Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب السير (١٥٩/٣) كتاب الجهاد - باب في السلب يعطي القاتل حديث (٢٧١٧) وابن ماجه (٩٤٦/٢): كتاب = الجهاد - باب المبارزة والسلب - حديث (٢٨٣٧) والترمذي (١١١/٤) كتاب السير: باب ما جاء في من قتل قتيلاً - حديث (١٥٦٢). والحميدي (٢٠٤/١) رقم (٤٢٣) والدارمي (٢٢٩/٢) كتاب السير باب من قتل قتيلاً فله سلبه وأبو عبيد القاسم بن سلام في ((الأموال)) رقم (٧٧٦) وابن الجارود (١٠٧/٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢٦/٣) والبيهقي (٩/ ٥٠) والبغوي في شرح السنة (٦١٢/٥ - بتحقيقنا) من طريق يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عنه. مطولاً ومختصراً. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه أحمد (٣٠٧/٥) عن إسحاق بن عيسى والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢٧/٣) من طريق ابن المبارك كلاهما عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي قتادة الأنصاري أنه قتل رجل من الكفار فنفله النبي ◌َّو سلبه ودرعه فباعه بخمسة أواق. وابن المبارك من قدماء أصحاب ابن لهيعة. وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك. أخرجه أبو داود (٧٨/٢) كتاب الجهاد: باب في السلب يعطى للقاتل حديث (٢٧١٨) والدارمي (٢/ ٢٢٩) كتاب الجهاد والسير: باب من قتل قتيلاً فله سلبه وابن حبان (١٦٧١ - موارد) والطحاوي في (شرح معاني الآثار)) (٢٢٧/٣) والحاكم (٣٥٣/٣) وأبو داود الطيالسي (١٠٨/٢ - ١٠٩ - منحة) رقم (٢٣٧٤) والبيهقي (٣٠٦/٦ - ٣٠٧) كتاب قسم الفيء: باب السلب للقاتل وأحمد (١١٤/٣). من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: قال رسول الله وَلو يوم حنين ((من قتل قتيلاً فله سلبه» قال أبو داود: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وصححه أيضاً ابن حبان. وله شاهد أيضاً من حديث سمرة بن جندب. أخرجه أحمد (١٢/٥) وابن ماجه (٩٤٧/٢) كتاب الجهاد: باب المبارزة والسلب حديث (٢٨٣٨) والبيهقي (٣٠٩/٦) من طريق نعيم بن أبي هند عن ابن سمرة بن جندب عن أبيه قال: قال رسول الله وَّلـ ((من قتل فله السلب)). قال البوصيري في ((الزوائد)) (٤١٦/٢): هذا إسناد فيه لبس سمرة بن جندب واسمه سليمان بن سمرة بن جندب. ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن القطان: حاله مجهول وباقي رجال الإسناد ثقات اهـ. وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وعوف بن مالك وابن عباس وجابر. أما حديث سلمة بن الأكوع أخرجه مسلم (١٣٧٤/٣ - ١٣٧٥) كتاب الجهاد والسير: باب استحقاق القاتل سلب القتيل حديث (٤٥/ ١٧٥٤) من طريق إياس بن سلمة قال: حدثني أبي سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله وَله هوازن فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَخَّى معَ رَسُولِ اللهِ وَهَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلِ أَحْمَر. فَأَنَاخَهُ. ثمَّ انْتَزَعَ طَلَقاً مِنْ حَقَبِهِ فَقَيَّدَ بِهِ الجَمَلَ. ثُمَّ تقدّمَ يَتَغَذَّى معَ الْقَوْمِ، وجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِنَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ في الظَّهْرِ. وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ. إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطِلَقَ قَيْدَهُ، ثُمَّ أَنَاخَه وَقَّعَدَ عَلَيْهِ فَأَثَارَهُ، فَاشْتَذَّ بِهِ الْجَمَلُ فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ. = ٤٦٢ كتاب السير قال سَلَّمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدٍ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّقَةِ. ثمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ: ثمَّ تَقدَّمْتُ = حتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ. فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فَنَدَرَ. ثمَّ جِثْتُ بِالَّجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيْهِ رَخْلُهُ وَسِلاَحُهُ. فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِ وَ وَالنَّاسُ مَعَهُ. فَقَالَ ((مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟)) قَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ. قَالَ (لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ)). وللحدیث طریق آخر مختصر أخرجه ابن ماجه (٩٤٦/٢) كتاب الجهاد: باب المبارزة والسلب حديث (٢٨٣٦) من طريق أبي العميس وعكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: بارزت رجلاً فقتلته فنفلني رسول الله وَ لتر سلبه. قال البوصيري في ((الزوائد» (٤١٦/٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات واسم أبي عميس عتبة بن عبد الله . أما حديث عوف بن مالك. أخرجه مسلم (١٣٧٣/٣) كتاب الجهاد والسير: باب استحقاق القاتل سلب القتيل حديث (١٧٥٣/٤٣) عن عوف بن مالك قال: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدٍ بِنْ حَارِثَةَ، فِي غَزْوَةٍ مُؤْتَةً، وَرَافَقَنِي مِدَدِيٌ مِنَ الْيَمَنِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ بِنَحْوِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قال في الحَدِيثِ: قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى. وَلَّكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. أما حديث ابن عباس. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٥) من طريق إبراهيم بن أدهم عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس. قال أبو نعيم: غريب من حديث إبراهيم لم نكتبه إلا من هذا الوجه. -تنبيه: عزا الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث المختصر)) (١٥٢/٢) هذا الحديث لأبي نعيم في ((الحلية)) بلفظ: من قتل قتيلاً فله سلبه وليس كما قال فاللفظ هو كما تقدم. حديث آخر عن ابن عباس أخرجه أحمد (٢٨٩/١) من طريق مقسم عنه أن النبي ◌َّ مر على أبي قتادة وهو عند رجل قد قتله فقال: دعوه وسلبه. ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٣٣٣/٥ - ٣٣٤) وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط بمعناه ورجال أحمد والكبير رجال الصحيح غير عتاب بن زياد وهو ثقة. حدیث آخر ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٣٣٤/٥) عنه قال: انتهى عبد الله بن مسعود إلى أبي جهل يوم بدر وهو رقيد فاستل سيفه فضرب عنقه فنذر رأسه ثم أخذ سلبه فأتى النبي ◌َّ فأخبره أنه قتل أبا جهل فاستحلفه بالله ثلاث مرات فحلف فجعل له سلبه. وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن أبي إسحاق أبو إسرائيل الملاتي وهو ضعيف وقال أحمد: یکتب حديثه. ۔ حدیث جابر أخرجه البيهقي (٣٠٩/٦) من طريق أبي الوليد ثنا هشام عن شريك عن ابن عقيل عن جابر قال: بارز عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه رجلاً يوم مؤتة فقتله فنفله رسول الله وَّر سيفه وترسه وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق الوليد بن صالح ثنا شريك به وأخرجه الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث المختصر)) = ٤٦٣ کتاب السير الصلاة والسلام - نصب الشرع، ولأنه إذا قتله مقبلاً مقاتلاً، فقد قتله بقوة نفسه فيختص / ب بالسلب، وإذا قتله مولياً منهزماً، فإنما قتله بقوة الجماعة، فكان السلب غنيمة مقسومة(١). (١٥٤/٢) من طريق سليمان بن أحمد - الطبراني - في الأوسط ثنا أحمد بن خليد ثنا إسماعيل بن = عبد الله بن زرارة ثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: بارز عقيل بن أبي طالب يوم مؤتة رجلاً فقتله فنفله رسول الله چلټ سلبه وخاتمه . وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٣٤/٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو حسن الحديث وفيه ضعف اهـ. وقال ابن حجر في ((تخريج أحاديث المختصر)) (١٥٤/٢): حديث حسن. (١) إنما سمي السلب سلباً، لأن قاتله يسلبه فهو مسلوب وسلب كما يقال خبطت ونفضته والورق الخبوط خبط ونفض. واختلف الفقهاء في أنَّ السلب حق للقاتل أو حق للإمام إن شاء وعد بالتنفيل به وإن شاء وضعه في الغنيمة . فذهب الأمام الشافعي، وأحمد، والليث، وغيرهم إلى أن السلب للقاتل بشروط ذكرت في كتبهم سواء قال الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه أم لا، فاستحقاق القاتل له حكم شرعي ثابت في نفسه لا يتوقف على جعل الإمام. وقال الحنفية والمالكية والثوري: إن القاتل لا يستحقه إلا أن يشترط له الإمام، وهو عندهم من النفل. استدل الشافعي، ومن معه بقوله بَّ في حديث طويل متفق عليه عن أبي قتادة: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيْنَةٌ فَلَهُ سَلْبُهُ)) وبما رواه أحمد وأبو داودٍ عن أنس رضي الله عنه: أن النبي ◌َِّ قال يوم حنين: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلْبُهُ، فَقَتَلَ أَبُوْ طَلْحَةَ عِشْرِيْنَ رَجُلاً وَأَخَذَ أَسْلاَبَهُمٍ)) فهذان الحديثان صريحان في أن السلب للقاتل واستدل الحنفية، ومن وافقهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فإنَّ الله خُمُسَهُ﴾ الآية، والسلب مال مغنوم لأنه مأخوذ بقوة الجيش، إذ لولا الجيش لما حصل السلب، ومباشرة القتل لا عبرة بها، كما أنها لم تعتبر في منع الردء من الغنيمة بل هو والمقاتل المباشر فيها سواء - وبما رواه البخاري، ومسلم من حديث جاء فيه: أن مُعَاذَ ابْنَ عَمْرُوْ بن الجَمُوْحِ وَمُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ، ضرَّبا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه فأتيا رسول الله وَّهِ فَقَالَ: أَيَّكُمَا قَتَلَهُ؟ فَقَالَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ، وَقَضَى بِسَلْبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرُو بِنِ الجَموح)) فهذا الحديث نص على أنه السلب ليس للقاتل، بل هو بتعيين الإمام وبما روي عن طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية أن حبيب بن مسلمة قتل قتيلاً فأراد أبو عبيدة أن يخمس سلبه فقال له حبيب إن رسول الله ◌َ﴿ قضى بالسَّلب للقاتل فقال له معاذ مهلاً يا حبيب سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((إِنَّما لِلْمَرءِ مَا طابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِةٍ)) وهذا الحديث أيضاً يَدُلُّ على أن السلب ليس للقاتل، إذ لو كان له لما توقف على طيب نفس الإمام. ورد على الحنفية في استدلالهم بالآية أنَّ السلب حقيقة من الغنيمة وتشمله الآية، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام بين أنه خارج من حكم الغنيمة كما خصت الآية بكثير غير السلب كالقاتل الذمي، وقاتل النساء، والصبيان، وغيرهم ممن لم يقاتل، وإنما جعله وير للقاتل في مقابلة مخاطرته بنفسه رغبة منه في إعلاء كلمة الله تعالى وأما حديث الصحيحين فقد أجيب عنه: بأن في سياقه دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن، وإنما حكم بالسلب لمعاذ بن عمرو بن الجموح، لأنه رأى أن ضربته هي المؤثرة في قتله لعمقها وظهور أثرها، قال المهلب: ((وإنما قال كلاكما قتله وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه لتطيب نفس الآخر)). = ٤٦٤ كتاب السير ولنا: أن القياس يأبى جَوَازَ التنفيل، والاختصاص بالمصاب من السلب وغيره، لأن سبب الاستحقاق إن كان هو الجهاد [فالجهاد](١) وجد من الكل وإن كان هو الاستيلاء والإصابة والأخذ بذلك حصل بقوة الكل، فيقتضي الاستحقاق للكل، فتخصيص البعض أما حديث حبيب بن مسلمة، ففيه عمرو بن واقد وهو منكر الحديث كما قاله البخاري وغيره. = وقد ورد على ما استدل به الشافعي، ومن معه من قوله عليه الصلاة والسلام ((مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلْبُهُ)) أن النبي ◌َّو إنما قاله يوم حنين، وقد هُزِمَ المسلمون تحريضاً لهم على القتال، قال الإمام مالك: لم يبلغني ذلك في غير حنين، وأجاب الشافعي، ومن معه بأن ذلك حفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة مواطن منها يوم بدر، ويوم أحد، فقد قَتَلَ حاطب بن أبي بلتعة رجلاً فَسَلَّمَهُ رسولُ اللهِ وَّهِ سَلْبَهُ كما أخرجه البيهقي، وفي غزوة مؤتة وفي وقائع كثيرة، واحتج به الصحابة بعد وفاة الرسول وَّر في كل مرة خولف فيها أمره عليه الصلاة والسلام ورُدَّ على الشافعية في تخصيص آية الغنيمة بحديث السلب أن هذا لو كان على سبيل الشرع العام وهو موضع النزاع. وورد عليهم أن قوله عليه السلام ((كِلاَكُمَا قَتَلَهُ)) مع قضائه بالسلب لأحدهما ظاهر في أن أمر السلب للإمام، وما يقولونه تأويلاً لهذا بعد قوله «فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا)) وقوله ◌َِّ ((كِلاَكُمَا قَتَلَهُ)) بعد نظره في سيفيهما بعيد، لأنه يتضمن ثبوت الاشتراك في القتل ومباشرتهما له، وهو موجب لاشتراكهما في السلب والقول بأنه تطييب لنفس الآخر غير مسلم. بل هو حرمان له بعد تقرير النبي وَ لّر أنه قتل مع صاحبه، والرسول وَلّ حاكم مقدر لجهة الحكم فلا يصح أن يقول هذا ثم يحكم لأحدهما فقط فدل ذلك على أن المسألة ليست شرعاً مقرراً في ذاته وإنما هي ترجع إلى رأي الإمام، وقد رأى إعطاء أحدهما دون الآخر وهو الذي يقدر عوامل الإعطاء والحرمان. وبعد هذا فالسلب نوع من التحريض، والتحريض أمره موكول إلى الإمام في أصله ونوعه فهو الذي يشترطه، وهو الذي يتصرف فيه بما يرى، وقد جاء في مسلم، وأبي داود حديث عوف بن مالك الأشجعي، وهو ظاهر في أن مرجع السلب إلى الإمام، وهذا هو الحديث. عن عوف بن مالك قال: قَتَل رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلاً مِنَ الْعَدُوِّ فَأَرَادَ سَلْبُهُ فَمَنَعَهُ خالِدٌ بْنُ الْوَلَيْدِ، وَكَانَ وَالِياً عَلَيْهِمْ، فَأَتَى رَسُول اللهِ وَلـ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِخَالِدِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلْبَهُ؟ فَقَال أستَكْثرتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ادفَعْهُ إِلَيْه فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ ثم قال: هلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِوََّ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِوَِّ فَاسْتَغْضَبَ فَقَالَ ((لاَ تُعْطِهِ يَا خَالِدُ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوْنَ لِي أُمَرائي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثلُهُمْ كَمَثَلٍ رَجُلِ اسْتَرْعَى إِبِلاَ وَغَنَماً فَرَعَاهَا ثُمَّ تَحَيَّنَ سُقْيَهَا فَأَوْرَدَهَا حَوْضاً فَشَرَعتْ فِيْهِ، فَشَرِبَتْ صِفْوَهُ وَتَركَثَ كَدِرَهُ، فَصَفْوُهُ لَّكُمْ وَكَدِرُهُ عَلَيْهِمْ)) رواه أحمد، ومسلم، فهذا الحديث يرد على من قال إن النبي ◌ٍَّ لم يقل من قتل قتيلاً فله سلبه إلا يوم حنين، فإن هذه الواقعة كانت في غزوة مؤتة، وهي قبل حنين، ويدل أيضاً على أن السلب موكول إلى الإمام ألا ترى أنه وضَّ منع خالداً من إعطاء السلب بعَد مَا أَمَرَهُ بهِ، وَلاَ يَكُوْنُ ذلك، والقضاء بالسلب شرع لازم للقاتل والقول بأن رد السلب كان زجراً لعوف بمنعه أن عوفاً لم يكن هو صاحب الحق حتى يُزْجَرَ بِمَنْعِهِ، وإنما صاحبه المددي الذي كان مع عوف، وهو لم يتجرأ على خالد، ولم يصدر منه ما يستحق به الزجر، والزجر إنما يكون لمن أذنب ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وكيف يزجر إنسان يمنع آخر حقه؟ . ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة . (١) سقط من ط . ٤٦٥ كتاب السير بالتنفيل يخرج مخرج قطع الحق عن المستحق، فينبغي ألا يجوز إلا أنا استحسنا الجواز بالنص وهو قوله تبارك وتعالى ﴿يَأَيُّهَا النَِّيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ على القِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] والتنفيل تحريض على القتال بأطماع زيادة المال، لأن من له زيادة غنا وفضل شجاعة لا يرضى طبعه بإظهار ذلك مع ما فيه من مخاطرة الروح وتعريض النفس للهلاك إلا بأطماع زيادة لا يشاركه فيه غيره، فإذا لم يطمع لا يظهر فلا يستحق الزيادة؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الحديث: فلا حجة له فيه لأنه يحتمل أنه نصب ذلك القول شرعاً، ويحتمل أن يكون نصبه شرطاً، ويحتمل أنه نفل قوماً بأعيانهم فلا يكون حجة مع الاحتمال. نظيره قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ أَخْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ))(١) إنه لم يجعله أبو حنيفة حجة لملك الأرض المحياة بغير إذن الإمام لمثل هذا الاحتمال. والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما شرط جوازه: فهو أن يكون قبل حُصُول الغنيمة في يد الغانمين، فإذا حصلت في أيديهم فلا نفل؛ لأن جواز التنفيل للتحريض على القتال، وذا لا يتحقق إلا قبل أخذ الغنيمة . فإن قيل: أليس أنه روي أن رسول الله وَّلو نفل بعد إحراز الغنيمة؟ فالجواب أنه يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام إنما نفل من الخمس أو من الصفي الذي كان له في الغنائم، ويحتمل أنه كان مما أفاء الله تعالى عليه فسماه الراوي غنيمة. والله تعالى أعلم. وأما حكم التنفيل: فنوعان: أحدهما اختصاص النفل بالمنفل؛ حتى لا يشاركه فيه غيره، وهل يثبت الملك فيه قبل الإحراز بدار الإسلام؟ ففيه كلام نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. والثاني: أنه لا خمس في النفل، لأن الخمس إنما يجب في غنيمة مشتركة بين الغانمين. والنفل ما أخلصه الإمام لصاحبه وقطع شركة الأغيار عنه فلا يجب فيه الخمس ويشارك المنفل [له] الغزاة في أربعة أخماس ما أصابوا؛ لأن/ الإصابة أو الجهاد حصل بقوة الكل، إلا أن الإمام خص البعض ببعضها وقطع حق الباقين عنه فبقي حق الكل متعلقاً بما وراءه فيشاركهم فيه(٢). والله سبحانه وتعالى أعلم. ١ (١) تقدم. (٢) اختلف الفقهاء في محل النفل من الغنيمة فقيل: إنه من الخمس الواجب لبيت المال، وهو مذهب الإمام مالك، وَرُوِيّ عن سعيد بن المسيب وقيل من خمس الخمس المرصد للمصالح، وهو الأصح عند الشافعية وقيل من الأخماس الأربعة، وهو مذهب الإمام أحمد ووجه عند الشافعية، وبه قال إسحاق، = بدائع الصنائع ج٩ - م٣٠ ٤٦٦ کتاب السير : وأبو عبيد، وفقهاء الشام وأنس به مالك، وقيل من أصل الغنيمة، وروي عن الإمام أحمد، والأوزاعي، = وأبي ثور، والهادوية، وهو وجه عند الشافعية أيضاً وذهب الحنفية إلى أن النفل قبل الإحراز بدار الإسلام يكون بالربع بعد الخمس، أو بالربع أو بالثلث، أو بالكل، فمحله قيل الإحراز كل الغنيمة غير أنهم قالوا لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ، ومع ذلك إن فعله جاز متى رأى فيه المصلحة أما بعد الإحراز فلا يجوز أن ينفل إلا من الخمس. استدل الإمامان مالك، والشافعي على أن النفل يكون من الخمس على وجه العموم بما رواه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب أنه قال: ((كَانَ النَّاسُ يُعْطُوْنَ النفْلَ مِنَ الخُمْسِ)) قال الإمام مالك: ((وذلك أحسن ما سمعت في ذلك)) قال القرطبي: ((وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون، وهم الموجفون، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام، وأهله غير معينين فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحَد وَإنما يكون من حق رسول الله وَّر وهو الخمس. ولكن الإمام الشافعي يرى أن النفل لا يكون من الخمس كله بل من خمس الخمس المرصد للمصالح كما هو الأصح في المذهب، لأن الخمس بالنص موزع على خمسة قسم لرسول الله وَل يتصرف فيه كيف شاء ويضعه حيث أراه الله، وهذا الذي يعطي منه النفل، وما سوى ذلك السهم من بقية الخمس يكون لمن سماهم الله عز وجل في كتابه، وهم ذوو القربى، ومن عطف عليهم فلا ينفل من حقوقهم لأحد، قال في ((الأم)): ((وقول سعيد بن المسيب يعطون النفل من الخمس كما قال: إن شاء الله وذلك من خمس النبي ◌َّ فإن له خمس الخمس من كل غنيمة فكان النبي ◌َّ يضعه حيث أراه الله كما يضع سائر ماله فكان الذي يريه الله تبارك وتعالى ما فيه صلاح المسلمين، وما سوى سهم النبي وَّر من جميع الخمس لمن سماه الله عز وجل له فلا يتوهم عالم بأن يكون قوم حضروا فأخذوا ما لهم وأعطوا مما لغيرهم إلا أن يطوع به عليهم غيرهم)). واستدل الإمام أحمد على أن النفل من الأخماس الأربعة بما رواه أحمد وأبو داود عن معن بن يزيد السلمي قال: سمعت رسول الله وَلّ يقول: ((لا نَفْلَ إلاَّ بَعْد الخُمْس)) وبروايتهما أيضاً عن حبيب بن مسلمة أن النبي ◌َِّ ((نَفَلَ الرُّبْعُ بعدَ الخُمسِ فِي بَذْأْتِهِ، وَنَفَلَ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمْس في رَجْعَتِهِ)) فهذان الحديثان صريحان في أن النفل من الأخماس الأربعة. واستدل القائلون بأن النفل يكون من أصل الغنيمة بما رواه أبو داود عن نافع عن ابن عمر أن النبي ◌َّل لابعث سرية قِبل نجد فأصبْنَا نِعَماً كثيراً فنفلنا أميرنا بعيراً بعيراً لكُلُ إنسان، ثم قدمنا على رسول الله وَل فَقَسَّمَ رسول اللّهِ وَّهِ بَيْتَنَا غَنِيْمَتْنَا فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا اثني عشر بعيراً بَعْد الخُمْسِ وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ اللهِوَهَ بِالَّذِيْ أَعْطَانَا صاحبنا وَلاَ عَابَ عَلَيْهُ مَا صَنَّعَ فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا ثلاثة عَشْرَ بَعْيراً بِنَفْلِهِ» وهو صريح في أن التنفيل كان من أصل الغنيمة. واستدل الحنفية بأنه لم يثبت للغانمين حق قبل الإحراز فليس في التنفيل بالكل أو بالبعض اعتداء على حق أحد أما بعد الإحراز فقد تأكد حق الغانمين به، ولهذا يورث عمن مات منهم فلا يجوز إبطال حقهم فيمتنع التنفيل بما يتعلق به حقهم وهو الأخماس الأربعة، وليس لهم حق في الخمس فجاز للإمام أن ينفل منه . وقد اعترضوا هم على ذلك بأن حق الفقراء أيضاً قد تأكد في الخمس كما تأكد حق الغانمين ففي الأخماس الأربعة فوجب ألا يجوز إبطال حقهم كما لا يجوز إبطال حق الغانمين. = ٤٦٧ کتاب السير وأما الفيء(١): وأجابوا بأن جواز ذلك في الخمس باعتبار أن المنفل إليه مصرف، ولهذا قيدوه بالمقاتل الفقير، وقالوا إذا = كان غنياً لا يجوز تنفيله لما فيه من إبطال حق الأصناف الثلاثة. وأما ما استدل به المالكية والشافعية من أثر سعيد بن المسيب فلا يصح الاستدلال به، لأنه لا ينهض معارضاً الأحاديث الصحيحة الواردة في الموضوع كالتي استدل بها على أن النفل يكون من الأخماس الأربعة، وعلى أنه يكون من أصل الغنيمة ويقال: في دليل من ذهب إلى أن النفل يكون من أصل الغنيمة أن الحديث لم يقع فيه التصريح بأن النفل كان من كل الغنيمة، بل جاء كما نقله ((الشوكاني)) أن الغزاة في تلك السرية كانوا عشرة وأن الغنيمة كانت مائة وخمسين بعيراً فيحتمل أن الأمير نفلهم من الخمس وهو ثلاثون ولما حضروا وقسم لهم الباقي بعد الخمس أصاب الواحد منهم اثني عشر بعيراً، وعليه يكون التنفيل وقع من ثلث الخمس، غايته أن النبي ◌َّلو أقر الأمير على ما فعل من التنفيل من الخمس قبل القسم وهو إقرار لاحق للتصرف صادر من صاحب الحق، وهو الرسول و لير فيكون جائزاً ويحتمل أيضاً أن يكون النفل لبعض الجيش من أربعة أخماس الغنيمة بأن أخرج الخمس أولاً، ثم نفل عشرة رجال ثم قسم بعد ذلك. قال ابن قدامة في المغني ((ويتعين حمل الخبر على هذا، لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلاً، وكان قد قسم لهم أكثر من الأربعة الأخماس، وهو خلاف الآية والأخبار)) وبوجود هذين الاحتمالين لا ينهض الحديث حجة على أن النفل من أصل الغنيمة. ويقال للحنفية في قولهم: إن النفل بعد الجنازة يكون من الخمس لأن الأخماس الأربعة حق للغانمين. أنه غير مسلم، لأن الخمس أيضاً له مستحقون، وهم الأصناف الثلاثة عندهم، وأصحاب النفل ليسوا دائماً من هؤلاء الأصناف ولو قصرنا التنفيل على هذه الأصناف الثلاثة أو بعضها لما تحقق الغرض المقصود من التنفيل وهو التحريض وكثيراً ما يقوم بالأعمال الخطيرة النافعة في الحرب من ليس من هؤلاء الأصناف، فالقول بأنه من الخمس وتقييد مستحقه بأحد الأصناف الثلاثة تقليل للفائدة المقصودة من التنفيل. كيف والأحاديث الصحيحة تدل على أن النفل جائز مطلقاً قبل الإحراز وبعده وليس فيها ما يدل على هذه التفرقة . وبالنظر في هذه المناقشة يتبين : أولاً: أن دليل المالكية، والشافعية، وهو أثر سعيد بن المسيب لا ينهض حجة إمام الأحاديث الصحيحة التي تفيد أن النفل إنما يكون بعد الخمس. ثانياً: أن دليل القائلين بأن النفل من أصل الغنيمة لا يثبت المطلوب لتطرق الاحتمال إليه. ثالثاً: أن تفرقة الحنفية بين ما قبل الإحراز وما بعد تفرقة لم تعتمد دليلاً سوى ما قالوا من أن استقرار حق الغانمين إنما هو بعد الإحراز وإنه لا يثبت لهم ملك قبله، وهي مسألة خلافية لا يوافقهم عليها غيرهم فلا تنهض حجة في وجه المخالف. رابعاً: أن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ظاهرة في وجوب إخراج الخمس لمن سماهم الله في الآية، وبذلك انقطعت صلته بالغانمين، وتمحض حقاً لغيرهم كما خلصت لهم الأخماس الأربعة حقاً وتنفيلاً كما يراه الإمام. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. (١) الفيء في اللغة: مصدر فاء يفيء إذا رجع. وشرعاً: ما وصل إلى المسلمين من أموال الكفار من غير إيجاف حبل ولا ركاب كالجزية، وعشر = ٤٦٨ کتاب السير فهو اسم لما لم يوجف(١) عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، نحو: الأموال المبعوثة بالرسالة إلى إمام المسلمين والأموال المأخوذة على موادعة أهل الحرب ولا خمس فيه، لأنه ليس بغنيمة إذ هي [اسم](٢) للمأخوذ من الكفرة على سبيل القهر والغلبة ولم يوجد وقد كان الفيء لرسول الله وَ* خاصَّة يتصرف فيه كيف شاء يختصه لنفسه أو يفرقه فيمن شاء(٣) قال الله - تعالى، عز شأنه - ﴿وَمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىْ مَنْ يَشَاءُ والله على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]. وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله عز وجل على رسوله و9ّ﴿ وكانت خالصة له، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح، ولهذا كانت فدك خالصة لرسول الله - وَلير - إذ كانت لم يوجف عليها الصحابة - رضي الله عنهم - من خيل ولا ركاب فإنه روي أن أهل فدك لما بلغهم [خبر] (٤) أهل ((خيبر))؛ أنهم سألوا رسول الله - وَطير - أن يجليهم ويحقن دماءهم ويخلوا بينه وبين التجارة، والخراج، وما جلوا عنه خوفاً، ومال مرتد مات على ردته، وذمي مات بلا وارث حائز، وبهذا = قارن الفيء الغنيمة . (١) وَجِيفُها، سُرْعَتُها فِي سَيْرِها، وَقَدْ أَوْجَفَها راكِبُها. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿قُلوبٌ يَومئذٍ واحِفةٌ﴾ أي: شَديدَةُ الاضْطِرابِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الوَجيفُ في السَّيْرِ، لِشِدَّةِ هَزْهِ وَاضْطِرابِهِ، ذَكَرَهُ العُزِيزِيُّ، وقال الجوهَرِيُّ: هُو ضِرْبٌ مِنْ سَيْرِ الإِبِلْ وَالخَيْلِ، يُقالُ: وَجَفْ الْبَعيرُ يَجِفُ وَجْفاً وَوَجِيفاً، وَأَوْجَفْتُهُ أنا، وَيُقالُ: أَوْجَفَ فَأَعْجفَ. ينظر: النظم ٢٩٣/٢. (٢) سقط في ط . (٣) جاء ممن. أخرجه البخاري (٩٣/٦): كتاب الجهاد - باب الجنّ ومن يترس بترس صاحبه - حديث (٢٩٠٤) ومسلم (١٣٧٦/٣) كتاب الجهاد والسير: باب حكم الفيء حديث (١٧٥٧/٤٨) وأحمد (٢٥/١) وأبو داود (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب في صفايا رسول الله وَّر من الأموال - حديث (٢٩٦٥) والترمذي (١٣١/٣): كتاب الجهاد - باب ما جاء في الفيء حديث (١٧٧٣) والنسائي (٧] ١٣٢) كتاب قسم الفيء وابن الجارود في المنتقى، ص (٣٦٩): باب ذكر ما يوصف عليه والخمس والصفايا - حديث (١٠٩٧). والشافعي في ((السنن المأثورة)) (٦٧٢) والحميدي (١٣/١) رقم (٢٢) وأبو عبيد القاسم بن سلام في ((الأموال)) (١٧) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٦/٢) والبيهقي (٢٩٦/٦) كتاب قسم الفيء والغنيمة: باب مصرف أربعة أخماس الفيء في زمن رسول الله وٍَّ من طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري عن مالك بن أوس عن عمر. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٤) سقط من ط . ٤٦٩ كتاب السير أموالهم بعثوا إلى رسول الله وَّلهو وصالحوه على النصف من فدك، فصالحهم عليه الصلاة والسلام على ذلك، ثم الفرق بين رَسُولِ اللهِ بَّه وبين الأئمة في المال المبعوث إليهم من أهل الحرب، أنه يكون لعامة المسلمين، وكان لرسول الله وَّير خاصة أن الإمام إنما أشرك قومه في المال المبعوث إليه من أهل الحرب؛ لأن هيبة الأئمة بسبب قومهم فكانت شركة بينهم. وأما هَيْبَةُ رسول الله وَلَ فكانَتْ بما نُصِرَ من الرعب لا بأصحابه، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((نُصِرْتُ بِالرُّغْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنٍ))(١) لذلك كان له أن يختص لنفسه والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا: إذا دخل حربي في دار الإسلام بغير أمان، فأخذه واحد من المسلمين يكون فيئاً لجماعة المسلمين ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة - رحمه الله .. وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يكون للآخذ خاصة. وجه قولهما إن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة فيختص بملكه/ كما إذا دخلت ب طائفة من أهل الحرب دار الإسلام، فاستقبلتها سرية من أهل الإسلام فأخذتها أنهم يختصون بملکھا . والدليل على أن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة أن السبب هو الأخذ، والاستيلاء هو إثبات اليد وقد وجد ذلك حقيقة من الآخذ خاصة وأهل الدار إن كانت لهم يد لكنها [يد](٢) حكمية ويد الحربي حقيقية، لأنه حر، والحر في يد نفسه واليد الحكمية لا تصلح مبطلة لليد الحقيقية لأنها دونها ونقض الشيء بما هو مثله أو بما هو فوقه لا بما هو دونه، فأما يد الآخذ: فيد حقيقة، وهي محقة، ويد الحربي مبطلة، فجاز إبطالها بها. وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - إنه وجب سبب ثبوت الملك لعامة المسلمين في محل قابل للملك وهو المباح، فيصير ملكاً للكل؛ كما إذا استولى جماعة على صيد، وإنما قلنا ذلك، لأنه كل ما دخل دار الإسلام فقد ثبت يد أهل الدار لأن الدار في أيديهم، فما في الدار يكون في أيديهم أيضاً، ولهذا قلنا: إنه لا يثبت الملك للغانمين في الغنائم ما داموا في دار الحرب، كذا ههنا، قوله يد أهل الدار يد حكمية، ويد الحربي حقيقية، فلا تبطلها . قلنا: ويد أهل الدار حقيقية أيضاً، لأن المعنى من اليد في هذه الأبواب القدرة؛ من حيث سلامة الأسباب(٣) والآلات، ولأهل الدار آلات سليمة لو استعملوها في التصرف عليه، (١) تقدم. (٢) سقط من ط . (٣) في ب: الأبواب. ٤٧٠ كتاب السير لحدثت لهم بمجرى العادة قدرة حقيقية على وجه لا يمكنهم مقاومتهم ومعارضتهم، مع ما أنه إذا ثبت يد الأخذ عليه حقيقة، فقد ثبت يد أهل الدار؛ لأن يده يد أهل الدار، لأن أهل دار الإسلام كلهم منعة واحدة، فإنهم يذبون عن دين واحد، فكانت يده يد الكل معنى؛ كما إذا دخل الغزاة دار الحرب، فأخذ واحد منهم شيئاً من أموال الكفرة، فإن المأخوذ يكون غنيمة مقسومة بين الكل؛ كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم. + وأما السريتان إذا التقتا في دار الإسلام، فأخذ منها سرية الإمام، فإنما اختصوا بملكها الحاجة والضرورة وهي أن بالإمام حاجة إلى بعث السرايا لحراسة الحوزة وحماية البيضة عن شر الكفرة إذ الكفرة يقصدون/ دار الإسلام والدخول في حدودها بغتة، فإذا علموا ببعث السرايا وتهيئهم للذب عن حريم الإسلام قطعوا الأطماع، فبقيت البيضة محروسة فلو لم يختصوا بالمأخوذ لما انقاد طبعهم لكفاية هذا الشغل فتمتد أطماع الكفرة إلى دار الإسلام، ولهذا إذا نفل الإمام سرية فأصابوا شيئاً يختصون به، لوقوع الحاجة إلى التنفيل لاختصاص بعض الغزاة بزيادة شجاعة؛ لأنه لا ينقاد طبعه لإظهارها إلا بالترغيب بزيادة من المصاب بالتنفيل كذا هذا. وهل يجب فيه الخمس(١)، فعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان: والصحيح أنه لا (١) ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد إلى أنه يصرف في مصالح المسلمين، ويقدم منها الأهم فالأهم، فيعطي منه الجند والقضاة، والعلماء، وتسد منه الثغور، وهي مواضع الخوف في البلاد، ويصرف منه في إصلاح الطرق وإقامة الجسور، وما إلى ذلك. وذهب ((الشافعي)) إلى أنه يخمس، ويعطي أربعة أخماس للمرتزقة وهم الجند المرصدون للجهاد، والخمس الباقي يقسم خمسة أقسام يصرف أحدها في مصالح المسلمين والأخماس الأربعة الباقية تصرف لذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل هذا حكم منقول الفيء عنده، وأما عقاره فالمذهب أنه يجعل وقفاً وتقسم غلته كذلك. استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بما يأتي: أولاً: بقوله تعالى ﴿وَمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُوْلِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خَيْلِ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللّه يُسَلْطُ رُسُلُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ والله عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ ما أَفَاءَ الله عَلَى رَسُوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيْلِ كَيْ لاَ تَكُونَ دُوَلَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوْا وَاتَّقُوْا الله إِنَّ اللّه شَدِيَدُ الْعِقَابِ - لِلْفُقَرَّاءِ الْمُهَاجِرِيْنَ﴾ . إلى قوله تعالى ﴿وَالَّذِيْنَ جَاؤُوا﴾ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فقد سمى الله تعالى في مصرف الفيء جهات تجميع جميع المسلمين ولم يذكر تخمياً، ولذا لما قرأ عمر هاتين الآيتين حتى بلغ ﴿والَّذِيْنَ جَاؤُوْا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال هذه الآية استوعبت المسلمين. وقال أيضاً ما من أحد إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد)). ثانياً: بفعله وَ* فإنه أخذ الجزية من مجوس هَجز ونصارى نجران، وفرض الجزية على أهل اليمن على كل = حالم ديناراً، ولم ينقل قط في ذلك أنه خمّسه، ولو كان لنفل ولو من طريق ضعيف كما تقضي به العادة. ٤٧١ کتاب السير يجب، لأن الخمس إنما يجب في الغنائم، والغنيمة اسم للمال المأخوذ عنوة وقهراً بإيجاف الخيل والركاب، ولم يوجد لحصول في أيديهم بغير قتال، فكان مباحاً ملك لا على سبيل القهر والغلبة؛ فلا يجب فيه الخمس؛ [كسائر] المباحات. وكذا روي عن محمد روايتان: والصحيح: أنه يجب فيه الخمس، لأن الملك عنده يثبت بأخذه، وإنما أخذه على سبيل القهر والغلبة؛ فكان في حكم الغنائم، [ولو دخل دار الإسلام، فأسلم قبل أن يؤخذ، ثم أخذه واحد من المسلمين يكون فيئاً لجماعة المسلمين أيضاً عند أبي حنيفة . وعندهما يكون حراً لا سبيل لأحد عليه]، وهذا فرع الأصل الذي ذكرنا؛ أن عند أبي واستدل الشافعية على تخميس الفيء بقياسه على الغنيمة بجامع أن كل مال وصل إلى المسلمين من الكفار ۔ فمصرفهما واحد، وقد سمّى الله في آية الفيء الجهات الخمس التي بينت سورة الأنفال أنها مصرف الخمس، فدل ذلك على التخميس في الفيء كالغنيمة، وحملوا قوله تعالى ﴿وَالَّذِيْنَ جَاؤَوُا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ على أنها جملة مستأنفة الفرض منها الدعاء للمؤمنين السابقين بالإيمان، وليس لها دخل في استحقاق الفيء وقد رد الجمهور عليهم بأن القياس معارض للنصوص القاضية بعدم القسمة. وهناك فرق بين الفيء والغنيمة لأن الغنيمة: قد بذل الجيش فيها مجهوداً شاقاً، والفيء: لم يبذل فيه عناء يذكر وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فالظاهر أنه معطوف على ما قبله، وأما كونه للدعاء فبعيد. وبذلك يترجح رأي الجمهور في مصرف الفيء لعموم نضعه أول المسلمين وأخرهم على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم . هذا ما ورد في شأن الغنيمة، ومستحقيها، وطريقة صرفها . وكل ما ورد ينحصر في أمرين: أحدهما: أن للإمام حقاً في بعض ما يغنم، والثاني أن للمستحقين الباقي فإذا رأى الإمام تنظيماً للشؤون، وضبطاً للمصالح أن يستطيب نفوس الغانمين، ومن يعمل معهم من أصحاب الرضخ على أن يتركوا حقوقهم في أعيان الغنيمة في مقابلة عوض يبذله لهم مرتباً دائماً في الحرب والسلم، ويحتسب الغنيمة لبيت المال يتصرف فيها كما يتصرف في الفيء بحسب ما يرى من المصلحة جاز له ذلك استناداً إلى أنه حق رضي صاحبه بتركه في مقابلة عوض يأخذه شأن كل الحقوق المالية، واستناداً إلى ما قرره الشافعية في كتبهم حيث قال ((صاحب المنهاج وصاحبه الخطيب)) ((والغانم رشيد ولو محجوراً عليه بفلس الإعراض عن الغنيمة قبل القسمة، وقبل اختيار التملك لأن الفرض الأعظم من الجهاد إعلاء كلمة الله، والذب عن الملة، والغنائم تابعة فمن أعرض عنها فقد جرد نفسه للغرض الأعظم، والأصح جوازه بعد فرز الخمس، وجوازه لجميعهم ويصرف في مصرف الخمس)). وإذا جاز للمجاهد التنازل عن حقه في الغنيمة بغير عوض فبالعوض أولى، واستناداً إلى تقريرهم في توجيه فعل عمر رضي الله عنه في عدم قسمة الأرض المغنومة كما تقدم عند الكلام عليها . وعلى هذا يحمل ما فعله المسلمون في عصورهم المتأخرة بالنسبة إلى الغنائم، وجعلها ملكاً لبيت المال. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة، ومغني المحتاج ٢٣٣/٤. ٤٧٢ کتاب السير حنيفة رحمه الله كما دخل دار الإسلام فقد انعقد سبب الملك فيه؛ لوقوعه في يد أهل الدار، فاعتراض الإسلام بعد انعقاد سبب الملك لا يمنع الملك وعندهما سبب الملك هو الأخذ حقيقة فكان حراً قبله حيث وجد الإسلام قبل وجود سبب الملك فيه، فيمنع ثبوت الملك على ما مر. ولو رجع هذا الحربي إلى دار الحرب خرج من أن يكون فيئاً بالإجماع، أما عند أبي حنيفة: فلأن حق أهل دار الإسلام لا يتأكد إلا بالأخذ حقيقة ولم يوجد، وأما عندهما: فلأنه لم يثبت الملك أصلاً إلا بحقيقة الأخذ، ولم يوجد، وصار هذا كما إذا انفلت واحد من الأسارى قبل الإحراز بدار الإسلام، والتحق بمنعتهم؛ أنه يعود حُرًّا؛ كما كان كذا هذا. ولو ادعى هذا الحربي بأمان، لم يقبل قوله عند أبي حنيفة، وعندهما يقبل أما عنده: فلأن دخول دار الحرب سَبَبٌ ثبوت الملك. والأمان عارض مانع من انعقاد السبب، فلا تقبل دعوى العارض إلا بحجة. وأما عندهما/ فلأن الملك فيه يقف على حقيقة الأخذ، فكان حراً قبله، فكان دعوى الأمان دعوى حكم الأصل فتقبل وكذا لو قال الآخذ: إني أمنته، لم يقبل قوله عند أبي حنيفة، وعندهما يقبل. ب أما عنده: فلأن هذا إقرار بتضمن إبطال حق الغير، فلا يقبل وعندهما هذا إقرار على نفسه، وإنه غير متهم في حق نفسه. ولو دخل هذا الحربي الحرم قبل أن يؤخذ، فهو فيء عند أبي حنيفة، ودخول الحرم لا يبطل ذلك عنه، لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين الحرم وغيره. والدليل عليه أن الإسلام لم يبطل الملك، فالحرم أولى ولأن الإسلام أعظم حرمة من الحرم، وعندهما لا يكون فيئاً إلا بحقيقة الأخذ؛ فيبقى على أصل الحرية، ولا يتعرض له، لكنه لا يطعم، ولا يسقى، ولا يؤوى، ولا يبايع حتى يخرج من الحرم. ولو أمنه رجل من المسلمين في الحرم، أو بعد ما خرج من الحرم [قبل أن يؤخذ] لم يصح عند أبي حنيفة، وعندهما يصح، ويرد إلى مأمنه؛ لأن عنده صار فيئاً لجماعة المسلمين بنفس دخول دار الإسلام، وعندهما لا يصير فيئاً، إلا بحقيقة الأخذ، فإذا أمنه قبل الأخذ يصح ولا يصح بعده لأنه مرقوق. ولو أخذه رجل في الحرم وأخرجه منه، فقد أساء وكان فيئاً لجماعة المسلمين عند أبي حنيفة، وعندهما يكون لمن أخذه، أما عنده: فلأن الملك قد ثبت بدخوله دار الإسلام، ٤٧٣ کتاب السير فالأخذ في الحرم لا يبطله، وأما عندهما فلأن الملك، وإن كان يثبت بالأخذ وأنه منهي، لكن النهي لغيره وهو حرمة الحرم، فلا يمنع كونه سبباً للملك في ذاته؛ كالبيع وقت النداء ونحو ذلك . ولو أخذه في الحرم، ولم يخرجه، فينبغي أن يخلى سبيله في الحرم؛ رعاية لحرمة الحرم ما دام فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الغنيمة: فالكلام فيها في مواضع: في تفسير الغنيمة . وفي بيان ما يملكه الإمام من التصرف في الغنائم. وفي بيان مكان قسمة الغنائم. وفي بيان ما يباح الانتفاع به من الغنائم. وفي بيان كيفية قسمة الغنائم. وفي بيان مصارفها أما الأول فالغنيمة (١) عندنا اسم للمأخوذ من أهل الحرب على سبيل (١) الغنيمة في اللغة ما ينال الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر: وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالأياب وتطلق الغنيمة على الفوز بالشيء بلا مشقة، ومنه قولهم للشيء يحصل عليه الإنسان عفواً بلا مشقة ((غنيمة باردة)) خصت في عرف الشرع بمال الكفار يظفر به المعلمون على وجه القهر والغلبة، وهو تخصيص من الشرع لا تقتضيه اللغة. وقد سمى الشرع المال الواصل من الكفار إلى المسلمين في حال الحرب باسمين ((غنيمة وفيء)) وقد اختلف العلماء فيما هي الغنيمة والفيء - فقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ عنوة من الكفار في الحرب، والفيء ما أخذ عن صلح وهو قول الشافعي. وقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ من مال منقول، والفيء الأرضون قاله مجاهد. وقال آخرون: الغنيمة والفيء بمعنى واحد. والغنيمة: اسم لما أخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل أو الركاب فما أخذه المسلمون من أهل الذمة أو من الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، وما أخذه الذميون من أهل الحرب لا يسمى غنيمة ولا تجري عليه أحكامها . وقد صح أن الغنيمة كانت محرمة في الشرائع السابقة، وإنما أبيحت لأمة محمد رَّر خاصة، قال تعالى: في سورة الأنفال: ﴿فَكُلُوْا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيًِّا﴾ وعدَّت ضمن ما فضل الله به الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو أن رسول الله وَّةٍ قال: ((فُضُلتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتِ: أَعْطِيْتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالْرُّغْبِ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ طَهُوراً وَمَسْجِداً، وَأَرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةٌ - وَحُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ)) - وروى البخاري عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله رَِّ (غَزَا نِبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتَبِغْنِيَ رَجُلٌ مَلَكَ بِضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيْدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا بَيْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتاً، وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوْفَهَا، وَلا أَحَدْ اشْتَرَى غَنَماً أَوْ = ٤٧٤ كتاب السير القهر والغلبة [وهذا الأخذ](١) لا يتحقق إلا بالمنعة، إما بحقيقة المنعة، أو بدلالة المنعة وهي إذن الإمام. وعند/ الشافعي - رحمه الله - هي اسم للمأخوذ من أهل الحرب كيفما كان، ولا يشترط له المنعة أصلاً. وبيان ذلك في مسائل: إذا دخل جماعة لهم منعة دار الحرب فأخذوا أموالاً منهم، فإنها تقسم قسمة الغنائم بالإجماع، سواء دخلوا بإذن الإمام أو بغير إذنه لوجود الأخذ على سبيل القهر والغلبة؛ لوجود المنعة القائمة مقام المقاتلة حقيقة. وأقل المنعة أربعة في ظاهر الرواية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُ الأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ))(٢). خَلَفَاتٍ، وَهُوَ يَنْظُرُ وِلاَدَهَا، فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقَرِيَةِ صَلاةَ الْعَصْرِ أوْ قَرِيْباً مِنَ ذَلِك فَقَّالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُوْرَةٌ = وَأَنَّا مَأْمُوْرٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ - يَعْنِيَ النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تُطْعَمها فَقَّالَ: إِنَّ فِيْكُمْ غُلُوْلاً، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيْلَةِ رَجُلٌ فَلَزَقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيْكُمُ الْغَلُوْلُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيْلَتُكَ فَلَزَقَتْ يَّدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بَيَدِهِ فَقَالَ: فَيْكُمُ الْغَلُولُ فَجَاءُواْ بِرَأْسٍ مِثْلَ رَأْسٍ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثمَّ أَحَلَّ الله لَنَا الْغنائِمَ، ثُمَّ رأى ضَعْفَنَا وَعَجْزَّنَا فَأَحلَّهَا لَّنَا)). وبهذه الآية والأحاديث أَخَذَتِ الغنائم في الإسلام حكم الحل، ونزل فيها قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوْا أَنَّمَا غَنِمِتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ الله خُمْسَه) الآية - بياناً لطريق قسمتها . والحكمة في حل الغنائم ثم إن المجاهدين لما خرجوا عن أموالهم وأولادهم، وتركوا الاشتغال بأمور معاشهم رغبة في الجهاد في سبيل الله، ونشر دينه وإعلاء كلمته، وعرضوا أنفسهم لركوب الأخطار واستقبال الموت من أبوابه المختلفة، تفضل الله عليهم بإباحة الغنائم لهم تقوية لغرائمهم وحفزا لهمهم وتنشيطاً لهم على الجهاد، وكسراً لشوكة الكفار وإذلالاً لهم بقتلهم، وأسرهم، وسلب ما يتمتعون به من نعم الله التي أغدقها عليهم، ولم يقوموا بشكرها، وإيذاناً بأنهم ليسوا أهلاً لها، لعنادهم واستكبارهم عن عبادته . ينظر الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. (١) بدل ما بين المعكوفين والأخذ على سبيل القهر والغلبة. (٢) أخرجه أبو داود (٣٦/٣) كتاب ((الجهاد))، باب: ((فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا))، حديث (٢٦١١). والترمذي (١٢٥/٤) كتاب ((السير))، باب: ((ما جاء في السرايا))، حديث (١٥٥٥). وأحمد (٢٩٤/١)، وابن خزيمة (١٤٠/٤)، (٢٥٣٩) وابن حبان (١٧/١١) كتاب ((السير))، باب: ((الخروج وكيفية الجهاد))، حديث (٤٧١٧) والحاكم (٤٤٣/١)، (١٠١/٢). والبيهقي (١٥٦/٩) كتاب ((السير))، باب: ((ما يستحب من الجيوش والسرايا)). كلهم من طرق عن وهب بن جرير عن أبيه عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال، قال رسول الله وَليقول: ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولا يغلب اثنا عشر ألف من قلة)». = ٤٧٥ كتاب السير وروي عن أبي يوسف أنها تسعة ولو دخل من لا منعة له بإذن الإمام كان المأخوذ غنيمة في ظاهر الرواية عن أصحابنا، لوجود المنعة دلالة على ما نذكره. ولو دخل بغير إذن الإمام، لم يكن غنيمة عندنا؛ لانعدام المنعة أَضْلاً، وعند الشافعي - رحمه الله - يكون غنيمة، والصحيح قولنا لأن الغنيمة والغنم والمغنم في اللغة اسم لمال أصيب(١) من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وكذا إشارة النص دليل عليه، وهي قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا أفاء الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] وأشار سبحانه وتعالى إلى أنه ما لم يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب لا يكون غنيمة. وإصابة مال أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب، لا يكون إلا بالمنعة، إما حقيقة أو دلالة، لأن من لا منعة له لا يمكنه [الأخذ] على طريق القهر والغلبة فلم يكن المأخوذ غنيمة، بل كان مالاً مباحاً، فيختص به الآخذ كالصيد، إلا أن أخذاه جميعاً فيكون المأخوذ بينهما، كما لو أخذا صيداً. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يسنده كبير أحدٍ غير جرير بن حازم وإنما روي هذا الحديث = عن الزهري عن النبي ◌َّر مرسلاً وقد رواه حبان بن علي العنزي عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي 9ّ ورواه الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن النبي ◌َطّ مرسلاً اهـ. قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والخلاف فيه على الزهري من أربعة أوجه، وقد شرحتها في كتاب التلخيص، ووافقه الذهبي. قلت إسناده رجاله كلهم رجال الصحيح إلا أن في رواية يونس بن يزيد عن الزهري وهماً قليلاً، لكن لا يقل به عن درجة الحسن. وجرير بن حازم ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظة ((التقريب)) (٩١٩). لكن تابعه حبان بن علي كما عند الدارمي (٢١٥/٢) كتاب ((السير"، باب ((في خير الأصحاب والسرايا والجيوش)). من طريق حبان بن علي عن يونس وعقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رفعه إلى النبي ◌َّر، وحبان وإن كان ضعيفاً إلا أنه يصلح عند المتابعة لأنهم لم يتركوه، وكان له فقه وفضل. وأما قول البيهقي: تفرد به جرير بن حازم موصولاً، ورواه عثمان بن عمر عن يونس عن عقيل عن الزهري ◌َله ـ منقطعاً - وقال أبو داود: أسنده جرير بن حازم وهو خطأ. قلت قد تابع جرير حبان بن علي كما تقدم، وهو ثقة فزيادة مقبولة. والحديث أخرجه أبو داود في المراسيل (٣١٣) وعبد الرزاق (٣٠٦/٥) كتاب ((الجهاد))، باب: ((السرايا وأردية الغزاة، وحمل الرؤوس))، حديث (٩٦٩٩). كلاهما من طريق الزهري مرسلاً . (١) في ب: لما أصيب. ٤٧٦ کتاب السير أما عند وجود المنعة فيتحقق الأخذ على سبيل القهر والغلبة . أما حقيقة المنعة فظاهرة، وكذا دلالة المنعة وهي إذن الإمام، لأنه لما أذن له الإمام بالدخول فقد ضمن له المعونة بالمدد والنصرة عند الحاجة، فكان دخوله بإذن الإمام امتناعاً بالجيش الكثيف معنى فكان المأخوذ مأخوذاً على سبيل القهر والغلبة، فكان غنيمة فهو الفرق، ولو اجتمع فريقان: أحدهما دخل بإذن الإمام والآخر بغير إذنه، ولا منعة لهم فالحكم في كل فريق عند الاجتماع ما هو الحكم عند الانفراد أنه إن تفرد كل فريق بأخذ شيء، فلكل فريق ما أخذ؛ كما لو انفرد كل فريق بالدخول؛ فأخذ شيئاً، فإن اشترك الفريقان في الأخذ، فالمأخوذ بينهم على عدد الآخذين، ثم ما أصاب المأذون لهم بخمس، ويكون أربعة أخماسه بينهم مشتركة فيه الآخذ وغير الآخذ/ لأنه غنيمة، وهذا سبيل الغنائم، وما أصاب الذين لم يؤذن لهم لا خمس فيه فيكون بين الآخذين ولا يشاركهم الذين لم يأخذوا؛ لأنه مال مباح وهذا حكم المال المباح؛ على ما بينا. هذا إذا اجتمع فريقان، ولا منعة لهم، فأما إذا اجتمعا، وكان لهم باجتماعهم منعة فما أصاب واحداً منهم أو جماعتهم يخمس وأربعة أخماسه بينهم؛ لأن المأخوذ غنيمة، لوجود المنعة، فكان وجود الإذن وعدمه بمنزلة واحدة، ولو كان الذين دخلوا بإذن الإمام لهم منعة، ثم لحقهم لص أو لصان، لا منعة لهما بغير إذن الإمام، ثم لقوا قتالاً، وأصابوا مالاً، وأصابوا غنائم، فما أصاب العسكر قبل أن يلحقهم اللص، فإن هذا اللص لا يشاركهم فيه، وما أصابوه بعد أن لحق هذا اللص بهم، فإنه يشاركهم؛ لأن الإصابة قبل اللحاق مصدر حصلت بقتال العسكر حقيقة . وكذلك الإحراز بدار الإسلام، لأن لهم غُنْيَةً عن معونة اللص، فكان دخوله في الاستيلاء على المصاب قبل اللحاق وعدمه بمنزلة واحدة، ولا يشبه هذا الجيش إذا لحقهم المدد أنه يشاركهم فيما أصابوا؛ لأن الجيش يستعين بالمدد لقوتهم، فكان الإحراز حاصلاً بالكل، وكذلك الإصابة بعد اللحوق حصلت باستيلاء الكل لذلك شاركهم، بخلاف اللص، والله تعالى أعلم. ولو أخذ واحد من الجيش شيئاً من المتاع الذي له قيمة، وليس في يد إنسان منهم، كالمعادن والكنوز والخشب والسمك، فذلك غنيمة، وفيه الخمس، وذلك الواحد إنما أخذه بمنعة الجماعة وقوتهم، فكان مالاً مأخوذاً على سبيل القهر والغلبة فكان غنيمة، وإن لم يكن لذلك الشيء في دار الحرب وفي دار الإسلام قيمة، فهو له خاصة، لأنه إذا لم يكن له قيمة لا يقع فيه تمانع وتدافع، فلا يقع أخذه على سبيل القهر والغلبة، فلم يكن غنيمة . ولو أخذ شيئاً له قيمة في دار الحرب، نحو: الخشب، فعلمه آنية أو غيرها، رده إلى ب ٤٧٧ کتاب السير الغنيمة؛ لأنه إذا كان له قيمة بذاته، فالعمل فيه فضل له، فإن لم يكن ذلك الشيء متقوماً فهو له خاصة لما قلنا، ولا خمس فيما يؤخذ على موادعة أهل الحرب؛ لأنه ليس / بمأخوذ على سبيل القهر والغلبة فلم يكن غنيمة. وكذا ما بعث رسالة إلى إمام المسلمين لا خمس فيه، لما قلنا . ١ ولو حاصر المسلمون قلعة في دار الحرب، فافتدوا أنفسهم بمال ففيه الخمس، لأنه غنيمة، لكونه مأخوذاً على سبيل القهر والغلبة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما بيان ما يملكه الإمام من التصرف فى الغنائم، فجملة الكلام فيه أنه إذا ظهر الإمام على بلاد أهل الحرب، فالمستولي عليه لا يخلو من أحد أنواع ثلاثة: المتاع، والأراضي، والرقاب. أما المتاع: [فإنه] يخمس، ويقسم الباقي بين الغانمين، ولا خيار للإمام فيه. وأما الأراضي: فللإمام فيها خياران إن شاء خمسها، ويقسم الباقي [بين الغانمين] لما بينا، وإن شاء تركها في يد أهلها بالخراج، وجعلهم ذمة إن كانوا بمحل الذمة، بأن كانوا من أهل الكتاب، أو من مشركي العجم، ووضع الجزية على رؤوسهم والخراج على أراضيهم. وهذا عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - ليس للإمام أن يترك الأراضي في أيديهم بالخراج، بل يقسمها . وجه قوله إن الأراضي، صارت ملكاً للغزاة بالاستيلاء، فكان الترك في أيديهم إبطالاً لملك الغزاة، فلا يملكه الإمام كالمتاع(١). (١) المال المغنوم من الكفار إمَّا أن يكون عقاراً أو منقولاً وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز المن بالمنقول استقلالاً على الكفار، بل يكون ملكاً للمسلمين يجب تخميسه كما ورد في قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوْا أَنَّمَا غَتْمِتُمْ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية - وقال الحنفية: يجوز المن به تبعاً كأدوات الزراعة بالقدر الذي يهيىء لهم العمل في الأرض وذلك لتوقف منفعة الأرض على الآلات. وأما العقار فقد اختلفوا فيه على المذاهب الآتية. فالشافعية، وأحمد في رواية عنه يرون أنه يجب قسمته بين الغانمين كالمنقول، ولا يجوز المَنّ به على الكفار والمالكية، وأحمد في رواية أخرى يرون أنه يترك لجميع المسلمين على أن يؤخذ خراجه ممن هو في يده، ويصرف في مصالح المسلمين، ولا يختص أحد بملك شيء منه، وهذا عند المالكية في غير الدور، أما هي فالمعتمد أنها لا تقسم. ويرى الحنفية أن الإمام مخير فيه بين القسمة على الغانمين وبين أن يمن به على أهله تمليكاً لهم في مقابل ضرب الجزية عليهم والخراج على الأرض، ويكونون أحراراً ذمة للمسلمين ويرى الحنابلة في رواية ثالثة أن الإمام مخير بين قسمتها على الغانمين، وبين وقفها على جميع المسلمين، وضرب الخراج عليها قالوا: وهي ظاهر المذهب. = ٤٧٨ کتاب السير ولنا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإن سيدنا عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله - تعالى - عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعاً منهم. استدل الشافعية بما يأتي: أولاً: قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوْا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَإِنَّ اللهَ خُمْسَهُ﴾ الآية فأضاف = الغنيمة إلى الغانمين، وأخرج منها الخمس لأهله فبقيت الأخماس الأربعة للغانمين. وهذا حكم ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب قل أو كثر عقاراً أو منقولاً، ولو جاز أن يدعي الخصوص في الأرض لجاز أن يدعي في غيرها فيبطل حكم الآية. ثانياً: ما رواه أحمد، ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله وَّ قال: ((أَيُّمَا قَرِيّةٍ أَتَيْتُمُوْهَا فَأَقَمْتُمْ بِهَا فَسَهْمُكُمْ فِيْهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمْسَهَا لله ورَسُوْلِهِ ثُمَّ هيَ لَكُمْ)) وهذا الحديث صريح في أن أرض العنوة حكمها حكم سائر الأموال المغنومة، وإن خمسها لأهل الخمس وأربعة أخمساها للغانمين، وما حصل من سيدنا عمر لم يكن حبساً لأرض العراق ابتداء، بل قسمها بين الغانمين ثم استطاب نفوسهم في تركها للمسلمين ينتفع بها أولهم وآخرهم. واستدل المالكية بما رواه مالك رضي الله عنه قالٍ: بَلَغَنِي أَنَّ بِلالاً وَأَصْحَابَهُ سَأَلُوا عُمَرَ فِي قِسْم الأَرْضِ المأخوذَةِ عُنوَةً فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ بِلالٌ مِنْ أَشَدُ النَّاسِ عَلَيْهِ كَلاَماً فَزَعَمَ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ دَعًا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ((الَّلُمَّ اكْفِيْهِمْ فَلَّمْ يَأَتِ الْحَوْلُ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ حَيْ)) . قالوا ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر، وتلاه عثمان، وعلي في ذلك. وقد غنم عليه الصلاة والسلام غنائم وأراضي فلم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر - ولعل ذلك لمصلحة اقتضت ذلك لم نعلمها - وهذا إجماع من السلف . واستدل الحنفية بأن النبي ◌َّ قسم أرض خيبر ولم يقسم عمر أرض الشام والعراق بل أقر أهلها عليها، وضرب عليها الخراج، ووافقه الصحابة، وقال عمر: تَبْرِيْراً لِعَدَمِ قِسْمَتِهَا («أما وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّاناً لَيْسَ لَهُمْ مِنْ شَيْءٍ مَا فُتِحَتْ عَليَّ قَرْيَةَ إلاَّ قَسَّمْتُهَا كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللهَِّهِ خَيْبَرَ وَلَكِنِي أَتْرُكُهَا خَزَانَةٌ لَهُم يَقْتَسِمُونَها)) فدل هذان التصرفان على أن الإمام مخير بين القسمة وبين إقرار أهلها عليها، وذلك تبعاً لما يراه من المصلحة. وقد قسم النبي رَّة بين الغانمين وتركها عمر لتكون عدة للنوائب بما يؤخذ عليها من الخراج. واستدل الحنابلة بأن كلاً من القسمة والوقف ثبت فيه الحجة عن النبي ◌َّ فإنه قسم نصف خيبر، ووقف نصفها، وبأن عمر قال ((لَوْلاً آخِرِ النَّاسِ لَقَسَّمْتُ الأَرْضَ كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَ خَيْبَرَ)) فقد وقف الأرض مع علمه بفعل النبي ◌َ ◌ّ فدل على أن فعله لم يكن متعيناً كيف والنبي وَ ل و قد وقف نصف خيبر ولو كانت متعينة للغانمين لم يقفها، قال أبو عبيد: تواترت الأخبار في افتتاح الأرض عنوة بهذين الحكمين: حَكم رَسُوْلَ اللهِ وَّ في خيبر حِيْن ◌َسَّمها وبه أشار بلال، وأصحابه في أرض الشام، والزبير في أرض مصر، وحكم عمر في أرض السواد حين وقف وبه أشار علي، ومعاذ على عمر فدل هذا على أن النظر في المسألة إلى الإمام فما رأى فيه المصلحة فعله. ورد على الشافعية أن دعوى الخصوص في الأرض لدليل قام عليه، وهو فعل عمر رضي الله عنه مع موافقة الأصحاب له. لا يستدعي جوازه في غير الأرض لعدم الدليل عليه فلا يبطل حكم الآية كما يقولون. = ٤٧٩ کتاب السير .. وحديث أبي هريرة يرد عليه احتمال أن المصلحة إذ ذاك كانت تقضي بقسمتها بين الغانمين، وقد فهم ذلك عمر = رضي الله عنه، ولم يقسم أرض العراق، والشام، بل تركها وقفاً لجماعة المسلمين، وقول الشافعية إن عمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين الذين افتتحوا أرض السواد مدفوع بأنهم كانوا يقولون - وهو يقول - حتى ظهرت حجته وافقه جمهور الصحابة، ومثل هذا لا يكون في الاستطابة وعدمها . وقد يقال من جانب الشافعي: إن آية الأنفال وآية الحشر متواردتان على شيء واحد، وإن الجميع يسمى فيئاً وغنيمة، قال فيه الشوكاني ((ولكنه يرد عليه أن ظاهر سوق آية الحشر أن الفيء غير الغنيمة وأنه له مصرفاً عاماً ولذلك قال عمر: إنها عمت الناس بقوله ﴿والَّذِيْنَ جَاءُوْا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ولا يتأتى حصة لمن جاء من بعدهم إلا إذا بقيت الأرض متروكة للمسلمين، إذ لو استحقها المباشرون للقتال، وقسمت بينهم توارثها ورثة هؤلاء فكانت القرين أو البلد تصير إلى امرأة أو صبي صغير)). ونوقش مذهب المالكية القاضي بالوقف لا غير بأن قول عمر رضي الله عنه: والَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَياناً لَيْسَ لَهُم مِنْ شَيْءٍ مَا فُتِحَتْ عَلَى قَرْيَةٌ إِلَا قَسَّمْتُهَا كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ خَيْبَرَ، وَلَكِنْ أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَها)) صريح في أن الإمام مخير بين القسمة، وبين تركها محبوسة للمسلمين . وما استدلوا به لا يدل على تعين الوقف وإنما كان ما فعله عمر للمصلحة التي رآها، وليس فيه ما يدل على أن الحكم خاصٍ به كما هو صريح قوله المتقدم. وقيل للحنفية أن ما استدللتم به من فعل الرسول بَير، والأصحاب صحيح، ودل على التخيير بين القسمة والترك بيد أهلها، ولكن بقي أن ذلك الترك يحتمل أن يكون على سبيل الملكية لأهلها كما تدعون، ويحتمل أن يكون وقفاً على جميع المسلمين، وليس ملكاً لأحد منهم، كما أنه ليس ملكاً لأهلها كما يرى غيركم. وليس لكم دليل على أنها تترك مِلْكاً لأربابها فلم يتم لكم الدليل على مدعاكم، وهو أنها تترك ملكاً لهم، كيف وعبارة عمر صريحة في استبقائها وقفاً لنوائب المسلمين وإعانة للذين يجيئون بعد، وهذا لا يقتضي ثبوت الملك لأهلها فيحتاج إلى دليل. قال في فتح الباري: ((وقد اشتد نكير كثير من فقهاء الحديث لمقالة الكوفيين، وهي أنها تبقى ملكاً لمن كان بها من الكفرة)). وقد جاء في القرطبي قوله: ((غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر: فإن عمر أنما وقفها على مصالح المسلمين، ولم يملكها لأهل الصلح، وهم قالوا إن للإمام أن يملكها لأهل الصلح)). ومن هذه المناقشة يتبين: أولاً: إن عمر، والأصحاب قد استقر لديهم أن حكم آية الانفال ليس محتماً في العقار لدلالة آية الحشر على جواز إبقائها لمن بعد الغانمين. ثانياً: إن ما فعله عمر لم يكن إلا توجيهاً للحكم في المسألة وإنه مبني على ما يراه الإمام من المصلحة لا على استطابة نفوس الغانمين. ثالثاً: إن عمر مع حكمه بترك الأرض للمسلمين يرى جواز قسمتها بين الغانمين متى لم تدع حاجة إلى تركها للمسلمين . رابعاً: إنه لم يقم دليل على ثبوت الملكية لمن تركت الأرض بأيديهم، بل ظاهر الأدلة يعطي أن المسلمين يملكون كل ما يحصلون عليه من الكفار بحكم الغنيمة، فلم يبق للكفار ملكية لها، ولم يوجد ما يدل على أن تركها بيدهم كان إعادة لملكيتهم إياها . وبهذا كله نستطيع أن نخرج من المسألة بترجيح مذهب الحنابلة الماثل في الرواية الثالثة التي قال عنها = ٤٨٠ کتاب السير وأما الرقاب: فالإمام فيها بين خيارات ثلاث: إن شاء قتل الأسارى(١) منهم وهم الرجال علماء الحنابلة أنها ظاهر المذهب، وأنها أولى بالقبول من بين رواياته الثلاث وحاصلها أن الإمام مخير = بين القسمة على الغانمين وبين تركها وقفاً على مصالح المسلمين. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة. والشوكاني ١٣/٨ وتفسير القرطبي ٥/٨. (١) من لوازم الحروب في كل عصر أن يقع عدد من أحد الجيشين المتحاربين في يد الآخر، ويعرف هؤلاء باسم الأسرى، وقد كانت العرب إذا أسرت الأسير على شرط وفت له به، وإذا أسرته على غير شرط كان الآسرون مخيرين فيما يصنعون به، وأغلب شأنهم أن يقتلوه بمن قتل منهم إذا كان كفأ وأن يمنوا عليه بفداء أو بدونه إذا كان من أهل الثراء أو كان للآسرين رغبة في المسالمة . ولما حصل القتال بين المسلمين، والمشركين لأول مرة لم يكن عند المسلمين نص في الأسرى فعمل رسول الله وَير وأصحابه بما أدى إليه اجتهادهم إلى أن شرعت لهم الأحكام في ذلك. والأسرى إما أن يكونوا من الرجال العقلاء البالغين أو يكونوا من النساء، والصبيان، ومن في حكمهم، فإذا كانوا من هؤلاء فالمشهور عند عامة الفقهاء أنهم يصيرون أرقاء بنفس الأسر ولا يجوز قتلهم اتفاقاً، لأن النبي ◌ّي* نهى عن قتل النساء والصبيان في حديث متفق عليه أما إذا كانوا من الرجال البالغين العقلاء فالإمام مخير فيهم بين خصال بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه وهي كما يأتي: وثبت عند فقهاء الأمصار أنه يجوز للإمام قتل المحارب الكافر بعد أسره والاستيلاء عليه، وحكي عن الحسن البصري وعطاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن عمر كراهته. استدل الأولون بقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوْا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوْهُمْ﴾ وهو عام في جواز قتل كل مشرك أسيراً كان أو غيره، وتواترت الأخبار عن النبي ◌َّلّ بقتل الأسرى، فقد قتل رجال بني قريظة، وهم بين الستمائة والسبعمائة، وقتل يوم بدر النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط صبراً، وقتل أبا عزة الجمحي، وفي فتح مكة أمر بقتل هلال بن خطل، وآخرين، وقال ((اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُعَلَّقِيْنَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ)) وهذه قصص عمت واشتهرت وفعلها النبي ◌َّةِ مرات وهي دليل على جواز القتل. واستدل الآخرون بقوله تعالى ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا فَضَرْبُ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوْهُمْ فَشُدُوْا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فَدَاءٌ﴾ فخيرت الآية بين المن والفداء بعد الأسر ولم تذكر غيرهما، والاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر. ويرون أن قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ منسوخ بهذه الآية - ويؤخذ من هذا الاستدلال أنهم يدينون عن كراهة القتل الحرمة، والمقام للتشريع وبذلك أفادت الآية عدم مشروعية القتل، وهذا الاستدلال مردود من وجهين: ((الأول)): إِنَّ النَّبِيَّ وَّوَ قَتْلَ الأَسْرَىْ، وهي كما قلنا إخبار عمت واشتهرت، وفعلها النَّبي ◌َّ مرات فكانت دليلاً على الجواز. ((الثاني)): إن القتل قد يكون أصلح بالنسبة لمن يكون له قوة، ونكاية في المسلمين ولا يؤمن ضرره إذا ظل حيّا وإن كان بين المسلمين. وبذلك يكون الاقتصار في الآية على التخيير بين المن والفداء منظوراً فيه إلى الأصل الذي لا تقتضي المصلحة خلافه فلا تمنع القتل عند الاقتضاء. ودعوى النسخ لا دليل عليها فلم تنهض حجة المانعين. وبذا يظهر رجحان رأي الجمهور وهو الذي جرى عليه العمل في حياة الرسول وَّه وفي عهد الصحابة والتابعين. ومدة انتشار سلطان المسلمين وقوتهم. ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.