Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ کتاب المأذون القتل الخطأ؛ لأن عمد الصَّبي خطأ، وانعدام تصور سبب وجوب الحدّ منه من الزِّنا وغيره، غير أنه إذا قامت البيئة عليه على السَّرقة قبلت على المال وضمنه القاضي؛ لأن الصَّبي المأذون من أهل القَضَاء عليه بالمال. ولو قَامَت البينة على إقراره بالقتل لم تقبل؛ لأن إقرار الصبي غير صحيح، فلا تقبل البينة عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. فصل في بيان محل التعلق وأما بيان محل التعلُّق فنقول وبالله التوفيق: لا خِلاَف في أن الدين يتعلق بكسب العبد؛ لأن المولى بالإذن بالتِّجارة عينه للاستيفاء أو تعين شرعاً نظراً للغرماء، سواء كان كَسْب التجارة أو غيره من الهِبَة والصَّدقة والوصية وغيرها، وهذا قول علمائنا الثلاثة - رضي الله عنهم - وقال زفر - رحمه الله -: لا يتعلق إلا بكسب التجارة، وتكون الهبة وغيرها للمولى. وجه/ قول زفر: أن التعلق حكم الإذن، والإذن بالتِّجارة لا لغيرها، وهذه ليست من ١٢٥٥/٣ كَسْب التِجارة، فلا يتعلق بها الدين. ولنا: أن شَرْط ثبوت الملك للمولى في كَسْب العبد، أي كسب كان فراغه عن حاجة العبد للفقه الذي ذَكَرْنًا من قبل، ولم يوجد الفَراغ فلا يَثْبُت الملك له، وسواء حَصَل الكسب بعد لُحوق الدين أو كان حاصلاً قبله، إلا الولد والأرش؛ فإن ما ولدت المأذونة من غَيْر مولاها بعد لحوق الدَّين يتعلَّق به، وما ولدته قبل ذلك لا يتعلَّق الدين به ويكون للمَوْلى، وكذلك الأرض بأن فقئت عينها فوجب الأرش على الفاقىء. ووجه الفرق: أن التعلق بالولد بحكم السَّراية من الأم إليه؛ لأن الوَلَد يحدث على وصف الأم، ومعنى السراية إنما يتحقَّق في الحادث بعد لحوق الدين لا قَبْله؛ لأنه كان ولا دَيْن على الأم، فلما (١) حدث حدث على ملك المولى، وكذلك الأرش في حكم الولد؛ لأن الولد جزء مَنْفَصَل من الأصل، والأرش بدل جزء منفصل من الأصل، وحكم البدل حكم الأصل. وأما تعلقه بغيرهما فليس بحكم السَّراية، بل الشّغل بحاجة العبد؛ فإذا لم ينزعه المولى من يَدِه حتى لحقه دين مُحِيط، فقد صار مشغولاً بحاجته، فلا يظهر ملك المولى فيه فهو الفرق، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) في أ: فكما. بدائع الصنائع ج ١٠ - م١١ ١٦٢ كتاب المأذون وههنا فرق آخر: وهو أن الولد المولود بعد لُحُوق الدين يَدْخُل في الدين، وولد الجناية لا يدخل في الجناية؛ لأن دخوله في الدين بحكم السَّراية؛ لأن الدَّينِ يتعلق برقبة الأم فسرى ذلك إلى الولد، فحدث على وصف الأم، والجناية لا تحتمل التعلَّق بالرَّقبة، فلا تحتمل السّراية فهو الفرق. ولو أذن له المولى دفع إليه مالاً ليعمل به، فباع واشترى ولحقه دين - لا يتعلَّق الدين بالمال المدفوع إليه، لأن الدين يتعلق بكسب العبد، وذا ليس كسبه أصلاً فلا يتعلق به. وأما رقبة العَبْد فهل يتعلَّق الدين بها؟ اختلف فيه: قال علماؤنا الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم -: يتعلق. وقال زفر والشافعي - رحمهما الله تعالى -: لا يتعلق. وجه قولهما: أن هذا إن كان دين العبد، فالرقبة ملك المولى، ودين الإنسان لا يقضي من مال مملوك لغيره إلا بإذنه ولم يوجد، وإن كان دين المولى فلا يتعيَّن له مال دون مالٍ كسائر ديون المولى، وإنما يقضي من الكَسْب لوجود التعيين، فالإذْن من المولى دلالة الإذن بالتجارة؛ لأنه قضاء دين التجارة من كَسْب التجارة، فكان مأذوناً فيه دلالة، ومثل هذه الدلالة لم يوجد في الرَّقبة؛ لأن رقبة العبد لَيْست من كسب التجارة . ولنا: أن نقول: هذا دين العبد لكن ظهر وجوبه عند المَوْلى، ودين العبد إذا ظهر وجوبه عند المولى يقضي من رقبته التي هي مال المولى كدين الاسْتِهْلاَك. أو نقول: هذا دين المولى، فيقضي من المال الذي عينه المولى للقَضَاء منه كالرهن، والمولى بالإدّن عين الرّقبة لقضاء الدَّين منها، فيتعين بتعيين المولى، والله سبحانه وتعالى أعلم. وإذا كان الرَّقبة والكَسْب كل واحدٍ منهما محلاًّ لتعلق الدين به فإذا اجْتَمَع الكَسْب والرَّقبة يبدأ بالاسْتِيفاء من الكَسْب؛ لأن الكَسْب محلّ للتعلق قطعاً ومحلية الرَّقبة لتعلق محل الاجتهاد، فكانت البدلية (١) بالكَسْب أولى، فإذا قضى الدَّين منه فإن فضل من الكَسْب شيء فهو للمولى؛ لأنه كسب فارغ عن حاجة العبد، وإن فضل الدّين يستوفي من الرقبة عندنا؛ فإن فضل على الثمن يتبع العَبْد به بعد العِتَاق على ما نذكره. فصل في بيان حكم التعلق وأما بيان حكم التعلُّق فنقول وبالله التوفيق: (١) في أ: البداية. ١٦٣ كتاب المأذون إن لتعلق الدين أحكاماً: منها ولاية طلب البَيْع للغرماء من القَاضِي؛ لأن معنى تعلّق الدين منه ليس إلا تعينه لاستيفاء الدّين منه، وهو في الحقيقة تعيّن ماليته للاستيفاء؛ لأن استيفاء الدين مِنْ جنسه يكون وذلك ماليته لا عينه، وذلك بيعه وأخذ ثمنه، إلا أن يقضي المولى ديونهم فتخلص له الرقبة؛ لأن حقهم في المالية دون العَيْن، وقد قضى حقهم فبطل التعلق. ومنها أنه إذا بيع العبد كان ثمنه بين الغُزْمَاء بالحصص؛ لأن الثمن بدل الرَّقبة، فيكون لهم على قدر تعلّق حقهم بالمبدل وهو الرقبة، وكان ذلك بالحصص فكذا الثمن؛ كثمن التركة إذا بيعت . ثم إذا بيع العبد [كان ثمنه بين الغرماء بالحصص] (١) فإن فضل شيء من ثمنه فهو للمولى، وإن فضل الدّين لا يطالب المولى به؛ لأنه لا دَيْن على المولى ويتبع العَبْد/ به بعد ٥٢٥٥/٣ العتاق؛ لأن الدّين كان عليه، إلا أن القدر الذي تعلَّق برقبته صار مقضياً فبقي الفَاضِل عليه، وإنما يباع العَبْد في الدَّين إذا كان حالاً فإن كان مؤجَّلاً لا يُبَاع إلى حل الأجل؛ لأن البيع يتبع التعلّق، والتعلُّق يتبع الوُجُوب، والوجوب على التضييق لا يثْبُت إلا بعد حل الأجل فكذا التعلّق . ولو كان بعضه حالاً وبعضه مؤجّلاً، فطلب أصحاب الحال البيع - باعه القاضي وأعطى أصحاب الحال قدر حِصَّتهم، وأمسك حصة أضْحَاب الأجل؛ لأن التعليق على التَّضييق ثبت في حق أصْحَاب الحال لا في حَقِّ أصحاب الأجل؛ وكذلك لو كان الغُرَماء بعضهم حضوراً وبعضهم غيباً، فطلب الحضور البَيْع من القاضي - باعه القَاضِي وأعطى الحضور حصتهم ووقف حصة الغيب، لأن لكل واحدٍ منهم على الانفراد ديناً متعلقاً بالرقبة، وذا يوجب التَّخريج إلى البيع، فغيبة البعض لا تكون مانعة. وكذلك إذا كان بعض الدُّيون ظاهراً والبعض لا يظهر، لكن ظهر سبب وجوبه؛ بأن كان عليه دَيْن فحفر بئراً على طريق المسلمين، فطلب الغريم البيع باعه القاضي في دينه وأعطاه دينه، وإن كان لا يفضل الثمن عن دينه شيئاً؛ لأن ظهور دينه أوجب التعلّق برقبته، فلا يجوز ترك العمل بالظاهر بما لم يظهر، ثم إذا وقعت فيها بهيمة فعطبت، رجع صاحب البهيمة على الغريم، فيتضاربان فيضرب صَاحِب البهيمة بقيمتها، ويضْرِب الغريم بدينه، فيكون الثمن بينهما بالحصص؛ لأن الحكم مستند إلى وقت وجود سببه، فيتبين أنه كان شريكه في الرقبة في تعلق الدين، فيتَشَاركان في بدلها بالحِصص. (١) سقط في ط. ١٦٤ كتاب المأذون ولو كان عليه دَيْن فأقر قبل أن يباع لغائب يصدق في ذلك، صدَّقه المولى والغرماء أو كذبوه؛ لأن إقرار المأذون بالدين صحيحٌ من غير تصديق المولى لما بينا، وإذا بِيعَ وقف القاضي من ثمنه حصة الغائب. ولو أقر بدين لغائب بعد ما بيع في الدين، لم يجز إقراره وإن صدقه المولى؛ لأنه إذا بِيعَ فقد صار محجوراً عليه، وإقرار المحجور بالدين لا يصحُّ وإن صدقه المولى؛ فإن قدم الغائب وإقام بينة على الدين، اتبع الغرماء بحصته من الثمن؛ لأنه بإقامة البينة ظهر أن كان شريكهم في الرقبة في تعلق الدين، فشاركهم في بدلها، ولا سبيل له على العبد [ولا على المولى] (١) ولا على المشتري؛ لأن حقه في الدين ومحل تعلقه الرقبة لا غير، فلا سبيل له على غَيْرها، والله أعلم. ومنها أنه لا يجوز للمولى بيع العَبْد الذي عليه دين إلا بإذن الغرماء، أو بقضاء الدين، أو بإذن القاضي بالبيع للغُرماء، ولو باع لا ينفذ إلا إذا وصل اليهم الثمن وفيه وفاء بدُيُونهم؛ لأن حق الغرماء متعلّق برقبته، وفي البيع إبطال هذا الحق عليهم، فلا ينفذ من غير رِضَاهم كبيع المرهون، إلا أن يصِل ثمنه إليهم، وفيه وفاء بدُيُونهم، فينفذ لما بيَّنا أن حقهم في معنى الرَّقبة لا في صُورَتها، فصار كما لو قضى المولى الدّين من خالص ماله. ودلَّ إطلاق هذه الرواية على أن الدَّين حال قيام الكسَب يتعلق بالكَسْب والرقبة جميعاً؛ لأنه بقي جواز بيع المولى مطلقاً عن شرط عَدَم الكَسْب، ولو كان قيام الكَسْب مانعاً من التعلق بالرقبة لجاز؛ لأن الرقبة إذ ذاك تكون خالص مِلْك المولى، وتصرُّف الإنسان في خالص ملكه نافذ، إلا أن يحمل على حال عدم الكَسْبِ، حملاً للمطلق على المقيد والله أعلم. ولو أذن له بعض الغُرُماء بالبيع، لم يجز إلا أن يجيزه البَاقُون، لتعلق حق كل واحدٍ بالرقبة، فكان البيع تصرُّفاً في حق الكلِّ، فلا ينفذ من غير إجازتهم، ثم فرق بين بيع المولى وبين بَيْع الوصي التّركة في الدين من غير إذن الغرماء - أنه ينفذ هناك، وهنا لا ينفذ. ووجه الفَرْق: أن للغرماء حق استِسْعَاء المأذون، وهذا الحق يبطل بالبيع، فكان امتناع النفاذ مفيداً، وليس للغرماء ولاية استِسْعَاء الشّركة؛ لما فيه من تأخير قضاء دين الميت، فكان عَدَم النّفاذ للوُصُول إلى الثمن خاصة، وأنه يحصل ببيع الوَصِيّ، فلم يكن التوقُّف مفيداً فلا يتوقف . هذا إذا كان الدَّين حالاً؛ فإن كان موجَّلاً، نفذ البيع في ظاهر الرّواية؛ لأن المانع من (١) سقط في ط. ١٦٥ كتاب المأذون ١ ١٢٥٦/٣ النَّفاذ هو التعلُّق عن التَّضْيِيق ولم يوجد، ثم إذا حل الأجل فإن كانت ديونهم مثل الثّمن أو أقل - أخذوا منه، وإن/ كانت ديونهم أكثر من الثمن ضمنوا المولى إلى تَمام قيمة العَبْد. وروي عن محمد - رحمه الله - في النوادر: أنه لا ينفذ بيع المولى؛ لوجود أصل التَّعليق. هذا إذا كان العبد قائماً في يد المشْتَري، فإن كان هالكاً، فالغرماء بالخيار إن شاؤوا ضمنوا المولى، وإن شاؤوا ضمنوا المُشْتَري قيمة العَبْدِ، لأن كلَّ واحدٍ منهما غاصب لحقهم، فكان لهم تضمين أيهما شاؤوا، فإن اختاروا تَضْمين المولى نفذ بيعه؛ لأنه خلص(١) ملكه فيه عِنْد البيع باختيار الضَّمان، فكأنهم باعوه منه بثمن هو قَدْر قيمته واشتراه منهم به، حتى لو وجد المشتري به عيباً بعد هلاكه - له أن يرجع بالنُّقصان على المولى، وللمولى أن يرجع به على الغُرماء، وإن اختاروا تضمين المُشْتَري بطل البيع؛ لأنه [لا] (٢) يمكن تمليكه منه بالضَّمان، فبطل واسترد الثمن. ولو لم يهلك العَبْد في يد المشْتَري ولكن غاب المولى، فإن وجدوه ضمنوه القيمة، وإن لم يجدوه فلا خصومة بينهم وبين المشتري عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وعند أبي يُوسف - رحمه الله -: هذا وما إذا كان المولى حاضراً سواء، والله أعلم بالصَّواب. هذا الذي ذكَرْنا حكم تعلُّق الدين بالرقبة عند الانْفِراد، فأما حكم تعلقه عند الاجتماع؛ بأن اجتمع الدّين والجناية فنقول وبالله التوفيق. إذا اجتمع الدين والجِنَاية؛ بأن قتل العبد المأذون رجلاً خطاً وعليه دين - لا يبطل الدَّين بالجناية؛ لأن حكم الجِنَاية في الأصل وجُوب الدَّفْع، وله سبيل الخروج عنه بالفداء، أو التَّخيير بين الدفع والفداء، وهذا لا ينافي الدَّين؛ لأنه يمكنه دفعه متعلقاً رقبته بالدين، وكذا لا ينافيه الفِدَاء لا شك فيه، فإن اختار الدَّفع فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما إن حضر أصحاب الدَّين والجناية معاً، وإما إن حضر أصحاب الجِنَاية(٣)، وإما إن حضر أصْحَاب الدين؛ فإن حضر أصحاب الدَّين والجناية جميعاً؛ يدفع العبد إلى أولياء الجناية؛ ثم يبيعه القاضي للغرماء في دينهم؛ فإنا إذا دفعناه بالجناية فقد راعينا حقّ أصحاب الجِنَاية بالدفع إليهم، وراعينا حق الغرماء بالبَيْع بدينهم؛ وإذا دفعناه إلى أصحاب الدين أبطلنا حق أضْحَاب الجناية؛ لتعذر الدفع بعد البيع؛ إذ الثابت المشْتَري ملك جديد خال عن الجِنَاية، فكانت البداية بالجناية مراعاة (١) في أ: حصل. (٢) سقط في ط. (٣) زيادة في أ: أو. لا. ١٦٦ کتاب المأذون الحقّين من الجانبين، فكان أولى ثم في الدّفع إلى أضْحَاب الجناية ثم البيع بالدين - فائدة وهي الاستخلاص بالفداء؛ لأن النَّاس في أعْيَان الأشياء رغائب ما ليس في أبدالها . وإذا دفعه المولى إلى أصحاب الجِنَاية، فالقياس أن يضْمَن قيمته للغرماء؛ لأنه يصير ملكاً لهم بالدَّفع، فكان الدّفع منه تمليكاً منهم بمنزلة البيع، وفي الاستحسان لا يضْمَن؛ لأن الدفع واجب عليه، ومَنْ أتَى بفعل واجبٍ عليه لا يضمن؛ لأن الضمان يمنعه عن إقامة الواجب فيتناقض. ثم إذا دفعه إليهم فبيع للغرماء؛ فإن فضل عن دينهم شيء من الثَّمن صرف إلى أصحاب الجناية؛ لأن العبد صار ملكاً لهم بالدفع إليهم، وإنا بيع على ملكهم إلا أن أضْحَاب الدين أولى بثمنه بقدر دينهم، فبقي الفَاضل من دينهم على ملك أضْحَاب الجناية؛ كما إذا لم يكن هناك جناية فباعه القاضي للغرماء وفضل من ثمنه شيء - أن الفَاضِل يكون للمولى كذا هذا. ولو دفعه المولى إلى أصحاب الدين بدينهم، إن كان عالماً بالجناية لزمه الأرش؛ لأنه صار مختاراً للفداء، وإن لم يكن عالماً بها يلزمه قيمة العبد؛ لأن الوَاجِبَ الأصْلي دفع عين العبد، وإنما الفداء للخُرُوج عنه بطريق الرُّخصة على ما بينا، والدفع من غير علم لا يصلُح دليل اختيار الفِدَاء، فبقي دفع العَيْن واجباً وقد تعدد(١) دفع عينه بالدفع إلى أصحاب الدّين، فيجب دفع قيمته، إذ هو دفع العَيْن معنى، وإن حضر أصحاب الجناية أولاً فكذلك يدفع العبد إليهم ولا ينتظر حضور الغرماء؛ لأنهم لو كانوا حضوراً لكان الحكم هكذا، فلا معنى للانتظار . وإن حَضَر أصْحَاب الدين أولاً؛ فإن كان القَاضِي عالماً بالجناية لا يبيعه في ديونهم؛ لأن في البَيْع إبطال حق أصحاب الجناية؛ وإن لم يكن عالماً بها فباعه، بطل حق أضْحَاب الجناية، حتى لو حضروا بعد ذلك لا ضَمَان على القَاضِي ولا على المولى. أما القاصي فلأنه لا عُهْدَة تلزم القَاضِي فيما يفعله لكونه أميناً، وأما المولى فلأنه باعه ٢٥٦/٣ ب بأمر / القَاضِي، فكان مضافاً إلى القاضي. ولو كان باعه بغير إذن القاضي؛ فإن باعه مع علمه بالجناية، يلزمه الأرش؛ لأنه صار مختاراً للفداء، وإن لم يكن عالماً بالجناية يلزمه الأقل من قِيمَة العَبْد ومن الأرش لما بينا، والله تعالى أعلم. (١) في أ: تعذر. ١٦٧ كتاب المأذون فصل في بيان ما يبطل به الإذن وأما بيان ما يَبْطل به الإذن بعد وجوده، فنقول: إن الاذن بالتجارة يبطل بضده وهو الحجر، فيحتاج إلى بَيّانِ ما يصير العَبْد به محجوراً، وذلك أنواع، بعضها يرجع إلى المولى وبعضها إلى العبد، أما الذي يرجع إلى المولى فثلاثة أنواع: صَرِيح ودلالة وضرورة، والصريح نَوْعَان: خاص وعام؛ أما العام: فهو الحجر باللسان على سبيل الإشهار والإشاعة، بأن يحجره في أهل سُوقه بالنداء بالحجر، وهذا النوع من الحجر يَبْطُل به الإذن الخاصّ والعام جميعاً؛ لأنَّ الإذن بالتِّجارة غير لازم، فكان محتملاً للبطلان، والشيء يبطل بمثله وبما هو فوقه. وأما الخاص فهو أنْ يكون بين العَبْد وبين المولى، ولا يكون على سبيل الاستفاضة والاشتهار، وهذا النوع لا يَبْطُل به الإذن العام؛ لأن الشيء لا يبطل بما هو دُونه، ولأن الحَجْر إذا لم يشتهر فالنَّاس يعاملونه بناء على الإذن العام، ثم يظهر الحجر فيلحقهم ضَرَر الغرور وهو إتلاف ديونهم في ذِمَّة المفلس، ومعنى التعزير لا يتحقَّق في الإذن العام؛ لأن الناس يمْتَنعون عن معاملته، فلا يلحقهم ضرر الغُرُور ويبطل به الإذن الخاصّ؛ لأن الحَجْر صحيح في حقهما حسب صحة الإذن، فجاز أن يَبْطل به؛ لأن الشيء يحتمل البُطْلان بمثله، ومن شرط صحَّة هذين النوعين علم العبد بهما؛ فإن لم يعلم لا يصير محجوراً؛ لأن الحجر منع من تصرّف شرعي، وحكم المنع في الشّرائع لا يلزم المَمْنُوع إلا بعد العلم كما في سائر الأحكام الشرعيَّة . ولو أخبره بالحجر رجُلان أو رجل وامرأتان، عدلاً كان أو غير عدل صار محجوراً بالإجماع. وكذلك إذا أخبره واحد عدل رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً، أو أخبر واحد غير عَذْل وصدقه، لأن خبر الوَاحِد في المعاملات مقبول من غير شَرْط العَدَد والعدالة والذكورة والحرية إذا صدقه فيه، وأما إذا كذبه فلا يصير محجوراً عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإن ظهر [له](١) صدق المخبر، وعندهما: يصير محجوراً صدقه [المولى](٢) أو كذبه إذا ظهر صدق المخبر، ولو كان المخبر رسولاً يصير محجوراً بالإجماع صدقه أو كذبه. ولو اشترى المَأْذُون عبداً فأذن له بالتجارة، فحجر المولى على أحدهما، فإن حجر على الأسفل لم يصح، سواء كان على الأعلى دين أو لم يكن؛ لأنه مأذون من جهة الأعلى لا من جهة المولى، وإن حجر على الأعلى ينظر إن لم يكن عَلَيْه دين لا يصير الأسفل محجوراً (١) سقط في ط. (٢) سقط في ط. ١٦٨ كتاب المأذون عليه؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فهما عَبْدان مملوكان للمَوْلى، فيصير كأنه أذن لهما ثم حَجَر على أحدهما، ولو كان كذلك ينحجر أحدهما بحجر الآخر، كذا هذا. وإن كان على الأعلى دين يصير محجوراً عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يصير محجوراً؛ بناء على أن المَوْلى لا يملك كَسْب عبده المأذون المديُون عنده، وعندهما: يملك. ووجه البناء: أنه لما لم يملك عبده وقد استفاد الإذْن من جهة الأعلى لا من جهة المولى - صار حَجْر الأعلى كموته، ولو مات لصار الثاني محجوراً كذا هذا، ولما ملك عندهما صار الجَرَاب في هذا وفي الأول سواء، والله أعلم بالصواب. وأما الدّلالة فأنواع: منها البيع؛ وهو أن يبيعه المولى ولا دَيْن عليه؛ لأنه زال ملكه بالبَيْع، وحدث للمشتري فيه ملك جديد، فيزول إذن البَائِع لزوال ملكه، ولم يوجد الإذن من المشْتَري فيصير محجوراً. ومنها الاستيلاد؛ بأن كان المأذون جارية فاسْتَولدها المولى [استحساناً، والقياس](١) ألاَّ يبطل به الإذن؛ لأنها قادرة على التصرُّف بعد الاستيلاد. وجه الاستحسان: أن التّجارة لا بدَّ لها من الخُرُوج إلى الأسواق، وأمهات الأولاد مَمْنُوعات عن الخُرُوج في العَادات، فكان الاستيلاد حجراً دلالة. وأما التدبير فلا يكون حَجْراً؛ لأنه لا ينفي الإذن؛ الإذن إطلاق والتدبير لا ينافيه، ومنها لحوقه بدار الحرب مرتداً؛ لأن الردة مع اللحوق توجب زَوَال الملك، وذا يمنع بقاء الإذن فكان حجراً دلالة، فإن لم يلحق بدار الحرب فعلى قياس قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: ينبغي أن يقف تصرُّف ٢٥٧/٣أ المأذون بعد/ الردة، وعلى قياس قولهما: ينفذ، والله أعلم بالصواب. وأما الضرورة فأنواع أيضاً: منها موته لأن الموت مبطل للملك، وبطلان الملك يوجب بُطْلاَن الإذن على ما بينًا، ومنها جنونه جنوناً مطبقاً؛ لأن أهلية الإذن شَرْط بقاء الإذن؛ لأن الإذن بالتجارة غير لازم، فكان لبقائه حكم الابتداء، ثم ابتداء الإذن لا يصحُّ من غير الأهل فلا يبقى أيضاً، والجنون المطبق مبطل للأهلية فصار محجوراً، فإن أفاق يعود مأذوناً؛ لأن بطلان الإذن لبطلان الأهلية مع احتمال العود، فإذا أفاق عادت الأهلية فعاد مأذوناً، وصار كالموكل إذا أفاق بعد جُنُونه أنه تعود الوكالة، كذا هذا. وأما الإغماء فلا يوجب الحجر؛ لأنه لا يبطل الأهلية لكونه على شَرَف الزوال ساعة فساعة عادة، ولهذا لا يمنع وُجُوب سائر العِبَادات، وأما الذي يرجع إلى العبد فأنواع أيضاً: (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: بطل الإذن استحساناً في القياس. ١٦٩ کتاب المأذون منها إباقه لأنه بالإباق تنقطع مَنَافع تصرفه عن المولى، فلا يرضى به المولى، وهذا ينافي الإذن؛ لأن تصرُّف المأذون برضا المولى. ومنها: جنونه جنوناً مطبقاً؛ لأنه مبطل أهلية التجارة على وَجْه لا يحتمل العود إلا على سبيل النُّدرة؛ لزوال ما هو مبنيٍّ عليه وهو العقل، فلم يكن في بقاء الإذن فائدة فيبطل، ولو أفاق بعد ذلك لا يعُودُ مأذوناً بخلاف الموكل، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الجُنُون الذي هو غير مطبق فلا يوجب الحَجْر؛ لأن غير المطبق منه ليس بمبطل للأهلية، لكونه على شَرَف الزَّوال فكان في حكم الإغماء، ومنها ردته عند أبي حنيفة، وعندهما: لا توجب الحجر بناءً على وقوف تصرُّفاته عنده ونفوذها عندهما. ومنها لحوقه بدار الحزب مرتداً؛ لأن اللحوق بدار الحرب مرتداً بمنزلة الموت، فكان مبطلاً للأهلية فيصير محجوراً، لكن عند أبي حنيفة - رحمه الله - من وقت الردّة، وعندهما: من وقت اللحوق، والله تعالى أعلم. فصل في حكم الحجر وأما حكم الحَجْر فهو انحجار العبد في حق المولى عن كل تصرُّف كان يملكه بسبب الإذن، فلا يملك الإقرار بالدين إذا لم يكن في يده مال؛ لأن صحة إقرار المأذون بالدين؛ لكونه من ضَرُورات التِّجارة على ما بينا، ولا يملك التجارة فلا يَمْلك الإقرار بما هو من ضَرْوراتها في حقِّ المولى، لكن يتبع به بعد العتاق؛ لأن إقراره صحيح في [حق](١) نفسه لصُدُوره من الأهل، لكن لم يظهر للحال لحق المولى، فإذا عتق فقد زَال المانع فيظهر. وإن كان في يده مال ينفذ إقراره فيما في يده عند أبي حنيفة، وعندهما: لا ينفذ؛ لأنه إقرار المخجُور فكيف ينفذ؟ . ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه غير محجور فيما في يده، ولم يصحَّ الحجر في حق ما في يده؛ لأنه لو صحَّ لتبادر الموالي إلى حجر عبيدهم المأذونين في التجارة إذا عَلِمُوا أن عليهم ديناً لتسلم لهم أكسابهم التي في أيديهم، وقد لا يكون للغُرَماء بينة على ذلك، فيتضرر به الغرماء لتعلق ديُونهم بذمَّة العبد المفلس، فكان إقراره فيما في يَدِه من المَالِ من ضَرُورات التجارة، فأشبه إقرار المأذون، بخلاف ما إذا لم يكن في يده مال؛ لأن الحجر من المولى للوصول إلى الكَثْب، فإذا لم يكن في يده كَسْب فلا يحجر، فهو الفرق بين الفَصْلين. (١) سقط في ط. ١٧٠ كتاب المأذون ولو ظهر عليه الدَّين بالبينة أو المعاينة وفي يده كسب، فحجره المولى - لا سبيل للمولى على الكسب؛ لأن حق الغُرماء متعلق به، ويملك الإقرار على نفسه بالحدود والقِصَاص، صدقه المولى أو كذبه؛ لأنه لا ملك للمولى في نفسه في حق الحدود والقِصَاص، فاستوى فيه تَصْديقه وتكذيبه، ولا يحتاج في إقامتها إلى حضور المولى بالإجماع، وفيما إذا ثَبَت ذلك ببينة قامت عليه اختلاف ذكرناه فيما قبل، والمحجور في الجناية عمداً أو خطأ والمأذون سواء، وموضع معرفة حكم جِنَايتهما كتاب الدِّيات، [وسنذكره فيه إن شاء الله تعالى](١). (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: وقد ذكرناه فيه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وبتمامه تم الجزء الثالث من البدائع في الفقه يتلوه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى كتاب الأقرار، وكان الفراغ منه في اليوم المبارك العاشر من شهر جمادى الآخر من شهور سنة خمسمائة، على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى رضا مولاه إسماعيل بن محمد بن أبي الفتح الدنوشري الشافعي الرافعي غفر الله له ولوالديه والمسلمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. كتاب الإقْرَار (١) الكلام في هذا الكتاب يَقَع في مواضع. في بيان ركن الإقرار. وفي بيان الشَّرائط التي يَصِير الرُّكن بها إقراراً شرعاً. (١) الإقرار لُغَةً: إفعال، من قرَّ الشيءَ: إذا ثبت يقر، من باب ضرب وعلم وثبت وسكن، وأقره في مكانه: أثبته بعد أن كان مُزَلْزَلاَ، وأقرَّ له بحقُه: أذْعَنَ واعترف، إذاً فالإقرار إثبات لما كان متزلزلاً بين الإقرار والجحود. ينظر الصحاح ٧٨٨/٢، لسان العرب ٣٥٨٢/٥، أنيس الفقهاء ص (٢٤٣). واصطلاحاً: عرفه الشَّافعية بأنه: إخبار بحقِّ على المقر. عرفه المالكية بأنه: خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه، أو لفظ نائبه. عرفه الحنفية بأنه: إخْبَارٌ بحق لآخر، لا إثبات له عليه. عرفه الحنابلة بأنه: إظهار مكلّف مختار ما عليه بلفظ أو كتابة، أو إشارة أخرس، أو على موكل، أو مولیه، أو مورثه بما يمكن صدقه. حاشية الباجوري ٢/٢، الخرشي ٨٦/٦ - ٨٧، الدرر ٣٥٧/٢، منتهى الإيرادات ٦٨٤/٢. سبب الإقرار: إرادة إسقاط الواجب عن ذمته بإخباره وإعلامه؛ لئلا يبقى في تبعة الواجب. فإذا قال محمد لخالد لك علي ألف جنيه مثلاً فقد أفرغ ذمَّته مما عليه وصار خالصاً من عهدة الواجب. ومحاسن الإقرار كثيرة: منها ما يأتي: (١) إسقاط واجب النّاس عن ذمَّته وقطع ألسنتهم عن مَذَمَّتِهِ. (ب) إيصال الحق إلى صاحبه وتبليغ المكسوب إلى كاسبه، فكان فيه إنفاع صاحب الحق وإرضاء خالق الخلق . (جـ) إحماد الناس المُقِرَّ بصدق القول، ووصفهم إيَّاهُ بوفاء العهد وإنالة النول. (د) حسن المُعَاملة بينه وبين غيره. أما أطراف الإقرار فهي الأمور التي يستلزمها الإقرار بحيث لا يتصور إقرار بدونها وهي أربعة: مقر، ومقر له، ومقر به، وإقرار؛ فإذا قال سعيد لمحمد لك علي ألف درهم مثلاً؛ فهنا يقال لسعيد: مقر، ولمحمد: مقر له، وللألف درهم: مقر به، وللصيغة التي صدرت من المقر: إقرار ينظر: الإقرار لشيخنا عبد الحميد حسن طائل. ١٧١ ١٧٢ کتاب الإقرار وفي بيان ما يصدق المقر فيما ألحق بإقراره من القرائن مما لا يكون(١) رجوعاً حقيقة، وما لا يصدق فيه مما یکون رجوعاً عنه. وفي بيان ما يبطل به الإقرار بعد وجوده. أما ركن(٢) الإقرار فنوعان: صريح ودلالة؛ فالصريح نحو أن يقول: لفلان علي ألف درهم؛ لأن كلمة ((عليّ)) كلمة إيجاب لغةً وشرعاً؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] وكذا إذا قال الرجل: لي عليك ألف درهم، فقال الرجل: نعم؛ لأن كلمة ((نعم)) خرجت جواباً لكلامه. وجواب الكَلام إعادة له لغة، كأنه قال: لك علي ألف درهم، وكذلك إذا قال: لفلان في ذمتي ألف درهم؛ لأن ما في الذَّمة هو الدین، فيكون إقراراً بالدين. ولو قال لفلان: قِبلي ألف درهم ذكر القدوري - رحمه الله - أنه إقرار بأمانة في يده، وذكر الكرخي - رحمه الله - أنه یکون إقراراً بالدين. وجْهُ ما ذكره الكرخي: أن القبالة هي الكَفَالة، قال الله سبحانه وتعالى عز من قائل: ﴿وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] أي كفيلاً، والكَفَالة هي الضَّمان؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٧] على قراءة التخفيف(٣) أي ضمن القِيَام بأمرها. وجه ما ذكره (١) في ط: ما لا يكون. (٢) ركن الإقرار هو اللفظ أو ما في حكمه ((من كتابة أو إشارة أو سكوت حسب التفصيل في ذلك)) الدال على الأخبار بثبوت حق للغير على النفس نحو أن يقول لفلان علي ألف جنيه أو مائة درهم أو هذه الدار ملك زيد أو هذه الفرس لسعد بن علي أو ما أشبه ذلك. وذلك لأنه بهذا القول يتحقق ظهور الحق وانكشافه وهذا شأن ركن الماهية. (٣) قرأ مجاهد: ((فتقبَّلْها» بسكوت اللام، ((ربِّها)) منصوباً، و((أنبتها)) بكسر الباء وسكون التاء، و((كَفِّلْها)) بكسر الفاء وسكون اللام، وقرأ أُبَيٍّ: ((وأَكْفَلَها كـ ((أَكْرَمَها)» فعلاً ماضياً. وقرأ عبد الله المزني ((وكَفِلَها)) بكسر الفاء والتخفيف. فأما قراءةُ الكوفيين فإنهم عَدَّوا الفعلَ بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما ((زكريا)) فَمَنْ قَصَره كالأخوين وحفص كان عنده مقدَّر النصبِ، ومن مدَّه كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة، وهكذا قَرَأْتُه. وأمَّا قراءة بقية السبعةِ فَكَفَلَّ مخففٌ عندهم متعدٍّ لواحد وهو ضمير مريم، وفاعله ((زكريا))، ولا مخالفةً بين القراءتين؛ لأنَّ الله لَمَّا كَفَّلها إياه كَفَلَها، وهي في قراءتهم ممدودٌ مرفوعٌ بالفاعلية. وأَمَّا قراءةُ ((أَكْفَلَها)) فإنه عَدَّاه بالهمزة كما عَدَّاه غيرهُ بالتضعيف نحو: خَرَّجْته وأَخْرجته، وكَرَّمته وأَكْرمته، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى والإعراب، فإنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمفعول الأول هو ضمير مريم والثاني هو ((زكريا)). وأَمّا قراءة: ((وكَفِلها)) بكسر الفاء فإنها لغةً في كَفَل، يقال: كَفَلَ يَكْفُل، كَقَتل يقتُل، وهي الفاشية، وكَفِلَ = ١٧٣ كتاب الإقرار القدوري - رحمه الله -: أن القبالة تستعمل بمعنى الضَّمان وتستعمل بمَعْنى الأمانة، فإن محمداً - رحمه الله - ذكر في الأصل أن من قال: لا حق لي على فلان يبرأ عن الدَّين، ومن قَالَ: لا حق لي عند فُلان أو معه يبرأ عن الأمانة. ولو قال: لا حق لي قبله يبرأ عن الدَّين والأمانة جميعاً، فكانت القبالة محتملة للضمان والأمانة، والضمان لم يعرف وجُوبه فلا يَجِب بالاختِمَال . ولو قال: له في دراهمي هذه ألف درهم، يكون إقراراً بالشّركة، ولو قال: له في مالي ألف درهم - ذكر في الأصل أن هذا إقرار له، ولم يذكر أنه مضمون أو أمانة، واختلف المشايخ فیه . قال الجصاص - رحمه الله - إنه يكون إقراراً بالشركة له كما في الفَصْل الأول؛ لأنه جعل ماله ظرفا للمقرّ به وهو الألف، فيقتضي الخَلْط وهو معنى الشّركة. وقال بعضهم: إن كان ماله محصوراً يكون إقراراً بالشّركة، وإن لم يكن محصوراً يكون إقراراً بالدين، فظاهر إطلاق الكتاب يدل على الإقرار بالدين كيفما كان؛ لأن كلمة الظرف في مثل هذا تُسْتعمل في الوُجُوب؛ قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: في الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ، وَفي خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ السَّائِمةِ شَاةٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمسُ(١). يَكْفَلُ كَعَلِمَ يَعْلَم، وعليها هذه القراءة، وإعرابُها کإعرابِ قراءةِ الجماعة في کون «زکریا» فاعلاً. = وأَمَّا قراءةُ مجاهد فإنها كلَّها على لفظِ الدعاءِ مِنْ أُمُّ مريم لله تعالى بأنْ يفعلَ لها ما سألته. و«ربَّها)) منصوب على النداء: أي: فتقبَّلْها يا ربَّها وأنْبِتْها وكَفْلْها يا ربَّها. و((زكريا)) في هذه القراءةِ مفعولٌ ثان أيضاً كقراءة الكوفيين. ينظر الدر المصون ٧٦/٢ - ٧٧. (١) ورد دون قوله وفي الركاز الخمس من حديث أنس. أخرجه البخاري (٣١٧/٣): كتاب الزكاة: باب زكاة الغنم، حديث (١٤٥٤)، وأبو داود (٢١٤/٢ - ٢١٩): كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة، حديث (١٥٦٧)، والنسائي (١٨/٥: ٢٣): كتاب الزكاة: باب زكاة الإبل، وابن ماجة (٥٧٥/١): كتاب الزكاة: باب إذا أخذ المصدق سنّا دون سن أو فوق سن، حديث (١٨٠٠)، وأحمد (١١/١)، وابن الجارود (ص ١٢٥: ١٢٧): كتاب الزكاة، حديث (٣٤٢)، والدارقطني (١١٣/٢، ١١٤): كتاب الزكاة: باب زكاة الإبل والغنم، حديث (٢)، والحاكم (٣٩٠/١: ٣٩٢): كتاب الزكاة، والبيهقي (٨٥/٤): كتاب الزكاة باب كيف فرض الصدقة، من حديث أنس بن مالك ((أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما استخلف، وجه أنس بن مالك إلى البحرين، فكتب له : بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله وَ على المسلمين التي أمر بها رسول الله - 18 - فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعطه)). فذكر الحديث، وفيه: ((ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليس عنده جذعة، وعنده حِقّة، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن تيسر، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحِقَّة وعنده جذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين ثم ذكر بقية السنين)). = ١٧٤ كتاب الإقرار ولو قال: له في مالي ألف درهم لا يكون إقراراً، بل يكون هبة؛ لأنه ليس فيه ما يدلُّ على الوُجُوب في الذمة؛ لأن اللام المضَافَ إلى أهل الملك للتَّمْليك، والتمليك بغير عِوَض هبة، وإذا كان هبة فلا يَمْلِكُها إلا بالقَبُول والتَّسليم. ولو قال: له في مالي ألف درهم لا حق وورد أيضاً من حديث ابن عمر. = أخرجه أبو داود (٢٢٤/٢): كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة، حديث (١٥٦٨)، والترمذي (٢ / ٦٦، ٦٧): كتاب الزكاة: باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، حديث (٦١٧)، وابن ماجه (٥٧٣/١ - ٥٧٤): كتاب الزكاة: باب صدقة الإبل، حديث (١٧٩٨)، وابن أبي شيبة (١٢١/٣، ١٢٢) كتاب الزكاة: باب في زكاة الإبل مما فيها، وأحمد (١٥/٢)، والحاكم: (٣٩٢/١، ٣٩٣): كتاب الزكاة، والبيهقي (٤/ ٨٨): كتاب الزكاة: باب كيف فرض الصدقة، من حديث ابن عمر: ((أن رسول الله وَلّ كتب كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه. فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض، وعمر حتى قبض. وكان فيه: ((في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتانَ، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت ففيها حِقّةٌ إلى ستين، فإذا زادت فجذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، وفي الشاء في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت فثلاث شياه إلى ثلاثمائة شاة، فإذا زادت على ثلاثمائة شاة ففي كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى يبلغ مائة، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمة، ولا ذات عيب)). وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن ... وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث ولم يرفعوه وإنما رفعه سفيان بن حسن. قال المباركفوري في ((التحفة)» (٢٠٥/٣) قال الحافظ في الفتح: وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري وقد خالفه من هو أحفظ منه في الزهري فأرسله وقال المنذري: وسفيان بن حسين أخرج له مسلم واستشهد به البخاري إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمان بن كثير وهو محسن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج به وقال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال أرجو أن يكون محفوظاً وسفيان بن حسين صدوق قال ابن عدي في ((الكامل)) (٤١٤/٣): سمعت أبا يعلى يقول: قيل ليحيى بن معين - يعني وهو حاضر - فحديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه في الصدقات؟ فقال: وهذا لم يتابع سفيان عليه أحد ليس يصح رواه عن سفيان عباد بن العوام وغيره وقد وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية عن سالم عن أبيه حديث الصدقات سليمان بن كثير أخو محمد بن كثير اهـ. وللحديث شاهد قوي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. أخرجه أبو داود (٤٩٤/١) كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة؛ (١٥٧٥) والنسائي (٤١/٥) والدارمي (٣٩٦/١) وابن الجارود (٣٤١) والحاكم (٣٩٨/١) والبيهقي (١٠٥/٤) وأحمد (٤٦٢/٤) بلفظ: في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون. وأما حديث في الركاز الخمس فقد تقدم في الزكاة. ١٧٥ کتاب الإقرار له(١) فيها فهو إقْرَارٍ بالدين؛ لأن الألف التي لا حق له فيها/ لا تكون [ديناً](٢)؛ إذ لو كانت ٢٥٧/٣ب هبة لكان له فيها حقّ. ولو قال: له عندي ألف درهم فهو وديعة؛ لأن عندي لا تدل على الوُجُوب في الذمة، بل هي كلمة حضرة وقُرْب، ولا اخْتِصَاص لهذا المعنى بالوُجُوب في الذمَّة، فلا يثبت الوُجُوب إلا بِدَليل زائد، وكذلك لو قال: لفلان معي أو في منزلي أو في بيتي أو في صندوقي ألف درهم، فذلك كله وَدِيعة؛ لأن هذه الألفاظ لا تدل إلا على قيام اليد على المذكور، وذا لا يَقْتَضِي الوُجُوب في الذمة لا محالة، فلم يكن إقراراً بالدين فكانت وديعة؛ لأنها في متعارف الناس تستعمل في الودائع، فعند الإطلاق تصرف إليها. ولو قال: له عندي ألف درهم عارية فهو قَرْض؛ لأن عندي تستعمل في الأمانات وقد فسر بالعارية، وعارية الدَّراهم والدنانير تكون قرضاً؛ إذ لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها، وإعارة ما لا يمكن الانْتِفَاع به إلا باستهلاكه يكون قرضاً في المتعارف، وكذلك هذا في كل ما يكال أو يوزن لتعذر الانتفاع بها بدون الاستهلاك، فكان الإقرار بإعارتها إقرار بالقَرْض، والله تعالى أعلم. وأما الدلالة فهي أن يقول له رجل: لي عليك ألف فيقول قد قضيتها؛ لأن القَضَاء اسم لتسيلم مثل الوَاجِب في الذَّمة، فيقتضي سابقية الوجوب، فكان الإقرار بالقَضَاء إقراراً بالوجوب، ثم يدَّعي الخُرُوجِ عنه بالقَضَاء فلا يصحُّ إلا بالبينة. وكذلك إذا قال له رجل: لي عليك ألف دِرْهَم فقال: اتزنها؛ لأنه أضاف الاتزان إلى الألف المدَّعاة، والإنسان لا يأمر المدّعي بإتزان المدّعى إلا بعد كونه واجباً عليه، فكان الأمر بالاتزان إقراراً بالدين دلالة، وكذلك إذا قال: انتقدها لما قلنا. ولو قال: أتزن أو أتنقد لم يكن إقراراً؛ لأنه لم توجد الإضافة إلى المدعي فيحتمل الأمر باتزان شيء آخر، فإن يَحمل على الإقرار بالاحتمال، وكذا إذا قال: أجلني بها؛ لأن [معنى] (٣) التأجيل تأخير المطالبة مع قِيَام أصل الدَّين في الذمة كالدين المؤجل(٤)، والله تعالى أعلم. (١) في ب: لي. (٢) بدل ما بين المعكوفين في ب: إلا الدين. (٣) في ب: قضيتكها. (٤) سقط في ط. (٥) ونحو ذلك يكون جواباً وإقراراً بالدين ما لم يكن مصحوباً بالقرائن كنغمة الصوت أو إشارة معروفة تدل على قصد الاستهزاء. قال الزيلعي - وشارح الدر ومحشيه ((والأصل فيه أن الجواب ينتظم إعادة الخطاب ليفيد الكلام فكل ما يصلح جواباً ولا يصلح ابتداء يجعل جواباً وما يصلح للابتداء لا للبناء أو يصلح لهما فإنه يجعل ابتداء لوقوع الشك في كونه جواباً لئلا يلزمه المال بالشك فإن ذكر هاء الكناية يصلح جواباً لا ابتداء وإذا لم = ١٧٦ كتاب الإقرار يذكر الهاء لا يصلح جواباً أو يصلح ابتداء وجواباً فلا يكون إقرار بالشك هذا (أي التفصيل بين ذكر = الضمير وعدمه) إذا كان الجواب مستقلاً بالمفهومية بحيث يحسن السكوت عليه وإن كان غير مستقل بها كقوله نعم وأجل يكون إقراراً مطلقاً (أي ذكر الضمير كقوله نعم هو علي أو لم يذكره كما مثل) لأنه غير مستقل وقد أخرجه جواباً وهو صالح له فصار ما تقدم من الخطاب كالمعاد فيه اهـ. وهنا نذكر الإقرار بالإشارة والإقرار بالكتابة: فأما الإقرار بالإشارة فيتبع والتفصيل الآتي وهو أن المقر إما أن يكون ناطقاً أو أخرس. والناطق إما أن يكون معتقل اللسان أو لا يكون معتقله فإن كان أخرس وله إشارة معهودة مفهومة صح إقراره بإشارته المعهودة سواء أكان قادراً على الكتابة أم لا على المعتمد وتقوم إشارته مقام عبارته في كل شيء من إقراره وبيع ورهن وهبة ونكاح وطلاق وإجارة وعتاق وإبراء وقصاص إلا في الحدود والشهادة لأن مبناهما على صريح البيان بخلاف القصاص فإنه غير مبني على صريح البيان فإنه إذا أقر مطلقاً عن صفة التعمد بذكر آلة دالة عليه وهي السيف ونحوه يستوفي بمثله القصاص. وقيل يشترط عدم القدرة على الكتابة وكتابته كإشارته يعمل بها وإن كان ناطقاً معتقل اللسان ففيه خلاف والفتوى على أنه إن دامت العقلة إلى وقت الموت يجوز إقراره بإشارته إذا كانت معلومة معهودة فإن إشارته حينئذٍ تكون معتبرة ويجوز إقراره بها وينزل منزلة الأخرس بالنسبة إليها وقدر بعضهم الامتداد بسنه. وإن كان ناطقاً غير معتقل اللسان لم تعتبر إشارته لأن الإفصاح بالنطق ممكن فلا يعدل عنه إلى غيره بلا موجب فحيث أمكنت العبارة لم تعتبر الإشارة ألا في مسائل قالوا تعتبر فيها الإشارة مع القدرة على العبادة وهي. ((١)) الإفتاء فلو سأل مفتيا عن حكم وقال له أهكذا الحكم فأشار برأسه أي نعم كان مفتياً بما أشار به. (٢)) الإقرار بالنسب فإذا قيل لرجل هذا ابنك وأشير إلى غلام مجهول النسب يولد مثله لمثله فأشار برأسه أي نعم كان مقراً بنسبه والعامل بإقراره. (٣)) الإقرار بالكفر فإذا قيل لإنسان أتعتقد هذا المكفر فأشار برأسه أي نعم كان مقراً بالكفر. (٤)) إشارة المحرم للصيد فإنه يؤاخذ به ويجازى عليه. ((٥)) إجازة الشيخ لراوي الحديث فإنها تجوز بالإشارة. ((٦)) الحنث في اليمين فإذا حلف لا يظهر سر فلان فأشار برأسه بما يظهر به السر كان حانثاً في يمينه بإشارته. (٧)) تعديل الشاهد يجوز أن يكون بالإشارة كما يكون بالعبارة. (٨)) الإسلام فإنه يجوز أن يكون بالإشارة. (٩)) أمان الكافر يجوز أن يكون بالإشارة أيضاً. فالإشارة في جميع الصور المذكورة معتبرة يعمل بها مع القدرة على العبارة وفيما عداها لا يعمل بالإشارة مع القدرة على العبارة أصلاً . وقال في الأشباه وأما الإقرار بالكتابة ففي البزازية كتب كتاباً فيه إقرار بين يدي الشهود فهذا على أقسام (الأول)) أن يكتب ولا يقول شيئاً وهذا لا يكون إقراراً ولا تجوز حينئذٍ الشهادة بأنه أقر. - وقال القاضي النسفي رحمه الله تعالى: إن كتب مصدراً يعني كتب في صدره أن فلان ابن فلان له علي كذا أو أما بعد فلفلان علي كذا مرسوماً وعلم الشاهد حل له الشهادة على إقراره كما لو أقر كذلك وإن لم يقل أشهد على فعلي هذا إذا كتب للغائب على وجه الرسالة أما بعد فعلي لك كذا يكون إقراره لأن الكتابة من الغائب كالخطاب من الحاضر فيكون متكلماً وعامة المشايخ على خلافة لأن الكتابة قد تكون للتجربة وفي حق الأخرس يشترط أن يكون معنوناً مصدراً وإن لم يكن إلى الغائب. = ١٧٧ کتاب الإقرار ولو قال له رجل: لي عليك ألف درهم فقال: حقًّا يكُون إقرارًا؛ لأن معناه حققت فيما قلت؛ لأن انتصاب المصدر لا بدَّ له من اضمار(١) صدره وهو الفعل، ويحتمل أن يكون معناه قل: حقاً أو الزم حقاً ولكنّ الأول أظْهَر، وكذلك إذا قال: أحق؛ لأنه تعريف المصْدر وهو قوله: حقاً؛ وكذلك لو قال: صدقاً أو الصدقُ أو يقيناً أو اليقين لما قلنا. ((الثاني)) كتب وقرأ عند الشهود لهم أن يشهدوا وإن لم يقل اشهدوا علي. = ((الثالث)) أن يقرأ الكتاب غيره على الشهود فيقول الكاتب اشهدوا على به. ((الرابع)) أن يكتب عندهم ويقول اشهدوا على بما فيه إن علموا ما فيه كان إقراراً وإلا فلا وذكر القاضي إنه لو ادعى على آخر مالاً وأخرج خطأ وقال إنه خط المدعى عليه بهذا المال فأنكر أنه خطه فاستكتب وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما خط كاتب واحد لا يحكم عليه بالمال في الصحيح لأنه لا يزيد على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكن ليس على هذا المال وثمة لا يجب عليه فكذا هنا إلا في دفتر البياع والصراف والسماء فكان الخط فيه حجة اهـ. وقيل يحكم عليه بالمال وعلى ذلك جرى أئمة بخارى - ذكر أبو الليث في نوازله لو ادعى على آخر مالاً وأخرج بذلك خطا بخط يده على إقراره بذلك المال فأنكر المدعى عليه أنه خطه فاستكتب فكتب فكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما خط كاتب واحد. قال أئمة بخارى: إنه حجة يقضي بهذا ونقل صاحب المحيط عن محمد أنه نص أن ذلك لا يكون حجة لأن هذا لا يكون أعلى حالاً مما لو أقر فقال هذا خطي وأنا كتبته غير أنه ليس له على هذا المحال كان القول قوله ولا شيء عليه اهـ ملخصاً. ولنذكر هنا خلاصة ما قاله الفقهاء في العمل بالخط لاتصاله بموضوعنا وقال في الأشباه وحاشيته لا يعتمد على الخط ولا يعمل به لأن القاضي لا يقضي إلا بالحجة وهي البينة أو الإقرار. أو النكول. أما الصك فلا يصلح حجة لأن الخط يشبه الخط واستثنى من ذلك مسألتان كتاب أهل الحرب بطلب الأمان إلى الإمام فإنه يعمل به ويثبت لحامله الأمان ويلحق بذلك البراءة السلطانية بالوظائف. ((الثانية)) دفتر السمسار والصراف والبياع فإنه يعمل به وذلك لأنه لا يكتب في هذا الدفتر عادة إلا ماله وعليه والتزوير فيه بعيد اهـ ملخصاً. وظاهر أن التعليل بمشابهة الخط للخط يقضي بصلاحيته للحجية عند التيقن به ويكون حينئذٍ إقراراً خطياً ويعمم في الإقرار بحيث يشمله كما أن استثناء المسألة الأولى للضرورة قاض بالعمل بالخط عند تحقق ضرورة أخرى تشبه ضرورة طلب الأمان كالعمل بالشهادات العلمية وشهادات المعافاة من القرعة وما أشبه ذلك وأن اعتبار الإقرار الكتابي حجة مما يتفق مع الفقه عند التيقن به ولذلك أجاز أبو يوسف ومحمد العمل بالخط في الشاهد والقاضي والراوي إذا أيقن أنه خطه ولم يتذكر الحادثة توسعة على الناس وعليه الفتوى وطرق التيقن ميسورة الآن حتى عند الإنكار والطعن في الخط ولذلك اعتبر الآن الإقرار الكتابي كالإقرار اللساني في الحجية وشرعت لإثباته والطعن فيه طرق مبينة في قانون المرافعات ولائحة المحاكم الشرعية ومنها المضاهات بين خطين بواسطة أهل الخبرة في ذلك وقد أفتى قارىء الهداية بأن المنسوب إليه الخط إذا أنكره يستكتبه القاضي فإذا قال أهل الخبرة هما واحد ألزمه الحق اهـ. ينظر: الإقرار لشيخنا عبد الحميد حسن طائل. (١) في ط: إظهار. بدائع الصنائع ج١٠ - م١٢ ١٧٨ كتاب الإقرار ولو قال: براً أو البر لا يكون إقراراً؛ لأن لفظة البر مشترك تذكر على إرادة الصّدق، وتذكر على إرادة التقوى، وتذكر على إرادة الخير، فلا يحمل على الإقرار بالاحتمال، وكذلك لو قال: صلاحاً أو الصلاح لا يكون إقراراً؛ لأن لفظة الصَّلاح لا تكون بمعنى التَّصديق والإقرار؛ فإنه لو صرح وقال له: صلحت لا يكون تصديقاً فيحمل على الأمر بالصَّلاح والاجتناب عن الكذب، هذا إذا ذكر لفظة مُفْرَدة من هذه الألفاظ الخمسة؛ فإن جمع بين لفظتين متجانستين أو مختلفتين، فحكمه يعرف في إقرار الجَامِع إن شاء الله تعالى. ثم ركن الإقرار لا يخلو إما أن يكون مطلقاً، وإما أن يكون ملحقاً بقرينة، فالمطلق هو قوله: لفلان علي كذا، وما يجري مجراه خالياً عن القرائن. وأما الملحق بالقَرِينة فبيانه يشْتَمل على فَضْل بيان ما يصدق للمقرّ فيما ألحق بإقراره من القَرَائن(١) ما لا يكون زُجُوعاً وما لا يصدق فيه مما يكون رجوعاً فنقول: القَرِينة في الأصل نوعان: قَرِينَة مغيرة من حيث الظَّاهر مبنية على الحقيقة، وقرينة مبنية على الإطلاق، أما القَرِينة المغيرة مِنْ حيث الظَّاهر، والمبنية على الحقيقة فهي المسقطة لاسم الجملة، فيعتبر بها الاسم لكن يتبيّن بها المراد، فكان تغييراً صورة تبيينا معنى. وأما القرينة المغيرة فتتنوع ثلاثة أنواع: نوع يَدْخُل في أصل الإقرار، ونوع يَدْخُل على وصف المقر به، ونوع يدخل على قَدْره، وكل ذلك قد يكون متصلاً وقد يكون منفصلاً. أما الذي يدخل على أضل الإقرار فنحو التَّعليق بمشيئة الله تعالى متصلاً باللفظ؛ بأن قال: لفُلاَن علي ألف درهم إن شَاء الله تعالى، وهذا يمْنَع صحة الإقرار أصلاً؛ لأن تعليق مشيئة الله تبارك وتعالى يكون الألف في الذمة أمر لا يعرف، فإن شَاءً كان وإن لم يشأ لم يكن، فلا يصحُّ الإقرار مع الاحتمال؛ ولأن الإقرار إخبار عن كائن، والكائن لا يحْتَمل تعليق كونه بالمَشِيئَةَ، فإن الفَاعِل(٢) إذا قال: أنا فاعل(٣) إن شاء الله تعالى يستحق، ولهذا أبطلنا ب القول بالاستثناء/ في الأيمان، والله تعالى أعلم بالصواب. وكذا إذا علقه بمشيئة فلان لا يصحُّ الإقرار لما قلنا، ولو أقر بشرط الخيار بطل الشَّرط وصحَّ الإقرار؛ لما ذكرنا أن الإقرار إخبار عن ثابت في الذمَّة، وشَرْط الخيار في معنى الرُّجوع، والإقرار في حقوق العباد لا يختَمل الرُّجوع. وأما الذي يدخل على وصف المقر به؛ فإن كان متصلاً باللفظ؛ بأن قال: لفلان علي (١) في ب: مما. (٢) في ب: القاعد. (٣) في ب: القاعد. ١٧٩ كتاب الإقرار ألف درهم وديعةً يصحّ ويكون إقراراً بالوديعة؛ وإن كان منفصلاً عنه بأن سكت ثم قال: عنيت به الوديعة، لا يصحُّ ويكون إقراراً بالدين؛ لأن بيان المغير لا يصحُّ إلا بِشَرْط الوصل كالاستثناء؛ وهذا لأن قوله: لفلان علي ألف درهم إخبار عن وجوب الألف عليه من حيث الظاهر . ألا ترى أنه لو سكت عليه لكان كذلك، فإن قرن به قوله: وديعة وحكمها وجوب الحفظ - فقد غير حكم الظَّاهر من وجوب العَيْن إلى وجوب الحفظ، فكان بيان تغيير من حيث الظاهر، فلا يصحُّ إلا موصولاً كالاستثناء، وإنما يصح موصولاً؛ لأن قوله: علي ألف درهم يحتمل وجُوب الحِفْظ أي علي حفظ ألف درهم، وإن كان خلاف الظّاهر فيصحّ بشرط الوَضْل. ولو قال [لفلان](١): علي ألف درهم وديعةً قرضاً، أو مضاربة قرضاً، أو بضاعة قرضاً، أو قال: دينا مكان قوله: قرضا - فهو إقرار بالدَّين؛ لأن الجمع بين اللفظين في معناهما ممكن؛ لجواز أن يكون أمانة في الابتداء ثم يصير مصموناً في الانتهاء؛ إذ الضمان قد يطرأ على الأمانة كالوديعة المسْتَهلكة ونحوها، سواء وصل أو فصل، لأن الإنسان في الإقرار بالضَّمان على نفسه غير متهم. وأما الذي يدخل على قدر المقر به فنوعان: أحدهما: الاستثناء(٢). (١) سقط في ط. (٢) الاستثناء هو الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها وهو باعتبار الحاصل من مجموع التركيب تكلم بالباقي بعد المستثنى فالاستثناء قرينة على أن الصدر لم يتناول المستثنى في حق الحكم فإذا قال قائل لفلان علي ألف درهم إلا مائتين كان الاستثناء قرينة على أن الألف لم تتناول المائتين في الحكم عليهما باللزوم وحينئذٍ يكون مقرًّا من أول الأمر بثمانمائة فقط وليس مقراً أولاً بالألف ثم أخرج منها مائتان وإلا لكان رجوعاً عن الإقرار والرجوع عنه لحقوق العباد غير مقبول وعلى ذلك تكون الثمانمائة لها لفظان بدلان عليها: الثمانمائة، ولفظ ألف إلا مائتين وللمتكلم أن يستعمل ما شاء من الألفاظ للدلالة على مقصوده فتارة يعبر بالعبارة المطولة وتارة بالعبارة المختصرة وباعتبار أجزاء الكلام اللفظية نفي وإثبات دائماً بتقديم الإثبات على النفي إذا كان الكلام تاماً مثبتاً وبتأخره عنه إذا كان تاماً منفياً. شروط صحة الاستثناء واعتباره شرعاً شروط الاستثناء هي ((١)) أن يكون متصلاً بالمستثنى منه إلا الضرورة فلو كان منفصلاً عنه لغير ضرورة لم يصح الاستثناء ولم يعتبر شرعاً وذلك نحو أن يقول لفلان عندي مائة جنيه ثم يسكت مدة من غير ضرورة ثم يقول إلا خمسين فإن هذا لا يصح وتلزمه المائة جميعها لأن تمام الكلام بآخره فإذا انقطع فقد تم فلا يعتبر الاستثناء بعد ذلك خلافاً لابن عبّاس حيث أجاز تأخيره - هذا ومثال الاستثناء المتصل ظاهر وذلك = ١٨٠ کتاب الإقرار نحو أن يقول لفلان علي عشرون جنيها إلا خمسة دفعة واحدة دون قطع للكلام ولا سكوت أصلاً بين = جملة الاستثناء وجملة الكلام الأول ويلحق بالمتصل ما إذا حصل فصل للضرورة كسعال وأخذ فم وتنفس ونداء نحو أن يقول لك علي مائة درهم يا فلان إلا أربعين فإنه يصح لأن التنبيه المنادي لما يلقي إليه من الكلام فلم يكن أجنبياً منه فلا يضر الفصل به وكأنه لم يفصل أصلاً. والضابط في هذا أن الملائم للإقرار لا يمنع الاتصال وغيره يمنعه فمن قبيل الأول التنفس والسعال وأخذ الفم والنداء سواء كان المنادي مفرداً أو مضافاً وسواء كان هو المقر له أو غيره ومن قبيل الثاني التهليل والتسبيح والتكبير والإشهاد فإذا فصل بشيء من ذلك لم يصح الاستثناء. ((٢)) ألا يكون المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه بلفظه أو بما يساويه فإن كان مستغرقاً للمستثنى منه في الصورة المذكورة لم يصح الاستثناء ووجب الكل فمثال ما إذا كان المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه بلفظه أن يقول لفلان علي ألف درهم ألا ألف درهم ومثال ما إذا كان مستغرقاً بالمساوىء أن يقول لفلان علي ألف درهم إلا خمسمائة وخمسمائة أو يقول عبيده أحرار إلا مماليكه فإن خمسمائة وخمسمائة تساوي الألف والمماليك تساوي العبيد ففي جميع هذه الصور لا يصح الاستثناء وتجب الألف في الصورتين الأوليين وتعتق جميع عبيده في الصورة الثالثة لأن الاستثناء تكلم بالحاصل بعده ولم يبق شيء ليصير متكلماً به فيكون رجوعاً فلا يصح. فلو كان الاستغراق آتياً من الخارج لا من اللفظ بأن كان لفظ المستثنى منه صالحاً لأن يدل لغة على أكثر من المستثنى ولكنه لا يوجد من مدلوله في الخارج إلا بقدر المستثنى صح الاستثناء وبطل الإقرار وذلك نحو أن يقول عبيده أحرار إلا هؤلاء وأشار إلى جميع من يملكهم من العبيد أو الأمر جانا وبخيتا وسعيدا وكان لا يملك غير من سماهم ويقول لفلان ثلث مالي إلا ألفا وهو لا يملك ألا ثلاثة آلاف فإنه يصح الاستثناء في جميع هذه الصور ولا تعتق عبيده في الصورتين الأوليين ولا يجب عليه شيء في الصورة الثالثة وذلك لأن الشرط في صحة الاستثناء إيهام البقاء لا حقيقته لأن الاستثناء يتبع صحة الكلام لفظاً لا تحقق ما دخل تحته لأنه تصرف لفظي فينبني على صحة اللفظ لا على صحة الحكم ألا يرى أنه إذا قال لامرأته أنت طالق ست طلقات إلا أربعاً يصح الاستثناء حتى يقع تطليقاته وإن كانت الست لا صحة لها من حيث الحكم لأن الطلاق لا مزيد له على الثلاث ومع هذا لا يجعل كأنه قال أنت طالق ثلاثاً إلا أربعاً لما ذكرنا أن صحة الاستثناء تتبع صحة اللفظ دون الحكم، وإيهام البقاء الذي هو شرط صحة الاستثناء موجود في كل استغراق آت من الخارج لا من اللفظ هذا المستغرق فإذا كان غير مستغرق صح الاستثناء ووجب الباقي وذلك نحو أن يقول لفلان علي عشرة جنيهات إلا أربعة فإنه يصح وتجب ستة جنيهات. أو كان المستثنى أكثر من المستثنى منه نحو أن يقول لفلان على تسعة دراهم إلا عشرة فجائز في ظاهر الرواية ونطرح القليل من الكثير ونوجب الفرق بينهما وهو في مسألتنا درهم وروي عن أبي يوسف أنه لا يصح والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن المنقول عن أئمة اللغة رحمهم الله أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا (المستثنى) وهذا المعنى كما يوجد في استثناء القليل من الكثير يوجد في استثناء الكثير من القليل ألا أن هذا النوع من الاستثناء غير مستحسن عند أهل اللغة لأنهم إنما وضعوا الاستثناء لحاجتهم إلى استدراك الغلط ومثل هذا الغلط مما يندر وقوعه غاية الندرة فلا حاجة إلى استدراكه لكن يحتمل الوقوع في الجملة فيصح. (٣)) أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه أو يكون من خلاف جنسه وهو مما يثبت دينا في الذمة وهو المكيل والموزون والعددي المتقارب كالجوز والبيض فلو كان من خلاف جنسه وكان مما لا يثبت =