Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ کتاب الحجر والحبس في هذا الكتاب فصلان: فصل في الحجر، وفصل في الحبس. أما الحجر فالكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع : أحدها: في بيان أسباب الحجر. والثاني: في بيان حكم الحجر. والثالث: في بيان ما يرفع الحَجْر. أما الأول: فقد اختلف فيه: قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: الأسْباب الموجبة للحجر ثَلاثة ما لها رابع(١): الجنون، والصبا، والرق؛ وهو قول زفر. انظر : = حاشية ابن عابدين ٨٩/٥، مجمع الأنهر: ٤٣٧/٢، المهذب للشيرازي ٣٢٨/١، نهاية المحتاج ٤/ ٣٥٣، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٢٩٢/٣، أسهل المدارك ٣/٣، كشاف القناع ٤١٦/٣ - ٤١٧، الإقناع: ٢٦/٢. وأما حكمة مشروعيته ما علم إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وميزه عن سائر الحيوانات بالعقل غير أنه لم يجعل العقول في درجة واحد من الكمال بل جعلها متفاوته مختلفة نعم تفاوت الناس في ذلك حتى صار بعضهم بعيد النظر في أموره كامل التدبير في تصرفاته كما صار البعض على خلاف ذلك بسبب ما ابتلاه به من جنون، أو صغر، أو سفه، أو عته، أو نحو ذلك من الأمور التي تقتضي نقص العقول عند أصحابها وتستلزم وقوع الغبن والضرر في التصرفات. فالله سبحانه وتعالى لكمال حكمته وعظيم شفقته اعتنى بهؤلاء الذين قد ابتلاهم بما اقتضته حكمته. وما استلزمه قضاؤه فشرع لهم ما يصون مصالحهم ويحفظ حقوقهم ويبعد أيدي العابثين الخائنين من أن تصل إلى شيء من أموالهم إلا بحق فحجر عليهم ومنعهم من كل تصرف يؤدي إلى ضياع أموالهم وفساد مصالحهم لأن المال به قوام الحياة وهو عماد المعيشة ولولا ذلك المنع وهذه الحيطة لرغب كل إنسان في التعامل معهم لكي يبتز أموالهم ويسلب حقوقهم ظلماً وعدواناً لكنه وهو العليم بمصالح عباده الحكيم في تدبيره المطلع على خفيات الأمور، وما تكنه صدور خلقه وما توسوس به نفوسهم قد أحاط هؤلاء بسياج متين فأوجب على من يقوم بشؤون المسلمين أن ينصب لهؤلاء من يقوم بمصالحهم، ويحافظ على حقوقهم ويتولى كل عمل من شأنه أن يجلب مصلحة لهم أو يدفع ضرراً عنهم فحال بينهم وبين قاصديهم وصرف وجوههم إلى القيم أو الولي الذي تبعثه الشفقة عليهم والرحمة بهم على العمل لإصلاح حالهم ويزجره دينه على التفريط في شؤونهم ولولا ذلك لاستلب أموالهم من كان وفير العقل كامل التدبير فيصبحون ولا مال لهم ويحل الفقر بنا وبهم وبهذا يكون عدد غير قليل من الأمة عالة على كاهلها مع أن الشريعة السمحة لا ترضى بذلك ولا تقره. (١) وقد اختلفت كلمة العلماء في أسباب الحجر، فبينما نرى بعضهم يحصرها في عدد قليل لم يجاوز ثلاثة، وذلك إما بإدخال الأسباب بعضها في بعض، وإما لأنها لم يثبت كونها سبباً عندهم، وإلى ذلك ذهب أبو = بدائع الصنائع ج ١٠ - م٦ ٨٢ كتاب الحجر والحبس وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وعامة أهل العلم رحمهم الله تعالى: والسفه والتبذير، ومطل الغني، ووجوب(١) الدين، وخوف ضياع المال بالتجارة، والتلجئة، والإقرار لغير الغرماء من أسباب الحجر أيضاً، فيجري [الحجر](٢) عندهم في السَّفيه المفسد للمال بالصَّرف إلى الوجوه الباطلة، وفي المبذر الذي يسرف في النّفقة ويغبن في التجارات، وفيمن يمتنع عن قضاء الدين مع القدرة عليه إذا ظهر مطله عند القاضي، وطلب الغرماء من القاضي أن يبيع عليه ماله ويقضي به دينه، وفيمن ركبته الدُّيون وله مال فخاف الغُرمَاء ضياع أمواله بالتِّجارة، فرفعوا الأمر إلى القاضي وطلبوا منه أن يحجر عليه، أو خافوا أن يلجىء أمواله، فطلبوا من القاضي أن يحجره عن الإقرار إلا للغُرَماء، فيجري الحجر في هذه المواضع عندهم، وعنده: لا يجري . وما روي عن أبي حنيفة - رحمه الله -: أنه كان لا يجري الحَجْر إلا على ثلاثة: المفتي الماجن(٣)، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، وليس المراد منه حَقِيقة الحجر، وهو المعنى الشّرعي الذي يَمْنَع نفوذ التصرُّف. ألا ترى أن المفتي لو أفتى بعد الحجر وأصاب في الفتوى جاز، ولو أفتى قبل الحجر وأخطأ، لا يجوز، وكذا الطبيب لو باع الأدوية بعد الحجر، نفذ بيعه، فدَّل أنه ما أراد به الحجر حقيقةً، وإنما أراد به المنع الحسِّي، أي يمنع هؤلاء الثّلاثة عن عملهم حسًّا، لأن المنع عن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المفتي الماجن (٤) يفسد أديان المُسْلمين، والطبيب الجاهل يفسد أبْدَان المسلمين، والمكاري المفلس يفسد أمْوَال الناس(٥) في المِفَازَة، فكان منعهم من ذلك من باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا من باب الحَجْر، فلا يلزمه التَّناقض بحمد الله تعالى عز شأنه. ولو حجر القَاضِي على السفيه ونحوه، لم ينفذ حجره عند أبي حنيفة - رحمه الله -، حنيفة حيث قال: إنها ثلاثة الصغر، والجنون، والرق، والأخير على تسمح فيه، فإن الحجر فوع الملك = والعید لا يملك. نرى البعض الآخر تصل به الأسباب إلى سبعين سبباً كما نقل عن بعض الشافعية. ونرى آخر أخذ بالقصد بينهما فكانت أسباب الحجر عنده لم يتخط عن الثلاثة ولكنها لم تبلغ السبعين. (١) في ط: وركوب. (٢) سقط في ط. (٣) في ب: الجاهل. (٤) في ب: الجاهل. (٥) في ب: المسلمين. ٨٣ كتاب الحجر والحبس حتى لو تصرَّف بعد الحجر ينفذ تصرفه عنده، وإن كان الحَجَرِ ههنا محل الاجتهاد، لأن الحجر من القاضي قضاء منه، وقضاء القاضي في المجتهدات إنما ينفذ، ويصير كالمتفق عليه إذا لم يكن نفس القَضَاء محل الاجتهاد، فأما إذا كان فلا، بخلاف سائر المجتهدات التي لا يرجع الاجتهاد فيها إلى نفس القَضَاء، وقد ذكرنا الفَرْق في كتاب أدب القاضي. واختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما في السَّفيه، أنه هل يصير محجوراً عليه بنفس السَّفه، أم يقف الانحجار على حجر القاضي(١)؟ (١) اتفق القائلون بالحجر بسبب السفه على أن السفيه محجور عليه ولكنهم اختلفت كلمتهم في شيء وراء هذا : فذهب محمد بن الحسن من الحنفية وابن القاسم من المالكية إلى أن السفيه منحجر بنفس السفه. وذهب أبو يوسف من الحنفية والحنابلة إلى أن السفيه لا يحجر عليه إلا بقضاء القاضي. وهو قول المالكية والشافعية في السفه الطارىء بعد البلوغ. أما في السفه المقارن للبلوغ فوليه في الصغر وليه في هذه الحالة. وثمرة هذا الخلاف إنما تظهر عند الكلام على تصرفات السفيه. واستدل محمد ومن معه من وجهين: ((الأول)): بما روي أن النبي ◌َّر ((رد عتق من أعتق عبده ولا مال له غيره)) ووجه الدلالة: أن هذا التصرف بالعتق كان قبل الحجر عليه منه فدل على أن السفيه منحجر عليه بنفس السفه ضرورة أن المعتق حين أعتق لم يكن محجوراً عليه من الحاكم. وقد يقال: إن رد الرسول لعتقه إهدار لتصرفه، فالرسول عليه السلام لم يكن مقرراً للحجر بل منشئاً له على أننا لو سلمنا أن الرسول كان مقرراً للحجر لم يفد هذا الدليل محمد بن الحسن لأنه يقول بنفاذ عتق السفيه. ((الثاني)): أن الحجر بالسفه كالحجر بالصغر والجنون والرق وهو بهذه الأسباب لا يحتاج إلى القاضي فكذلك بالسفه. وقد يجاب بأنه في السفيه معنى لم يكن في غيره. أما الرقيق فالحجر عليه إنما هو لحق السيد، وفوق هذا ليس أهلاً للملك عندكم بخلاف السفيه، فإنه أهل للملك فإن تصرف السفيه فقد تصرف في خالص ملكه، على أن السفيه أهل للخطاب فباين بذلك الصغير والمجنون، وزيادة على ذلك الصغر والجنون والرق أمور معروفة لكل الناس بخلاف السفه والتبذير فإنه مختلف فيه. فمن هذا يتبين أنه قياس مع الفارق. واستدل أبو يوسف ومن معه من وجوه: (الأول)): أن الحجر على السفيه لمعنى النظر له والحجر عليه وإن كان فيه نظر له ومصلحة ففيه ضرر يلحقه، وهو إهدار قوله في التصرفات ولا يفصل في ذلك إلا القاضي فلزم ألا يثبت الحجر عليه إلا بالقضاء . ((الثاني)): أن الحجر بالسفه مختلف فيه بين الفقهاء والذي يرفع الخلاف هو حكم القاضي. ((الثالث)): أن التبذير يختلف في نفسه ويتفاوت فوق أنه مختلف فيه بين الفقهاء فيفتقر إلى الاجتهاد فلا = ٨٤ كتاب الحجر والحبس قال أبو يوسف: لا يصير محجوراً إلا بحجر القاضي. وقال محمد: ينحجر بنفس السَّفه من غير الحاجة إلى حجر القاضي. وحجة العامة قوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيَهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ [البقرة: ١٨٢] جعل الله لكلِّ واحد من المذكورين ولياً، منهم السفيه . وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا ولي للسَّفيه، لأنه إذا كان له وليٍّ دل أنه مولى عليه، فلا ينفذ تصرُّفه كالصبي والمجنون، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَّكُمْ﴾ [النساء: ٥] نهى عن إعطاء الأموال السُّفهاء، وعنده: يدفع إليه ماله إذا بلغ خمساً وعشرين سنة وإن كان سفيهاً. وروي أن رَسُول اللّهِ وََّ (بَاعَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ بِسَبَبٍ دُيُونٍ رَكِبَتْهُ))(١). وهذا نصٍّ في الباب، لأن البيع عليه لا يذكر إلاَّ في غير مَوْضِع الرِّضا؛ ولأن التصرُّفات شرعت لمصالح العباد، والمصلحة تتعلَّق بالإطلاق مرة وبالحجر أخرى، والمصلحة مهنا في الحَجَر، ولهذا إذا بلغ الصبي سفيهاً(٢) يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة بلا خلاف؛ ولهذا حجر على الصَّبي والمجنون؛ لكون الحجر مصلحة في حقُّهما. كذا ههنا. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - عمومات البيع والهبة والإقرار والظّهار واليمين، من نحو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ ... ﴾ [البقرة: ١٨٢] إلى قوله عز شأنه: ﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [البقرة: ١٨٢] أجاز الله تعالى البدلين حيث ندب إلى الكتابة، وأثبت الحقّ حيث أمر من عليه الحقّ بالإملاء، ونهى عن البخس عاماً من غير تخصيص. وقوله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمُ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ إِنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وبيع مال المديون عليه تجارة لا عن تراض فلا يجوز، وبيع السَّفيه ماله تجارة عن تراض فيجوز. = يثبت إلا بقضاء القاضي. ((الرابع)): قول علي لآتين عثمان ولأسألنه أن يحجر على عبد الله ولو كان السفيه منحجراً بالسفه بدون حکم من الحاکم لحجر عليه بدون سؤال عثمان. ينظر: نظام الحجر لشيخنا سليمان رمضان عثمان. (١) تقدم. (٢) في ب: سفهاً. ٨٥ کتاب الحجر والحبس وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ الله وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] عامًا وشهادة الإنسان على نفسه إقرار. وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((تَهَادَوْا تَحَابُوا)) وآية الظهار وآية كفَّارة اليمين شرع الله هذه التصرُّفات عاماً والحجر عن المشْرُوع متناقض، وكذا نص الظهار واليمين يُقتَضيان وجوب التَّحرير على المظاهر والحالف الحانث، وجوازه في الكفَّارة عاماً. وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجب التَّحرير على السَّفيه، ولو حرر لا يجزيه عن الكفارة، لأنه تجب السِّعاية على العبد فيكون إعتاق بعوض، فلا يقع التحرير تكفيراً، فكانت الآية حجة عليهما، ولأن بيع السفيه مال نفسه تصرف صدر من الأهل بركنه في محل هو خالص ملكه، فينفذ كتصرف الرشيد؛ وهذا لأن وجود التصرف حقيقة بوجود ركنه ووجوده شرعاً بصدوره من أهله، وحلوله في محله وقد وجد، وبيع مال المذيُون عليه تصرُّف في ملك الغير من غير رضا المالك، وأنه لا ينفذ كالفُضُولي. وأما الآية فقد قال بعض أهل التّأويل: السفيه (١) هو الصغير، وبه نقول وقيل: إن الولي ههنا هو من له الحقّ، يملي بالعدل عند حضرة من عليه الدين(٢) لئلا يزيد على ما عليه شيئاً، ولو زاد أنكر عليه، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥] فقد قال بعض أهل التَّأويل: المراد من السُّفهاء النساء والأولاد الصغار، يؤيده في سياق الآية قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ فيها وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] ورزق النساء والأولاد الصغار هو الذي يجب على الأولياء والأزواج، لا رزق السفيه وكسوته، فإن ذلك يكون من مال السَّفيه. على أن في الآية الشريفة ألاَّ تؤتوهم مال أنفسكم؛ لأنه سبحانه وتعالى أضَافَ الأموال إلى المعطي لا إلى المغطى له وبه نقول. (١) ((السفة في اللغة)): خفة الحكم، أو نقيضه، وأصله الخفة والحركة، أو الجهل؛ والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة، وعلى ضعف البدن أخرى. فمن الأول قول الشاعر: نخاف أن تسفه أحلامنا ويجهل الدهر مع الجاهل ومن الثاني قول ذي الرمّة : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم والسفيه المهلهل الرأي في المال، الذي لا يحسن الأخذ لنفسه، ولا الإعطاء منها. (وفي اصطلاح)) الفقهاء، يراد من السفه السرف، والتبذير، وعدم حفظ المال. (٢) في ب: الحق. ٨٦ کتاب الحجر والحبس وأما بيع مال مُعَاذِ رضي الله عنه فقد كان برضاه(١)؛ إذ لا يظن به أنه يكره بيع رسول الله وَّة، ويتمنع بنفسه عن قَضَاء الدين، مع ما أنه قد روي أنه طَلَب من رسول اللهِ وَ ل أن يبيع مَالَه؛ لينال بركته فيصير دينه مقضيًّا ببركته، كما روي عن جابر - رضي الله عنه - أنه لما استشهد أبوه يوم أحد وترك ديوناً فطلب جابر من رسُول الله وَليل أن يبيع أمواله لينال بركته، فيصير دينه بذلك مقضياً، وكان كما ظَنَّ(٢). والاستدلال بمنع المال إذا بلغ سفيهاً لا يستقيم؛ لأن المنع تصرُّفٍ في المال، والحجر تصرُّف على النفس، والنفس أعظم خطراً من المال، فثبوت أدنى الولايتين لا يدلُّ على ثبوت أعْلاَهما. ثم نقول: إنما يمنع عن ماله نظراً له تقليلاً للسفه؛ لما أن السفه غالباً يجري في الهبات والتبرُّعات، فإذا منع منه ماله ينسدُّ باب السَّفه فيقل السفه. فأما المعاوضات فلا يغلب فيها السَّفه، فلا حاجة إلى الحجر لقليل السَّفه، وأنه يقلُّ بدونه فيتمخّض الحجر ضرراً بإبطال أهليته، وهذا لا يجوز، بخلاف الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل التصرّف، فلم يتضمن الحجر إبطال الأهلية، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في حكم الحجر وأما بيان حكم الحَجز: فحكمه يظهر في مال المخجُور وفي التصرُّف في ماله: أما حكم المال: فأما المجنون(٣) فإنه يمنع عنه ماله ما دام مجنوناً؛ وكذلك الصبي الذي لا يعقل، لأن (١) تقدم. (٢) تقدم في البيوع. (٣) ((الجنون في اللغة)) يقال جنه بجنه جناً، وجن عليه جناً وجنوناً، وأجنه الليل ستره. قال الراغب وأصل الجن الستر عن الحاسة، قال تعالى ﴿فَلُمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْليْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾ وحيثما كانت هذه المادة فهي تتضمن الستر، وإنما سمي المجنون مجنوناً لأن عقله قد ستر. ((الجنون في الاصطلاح)) وعرفه الفقهاء: بأنه اختلال العقل بحيث لا تجري أفعاله وأقواله على نهجه قصداً. وذلك إما لنقصان جبل عليه دماغه فلا يصلح لقبول ما أعدله كلسان الأخرس وعين الأكمة. وأما لخروج مزاج الدماغ عن حد الاعتدال بسبب خلط أو رطوبة أو يبوسة. وأما باستيلاء الشيطان وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه. ولم يختلف الفقهاء في الحجر بسبب الجنون. وذلك لقول النبي ◌َّهِ: ((رُفِعَ القَلَمُ عنْ ثَلاَثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَخْتَلِمَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَفِيْقَ)) ووجه الدلالة منه: أن المجنون غير مؤاخذ بأقواله ما دام مجنوناً، وأما أفعاله التي تتعلق بإتلاف الحال أو غصبه والجناية عليه فهو مؤاخذ بها، وذلك لأن المقصود حفظ المال ورعايته من العبث به ومن القواعد المقررة عندنا وأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، فالحديث إذا مخصوص بالتصرفات الفعلية التي تتعلق بالمال. ينظر: نظام الحجر لشيخنا سليمان رمضان عثمان. ٨٧ کتاب الحجر والحبس وضع المال في يد من لا عقل له إتلاف المال، وأما الصبي العاقل فيمنع عنه ماله إلى أن يؤنس منه رشده، ولا بأس للولي أن يدفع إليه شيئاً من أمواله، ويأذن له بالتِّجارة للاختبار عندنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] أذن سُبْحَانه وتعالى للأولياء في ابتلاء اليَتَامى، والابتلاء الاختبار، وذلك بالتجارة، فكان الإذن بالابتلاء إذناً بالتجارة، وإذا اختبره فإن آنس منه رشداً دفع الباقي إليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والرشد هو الاستقامة والاهتداء في حفظ المال وإصلاحه؛ وهذا عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله -: يمنع منه(١) ماله، ولا يجوز للولي أن يدفع شيئاً من أمواله إليه، وأن يأذن له بالتجارة قبل البُلُوغ، والمسألة نذكرها في كتاب المأذون إن شاء الله تعالى. وإن لم يأنس منه رشداً، منعه منه إلى أن يبلغ، فإن بلغ رشيداً دفع إليه، وإن بلغ سفيهاً مفسداً مبذراً، فإنه يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة بالإجماع، فإذا بلغ هذا المبلغ ولم يؤنس رشده، دفع إليه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعندهما: لا يدفع إليه ما دام سفيهاً. وأما الرقيق فلا مال له يمنع، فلا يظهر أثر الحجر في حقه في المال، وإنما يظهر في التصرفات، هذا حكم الحجر في مال المحجور. ١ وأما حكمه في تصرفه: فالتصرف لا يخلو إما أن يكون/ من الأقوال وإما أن يكون من الأفعال. أما التصرفات القولية فعلى ثلاثة أقسام: نافع محض، وضار محض، ودائر بين الضَّرر والنفع . أما المجنون فلا تصحُّ منه التصرُّفات القولية كلها، فلا يجوز طَلاَقه وعتاقه وكتابته وإقراره، ولا ينعقد بيعُه وشِرَاؤه حتى لا تلحقه الإجازة، ولا يصحُ منه قَبُول الهبة والصدقة والوصية، وكذا الصبي الي لا يعقل، لأن الأهلية شرط جواز التَّصرُّف وانعقاده، ولا أهلية بدون العَقْل . وأما الصبي العَاقِل فتصحُ منه التصرفات النَّافعة بلا خلاف(٢)، ولا تصحُّ منه التصرفات الضَّارة المحضة بالإجماع. (١) في ب: عنه. (٢) ذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى أن الصبي المميز كغير المميز لا يصح تصرفه ولا ينفذ إذن الولي أم لم يأذن. = ٨٨ كتاب الحجر والحبس فأما في حال عدم الإذن فذلك ظاهر. وأما في حال الإذن فإن إذن الولي لا يغير من حال المحجور، ولا = يكسبه أهلية التصرف سواء كان ذلك التصرف لمحض الضرر أو لمحض المنفعة أو دار بينهما فلا يصح طلاقه ولا إعتاقه ولا إقراره ولا يهب ولا يقبل الهبة، وإنما يصح تصرفه فيما لا يمت إلى المال بسبب الأصالة عن نفسه، فلهذا صح كونه وكيلاً في توزيع الزكاة حتى عين له الجزء الذي يدفع وصح إذنه بدخول الدار ونحو ذلك، وصح أن يكون وكيلاً في إيصال الهدية إن كان مثل الموكل لا يليق به ذلك غير أنهم شرطوا فيه أن يكون مأموناً لم يظهر عليه كذب ولو مرة واحدة. وقال الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهم إن تصرفات الصبي المميز القولية التي تعود عليه بالضرر، وتقتضي ذهاب المال وضياعه كالهبة والصدقة، والعتق وما إلى ذلك من كل تصرف لا يعود على المحجور عليه بفائدة فباطلة ولا يصححه إذن الولي له فيه أما بطلانه منه فلأن الغرض من الحجر عليه حفظ ماله عليه حال الحياة. وصحة هذه التصرفات منه تنافي ما شرع الحجر لأجله، فإن أذن له الولي في هذه التصرفات فإذنه لا يفيد شيئاً، لأن الولي إنما أبيح له أن يفعل ما فيه المصلحة، والإذن في هذه التصرفات عار عن المصلحة لهذا كان إذنه غير مفيد في صحته تصرف الصبي في مثل هذه الأحوال. ويستثنى من ذلك الوصية فإنها تصح من الصغير إذا ميز وعقل القربة، وإن لم يأذن له فيها الولي، وهذا هو مذهب المالكية وأحمد ومشهور مذهب الشافعي. وقال الحنفية: إن وصية الصغير باطلة كالهبة والصدقة وسائر التبرعات. ووجهة المالكية ومن وافقهم في الوصية: أن الغرض من الحجر على الصغير ومنعه من التصرفات إنما شرع لأجل حفظ ماله عليه لينتفع به حال حياته، والوصية إنما تنفذ من ثلث ماله بعد موته فصحتها منه لا تتنافى مع هذا الغرض، لأنها إنما صحت منه بعدما استغنى عن المال بالموت وانتقل المال إلى غيره من الورثة. ويؤيد ذلك ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أن عمرو بن سليم الزرقي أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب إن ههنا غلاماً يفاعاً لم يحتلم من غسان، ووارثه بالشام، وليس له ههنا إلا ابنة عم، قال عمر بن الخطاب فليوص لها، قال فأوصى لها بمال يقال له بئر جشم، وبيع ذلك المال بثلاثين ألف درهم، وكان الغلام الذي أوصى سنة عشر سنين أو اثنتي عشر سنة. أما التصرفات القولية التي تشتمل على المعاوضة وليس فيها ذهاب للمال كالبيع والشراء والمساقاة والإجارة والقرض الخ فإنها تقع من الصبي صحيحة، ولكنها موقوفة على إذن الولي في نفاذها، فما رآه منها مصلحة أو غبطة أجازة وأمضاه، ومالاً فلا، وما استوى فيه الأمران فالولي فيه بخير النظرين إن شاء أمضى وإن شاء رده، هذا إذا كان للصغير ولي، فإن لم يكن له ولي من أب أو وصي أو غيرهما، وغفل عنه حتى رشد وملك أمر نفسه انتقل إليه ما كان للولي من الرد والإمضاء. أما التصرفات القولية التي هل لمحض المنفعة فلا أثر للحجر فيها، إذ هي صحيحة نافذة، لأنه إنما حجر عليه لحفظ ماله وخوفاً من إتلافه وضياعه، وليس في قبول الهبة ونحوها من كل ما يعود على الصغير بالمنفعة ضياع للمال، بل هو فيه تحصیل للمال وإفادة له. ولا خلاف بين العلماء في أن التصرفات الفعلية لا أثر للحجر فيها، فإذا غصب الصبي مال غيره أو أتلفه ما لم يؤتمن عليه من مال الغير فإنه يضمن في ماله إن كان له مال، وفي ذمته إن لم يكن له مال. أما إذا أتلف ما ائتمن عليه كالوديعة فلا ضمان عليه لأن صاحب المال مفرط حيث ائتمن من ليس أهلاً للأمانة، = ٨٩ کتاب الحجر والحبس وأما الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإجارة ونحوها، فينعقد عندنا موقوفاً على إجازة وليه؛ فإن أجاز جاز، وإن رد بطل، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا ينعقد أصلاً، وهي مسألة تصرفات الصبي العَاقِل، وقد مرت في مَوْضِعها. وأما الرقيق فيصحُ منه قَبُول الهبة والصَّدقة والوصية؛ وكذا يصح طلاقه وإقراره بالحدود والقِصَاص، وأما إقراره بالمال فلا يصحُ في حق مولاه، ويصح في حقِّ نفسه حتى يؤاخذ به بعد العِتَاق . وأما البيع وغيره من التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع - فلا ينفذ، بل ينعقد موقوفاً على إجازة المؤْلَى، ودلائل هذه المسائل ذكرت في مواضعها وأما التصرُّفات الفعلية وهي الغُصُوب والإتلافات؛ فهذه العَوَارض وهي الصِّبا والجنون والرق لا تُوجب الحَجْر فيها، حتى لو أتلف الصَّبي والمجنون شيئاً فضمانه في مالهما؛ وكذا العبد إذا أتلف مال إنسان فإنه يؤاخذ به، لكن بعد العتاق. أما السفيه: فعند أبي حنيفة - عليه الرحمة - ليس بمخجُور عن التصرّفات(١) أصلاً، وحاله وحال الرشيد في التصرُّفات سواء، لا يختلفان إلا في وجه واحد؛ وهو أن الصبيّ إذا بلغ سفيهاً يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة، وإذا بلغ رشيداً يدفع إليه ماله. فأما في التصرفات فلا يختلفان، حتى لو تصرَّف بعد ما بلغ سفيهاً، ومنع عنه ماله - نفذ تصرفه كما ينفذ بعد أن دفع المال إليه عنده. فكان أولى بالحمل عليه، وكل ذلك ما لم يصون الصغير ماله بالمال الذي أتلفه. أما إن صون ماله بذلك = ضمن في ماله الحاضر الأقل من قيمة ما أتلف وما صون به ماله لأنه حين حفظ ماله بمال غيره علم أنه حريص على ماله غير مفرط فيه، فوجب أن يؤخذ منه بمقدار ما حفظ به ماله لأن أفعاله أشبه بأفعال العقلاء البالغين منها بغير البالغين. وأما جناية الصغير على النفس أو الطرف عمداً أو خطأ ففيها الدية وتكون على العاقلة إن بلغ ما وجب في الجناية ثلث الدية الكاملة أو زاد عن الثلث، وعلى الصبي إن كان ما وجب أقل من الثلث ويخرج ذلك من ماله، ويؤخذ ما وجب عليه إن كان له مال ويتبع في ذمته إن لم يكن له مال. وإنما انتفى القصاص عن الصبيان في العمد ولزمتهم الدية، لأن القصاص إنما شرع لزجر الجاني واعتبار الغير به، والزجر إنما يتحقق إذا كان الجاني ممن يدرك معنى الجريمة ويعقل حرمة النفس والاعتداء عليها والصبيان خلو من هذه المعاني، والحكم إذا لم تتحقق غايته بطلت شرعيته. وأما الدية فإنما شرعت للتعويض عن النفس وللترويح عن أولياء المجني عليه وتخفيف آلام المصيبة عنهم حتى تنطفىء الضغينة من القلوب، وتنكسر شوكة الحقد من الصدور، وهذا أمر يتحقق ببذل المال من أي شخص كان بالغاً أو صغيراً. ينظر: نظام الحجر لشيخنا سليمان رمضان عثمان، الزيلعي ١٩١/٥ - ١٩٢ منح الجليل ١٦٨/٣، ١٦٩. (١) في ب: التصرف. ٩٠ كتاب الحجر والحبس وأما عندهما: فحكمه وحكم الصبي العاقل/ والبالغ المعتوه سواءً، فلا ينفذ بيعه وشراؤه وإجارته وهبته وصدقته وما أشبه ذلك من التصرُّفات التي تحتمل النَّقض والفسخ. ب وأما فيما سوى ذلك لحكمه وحكم البالغ العاقل الرشيد سواء، فيجوز طلاقه ونكاحه وإعتاقه وتدبيره واستيلاده، وتجب عليه نفقة زوجاته وأقاربه والزكاة في ماله وحجة الإسلام، وينفق على زوجاته وأقاربه ويؤدي الزَّكاة من ماله، ولا يمنع من حجَّة الإسلام، ولا من العُمرة، ولا من القرابين وسوق البدنة، لكن يسلم القاضي النفقة والكراء والهدي على يد أمين، لينفق عليه في الطريق، ولا ولاية عليه لأبيه وجده ووصيهما، ويجوز إقراره على نفسه بالحُدُود والقِصَاص، وتجوز وصاياه بالقُرب في مرض موته من ثُلُث ماله وغير ذلك من التَّصِرُّفات التي تصح من العَاقِل البالغ الرشيد، إلا أنه إذا تزوج امرأة بأكثر من مهر مثلها، فالزيادة باطلة، وإذا أعتق عبده يسعى في قيمته في ظاهر الرواية. وذكر الطحاوي عن محمد - رحمهما الله -: أنه رجع عن ذلك، وقال: يعتق من غير سعاية، فأما فيما سوى ذلك فلا يختلفان. ولو باع السَّفيه أو اشترى، نظر القاضي في ذلك، فما كان خيراً أجاز، وما كان فيه مضرة ردَّه، والله سبحانه أعلم. فصل في بيان ما يرفع الحجر وأما بيان ما يرفع الحجر: أما الصبي فالذي يرفع الحجر عنه شَيْئَان: أحدهما: إذن الولي إياه بالتجارة والثاني: بلوغه إلا أن الإذن بالتجارة يزيل الحَجْر عن التصرفات الدائرة بين الضَّرر والنفع. وأما التصرّفات الضارة المحضة، فلا يزول الحَجْر عنها إلا بالبُلُوغ وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا يزول الحَجْر عن الصبي إلا بالبلوغ (١) وقد مرت المسألة. (١) البلوغ طور من أطوار الحياة، به يستعد الشخص لأداء وظيفته النوعية وهي التناسل، وقريب من هذا قول المأرزي: هي قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولة إلى غيرها. وللبلوغ علامات يُعرف بها، بعضها خاص بالإناث، والبعض الآخر يشترك فيه الإناث والذكور. ((فالقسم الأول)»: الحمل، والحيض. ((والقسم الثاني)»: ثلاثة أنواع: خروج المني، نبات شعر العانة، السن. وإذا بلغ وأونس منه الرشد فك عنه الحجر وسلم إليه ماله. = ٩١ كتاب الحجر والحبس ولكنهم اختلفوا هل يزول الحجر عنه بالبلوغ والرشد بدون مزيل أو لا بد مع ذلك من فك القاضي إن كان = الذي يلي أمر الصبي مقاماً من قبله، أو لا بد من فك الوصي إن كان هو الذي يلي أمر المحجور. فقال الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: يزول الحجر بنفسه ولا يحتاج إلى فك ولا إزالة متى بلغ الصبي رشيداً سواءاً كانت الولاية للأب أم للوصي أم للمقدم من قبل القاضي. وقال المالكية: إن كان ولي الصغير هو الأب ارتفع الحجر عنه بالبلوغ وإيناس الرشد بدون حاجة إلى فك منه وإن كان غير الأب من وصي أو مقدم قاض فلا يرتفع عنه إلا بفك الوصي والمقدم. وقد استدل الأولون : ٠ ١ - بقوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النَّكَاحَ فإنه أَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾. ووجه الدلالة: أن الآية أفادت أن دفع المال إليه مشروط بشرطين: البلوغ وإيناس الرشد، فإذا قلنا إنه لا بد من فك وإزالة كان ذلك شرطاً زائداً عن النص، ومعناه حينئذ أن البالغ الرشيد يظل محجوراً عليه ما دام الحاجر عليه لم يفك الحجر، ولم يأذن له في التصرف وهذا غاية الفساد. - ٢ - إن سبب الحجر هو عدم العقل أو نقصانه، وحيث إنه قد بلغ ورشد فقد زال عنه الحجر فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. - ٣ - إن الصغير منحجر لا محجور، ومعناه أن الحجر لم يكن بحكم قاضٍ وشيء ثبتت بدون مثبت وجب أن يزول بدون مزيل. ولعل وجهة نظر المالكية في التفريق بين الأب وغيره أن حجر الأب على الصغير حجر أصالة وهو بذلك لا يحتاج إلى فك، وأما حجر الوصي والمقدم فإنما كان بإدخال وجعل فاحتاج إلى فك منهما. وعندي أن ما ذهب إليه المالكية من التفريق بين الأب وبين الوصي والمقدم مستقيم، وذلك لأن الآباء مفطورون على حب الصالح العام لأبنائهم فلا يطلقون أيديهم في التصرفات ألا إذا تبين لهم رشدهم واستثمارهم للمال على خير الوجوه وأحسنها. أما الأوصياء والمقدمون فليست لهم هذه الصفة، بل ربما سلموا المال إلى المحجورين، وأبرأهم المحجور مما كان له قبلهم، فصيانة المال والاحتياط فيه داعيان إلى عدم رفع الحجر عنه لمجرد قولهم بل لا بد من إشهاد الوصي على الفك وإذن القاضي للمقدم. («وفك الحجر عن الأنثى إذا بلغت وأونس رشدها)» قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه: متى بلغت الجارية راشدة وجب رفع الحجر عنها وتسليم مالها إليها كالذكر تزوجت أم لم تتزوج. وقال مالك يستمر الحجر عليها إلى أن يدخل بها الزوج ويشهد العدول بصلاح حالها إن كانت من ذوات الأب، وإلى فك الوصي والمقدم إن كان الذي يلي أمرها هو الوصي أو المقدم. وقال أحمد في الرواية الأخرى: يستمر الحجر عليها حتى تتزوج وتلد، أو تمكث سنة في بيت زوجها. وقد استدل الأولون: ٠ ١ - بقوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النَّكَاحَ﴾ الآية. ووجه الدلالة: أن الآية علقت دفع المال إليهم على شرطين بلوغ وإيناس رشد، ولم تشترط ثالثاً هو الذكورة أو دخول الزوج أو مضي سنة أو فك وصي. - ٢ - أنها صغير بلغ وأونس رشده فوجب أن يزول عنها الحجر ويدفع إليها المال كالذكر. - ٣ - أنها بالغة رشيدة فيجوز لها التصرف في كل مالها كالتي دخل بها الزوج. = ٩٢ كتاب الحجر والحبس ثم عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: يزول الحجر عن التصرفات(١) بالبلوغ، سواء بلغ رشيداً أو سفيهاً؛ وكذا عند أبي يوسف إلا أن يحجر عليه القَاضِي بعد البُلُوغ فينحجر بحجره. وعند أبي حنيفة - رحمه الله -: لا ينْحَجر الصَّبي عن التصرُّف بحَجر القاضي، لكن يمنع ماله إلى خمس وعشرين سنة. وعند محمد والشافعي: لا يزول إلا ببلوغه رشيداً، ثم البلوغ في الغُلام يعرف بالاختلام/ والإحبال والإنزال(٢)، وفي الجارية يعرف بالحيض والاحتلام والحَبلَ؛ فإن لم يوجد شيء من ذلك فيعتبر بالسن. 1 واستدل مالك بالقياس، وحاصله أن الأب له إجبارها على النكاح بدون إذنها فله الحجر عليها في مالها = من باب أولى؛ لأن النكاح يرجع إلى النفس وذلك يرجع إلى المال. وقد يرد بقيام الفارق، فإن المعنى الذي من أجله كان لأبيها حق الإجبار هو أنها لا تدري مصلحة الزواج، ولا تعلم أي زوج هو أفضل فربما نزت بها نزوة في شاب غرر بها وخدعها فكانت نكبة إن هي تخلصت منه فذلك شر ونحس، وإن هي لم تستطع الخلاص منه فإما إلى حياة شقية تعسة، وإما إلى حياة شريرة فاجرة. والوقائع في عصرنا شاهدة بذلك. وهذا المعنى غير متحقق في المال، لأنها يمكنها أن تدبر فيه وجه المصلحة، وإنا لا نعقل علاقة بين المال والنكاح. واستدل أحمد بما روي عن شريح أنه قال: عهد إلى عمر بن الخطاب ألا أجيز لجارية عطية حتى تجول في بيت زوجها حولاً، أو تلد ولداً، والوجه: أن عدم الإجازة ليس إلا لكونها محجوراً عليها. وقد يقال: ١ - لا نسلم صحة الحديث وإن سلمنا فهو لم يشتهر، وأيا ما كان فمثله لا يترك به الكتاب، والكتاب لم يشرط لدفع المال إلا شرطين: البلوغ وإيناس الرشد. ٢ - أنه يفيد منع العطية، والعطية تصرف بدون عوض فلا يستلزم منعها من جميع تصرفاتها. ينظر نظام الحجر لشيخنا سليمان عثمان. (١) في ب: التصرف. (٢) من علاقات البلوغ: خروج المني منهما في اليقظة، أو النوم؛ ويدل لذلك قول النبي نَّهِ: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ، عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظُ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَفِيْقَ وعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ)) وقول النبي ◌َّلـ لمعاذ: (خَذْ مِنْ كُلِّ حَالِمِ دِينَاراً))، وقوله الله تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الحُلُمَ فَلْيَستأذِنُوا كَمَا اسْتَأَذَنَه الَّذِينَ مِنْ قَبَلِهِمْ ... ﴾ الآية. ونبات شعر العانة على فرج الذكر، والأنثى. وخالف في ذلك أبو حنيفة - رضي الله عنه - فلم يره علامة للبلوغ، مستنداً إلى أن شعر العانة شعر نبت على الجسم كغيره من الشعور، فلا يصلح علامة على البلوغ كغيره. أما الجمهور فإنه استند إلى ما ورد من أن النبي ◌َّ لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم سعد بأن تقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم، أمر عليه الصلاة والسلام بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من القاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، وفي ذلك يقول عطية القرظي: عرضت على رسول الله وَّ ه يوم قريظة فشكوا فيّ، فأمر النبي ◌َّل أن ينظر هل أنبت بعد، فنظروا إلي، فلم يجدوني أنبت بعد، فألحقوني بالذرية. = ٩٣ كتاب الحجر والحبس أما معرفة البلوغ بالاحتلام، فلما رُوِيَ عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: مِنْهَا الصَّبِيُّ حَتَّى يَخْتَلِمَ)». جعل - عليه الصلاة والسلام - الاحتلام غاية لارتفاع الخطاب، والخطاب بالبُلُوغ دلَّ أن البلوغ يثبت بالاختِلام، ولأن البلوغ والإدراك عبارة عن بلوغ المرء كمال الحَالِ، وذلك بكمال القُدْرة والقوة، والقدرة من حيث سلامة الأسْبَابِ والآلات هي إمكان استعمال سائر الجوارح السَّليمة، وذلك لا يتحقق على الكمال إلا عند الاحتلام. فإن قيل: الإدراك إمكان استعمال سائر الجَوَارح إن كان ثابتاً، فأما إمكان استعمال الآلة المخْصُوصة وهو قضاء الشَّهوة على سبيل الكَمَال فليس بثابت؛ لأن كمالها بالإنزال والاحتلام سبب لنزول الماء على الأغلب، فجعل عَلَماً على البلوغ؛ ولأن الله تعالى أمر بابتغاء الولد، وأخبر أنه مكتوب له (١) بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والتَّكليف بابتغاء الولد إنما يتوجه في وقت لو ابتغى الولد لوجد، ولا يكون ذلك إلا في [حال] (٢) خروج الماء للشَّهوة، وذلك في حق الصَّبي بالاحتلام في المتَعَارف؛ ولأن عند الاحتلام يخرج عن حيز الأولاد، ويدخل في حيز الآباء حتى يسمى أبا فلان لا ولد فلان في المتعارف، لأن عنده يصير من أهل العلوق، فكان الاحتلام علماً على البلوغ. وإذا ثبت أن البلوغ يثبت بالاحتلام يثبت بالإنزال، لأن ما ذكرنا من المعاني يتعلق بالتُّزول لا بنفس الاحتلام، إلا أن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة، فعلق الحكم به وكذا الإحبال، لأنه لا يتحقَّق بدون الإنزال عادةً، فإن لم يوجد شيء مما ذكرنا فيعتبر البُلُوغ بالسّن. وقد اختلف العلماء في أذنَى السن التي يتعلَّق بها البُلُوغ. فأنت ترى أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الإنبات فارقاً بين المقاتلة والذرية، فكان علامة على = البلوغ، إذ لا يقتل إلا من بالغ. وكذلك ثبت أن عمر رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله ألاَّ تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي، ويعني بذلك من نبتت عانته، فدلَّ ذلك على أن نبات شعر العانة علامة على البلوغ، لأن الجزية لا تؤخذ إلا ممن بلغ. وأيضاً فقد ورد أن غلاماً من الأنصار شبب بامرأة في شعره، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فلما كشف من مؤتزره لم يجده أنبت، فقال: ((لو أنبت الشعر لحددتك)) فكل ذلك يفيد أن نبات شعر العانة علامة من علامات البلوغ وأما ما قاله أبو حنيفة فغير ظاهر: فإن شعر العانة قد امتاز عن غيره من الشعور بأنه لا ينبت إلا عند البلوغ، أما غيره فقد يتقدم البلوغ كشعر الجسد وقد يتأخر عنه كشعر اللحية والشارب. ينظر: نظام الحجر لشيخنا سليمان رمضان عثمان. (١) في ب: لنا. (٢) سقط في ط. ٩٤ كتاب الحجر والحبس قال أبو حنيفة - رضي الله عنه: ثماني عشرة سنة في الغُلام، وسبع عَشْرة في الجارية. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله -: خمس عشرة سنة في الجارية ب والغُلاَم جميعاً] (١) . وجه قولهم: إن المؤثر في الحقيقة هو العقل، وهو الأصل في الباب؛ إذ به قوام الأحكام، وإنما الاحتلام جعل حداً في الشرع لكونه دليلاً على كمال العقل، والاحتلام لا يتأخر عن خمس عشرة سنة عادةً، فإذا لم يحتلم إلى هذه المدة علم أن ذلك لآفة في خلقته، والآفة في الخلقة لا توجب آفة في العقل، فكان العقل قائماً بلا آفة، فوجب اعتباره في لزوم الأحكام . وقد روي عن ابن(٢) سيدنا عمر رضي الله عنه أنه عرض على رسول الله وَّر غلام وهو ابن أربع عشرة سنة، فردَّه، وعرض وهو ابن خمس عشرة فأجازه، فقد جعل وَّل خمس عشرة حدًّا للبلوغ(٣). ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن الشّرع لما علق الحكم والخِطَّاب بالاحتلام بالدلائل التي ذكرناها، فيجب بناء الحكم عليه ولا يرتفع الحكم عنه ما لم يتيقن بعدمه، ويقع اليأس عن وجوده، وإنما يقع اليأس بهذه المدة، لأن الاحتلام إلى هذه المدة متصور في الجملة، فلا (١) وقد اختلف في تحديده فقيل يقدر بخمسة عشر عاماً في الذكر والأنثى، وهذا هو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وابن وهب، وابن الماجشون من المالكية. وقال أبو حنيفة تقدر بسبعة عشر عاماً في الجارية، وبثمانية عشر في الغلام، لأن النماء في الإناث أقوى من النماء في الذكور. وقال مالك: المعتبر سن لا يبلغها شخص إلا وقد احتلم وخلاصة القول إن المسألة اجتهادية يرجع فيها إلى حكم العادة، وإن كان القول بأن السن المعتبرة هي خمسة عشر عاماً في الذكر والأنثى له ما يرجحه. فقد ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: عرضت على رسول الله وَلهو يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني ولم يرني بلغت. وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازني. ولما أخبر بذلك عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: ((ألا تفرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة» رواه الشّافعيُّ. فظاهر كلام ابن عمر يدلُّ على أن رسول الله وَّهِ رده في الأول، لأنه لم يبلغ بالسن ولا بغيرها، وأجازه في المرة الثانية، لأنه قد بلغ بالسِّنِّ. وتأويله بأنه أجازه لبلوغه بعلامة أخرى - تأويل بعيد، لا يتمشى مع ظاهر الكلام. ينظر: نظام الحجر لشيخنا سليمان رمضان عثمان. (٢) سقط في ط . (٣) تقدم. ٩٥ كتاب الحجر والحبس يجوز إزالة الحكم الثَّابت بالاحتلام عنه مع الاحتمال، على هذا أصول الشرع، فإن حكم الحيض لما كان لازماً في حق الكبيرة لا يزول بامتداد الطهر ما لم يوجد اليأس، ويجب الانتظار لمدة اليأس؛ لاحتمال عود الحيض، وكذا التفريق في حق العنين لا يثبت ما دام طمع الوصول ثابتاً، بل يؤجل سنة لاحتمال الوصول في فصول السنة، فإذا مضت السنة ووقع اليأس يحكم بالتفريق. وكذا أمر (١) الله سبحانه وتعالى بإظهار الحجج في حق الكُفَّار والدعاء إلى الإسلام إلى أن يقع اليأس عن قبولهم، فما لم يقع اليأس لا يباح لنا القتال. فكذلك ههنا ما دام الاحتلام يرجى، يجب الانتظار، ولا يأس بعد مدة خمس عشرة إلى هذه المدة، بل هو مرجوٍّ، فلا يقطع الحكم الثَّابت بالاحْتِلاَم عنه مع رجاء وجوده بخلاف ما بعد هذه المدة، فإنه لا يحتمل وجوده بعدها، فلا يجوز اعتباره في زمان اليأس عن وجوده. وأما الحديث فلا حجة فيه، لأنه يحتمل أنه أجاز ذلك، لما علم بَّ أنه احتلم في ذلك الوقت، ويحتمل أيضاً أنه أجاز ذلك لما رآه صالحاً للحرب محتملاً له على سبيل الاعتياد للجهاد، كما أمرنا باعتبار سائر القرب/ في أول أوقات الإمكان والاحتمال لها، فلا يكون حجة مع الاحتمال، وإذا أشكل أمر الغلام المراهق في البلوغ، فقال: قد بلغت، يقبل قوله ويحكم ببلوغه؛ وكذلك الجارية المراهقة؛ لأن الأصل في البلوغ هو الاحتلام على ما بينا، وأنه لا يعرف إلا من جهته، فألزمت الضَّرورة قبول قوله؛ كما في الإخبار عن الطهر والحيض، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما المجنون فلا يزول الحجر عنه إلا بالإفاقة، فإذا أفاق رشيداً أو سفيهاً، فحكمه في ذلك حكم الصبي(٢) وقد ذكرناه. وأما الرقيق فالحجر يزول عنه بالإعتاق مرة وبالإذن بالتجارة أخرى، إلا أن الإعتاق يزيل الحجر عنه على الإطلاق، والإذن بالتجارة لا يزيل إلا في التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع. وأما السفيه فلا حجر عليه عن التصرف أصلاً عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فلا يتصور الزوال. (١) في ب: أمرنا. (٢) وقد اتفق الفقهاء على أن زوال الحجر بسبب الجنون لا يحتاج إلى حكم من الحاكم، بل يكون بمجرد الإفاقة رشيداً، ولم يخالف في ذلك فيما اطلعت عليه إلا القاضي عبد الوهاب البغدادي من المالكية، وهذا هو نص عبارته قال ((ولا ينفك الحجر بحكم أو بغير حكم إلا بحكم من الحاكم، وسواء في ذلك الصبي والمجنون والبالغ والمفلس)) وهو قول لم يظهر له لقليل عندي فإن أفعال العقلاء واضحة لا تشتبه بأفعال المجانين، فليس الجنون أمراً مجتهداً فيه حتى يتوقف زوال الحجر به إلى حكم حاكم. ٩٦ كتاب الحجر والحبس وأما على مذهبهم فزواله عند أبي يوسف بضدِّه، وهو الإطلاق من القاضي؛ فكما لا ينحجر إلا بحجره لا ينطلق إلا بإطلاقه. وعند محمد والشافعي - رحمهما الله -: زوال الحجر عى السفيه بظهور رشده، لأن الحجارة كان بسفهه، فانطلاقه يكون بضده وهو رشده(١)، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الفصل الثاني: وهو فصل الحبس فالحبس على نوعين: حبس المديون بما عليه من الدین، وحبس العین بالدین. أما الأول فالكلام فيه في مواضع: في بيان سبب وجوب الحبس وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان ما يمنع عنه المحبوس وما لا يمنع. أما سبب وجوب الحبس: فهو الدين قل أو كثر. وأما شرائط الوجوب فأنواع بعضها يرجع إلى الدين، وبعضها يرجع إلى المديون، وبعضها يرجع إلى صاحب الدين. أما الذي يرجع إلى الدين فهو أن يكون حالاً فلا يحبس في الدين المؤجل، لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين، ولم يوجد من المديون لأن صاحب الدين هو الذي أخّر حق نفسه بالتأجيل، وكذا لا يمنع من السفر قبل حُلُول الأجل، سواء بعد محله أو قرب، لأنه لا يملك مطالبته قبل حلِّ الأجل، ولا يملك منعه، ولكن له أن يخرج معه حتى إذا حل ب الأجل منعه/ من المضيِّ في سفره إلى أن یوفيه دينه. وأما الذي يرجع إلى المديون: فمنها القدرة على قضاء الدين، حتى لو كان معسراً لا يحبس، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ولأن الحبس لدفع الظلم بإيصال حقِّه إليه، ولا ظلم فيه لعدم القدرة، ولأنه إذا لم يقدر على قضاء الدين لا يكون الحبس مفيداً، لأن الحبس شرع للتوسُّلِ إلى قضاء الدين لا لعينه. ومنها المطل؛ وهو تأخير قَضَاء الدين؛ لقوله وََّ: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ))(٢) فيحبس دفعاً للظلم لقضاء الدَّين بواسطة الحَبْس. وقوله وَله: ((لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ))(٣) والحبس عقوبة، وما لم يظهر منه (١) أما الرشد فقال كثير من العلماء: إنه الصلاح في المال، وحسن التصرف فيه، وتثميره، وتنميته. وذهب الشافعي، وجماعة إلى أن المراد به الصَّلاح في المال والدين. (٢) تقدم. (٣) أخرجه أحمد (٣٨٨/٤) وأبو داود (٤٥/٤) كتاب الأقضية: باب الحبس في الدين حديث (٣٦٢٨) = ٩٧ كتاب الحجر والحبس المطل لا يحبس، لانعدام المطل(١) واللي منه. ومنها: أن يكون من عليه الدين ممن سوى الوالدين لصاحب الدين، فلا يحبس الوالدون وإن علوا بدين المولودين وإن سفلوا، لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفَا﴾ [لقمان: ١٥] وقوله تعالى: ﴿وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة: ٨٣] وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان حبسهما بالدين، إلا أنه إذا امتنع الوالد من الإنفاق على ولده الذي عليه نفقته، فإن القاضي يحبسه لكن تعزيراً لا حبساً بالدين. وأما الولد فيحبس بدين الوالد، لأن المانع من الحبس حق الوالدين(٢)، وكذا سائر الأقارب يحبس المديون بدين قريبه كائناً من كان، ويستوي في الحبس الرجل والمرأة، لأن الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة والأنوثة، ويحبس ولي الصغير إذا كان ممَّن يجوز له قضاء دينه، لأنه إذا كان الظلم بسبيل من قضاء دينه صار بالتّأخير ظالماً، فيحبس ليقضي الدين فيندفع الظلم. وأما الذي يرجع إلى صاحب الدين فطلب الحبس من القاضي، فما لم يطلب لا يحبس، لأن الدين حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، ووسيلة حق الإنسان حقه، وحق المرء إنما يطلب بطلبه، فلا بد من الطلب للحبس. وإذا عرف سبب وجوب الدين وشرائطه، فإن ثبت عند القاضي السَّبب مع شرائطه بالحجة، حَبَسه لتحقق الظلم عنده بتأخير حقِّه/ من غير ضرورة، والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه . والنسائي (٣١٦/٧) كتاب البيوع: باب مطل الغني وابن ماجه (٨١١/٢) كتاب الصدقات: باب الحبس = في الدين والملازمة حديث (٢٤٢٧) والبخاري في (التاريخ الكبير)) (٢٦٠/٤) وابن أبي شيبة (٧٩/٧) وابن حبان (١١٦٤ - موارد) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٤١٣/١) والحاكم (١٠٢/٤) والبيهقي (٦/ (٥) كتاب التفليس: باب حبس من عليه الدين والطبراني في ((الكبير)) (٣١٨/٧) رقم (٧٢٤٩، ٧٢٥٠) كلهم من طريق وبر بن أبي دليلة ثنا محمد بن ميمون بن مسيكة عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله ◌َ ي قال: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان. والحديث ذكره البخاري تعليقاً (٧٥/٥) كتاب الاستقراض: باب لصاحب الحق مقال. قال الحافظ في الفتح (٧٦/٥): والحديث المذكور وصله أحمد وإسحاق في مسنديهما وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن الشريد بن أوس الثقفي عن أبيه بلفظه وإسناده حسن. وذكر الطبراني أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد. (١) في ب: الظلم. (٢) في ب: الوالد. بدائع الصنائع ج ١٠ - ٧٣ ٩٨ كتاب الحجر والحبس وإن اشتبه على القاضي حاله في يساره وإعساره، ولم يقم عنده حجّة على أحدهما، وطلب الغرماء حبسه - فإنه يحبسه ليتعرَّف عن حاله أنه فقير أم غني، فإن علم أنه غني حبسه إلى أن يقضي الدين؛ لأنه ظهر ظلمه بالتأخير، وإن علم أنه فقير خلى سبيله، لأنه ظهر أنه لا يستوجب الحَبْس فيطلقه، ولكن لا يمنع الغُرَمَاء [عن] ملازمته عند أصْحَابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، إلا إذا قضى القاضي بالإنظار، لاحتمال أن يرزقه الله سُبْحَانه وتعالى مالاً؛ إذ المال غاد ورائح وعند زفر - رحمه الله -: لا يلازمونه، لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسِرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨] ذكر النظرة بخلاف الفاء، فثبت من غير قضاء القاضي. ولنا: أن النظرة هي التأخير، فلا بد وأن يؤخر، وهو أن يؤخره القاضي أو صاحب الحق ولا يمنعونه من التصرف ولا من السَّفر، فإذا اكتسب يأخُذُون فضل كَسْبه فيقتسمونه بينهم بالحِصَص، وإذا مضى على حَبْسه شهر أو شهران أو ثلاثة، ولم ينكشف حاله في اليسار والإعسار - خلى سبيله، لأن هذا الحَبْس كان لاستبراء حاله وإبلاء عذره، والثلاثة الأشهر مدة صَالِحة لاشتهار الحال وإيلاء العذر فيطلقه، لكن الغرماء لا يمنعون من ملاَزَمته فيلازمونه، لكن لا يمنعونه من التصرُّف والسفر على ما ذكرنا. ولو اختلفا في اليسار والإعسار، فقال الطالب: هو موسر، وقال المطلوب: أنا معسر؛ فإن قامت لأحدهما بينة قبلت بينته، وإن أقاما جميعاً البينة، فالبينة بينة الطالب؛ لأنها تثبت زيادة وهي اليسار. وإن لم يقم لهما بينة، فقد ذكر محمد في الكفالة والنكاح والزيادات: أنه ينظر إن ثبت الدين بمعاقدة كالبيع والنكاح والكفالة، والصلح عن دم العمد، والصلح عن المال، والخلع؛ أو ثبت تبعاً فيما هو معاقدة؛ كالنفقة في باب النكاح - فالقول قول الطالب، وكذا في الغصب ب والزكاة، وإن ثبت الدين بغير ذلك كإحراق الثوب أو القتل الذي لا يوجب القصاص/، ويوجب المال في مال الجاني، وفي الخطأ - فالقول قول المطْلُوب. وذكر الخصاف - رحمه الله - في ((آداب القاضي)): أنه إن وجب الدين عوضاً عن مال سالم للمشتري نحو ثمن المبيع الذي سلم له البيع. والقرض والغصب والسلم الذي أخذ المسلم إليه رأس(١) المال - فالقول قول الطالب، وكل دين ليس له عِوَض أصلاً، كإحراق الثوب، أو له عوض ليس بمال، كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد والكفالة فالقول قول المطلوب. (١) في ب: برأس. ٩٩ كتاب الحجر والحبس واختلف المشايخ فيه : قال بعضهم: القول قول المطلوب على كل حال، ولا يحبس، لأن الفقر أصل في بني آدم والغنى عارض، فكان الظَّاهر شاهداً للمطلوب، فكان القول قوله مع يمينه. وقال بعضهم: القول قول الطَّالب على كل حالٍ؛ لقوله وَّ: ((لِصَاحِبِ الحَقِّ اليَدُ وَاللِّسَانُ))(١) . وقال بعضهم: يحكم زيه إذا كان زيه زي الأغنياء، فالقول قول الطالب، وإن كان زيه زي الفُقَراء، فالقول قول المطْلُوب. وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله -: إنه يحكم زيه، فيؤخذ بحكمه في الفقر والغنى إلا إذا كان المطْلُوب من الفُقَهاء أو العلوية أو الإِشراف، لأن من عاداتهم التكلف في اللباس والتجمل بدون الغنى فيكون القول قول المديون أنه معسر وجه ما ذكره الخصاف - رحمه الله - أن القول في الشّرع قول من يشْهَد له الظاهر، وإذا وجب الدين بدلاً عن مال سلم له، كان الظاهر شاهداً للطالب، لأنه ثبتت قدرة المطلوب بسلامة المال؛ وكذا في الزكاة لأنها(٢) لا تجب إلا على الغني، فكان الظاهر شاهداً للطالب. وجه قول محمد - رحمه الله - وهو ظاهر الرواية: أن الظَّاهر شاهد للطّالب فيما ذكرنا (١) روى الدارقطني في سننه (٢٣٢/٤) في كتاب الأقضية والأحكام ثنا أبو علي الصفار ثنا عباس بن محمد ثنا أبو عاصم ثنا ثور بن يزيد عن مكحول قال: قال رسول الله وَّل: ((إن لصاحب الحق اليد واللسان)). قال الزيلعي في نصب الراية (١٦٦/٤). ((وهو مرسل ورواه ابن عدي في ((الكامل)) عن محمد بن معاوية أبي معاوية النيسابوري ثنا بقية عن محمد بن زياد عن أبي عتبة الخولاني. قال: قال رسول الله وَله: ((لصاحب الحق اليد واللسان)) وله شاهد من حديث أبي هريرة. رواه البخاري (٣٤٢/٥) كتاب الاستقراض وآداء الديون، باب لصاحب الحق مقال الحديث (٢٤٠١). من طريق أبي مسلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أتى النبي ◌َّه رجل يتقاضاه فأغلظ له فهم به أصحابه فقال: ((دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً)). والحديث رواه مسلم (٤١/٦) كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه الحديث (١٦٠١). والترمذي (٥٩٩/٣) كتاب البيوع، باب ٧٥ الحديث (١٣١٧) والنسائي (٢٩١/٧) كتاب البيوع، باب استسلاف الحيوان واستقراضه وليس فيه العبارة موضع الشاهد وابن ماجه (٨٠٩/٢) كتاب الصدقات، باب حسن القضاء الحديث (٢٤٢٣) وليس فيه أيضاً موضع الشاهد كلهم رووه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً . (٢) في ط: أنها . ١٠٠ كتاب الحجر والحبس أيضاً من طريق الدلالة، وهو إقدامه على المعاقدة، فإن الإقدام على التزوج(١) دليل القُدرة، إذ الظاهر أن الإنسان لا يتزوج حتى يكون له شيء، ولا يتزوج أيضاً حتى يكون له قُدْرَة على المهر، وكذا الإقدام على الخُلْع، لأن المرأة لا تخالع عادةً حتى يكون عندها شيء، وكذا الصُّلح لا يقدم الإنسان عليه إلا عند القَدْرَة، فكان الظَّاهر شاهداً للطالب في هذه المواضع، أ فكان القول قوله/، والله تعالى أعلم. فصل فیما یمنع المحبوس عنه وما لا يمنع وأما بيان ما يمنع المحبوس عنه، وما لا يمنع: فالمحبوس ممنوع عن الخروج إلى أشغاله ومهمَّاته، وإلى الجُمَع والجماعات، والأعياد، وتشييع الجنائز، وعيادة المرضى، والزّيارة والضِّيافة؛ لأن الحبس للتوسُّل إلى قضاء الدين، فإذا منع عن أشغاله ومهماته الدينية والدنيوية تضجّر، فيسارع إلى قضاء الدين، ولا يمنع من دخول أقاربه عليه، لأن ذلك لا يخلُّ بما وضع له الحبس، بل قد يقع وسيلة إليه، ولا يمنع من التصرُّفات الشرعيَّة، من البيع والشراء والهبة والصدقة والإقرار لغيرهم من الغرماء، حتى لو فعل شيئاً من ذلك نفذ، ولم يكن للغرماء ولاية الإبطال، لأن الحبس لا يوجب بطلان أهلية التصرفات. ولو طلب الغُرَمَاء الذين حبس لأجلهم من القَاضِي أن يحجر على المخبُوس من الإقرار والهبة والصَّدقة وغيرها - لم يجبهم إلى ذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: له أن یجیبهم إليه . وكذا إذا طلبوا من القاضي بيع ماله عليه، ممَّا سِوَى الدَّراهم والدنانير، من المنقول والعقار - له أن يجيبهم إليه عندهما. وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله -: فلا يجيبهم إلى ذلك، وهي مسألة الحجر، لكن إذا كان دينه دَرَاهم وعنده دراهم؛ فإن القاضي يقضي بها دينه، لأنها من جنس حقه، وإن كان دينه دراهم وعنده دنانير - باعها القَاضِي الدَّراهم وقضى بها دينه، وكذا إذا كان دينه دنانير وعنده دراهم - باعها القاضي بالدنانير وقضى بها دينه، فرق بين الدنانير والدراهم وبين سائر الأموال، إنه يبيع أحدهما بالآخر لقضاء الدين، ولا يبيع سائر الأموال. ، ووجه الفرق: أن الدراهم والدنانير من جنس، واحد من وجه، بدليل أنه يكمل نِصَاب أحدهما بالآخر في باب الزكاة، والمؤدي عن أحدهما كان مؤدياً عن الآخر عند الهلاك، فكان بينهما مجانَسَة من وجه، فصار(٢) كل واحد منهما كعَيْن الآخر حكماً، وليس بين العروض (١) في ب: التزويج. (٢) في ب: فكان.