار بالدين للوارث وأنه باطل. ولو أقرَّت في مرضها أنها استوفت المَهْر من زَوْجها، ثم طلقها الزوج قبل الدُّخول بها - يصح إقرارها؛ لأن الزوج بالطّلاق قبل الدخول خرج من أن يكون وارثاً لها، فلم يكن إقرارها باستيفاء المَهْر منه إقراراً بالدين للوارث فصحَّ، وليس للزَّوج أن يضارب الغُرَمَاء بنصف المَهْر فيقول: إنها أقرت باستيفاء جميع المهر مني، وهي لا تستحق بالطّلاق قبل الدُّخول إلا (١) سقط في ط.