Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كتاب الحدود والأصل في اعتبار الشبهة في هذا الباب الحديث المشهور، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((اذْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ)) (١) ولأن الحد عقوبة متكاملة فتستدعي جناية متكاملة، ٣ - الضعف التناسلي وما إليه من ضعف الجسم العام. = ٤ - ضعف بالبصر حتى قيل إن النظر إلى الفرج يورث العمى. ٦ - حفظ المال: قال رسول الله وَّل﴿ ﴿الزِّنَا يُورِثُ الفَقْرَ﴾ وبيان ذلك أن من كان مصاباً بهذا الأمر الخبيث صعب عليه أن يتركه فهو يبذل النفس، والنفيس في إرضاء شهواته. ولا يزال يبذل، ويجود بالبذل حتى يسجل الفقر على نفسه لقد خرّبت بيوت بسبب الزنا، وفقدت أموال وضياع في سبيل هذا الأمر المنكر. وكم من الناس من أصبح لا يملك قوت يومه بعد أن كان عزيزاً: وكم من الناس من مد يده للناس بعد أن كان شريفاً: فالزنا، والقمار إخوان في هذه الناحية أي ناحية ضياع المال، ولما كان المال من مقوّمَاتِ الأمم أمر الله تعالى بحفظه، والمنع من الزنا من أهم ما يحفظ به المال. ٦ - سلامة الهيئة الاجتماعية. وإذا كان الفرد جزءاً لا يتجزأ من الهيئة الاجتماعية كان كل ضرر عائد على الفرد عائد على الأمة. فالزاني لا يزني بنفسه، وإنما يزني بغيره من بنات الأمة وإذا افتقر الزاني كان عبئاً على المجتمع، وإذا مرض أمرض غيره، وهكذا وإذا كان الأمر كذلك فالواجب على الأمة أن لا تتوانى في قمع هذا الداء من أبناء الشعب بكل الوسائل الممكنة. ينظر: حد الزنا لشيخنا يوسف البرديسي. (١) أخرجه بهذا اللفظ أبو محمد البخاري في ((مسند أبي حنيفة)) كما في ((جامع المسانيد)) (١٨٣/٢) للخوارزمي، عن أبي سعيد بن جعفر عن يحيى بن فروخ عن محمد بن بشر عن الإمام أبي حنيفة عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ◌َ ر: ادرؤوا الحدود بالشبهات. وأبو سعيد بن جعفر: هو أباء بن جعفر. قال الذهبي في ((المغني)) (٦/١) رقم (٤): أبان بن جعفر عن محمد بن إسماعيل الصائغ كذاب. كذا قال أبان والصواب أباء كما في ((اللسان)) كما سيأتي قال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) (١/ ٢١): روي عن محمد بن إسماعيل الصائغ، أورده الذهبي في ذيل الضعفاء فقال كذاب كذا أورده تبعاً اللبناني في ((الحافل ذيل الكامل)) فإنه أورده ونقل عن ابن حبان أنه قال: رأيته وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث مما لم يحدث به أبو حنيفة قط. قلت - أي الحافظ - كذا سماه ابن حبان وصحفه وإنما هو أباء بهمزة لا بنون. اهـ. قلت: ويبدو أن للحديث طريق آخر عن ابن عباس فقد رأيت الحافظ السيوطي ذكره في ((الجامع الصغير)) رقم (٣١٤) بلفظ: ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى. وعزاه لابن عدي في ((جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة)) عن ابن عباس قال الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث المختصر)) (٤٤٧/١): وقد وجدت خبر ابن عباس في ((موضع آخر ذكره شيخنا الحافظ أبو الفضل - هو العراقي - رحمه الله في شرح الترمذي قال: وأما حديث ابن عباس فرواه أبو أحمد بن عدي في جزء خرجه من حديث أهل مصر والجزيرة من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌َّر قال: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد)). - ١٨٢ كتاب الحدود وهذا الإسناد إن كان من بين ابن عدي وابن لهيعة مقبولين فهو حسن ا هـ والحديث بهذا اللفظ له شاهد = موقوف وآخر مرسل. - أما الشاهد الموقوف فهو عن عبد الله بن مسعود. أخرجه مسدد في مسنده كما في ((المطالب العالية)) (١٨٠٦) و((تخريج المختصر)) (٤٤٣/١) كلاهما لابن حجر . .... قال مسدد: ثنا يحيى القطان عن شعبة عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: ادرؤوا الحد بالشبهة . قال الحافظ في ((تخريج المختصر)) (٤٤٣/١): وهذا موقوف حسن الإسناد قال المناوي في ((فيض القدير)) (١/ ٢٢٨): وبه يرد قول السخاوي طرقه كلها ضعيفة، نعم أطلق الذهبي على الحديث الضعف ولعل مراده المرفوع. - أما الشاهد المرسل فهو لعمر بن عبد العزيز. أخرجه أبو مسلم الكجي وابن السمعاني في ((ذيل تاريخ بغداد)) كما في ((الجامع الصغير)) (٣١٤) و((المقاصد الحسنة)) (٤٦) من طريق أبي منصور محمد بن أحمد بن الحسين بن النديم الفارسي ثنا جناح بن نذير ثنا أبو عبد الله بن بطة العكبري ثنا أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الصمد ثنا محمد بن أبي بكر المقدسي ثنا محمد بن علي الشامي ثنا أبو عمران الجوني عن عمر بن عبد العزيز فذكر قصة طويلة فيها: قصة شيخ وجدوه سكران فأقام عمر عليه الحد ثمانين فلما فرغ قال: يا عمر ظلمتني فإنني عبد فاغتم عمر ثم قال: إذا رأيتم مثل هذا في هيئته وسمته وأدبه فاحملوه على الشبهة فإن رسول الله وَلير قال: ادرؤوا الحدود بالشبهة. قال السخاوي: قال شيخنا - أي ابن حجر - وفي سنده من لم يعرف. اهـ. والحديث ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٣٣/٣) وقال: غريب بهذا اللفظ وذكر أنه في ((الخلافيات)) للبيهقي عن علي وفي ((مسند أبي حنيفة)) عن ابن عباس ا هـ. وقد حسن السيوطي في ((الجامع الصغير)) رقم (٣١٤) حديث ابن عباس وموقوف ابن مسعود ومرسل عمر بن عبد العزيز بمجموعها. وفي الباب عن عائشة وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة. - حديث عائشة. أخرجه الترمذي (٣٣/٤) كتاب الحدود: باب ما جاء في ((درء الحدود)) حديث (١٤٢٤) والدار قطني (٨٤/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٨) والحاكم (٣٨٤/٤) كتاب الحدود، والبيهقي (٢٣٨/٨) كتاب الحدود باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٣١/٥) كلهم من طريق يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله وَلقر: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)). وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري ويزيد بن زياد ضعيف في الحديث ورواه وكيع عن يزيد بن زياد ولم يرفعه وهو أصح ... اهـ. وقال في ((العلل الكبير)) (ص - ٢٢٨) رقم (٤٠٩، ٤١٠): سألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: يزيد بن زياد الدمشقي منكر الحديث ذاهب اهـ أما الحاكم فقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فرده الذهبي بقوله: قال النسائي يزيد بن زياد شامي متروك. = ١٨٣ کتاب الحدود والوطء في القُبُلِ في غير ملك ولا نكاح لا يتكامل جناية إلا عند انتفاء الشبهة كلها. إذا عُرف الزنا في عُرف الشرع فنخرج عليه بعض المسائل فنقول: الصبيُّ أو المجنون (١) وقال البيهقي: تفرد به يزيد بن زياد الشامي عن الزهري وفيه ضعف ورواه رشدين بن سعد عن عقيل عن = الزهري مرفوعاً ورشدين ضعيف أ هـ. - حديث علي. أخرجه الدارقطني (٨٤/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٩) والبيهقي (٢٣٨/٨) كتاب الحدود: باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات، كلاهما من طريق مختار التمار عن أبي مطر عن علي قال: سمعت رسول الله ◌َ و يقول: ادرؤوا الحدود. قال البيهقي: في هذا الإسناد ضعف. مختار التمار ضعيف ينظر نصب الراية (٣٠٩/٣). وأبو مطر مجهول لا يعرف قاله أبو حاتم ينظر الجرح والتعديل (٤٤٥/٩). - حديث أبي هريرة. أخرجه ابن ماجه (٨٥٠/٢) كتاب الحدود: باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات حديث (٢٥٤٥) وأبو يعلى (٤٩٤/١١) رقم (٦٦١٨) كلاهما من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَير: ((ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً)). ولفظ أبي يعلى: ادرؤوا الحدود ما استطعتم. قال البوصيري في الزوائد (٣٠٣/٢): هذا إسناد ضعيف إبراهيم بن الفضل المخزومي ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي والأزدي والدارقطني ا هـ. وقال الحافظ في ((تخريج المختصر)» (٤٤٣/١): غريب وإبراهيم بن الفضل مدني ضعيف. قلت هذا الحديث وارد شفقة بأمته، ومبالغة في الستر على عباده لئلا تنتشر الرذيلة وتهتك الفضيلة اتخذه بعض المغرضين وسيلة لأهوائهم الفاسدة فجعلوا يخلقون المعاذير، والشبهات الباطلة مخافة أن يقعوا تحت يد القانون الإلهي. لذلك بين العلماء المسائل التي لا شبهة فيها لمرتكب الزنا، وإن كانت شبهة فهي أوهى من خيط العنكبوت. وكذلك بينوا ما فيه شبهة تدرأ الحد، ولا تدخل في حد الزنا. (١) قال ابن قدامة أمَّا البلوغُ والعقلُ، فلا خلافَ في اعتبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ، وصِحَّةِ الإِقْرارِ؛ لأنَّ الصَّبِيِّ والمجنونَ قد رُفِعَ القَلَمُ عنهما، ولا حُكْمَ لكلامِهِما، وقد روَى عليَّ، رَضِيَ الله عنه، عنِ النَّبِيِّ وَّرِ أَنَّه قال: ((رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حتَّى يَعْقِلَ)). رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حَسَنّ. وفي حديث ابن عباس، في قصة ماعز، أن النبي ﴿ سأل قومه: ((أَمَجْنُونْ هُوَ؟)). قالوا: ليس به بَأْسٌ. وَرُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قال له حينَ أقرَّ عندَه: ((أَبِكَّ جُنُونٌ؟)). ورَوَى أبو داودَ، بإسنادهِ، قال: أَتِيَ عمرُ بمَجْنونَةٍ قد زنَتْ، فاسْتشارَ فيها أناساً، فأمرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ، فمرَّ بها عليَّ بنُ أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: مَجْنونةُ آلٍ فلانٍ زنَتْ، فأمرَ بها عمرُ أنْ تُرْجَمَ. فقال: ارْجِعُوا بها. ثم أتاه، فقال يا أميرَ المؤمنين، أما عَلِمْتَ أنَّ القَلَمَ قد رُفِعَ عن ثلاثَةٍ؛ عن المجنون حتى يَبْرَأَ، وِعن النَّائِم حتَّى يُسْتَيْقِظَ، وعن الصَّبِيِّ حتى يَعْقِلَ؟ قال: بلى. قال: فما بَالُ هذه؟ قال: لاشيءَ. قال: فَأَزْسِلْها. قال: فأرسَلَها. قال: فجعلَ عمرُ يُكْبِرُ. = ١٨٤ كتاب الحدود إذا وطىء امرأة أجنبيةً لا حَدَّ عليه، لأن فعلهما لا يوصف بالحرمة، فلا يكون الوطء منهما زناً، فلا حد على المرأة إذا طاوعته عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم. وقال زفر والشافعي - رضي الله عنهم - عليها الحدّ، ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنا بصبيةٍ أو مجنونة أنه يجب عليه الحد، ولا حد عليها. لهما: أن المانع من وقوع الفعل زنا خصَّ أحد الجانبين، فيختص به المنع، كالعاقل البالغ إذا زنا بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد، وإن كان لا يجب عليها لما قلنا، كذا هذا. ولنا: أن وجوب الحد على المرأة في باب الزنا ليس لكونها زانيةً، لأن فعل الزنا لا يتحقق منها وهو الوطء، لأنها موطوءة وليس بواطئة، وتسميتها في الكتاب العزيز زانية مجازٌ لا حقيقة، وإنما وجب عليها لكونها مزنيًّا بها، وفعل الصبي والمجنون ليس بزناً، فلا تكون هي مزنياً بها، فلا يجب عليها الحد، وفعل الزنا يتحقق من العاقل البالغ فكانت الصبية أو المجنونة مزنيًّا بها، إلا أن الحد لم يجب عليها لعدم الأهلية، الأهلية ثابتة في جانب الرجل فيجب. وكذلك الوطء في الدبر في الأنثى أو الذكر لا يوجب الحد عند أبي حنيفة، وإن كان حراماً لعدم الوطء في القبل، فلم يكن زنا. وعندهما(١) والشافعي يوجب الحد، (٢) وهو الرجم إن كان محصناً، والجلد إن كان غير فإن كان يُجَنُّ مَرَّة ويُفيقُ أَخْرَى، فأقرَّ في إفاقَتِهِ أنَّه زَنَا وهو مُفِيقٌ، أو قامت عليه بَيِّنَةٌ أَنَّه زَنَا في إفاقَتِهِ، = فعليه الحَدُّ. لا نَعْلَمُ فيه خِلاَفاً. وبهذا قالَ الشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأي؛ لأنَّ الزّنَى المُوجِبَ للحَدْ وُجِدَ منه في حالِ تَكْليفِهِ والقلَمُ غيرُ مَرْفوع عنه، وإقرارُهُ وُجِدَ في حالِ اعْتَبَارِ كلامِه. فإن أَقَرَّ في إفاقَتِهِ، ولم يُضِفْهُ إلى حالٍ، أو شَهِدَتْ عليه البَيْنَةٌ بالزّنَا، ولم تُضِفْه إلى حالٍ إِفَاقَتِهِ، لم يجب الحَدُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه وُجِدَ في حالِ جُنونِه، فلم يجب الحَدُّ مع الاختمالِ. وقد رَوى أبو داودَ، في حديث المجنونةِ التي أُتِيَ بها عمرُ، أنَّ عليًّا قال: إنَّ هذه مَعْتُوهُ بني فلانٍ، لعلَّ الذي أتاها أتاها في بَلائِها. فقال عمرُ: لا أذرِي. فقال عليٍّ: وأنا لا أذرِي. ينظر: المغني (٣٥٧/١٢ - ٣٥٨). (١) في أ: وعند أبي يوسف ومحمد. (٢) من المعلوم أن من زنا من رجل، أو امرأة، وكان محصناً حكمه الرجم. وهذا الحكم بعينه ثابت في من فَعَلَ فِعْلَ قوم لوط ويرجم اللائط، والملوط به متى كانا مكلفين. ويشترط في الجرم باللواطة بالنسبة للفاعل تكليفه وبالنسبة للمفعول تكليفه، وتكليف الفاعل ومن هذا يستنتج أن المفاعل لو كان مكلفاً فقط لم يرجم المفعول. وأن الفاعل لو كان غير مكلف لم يرجم واحد منهما كما لو كانا غير مكلفين، ولما كانت اللواطة من فظائع الأمور، وكان المرتكب لها مخالفاً للسنن الإلهية، وقد عاقب الله قوم لوط بأشد أنواع العذاب قال تعالى في حقهم ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾: عن ابن عباس قال رسول الله وَّرَ: ((مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلْ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُوْلَ بِهِ)) رواه الخمسة إلا النسائي. = ١٨٥ كتاب الحدود محصن، لا لأنه زنا بل لأنه في معنى الزنا لمشاركته (١) الزنا في المعنى المستدعي لوجوب الحد وهو الوطء الحرام على وجه التمحض، فكان في معنى الزنا، فورود النص بإيجاب الحد هناك يكون وروداً ههنا دلالةً . ولأبي حنيفة ما ذكرنا أن اللواطة ليست بزنا، لما ذكرنا أن الزنا اسم للوطء في قبل المرأة، ألا ترى أنه يستقيم أن يقال لاط وما زنا، وزنا وما لاط، ويقال فلان لوطي، وفلان زاني، فكذا يختلفان اسماً، واختلاف الأسامي دليل/ اختلاف المعاني في الأصل، ولهذا اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في حد هذا الفعل، ولو كان هذا زنا لم يكن لاختلافهم معنى، لأن موجب الزنا كان معلوماً لهم بالنص فثبت أنه ليس بزنا ولا في معنى الزنا أيضاً، لما ٣ /١٢ وحكم الإمام مالك في اللواطة بالرجم ((وهو مذهب الشعبي، والزهري ومالك، وأحمد، وإسحاق، = والشافعي في قوله له)) وذهب جمع أنه يحرق بالنار منهم أبو بكر، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الله وذهب سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، والثوري، والأوزاعي والإمام يحيى، والشافعي في قول له إنه کالزنا. وذهب أبو حنيفة، والشافعي في قول له، والمرتضى، والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط. ولم يشترط ما اشترطه في الجرم في الزنا من الإحصان، والإسلام، والحرية . وحكمة تحريم اللواطة أن اللواطة ليست أقل ضرراً من الزنا وربما كانت أكثر ضرراً منه. فهي ليس فيها اختلاط الأنساب. ولكن فيها قطع الأنساب رأساً فهي أبلغ في الضرر، وينقص النسل بمقدار اعتماد الناس على هذا الأمر الفظيع . ومرتكب اللواط إن كان متزوجاً فسد ما بينه وبين زوجه وساءت حال أولاده. وإن الزوجة لتغار من هذا الأمر أضعاف ما تغاره لو كان زوجها معاشراً لأخرى. وحالة اللائط الصحية مرذولة أكثر من الزاني فتجده دائماً مصفر اللون ضعيف البنية، وقلما يخلو من أمراض الزهري، والسيلان وحالته المالية أسوأ وأسوأ فهو عنوان الفقر، والبؤس، والشقاء وحالته بين الناس لا تحتاج إلى بيان فهو محتقر في أعين الناس، والزاني ليس محتقراً بالنسبة إليه، واللائط قذر باعتبار وظيفته فالرجل المعادي يستقذر أن يرى من يمتخط أو يبصق، ولكن هذا الرجل لا يبالي بما هو أقذر من ذلك. ولقد سئل بعضهم لماذا لا تأتون الذكران؟ فقال: إني لأكره العذرة وهي ملقاة على الأرض فكيف أبح عليها في وكرها. والمفعول به يحيق به ما حاق بالفاعل. بل هو أذل نفساً، وأرذل قدراً وأوسخ عرضاً. وكيف لا يسخر منه الناس وقد رضي وظيفة المرأة وظيفة له فهو يُفتَرَش كما تُفترش المرأة. وقديماً كان ملوك حمير يأتون من يطمع في الملك حتى لا يكون له من الشهامة ما يطمعه في الملك. ومحمل القول هو أن الزواج هو الحصن الحصين من الوقوع في مهاوي الرذيلة فإن لم يتيسر فالصوم أعظم وقاية، وبذلك يكون قد حفظ نفسه، وأمَّته. (١) في ط: لمشاركة. ١٨٦ كتاب الحدود في الزنا من اشتباه الأنساب وتضييع الولد، ولم يوجد ذلك في هذا الفعل، إنما فيه تضييع الماء المهين الذي يباح مثل بالعزل، وكذا ليس في معناه فيما شرع له الحد وهو الزجر، لأن الحاجة إلى شرع الزاجر فيما يغلب وجوده، ولا يغلب وجود هذا الفعل، لأن وجوده يتعلق باختيار شخصين، ولا اختيار إلا لداع يدعو إليه، ولا داعي في جانب المحل أصلاً، وفي الزنا وجد الداعي من الجانبين جميعاً وهو الشهوة المركبة فيهما جميعاً، فلم يكن في معنى الزنا، فورود النص هناك ليس وروداً ههنا، وكذا اختلاف اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - دليل على أن الواجب(١) بهذا الفعل هو التعزير لوجهين: أحدهما: إن التعزير هو الذي يحتمل الاختلاف في القدر والصفة لا الحد. الثاني: أنه لا مجال للاجتهاد في الحد، بل لا يعرف إلا بالتوقيف، وللاجتهاد مجال في التعزير . وكذا وطء المرأة الميتة لا يوجب الحد، ويوجب التعزير، لعدم وطء المرأة الحية، وكذا وطء البهيمة، وإن كان حراماً، لانعدام الوطء في قبل المرأة، فلم يكن زناً، ثم إن كانت البهيمة ملك الواطىء قيل إنها تذبح ولا تؤكل، ولا رواية فيه عن أصحابنا - رحمهم الله -، لكن روى محمد عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه لم يحد واطىء البهيمة، وأمر بالبهيمة حتى أُحرقت بالنار(٢). (١) في أ: الموجب. (٢) اخْتَلَفَتِ الرّوايةُ عن أحمدَ، في الذي يأْتِي الْبَهِيمَةَ، فرُوِيَ عنه، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه. رُوِيّ ذلك عن ابنِ عَبَّاسِ، وعَطَاءٍ، والشَّغْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَم، ومالِكِ، والثّوريِّ، وأصحابِ الرَّأي، وإسحاقَ، وهَو قولٌ للشّافِعِيِّ. والرِّوايةُ الثانيةُ، حُكْمُه حكمُ الَّلاَّئْطِ سواءً. وقال الحسن: حَدُّه حَدُّ الزَّانِي. وعن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمنِ: يُقْتَلُ هو والبِهِيمةُ؛ لقولِ رسولِ اللهِوَرَ: ((مَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوهَا مَعَهُ)). رواه أبو داود. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأَولَى، أنَّه لم يَصِحَّ فيه نصرٌ ولا يُمْكِنُ قياسُه على الوَطْءِ فِي فَرْج الآدَمِيِّ؛ لأنَّه لا حُزْمَةَ لها، وليس بمَقْصودٍ يُخْتَاجُ في الزَّجْرِ عنه إلى الحَدِ، فإنَّ النُّفُوسَ تَعافُه، وعَامَّتُهَا تَنْفِرُ منه، فَبَقِيَ على الأصْلِ في انتفاءِ الحدِّ، والحديثُ يرويه عمرُو بنُ أبي عمرو، ولم يُنْبِتُهُ أحمَدُ. وقال الطَّحَاوِيُّ: هو ضَعِيفٌ. وَمذهبُ ابنِ عَبَّاسٍ خِلاَفُه، وهو الذي رُوِيَ عنه. قال أبو داودَ: هذا يُضْعِفُ الحديثَ عنه، قال إسماعيلُ بنُ سعيد: سألتُ أحمدَ عِن الرجلِ يأْتِي البهيمةَ، فوقفَ عندَها، ولم يُثْبِتْ حديثَ عمرٍو بنِ أبي عمرٍو في ذلك. ولأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاَتِ، فلا يجوزُ أن يَثْبُتَ بحديثٍ فيه هذه الشُّبْهَةُ والضَّغْفَُ. وقولُ الْخِرَقِيِّ: أُدُّبَ، وأُحْسِنَ أَدَبُه. يعني يُعَزَّرُ، ويُبَلَغُ فِي تَعْزِيرِهِ؛ لأنَّه وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مُحرَّم، لا شُبْهَةَ له فيه، لم يُوجِبِ الحَدَّ، فَأوْجَبَ التَّعْزِيرَ، كَوَطْءِ المَيْتَةِ. ويجبُّ قتلُ البهيمةِ. وهذا قولُ أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمُنِ، وأحدُ قَوْلَي الشَّافِعِي. وسَواءٌ كانتْ مملوكةً له أو لغيرِهِ، مأكولةً أو غيرَ مأكولةٍ. قال أبو بكرٍ: الاختيارُ قَتْلُها، وإن تُرِكَتْ فلا بأسَ. وقال الطَّحَاوِيُّ: إن كانتْ مأكولةً ذُبِحَتْ، وإلا لم تُقْتَلْ. وهذا قولٌ ثانٍ للشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ نَّهَى عن ذَّبْحِ الحيوانِ لغيرِ = ١٨٧ كتاب الحدود وكذلك الوطء عن إكراه لا يوجب الحد، وكذلك الوطء في دار الحرب وفي دار البغي لا يوجب الحد، حتى إن من زنا في دار الحرب أو دار البغي ثم خرج إلينا لا يقام عليه الحد، لأن الزنا لم ينعقد سبباً لوجود الحد حين وجوده لعدم الولاية، فلا يستوفي بعد ذلك. وكذلك الحربي المستأمن إذا زنا بمسلمة أو ذمية، أو ذمي زنا بحربية مستأمنة - لا حد على الحربي والحربية عندهما(١). وعند أبي يوسف يحدان(٢). مَأْكَلَةٍ وَلَنا، قولُ النَّبِيِّ وََّ: (مَنْ أَتَّي بَهِيمَةً، فَاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ)). ولم يُفَرِّقْ بينَ كونها مأكولةً أو غيرَ = مأكولَةٍ، ولا بين مِلْكِهِ وملكِ غيرِهِ. فإن قِيلَ: الحديثُ ضَعِيفٌ، ولم يَعْمَلُوا به في قَتلِ الفَاعِلِ الجَاني، ففي حَقِّ حيوانٍ لا جِنَايَةَ منه أوْلَىٍ. قُلْنا: إنَّما لم يُعْمَلْ به في قتلِ الفاعلِ على إحدَى الرِّوايتين، لِوَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّه حَدٌّ، والحدودُ تُدْرَأَ بالشُّبهات، وهذا إتلافُ مالٍ، فلا تُؤَثِّرُ الشُّبْهَةُ فيه. والثاني، أنَّه إِثْلَافُ آدَمِيِّ، وهو أعظمُ المخلوقاتِ حُزْمَةٌ، فلم يَجُزِ النَّهَجُمُ على إِثْلافِه إلاَّ بدليلٍ في غايةِ القُوَّةِ، ولا يَلْزَمُ مثلُ هذا في إثلافِ مالٍ، ولا حيوانٍ سِوَاهُ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ الحيوانَ إنْ كانَ لَّلفاعل، ذهبَ هَذْراً، وإن كانَ لغيرِهِ، فعلَى الفاعلِ غَرامتُه له؛ لأنَّ سَببُ إِثْلَافِه، فَيَضْمَّنُه، كما لو نَصَب له شَبَكَةً فَتَلِفَ بها. ثم إنْ كانَتْ مَأْكَولةً، فهل يُباحُ أَكْلُها. على وَجِهَين. وللشّافِعِيِّ أيضاً في ذلك وَجْهانٍ؛ أحدُهما، يَحِلُّ أكْلُها؛ لقولِ الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَمِ﴾. ولأنَّه حيوانٌ من جِئْس يجوزُ أكلُه، ذَبَحَهُ مَنْ هو من أهلِ الذَّكاةِ، فحلَّ أكُلُه، كما لو لم يُفْعَلْ به هذا الفعلُ، ولكن يُكْرَهُ أكلُه؛ لشُبْهَةِ التَّخْرِيمِ. والوَجْهُ الثاني، لَا يَحِلُّ أَكْلُها؛ لما رُوِيّ عن ابنٍ عباسٍ، أنَّه قيل له: ما شأنُ البَهيمةِ . قال: ما أُراه قال ذلك، إلاَّ أنَّه كَرِهَ أكْلَها وقد فُعِلَ بها ذلك الفِعْلُ. ولأنَّه حيوانٌ يجبُ قَتْلُه، لِحَقِّ الله تعالى، فلم يَجُزْ أكلُه، كسائِرِ المِقُتُولاتِ. واخْتُلِفَ في علَّةِ قتلِها، فقيل: إنَّما قُتِلَتْ لثَلاَّ يُعَيَّرَ فاعلُها، ويُذَكَّرَ بِرُؤْيَتِها. وقد رَوَى ابْنُ بَطَّةَ، بإسنادِهِ عن النَّبِيِّ وَّ أنَّه قال: ((مَنْ وَجَدْتُمُوهُ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوه، واقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ)). قالوا: يا رسولَ الله ما بالُ البَهِيمَةِ؟ قال: ((لاَ يُقَالُ هَذِهِ وَهَذِهِ)) وقيل: لِئَلاَّ تَلِدَ خَلْقاً مُشَوَّهاً. وقيل: لِئَلاَّ تُؤْكّلَ. وإليها أشارَ ابنُ عباسٍ في تَعْلِيله. ولا يجبُ قَتْلُها حتى يَثْبُتَّ هذا العملُ بها بِبَيِّنَةٍ، فأمَّا إن أقرَّ الفاعِلُ، فإن كانتِ البهيمةُ له، ثُّبَتَ بإقْرارِهِ، وإن كانَتْ لغيرِه، لم يَجُزْ قَتْلُها بقَوْلِه؛ لأنَّه إقرارٌ على مِلْكِ غيرِهِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقرَّ بها لغيرِ مالِكِها. ينظر: المغني (٣٥١/١٢ - ٣٥٤). (١) في أ: عند أبي حنيفة ومحمد. (٢) إن كان الزاني غير المسلم ذمياً فلا خلاف في وجوب الحد عليه لالتزامه أحكام الإسلام - وإن كان مستأمناً وزنا بمسلمة فقد اختلف الفقهاء في إقامة الحد عليه. فقال أحمد، وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، ومالك لا يقام عليه الحد. وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة يحد. وقال الشافعي إن زنا بمسلمة ففي الحد طريقان قيل كالسرقة. وقيل لا يقام عليه الحد في العهد. أما حجة القائل بالحد: = ١٨٨ كتاب الحدود وجه قوله إنه لما دخل دار الإسلام فقد التزم أحكام الإسلام مُدَّةَ إِقَامَتِهِ فيها، فصار كالذمي، ولهذا يقام عليه حد القذف، كما يقام على الذمي. ولهما: أنه لم يدخل دار الإسلام على سبيل الإقامة والتوطن، بل على سبيل العارية ليعاملنا ونعامله ثم يعود، فلم يكن دخوله دار الإسلام دلالة التزامه حق الله - سبحانه وتعالى . خالصاً، بخلاف حد القذف، لأنه لما طلب الأمان من المسلمين فقد التزم أمانهم عن الإيذاء بنفسه، وظهر حكم الإسلام في حقه . ثم تحد المسلمة والذمية عند أبي حنيفة - رحمه الله -. وعند محمد - رحمه الله - لا يحد ويحد الذمي بلا خلافٍ. فهي أن المستأمن لما دخل دار الإسلام فقد التزم أحكامه من إقامته فيها فصار كالذمي. والذمي إذا زنا = يقام عليه الحد. وأيضاً بالقياس على حد القذف فإن يقام عليه كما يقام على الذمي لأنه لا فرق بينهما إلا في أن الذمي ملتزم لأحكام الإسلام طول حياته. والمستأمن ملتزم لها لأجل. ونوقش: بالفرق بين الذمي والمستأمن المتقدم ذكره. وبعدم تسليم التزام المستأمن الأحكام. بخلاف الذمي لأن الأول دخل دار الإسلام لقضاء مأرب لا للبقاء بخلاف الثاني. وأما حجة القائلين بعدم الحد: فهي أن الزنا من المستأمن زنا حقيقة: لكونه مخاطباً بحرمات الشريعة على القول الصحيح وإن لم يكن مخاطباً بالشرائع على أصلنا ((الحنفية)) ولهذا لو قذفه قاذف بعد الإسلام لم يلزمه. ومقتضى كونه مخاطباً أن يقام عليه غاية الأمر منع ذلك الخطاب وجوب إبلاغ المستأمن داره من غير تعرض له. ولأنه بالزنا قد استوجب القتل لكونه صار ناقضاً لأمانه وعهده والقتل لا يجب معه حد سواء . وأما حجة المفصلين: فهي معاملة المستأمن بمقتضى ما التزمه صيانة للفروج. ولأنه إذا أقدم على ما التزم عدم فعله في عهده فقد عرض نفسه لنتيجة نقض العهد وهو القتل - فإذا لم يشرط عليه في عهده فلا يقام عليه لأن حد الزنا حق من حقوق الله تعالى وهو لا يتعلق بطلب العبد بخلاف القطع في السرقة لأنه يتعلق بحق الآدمي من وجه. أما حد الزنا فمحض حق الله تعالى. ولذا يسقط بالشبهة هذه وجهة كل فريق بالنظر فيها نجد أن الفريق الفاعل بالحد اعتمد في مذهبه على التزام المستأمن للأحكام. ولكن متى عرف أن المستأمن لم يدخل دار الإسلام على سبيل الإقامة والتوطن بل على سبيل عدم الاستقرار ليعاملنا ونعامله ثم يعود - تبين لنا أنه لم يكن دخوله دار الإسلام ملزماً له بالحقوق والقياس على حد القذف غير مسلم لأن المستأمن حين طلب الأمان من المسلمين صار ملتزماً من جهة عدم إيذائهم والتعرض لهم في عرض أو مال. ومن تلك الجهة ظهر حكم الإسلام في حقه بالتزامه هو فطولب بما التزم. فإذا فعل ما يخالف التزامه صار ناقضاً لأعماله مستحقاً للقتل. ولا يجب حد مع وجوب القتل. وهذا ما نختاره ونميل إليه . ينظر: أثر الاختلاف في الأحكام لشيخنا بدران أبو العنين، المبسوط ٩/ ٥٧، مغني ابن قدامة ٢٧٦/١٠، فتح القدير ١٥٤/٤. ١٨٩ كتاب الحدود وجه قول محمد رحمه الله أن الأصل فعل الرجل وفعلها يقع تبعاً، فلما لم يجب على الأصل لا يجب على التبع، كالمطاوعة الصبي والمجنون. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن فعل الحربي حرام محض، ألا ترى أنه يؤاخذ فكان زناً، فكانت هي مزنيًّا بها، إلا أن الحد لم يجب على الرجل لعدم التزامه أحكامنا، وهذا أمر يخصه . ويحد الذمي لأنه بالذمة والعهد التزم أحكام الإسلام مطلقاً، إلا [في قدر ما وقع الاستثناء فيه](١) ولم يوجد ههنا. وكذلك وطء الحائض، والنفساء، والصائمة، والمحرمة، والمجنونة، والموطوءة بشبهة، والتي ظاهر منها أو آلى منها - لا يوجب الحد وإن كان حراماً، لقيام الملك والنكاح، فلم يكن زناً . وكذلك وطء الجارية المشتركة(٢)، والمجوسية، والمرتدة، والمكاتبة، والمحرمة برضاع، أو صهرية، أو جمع، لقيام الملك، وإن كان حراماً وعلم بالحرمة، وكذلك وطء الأب جارية الابن لا يوجب الحد، وإن علم بالحرمة لأن له في مال ابنه شبهة الملك، وهو الملك من وجه أو حق الملك، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ))(٣) فظاهر إضافة مال الابن إلى الأب بحرف اللام يقتضي حقيقة الملك، فلئن تقاعد عن إفادة الحقيقة، فلا يتقاعد على إيراث الشبهة أو حق الملك . وكذلك وطء جارية المكاتب، لأن المكاتب عندنا عبد ما بقي عليه درهم، فكان مملوك المولى رقبة، وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب، فإن لم يثبت مقتضاه حقيقة فلا أقل من الشبهة، وكذلك وطء جارية العبد المأذون، سواء كان عليه دين أو لم يكن، أما إذا لم يكن عليه دين فظاهر، لأنها ملك المولى. وكذلك إن كان عليه دين لأن رقبة المأذون ملك المولى، وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب كما في جارية المكاتب، بل أولى، لأن كسب المأذون أقرب إلى المولى من كسب المكاتب، فلما لم يجب الحد هناك فههنا أولى، ولأن هذا الملك محل الاجتهاد، لأن العلماء اختلفوا فيه واختلافهم يورث شبهة، فأشبه وطأ حصل في نكاح وهو محل الاجتهاد/ وذا لا يوجب الحد، كذا هذا. ٢/٣ب (١) في أ: إلا بقدر ما يقع الاشتباه له. (٢) ولا يجبُ الحَدُّ بوَطْءِ جارِيَةٍ مُشْتَركَةٍ بينَه وبينَ غيرِهِ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: يَجِبُ. ولَنا، أَنَّه فَرْجٌ له فيه مِلْكٌ، فلا يُحَدُّ بوطْئِهِ، كالمُكاتَّبَةِ والمَرْهُونَةِ. ينظر: المغني ١٢ / ٣٤٤. (٣) تقدم. ١٩٠ كتاب الحدود وكذلك وطء الجد أب الأب وإن علا عند عدم الأب بمنزلة وطء الأب، لأن له ولاداً، فنزل منزلة الأب. وكذلك الرجل من الغانمين إذا وطىء جاريةً من المغنم قبل القسمة بعد الإحراز بدار الإسلام أو قبله - لا حدَّ عليه، وإن علم أن وطأها عليه حرام، لثبوت الحق له بالاستيلاء لانعقاد سبب الثبوت، فإن لم يثبت، فلا أقل من ثبوت الحق فيورث شبهة. ولو جاءت هذه الجارية بولد فادعاه لا يثبت نسبه منه، لأن ثبوت النسب يعتمد الملك في المحل، إما كلٌّ وجه أو من وجه، ولم يوجد قبل القسمة، بل الموجود حق عام وأنه يكفي لسقوط الحد، ولا يكفي لثبوت النسب. وكذلك وطء امرأة تزوجها بغير شهود أو بغير ولي، عند من لا يجيزه لا يوجب الحد، لأن العلماء اختلفوا، منهم من قال: يجوز النكاح بدون الشهادة والولاية، فاختلافهم يورث شبهة . وكذلك إذا تزوج معتدة الغير، أو مجوسية، أو مدبرة، أو أمة على حُرَّةٍ، أو أمة بغير إذن مولاها، أو العبد تزوج امرأة بغير إذن مولاه، فوطئها، لا حد عليه لوجود لفظ النكاح من الأهل في المحل، وأنه يوجب شبهة. وكذلك إذا نكح محارمه أو الخامسة أو أخت امرأته فوطئها، لا حد عليه عند أبي حنيفة، وإن علم بالحرمة، وعليه التعزير، وعندهما(١) والشافعي - رحمهم الله تعالى - عليه الحد. والأصل عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن النكاح إذا وجد من الأهل مضافاً إلى محل .. قابل لمقاصد النكاح يمنع وجوب الحد، سواء كان حلالاً أو حراماً، وسواء كان التحريم مختلفاً فيه أو مجمعاً عليه، وسواء ظن الحِلَّ فادعى الاشتباه، أو علم بالحرمة. والأصل عندهما إن النكاح إذا كان محرماً على التأبيد أو كان تحريمه مجمعاً عليه - يجب الحد (٢)، وإن لم يكن محرماً على التأبيد، أو كان تحريمه مختلفاً فيه - لا يجب (١) في أ: وعند أبي يوسف ومحمد. (٢) وإن تزوَّجَ ذاتَ مَخْرمِه، فالنكاحُ باطِلٌ بالإِجْماعِ. فإن وَطِتَها، فعليه الحَدَّ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ،َ وأبو يوسف، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وأبو أيُّوَبَ، وَابنُ أبي خَيْئَمَةَ. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطءْ تمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلم يُوجِبِ الْحَدَّ، كما لو اشْتَرى أُخْتَه من الرَّضَاعِ ثم وَطِئَها. وبيانُ الشّبْهَةِ أنَّه قد وُجِدَتْ صورةُ المُبِيحِ، وهو عَقْدُ النِّكَاحِ الَّذِي هو = ١٩١ كتاب الحدود عليه(١). سببٌ للإِباحَةِ، فإذا لم يَثْبُتْ حُكْمُه وهو الإِباحَةُ، بَقِيَتْ صُورتُه شُبْهةً دارِئةً للحَدِّ الذي يَنْدَرِىءُ بالشُّبُهاتِ. = ولَنا، أنَّهَ وَطْءٌ فِي فَرْجِ امرأةٍ، مُجمعٌ على تَحْرِيمِه، من غيرِ مِلْكِ ولا شُبْهَةِ مِلْكِ، والواطِىءُ من أهل الحَدِّ، عالمٌ بالتَّحْرِيمِ، فَلَزِمَه الحَدُّ، كما لو لم يُوجَدِ العقدُ، وصورةُ المُبِيح إنَّما تكونُ شُبْهةً إذا كانثَ صَحِيحَةً، والعَقْدُ هَهُنَا باطِلٌ مُحَرَّمٌ، وفعلُهِ جِنايَةٌ تَقْتَضِي العُقوبَةَ، انضَمَّتْ إلىّ الزّنَا، فلم تكُنْ شُبْهَةً، كما لو أكرهَها، وعاقَبها، ثم زَنَا بها، ثم يَبْطُلُ بالاسْتيلاءِ عليها، فإنَّ الاستيلاءَ سببٌ للمِلْكِ في المُبَاحَاتِ، وليس بشُبْهَةٍ. وأمَّا إذا اشترَى أختَه من الرَّضاع، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَمْناهُ، فإنَّ المِلْكَ المُقْتَضِي للإِباحَةِ صَحِيحٌ ثابتٌ، وإنما تخلَّفَتِ الإِباحَةُ لمُعارِضٍ، بخلافِ مَسْأَلتِنا؛ فإن الْمُبِيحَ غيرُ موجودٍ؛ لأنَّ عقدَ النكاح باطِلٌ، والملكُ به غيرُ ثابتٍ، فالمُقْتضى معدومٌ، فافْتَرَقا، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى خمراً فَشَرِبَهُ، أو غُلاَمَاً فَوَطِئَه. إذا ثَبتَ هذا، فاخْتَلَفَ في الحَدِّ، فرُوِي عن أحمدَ أنَّه يُقْتَلُ على كلٌ حالٍ. وبهذا قال جابرُ بنُ زيدٍ، وإسحاقُ، وأبو أيُّوبَ، وابنُ أبي خَيْثَمَةَ. وروَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ تزوَّجَ امرأةً أبيهِ، أو بذَاتِ مَخْرَم، فقال: يُقْتَلُ ويؤخذ مالُه إلى بيتِ المالِ. والرّواية الثانية، حَدُّه حَدَّ الزَّانِي. وبه قال الحسنُ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ؛ لعُموم الآيةِ والخبرِ. ووَجْهُ الأُولى، ما رَوَى البَرَاءُ. قال: لَقِيتُ عَمِّي ومعه الرَّايةُ، فقلتُ: إلى أينَ تُرِيدُ؟ فقالَ: بَعَثَنِي رسولُ اللهِ وَله إلى رجلِ نكَح امرأةً أبيه من بَعْدِهِ، أنْ أضْربَ عُنُقَه، وآخُذَ مالَه. رواه أبو داودَ، والجُوزَجَانِيُّ، وابن ماجَه، والتَّرْمِذِيُّ. وقال: حديثٌ حَسَنٌ. وسَمَّى الجُوزَجَانِيُّ عمَّه الحارثَ بنَ عمرٍو. وروى الجُوزِجَانِيُّ، وابنُ ماجَه، بإسنادِهما عن ابنٍ عباسٍ، قال قال رسول الله وََّ: ((مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَّاتِ مَخْرَم، فاقْتُلُوه)» ورُفِعَ إلى الحجّاجِ رجلٌ اغتصبَ أَخْتَه عَلى نفسِها، فقال؛ احْبِسُوه، وسَلُوا مَنْ هُهُنا من أصحَّبِ النَّبِيِّ وَِّ. فَسَأْلُوا عبدَ الله بنَ أبي مُطَرِّفٍ، فقال: سمعتُ رسول الله وَّه يقول؛ ((مَنْ تَخَطَّى الْمُؤْمِنِينَ، فَخُطُّوا وَسَطَهُ بِالسَّيْفِ)). وهذه الأحاديثُ أخَصُّ ممَّا وردَ في الزِّنَا، فَتُقدَّمُ. والقولُ في من زَنَا بذاتِ مَخْرَمِه من غيرِ عَقْدٍ، كالقولِ في مَن وَطِئَها بعدَ العَقْدِ. وكلُّ نكاحٍ أُجْمِعَ على بُطْلَائِهِ، كنكاح خامسةٍ، أو مُتزوّجَةٍ، أو مُغْتَدَّةٍ، أو نكاح المُطَلَّقَةِ ثلاثاً، إذا وَطِىءَ فيه عالماً بالتَّخرِيم، فهو زِناً، مُوجِبَ للحَدِّ المشروع فيه قبَل العَقْدِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةً، وصاحِباه: لا حَذَّ فيه؛ لما ذكرُوه في الفصلِ الذي قبَلَ هذا. وقال النَّخَعِيُّ؛ يُجْلَدُ مِائَةً، ولا يُنْفَى. ولّنا، ما ذكرْناه فيما مضى، وروى أبو نَصْرِ الْمَرَّوذِيُّ، بإسنادِه عن عُبَيْدِ بنِ نُضَيْلةَ، قال: رُفِعَ إلى عمرَ بنِ الخطّابِ امرأةً تزوَّجَتْ في عدَّتِها، فقالَ: هل عَلِمْتُمَا؟ فقالا: لا. قال: لو عَلِمْتُما لَرجمْتُكمَا. فجلّدَهمَا أسْواطاً، ثم فرَّقَ بينهمَا. وروَى أبي بكرٍ، بإسْنادِه عن خِلاَسٍ، قال: رُفِعَ إلى عليٍّ، عليه السَّلامُ، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ ولها زَوْجٌ كتمَتْه، فرجَمَها، وجلدَ زوجَها الآخَرَ مائَةً جَلْدَةٍ. فإن لم يَعْلَمْ تَحْرِیمَ ذلك، فلا حَدًّ عليه، لِعُذْرِ الجَهْلِ، ولذلك درأ عمرُ عنهما الحَدَّ؛ لجَهْلِهما. ينظر: المغني ٣٤١/١٢ - ٣٤٣. (١) ولا يجبُ الحَدِّ بالوَطْءِ في نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كنِكَاحِ المُتْعَةِ، والشِّغَارِ، والتَّخْلِيلِ، والنّكاحِ بلا وَلِيٍّ ولا شُهودٍ، ونكاح الأَخْتِ في عِدَّةِ أخْتِها البائنِ، ونكاح الخامسةِ في عِدَّةِ الرابعةِ البائْنِ، ونكاحَ الْمَجُوسِيّةِ. وهذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلم؛ لأنَّ الاختِلافَ في إِيَاحَةَ الوَطْءِ فيه شُبْهةٌ، والحدودُ تُذْرَأَ بِالشُّبُهَاتِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَخَفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، أنَّ الحُدودَ تُدْرأُ بِالشُّبَةِ . ينظر: المغني (٣٤٣/١٢ - ٣٤٤). ١٩٢ کتاب الحدود وجه قولهم أن هذا نكاح أضيف إلى غير محله فيلغو، ودليل عدم المحلية أنَّ محلّ النكاح هي المرأة المحللة، لقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَأَحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمحارمُ محرماتٌ على التأبيد، لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... ﴾ [النساء: ٢٣] الآية، إلا أنه إذا ادعى الاشتباه وقال: ظننت أنها تحل لي سقط الحد، لأنه ظن أن صيغة لفظ النكاح من الأصل في المحل - دليل الحلِّ، فاعتبر هذا الظن في حقه وإن لم يكن معتبراً حقيقة إسقاطاً لما يدرأ بالشبهات، وإذا لم يدع خلا الوطء عن الشبهة، فيجب الحد. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن لفظ النكاح صدر من أهله مضافاً إلى محلّه، فيمنع وجوب الحد كالنكاح بغير شهود، ونكاح المتعة ونحو ذلك، ولا شك في وجود لفظ النكاح والأهلية، والدليل على المحلية أن محل النكاح هو الأنثى من بنات سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام - النصوص والمعقول، أما النصوص: فقوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿ومنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ [النجم: ٤٥]، جعل - سبحانه وتعالى - النساء على العموم، والإطلاق محل النكاح والزوجية. وأما المعقول: فلأن الأنثى من بنات سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام - محل صالح لمقاصد النكاح من السكنى والولد والتحصين وغيرها، فكانت محلاً لحكم النكاح، لأن حكم التصرف وسيلة إلى ما هو المقصود من التصرف، فلو لم يجعل محل المقصود محل الوسيلة لم يثبت معنى التوسل، إلا أن الشرع أخرجها من أن تكون محلاً للنكاح شرعاً مع قيام المحلية حقيقة، فقيام صورة العقد والمحلية يورث شبهة، إذ الشبهة اسم لما يشبه الثابت وليس بثابت، أو نقول وجد ركن النكاح والأهلية والمحلية على ما بينا، إلا أنه فات شرط الصحة، فكان نكاحاً فاسداً والوطء في النكاح الفاسد لا يكون زناً بالإجماع، وعلى هذا يَنْبَغِي أَنْ يعلل فيقال هذا الوطء ليس بزناً، فلا يوجب حد الزنا قياساً على النكاح بغير شهود وسائر الأنكحة الفاسدة . ولو وطىء جارية الأب أو الأم فإن ادعى الاشتباه بأن قال: ظننت أنها تحل لي لم يجب الحد، وإن لم يدع يجب، وهو تفسير شبهة الاشتباه، وأنها تعتبر في سبعة مواضع: في جارية الأب، وجارية الأم، وجارية المنكوحة، وجارية المطلقة ثلاثاً ما دامت في العدة، وأما الولد ما دامت تعتد منه، والعبد إذا وطىء جارية مولاء، والجارية المرهونة إذا وطئها المرتهن في رواية ((كتاب الرهن))، وفي رواية ((كتاب الحدود)) يجب الحدّ ولا يعتبر ظنه، أما إذا وطىء جارية أبيه أو أمه أو زوجته، فلأنَّ الرجلَ ينبسط في مال أبويه وزوجته وينتفع به من غير استئذان وحشمة عادة. ١٩٣ كتاب الحدود ألا ترى/ أنه يستخدم جارية أبويه ومنكوحته من غير استئذان، فظن أن هذا النوع من ٢٣/٣ الانتفاع مطلق له شرعاً أيضاً. وهذا وإن لم يصلح دليلاً على الحقيقة، لكنه لما ظنه دليلاً اعتبر في حقه لإسقاط ما يندرىء بالشبهات، وإذا لم يدع ذلك فقد عرى الوطء عن الشبهة، فتمحض حراماً، فيجب الحد، ولا يثبت نسب الولد سواء ادعى الاشتباه أو لا، لأن ثبات النسب يعتمد قيام معنى في المحل وهو الملك من كل وجه، أو من وجه، ولم يوجد. ولو ادعى أحدهما الظن ولم يدع الآخر لا حَدَّ عليهما ما لم يقرًّا جميعاً إنهما قد علما بالحرمة، لأن الوطء يقوم بهما جميعاً، فإذا تمكنت فيه الشبهة من أحد الجانبين، فقد تمكنت من الجانب الآخر ضرورة، وأما مَنْ سوى الأب والأم من سائر ذوي الرحم المحرم كالأخ والأخت ونحوهما، إذا وطىء جاريته، يجب الحد. وإن قال: ظننتُ أنها تحل لي، لأن هذا دعوى الاشتباه في غير موضع الاشتباه، لأن الإنسان لا ينبسط بالانتفاع بمال أخيه وأخته عادةً، فليمكن هذا ظنًّا مستنداً إلى دليل فلا يعتبر، وكذلك إذا وطىء جارية ذات رحم محرم من امرأته لما قلنا. أما إذا وطىء المطلقة ثلاثاً في العدة، فلأن النكاح قد زال في حق الحل أصلاً، لوجود المبطل لحل المحلية وهو الطلقات الثلاث، وإنما بقي في حق الفراش والحرمة على الأزواج فقط، فتمحض الوطء حراماً، فكان زنا فيوجب الحد، إلا إذا ادَّعى الاشتباه وظن الحل، لأنه بنى ظنه على نوع دليل وهو بقاء النكاح في حق الفراش وحرمة الأزواج، فظن أنه بقي في، حق الحل أيضاً، وهذا وإن لم يصلح دليلاً على الحقيقة، لكنه لما ظنه دليلاً اعتبر في حقه درعاً لما يندرىء بالشبهات، وإن كان طلاقها واحدة بائنة، لم يجب الحد، وإن قال: علمت أنها علي حرام لأن زوال الملك بالإبانة وسائر الكنايات مجتهد فيه، لاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم -، فإن مثل سيدنا عمر - رضي الله عنه - يقول في الكنايات إنها رواجع، وطلاق الرجعي لا يزيل الملك، فاختلافهم يورث شبهة . ولو خالعها أو طلقها على مال فوطئها في العدة، ذكر الكرخي أنه ينبغي أن يكون الحكم فيه كالحكم في المطلقة ثلاثاً، وهو الصحيح، لأن زوال الملك بالخلع والطلاق على مال مجمع عليه، فلم تتحقق الشبهة، فيجب الحد، إلا إذا ادعى الاشتباه، لما ذكرنا في المطلقة الثلاث . وكذلك إذا وطىء أم ولده وهي تعتد منه بأن أعتقها، لأن زوال الملك بالإعتاق مجمعٌ عليه، فلم تثبت الشبهة . بدائع الصنائع ج٩ - م١٣ ١٩٤ كتاب الحدود وأما العبد إذا وطىء جارية مولاه، فإن العبد ينبسط في مال مولاه عادةً بالانتفاع، فكان وطؤه مستنداً إلى ما هو دليل في حقه، فاعتبر في حقه لإسقاط الحد، وإذا لم يدع بحد، لعراء الوطء عن الشبهة، وأما المرتهن إذا وطىء الجارية المرهونة، فوجه رواية ((كتاب الرهن)) أن يد المرتهن يد استيفاء الدين، فصار المرتهن مستوفياً الدين من الجارية يداً، فقد وطىء جارية هي مملوكة له يداً، فلا يجب الحد، كالجارية المبيعة إذا وطئها البائع قبل التسليم، إلا إذا ادعى الاشتباه وقال: ظننت أنها تحل لي؛ لأنه استند ظنه إلى نوع دليل، وهو ملك اليد فيعتبر في حقه درءاً للحد، وإذا لم يدَّع فلا شبهة فلا يجب الحد. وجه رواية ((كتاب الحدود)) أن الاستيفاء في باب الرهن إنما يتحقق من مالية الرهن، لا من عينه، لأن الاستيفاء لا يتحقق إلا في الجنس، ولا مجانسة بين التوثيق وبين عين الجارية، فلا يتصور الاستيفاء من عينها، فلا يعتبر ظنه. ولو وطىء البائع الجارية المبيعة قبل التسليم لا حَدَّ عليه، وكذلك الزوج إذا وطىء الجارية التي تزوج عليها قبل التسليم، لأن ملك الرقبة وإن زال بالبيع والنكاح، فملك اليد قائم، فیورث شبهة . ولو وطىء المستأجر جارية الإجارة، والمستعير جاريةَ الإعارة، والمستودعُ جارية الوديعة - يحد، وإن قال: ظننت أنها تحل لي، لأن هذا ظَنٌّ عري عن دليل، فكان في غير موضعه، فلا يعتبر . ولو زُفت إليه غير امرأته وقلن النساء: إن هذه امرأتك، فوطئها، لا حد عليه، منهم من قال: إنما لم يجب الحد لشبهة الاشتباه، وهذا غير سديد، فإنها إذا جاءت بولد يثبت النسب، ولو كان امتناع الوجوب لشبهة الاشتباه يَنْبَغِي أن لا يثبت، لأن النسب لا يثبت في شبهة الاشتباه، كما فيما ذكرنا من المسائل، وههنا يثبت النسب ـ دَلَّ أن الامتناع ليس لشبهة الاشتباه، بل لمعنى آخر، وهو أنَّ وطأها بناء على دليل ظاهر يجوز بناء الوطء عليه، وهو الإخبار بأنها امرأته، بل لا دليل ههنا سواه، فلئن تبين الأمر بخلافه، فقيام الدليل المبيح من حيث الظاهر يورث شبهةً. ٣/٣ب ولو وطىء أجنبية وقال: ظننت أنها امرأتي، أو جاريتي، أو شبهتها بامرأتي / أو جاريتي - يجب الحد؛ لأن هذا الظن غير معتبر لعدم استناده إلى دليل، فكان ملحقاً بالعدم، فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن ما لم يعرف أنها امرأته بدليل، إما بكلامها أو بإخبار مخبر، ولم يوجد، مع ما أنا لو اعتبرنا هذا الظن في إسقاط الحد لم يقم حد الزنا في موضع ما؛ إذ الزاني لا يعجز عن هذا القدر فیؤدي إلی سَدِّ باب الحد. ١٩٥ كتاب الحدود وهكذا روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه قال: لو قيل هذا لما أقيم الحد على أحد، وكذلك لو كان الرجل أعمى فوجد امرأة في بيته فوقع عليها وقال: ظننتها امرأتي، عليه الحد؛ لأن هذا ظن لم يستند إلى دليل، إذ قد يكون في البيت من لا يجوز وطؤها من المحارم والأجنبيات، فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن، فلم تثبت الشبهة . ورُوِيَ عن محمدٍ في رجلٍ أعمى دعى امرأته، فقال: يا فلانة، فأجابت غَيْرُهَا، فوقع عليها - أنه يُحَدُّ، ولو أجابته غيرها، وقالت: أنا فلانة، فوقع عليها، لم يحد ويثبت النسب، وهي كالمرأة المزفوفة إلى غير زوجها، لأنه لا يحل له وطؤها بنفس الإجابة ما لم تقل: أنا فلانة، لأن الإجابة قد تكون من التي ناداها، وقد تكون من غيرها، فلا يجوز بناء الوطء على نفس الإجابة، فإذا فَعَلَ لم يعذر، بخلاف ما إذا قالت: أنا فلانة فوطئها، لأنه لا سبيل للأعمى إلى أن يعرف أنها امرأته إلا بذلك الطريق، فكان معذوراً، فأشبه المرأة المزفوفة، حتى لو كان الرجل بصيراً، لا يصدق على ذلك لإمكان الوصول إلى أنها امرأته بالرؤية. وروي عن زفر في رجل أعمى وَجَدَ على فراشه أو مجلسه امرأةً نائمةً فوقع عليها، وقال: ظننت أنها امرأتي، يدرأ عنه الحد وعليه العقر. وقال أبو يوسف: لا يدرأ. وجه قول زفر أنه ظن في موضع الظن، إذ الظاهر أنه لا ينام على فراشه غير امرأته، فكان ظنه مستنداً إلى دليل ظاهر، فيوجب درأ الحد، كما لو زفت إليه غير امرأته فوطئها. وجه قول أبي يوسف أن النوم على الفراش لا يَدُلّ على أنها امرأته، لجواز أن ينام على فراشه غير امرأته، فلا يجوز استحلال الوطء بهذا القدر، فإذا استحل وظهر الأمر بخلافه لم يكن معذوراً [فلا يعتبر ظنه](١) والله - سبحانه وتعالى - أعلم. فصل في الإحصان وأما الإحصان فالإحصان نوعان : إحصان الرجم. (١) سقط من ط . (٢) إنَّ الرِّجْمَ لا يجبُ إلاَّ علَى الْمُخْصَنِ، بِإِجْماعِ أهلِ العلم. وفي حديثِ عمرَ: إِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ على مَن زنَا وقد أَخصِنَ. وقالَ النَّبِيِّ وَّهِ: ((لاَ يَحِلُّ دَمُ أَمْرِىءٍ إلَّ بَإحدَى ثَلاَثٍ). ذكرَ منها: ((أو زِناً بَعْدَ إخْصَانٍ)) وللإِخصانِ شُروطٌ. وهذه الشروط سيذكرها المصنف رحمه الله. ١٩٦ كتاب الحدود وإحصان القذف. أما إحصان الرجم: فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفاتٍ اعتبرها الشرعُ لوجوب الرجم، وهي سبعة : العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والنكاح الصحيح، وكون الزوجين جميعاً على هذه الصفات، وهو أن يكونا جميعاً عاقلين بالغين حرين مسلمين، فوجود هذه الصفات جميعاً فيهما شرطً لكون كل واحد منهما محصناً، والدخول في النكاح الصحيح بعد سائر الشرائط متأخراً عنها، فإن تقدمها لم يعتبر ما لم يوجد دخول آخر بعدها، فلا إحصان للصبي، والمجنون، والعبد، والكافر، ولا بالنكاح الفاسد، ولا بنفس النكاح ما لم يوجد الدخول، وما لم يكن الزوجان جميعاً وقت الدخول على صفة الإحصان، حتى إن الزوج العاقل البالغ الحر المسلم إذا دخل بزوجته وهي صبية أو مجنونة أو أمة أو كتابية، ثم أدركت الصبية، وأفاقت المجنونة، وأعتقت الأمة، وأسلمت الكافرة(١) - لا يصير محصناً ما لم يوجد دخولٌ آخر بعد زوال هذه العوارض، حتى لو زنى قبل دخول آخر لا يرجم، فإذا وجدت هذه الصفات صار الشخص محصناً، لأن الإحصان في اللغة عبارة عن الدخول في الحصن، يقال: أحصن، أي: دخل الحصن، كما يُقال: أعرق، أي : دخل العراق، وأشأم، أي: دخل الشام، وأحصن، أي: دخل في الحصن، ومعناه: دخل حصناً عن الزنا إذا دخل فيه، وإنما يصير الإنسان داخلاً في الحصن عن الزنا عند توفر الموانع، وكل واحد من هذه الجملة مانعٌ عن الزنا، فعند اجتماعها تتوفر الموانع. أما العقلُ: فلأن للزنا عاقبةً ذميمة، والعقل يمنع عن ارتكاب ما له عاقبةٌ ذميمةٌ. وأما البلوغ: فلأن(٢) الصبي لنقصان عقله ولقلة تأمله لاشتغاله باللهو واللعب لا يقف على عواقب الأمور، فلا يعرف الحميدة منها والذميمة (٣). وأما الحرية(٤): فلأن الحُرَّ يَسْتَشْكِفُ عنِ الزنا، وكذا الحرة، ولهذا لما قَرَأَ (١) في أ: الكتابية . (٢) في ط: فإن. (٣) فلو وَطِىءَ وهو صَبِيٍّ أو مجنونٌ، ثم بلغَ أو عَقَّلَ، لم يكُن مُخْصَناً. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، ومذهبُ الشَّافِعِيِّ. ومِن أصحابه مَن قال: يصيرُ مُخْصَّناً. ينظر: المغني ٣١٦/١٢. (٤) الحرية، وهي شرط في قول أهلِ العلم كلُّهم، إِلاَّ أبا ثَوْرٍ، قال: العبدُ والأمَةُ هما مُخْصَنَانٍ، يُرْجَمانِ إذا زَنًَّا، إلاَّ أنْ يكونَ إجماعٌ يُخالِفُ ذلك. وحُكِيَ عن الأوْزَاعِيّ ففي العبدِ تحتَه حُرَّةٌ: هو مُخْصَنْ، يُرْجُمُ إذا زَنَا، وإن كان تحتَه أَمَةٌ، لم يُرْجَمْ. وهذه أقوالٌ تُخالِفُ النَّصَّ والإِجماعَ، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. والرَّجْمُ لا يَتَتَصَّفُ، وإيجابُه كلُّه يُخالِفُ النَّصَّ مع مُخالفَةِ الإِجْماعِ المُنْعَقِدِ قَبْلَه، إلاَّ أن يكونَ إذا عَتَّقًا بعدَ الإصابةِ، فهذا فيه اختلافٌ. ينظر: المغني ٣١٥/١٢ - ٣١٦. ١٩٧ كتاب الحدود رسولُ اللهِ وَلَ آيَة المبايعة على النساء وبلغ إلى قول الله - تعالى -: ﴿وَلاَ يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت هندُ امرأةٌ أبي سفيان: ((أَوَ تَزْنِي الحُرَّةُ يَا رَسُولَ الله))؟! (١). وأما الإسلام (٢): فلأنه نعمةٌ كاملة موجبة للشكر، فيمنع من الزنا الذي هو وضع الكفر في موضع الشكر. ١٤/٣ وأما اعتبار اجتماع هذه الصفات في الزوجين جميعاً: فلأن اجتماعها فيهما يُشعر بكمال حالهما/ وذا يشعر بكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين، لأن اقتضاء الشهوة بالصبية، والمجنونة قاصرٌ؛ وكذا بالرقيق لكون الرقُّ من نتائج الكفر فينفر عنه الطبع، وكذا بالكافرة لأن طبع المسلم ينفر عن الاستمتاع بالكافرة، ولهذا قال النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - لحذيفَةً (١) تقدم. (٢) مذهب الحنابلة لا يشترط الإسلامُ في الإِحصانِ. وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ. فعلى هذا يكون الذِّمْيَّانِ مُخْصَنَيْنٍ، فإن تزوَّجَ المسلمُ ذِمِّيَّةً، فوَطِئَها، صارا مُخْصَنَيْنٍ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، في الذِّمِّيَّةِ: لا تُخْصِنُ المسلِمَ. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، ومُجَاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ: هو شَرْطٌ في الإِخْصانِ. فلا يكونُ الكافِرُ مُحْصَناً، ولا تُخْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مسلماً؛ لأن ابنَ عمرَ روَى، أنَّ النَِّيَّ نَّهِ قال: ((مَنَ أَشْرَكَ بِالله، فَلَيْسَ بِمُخْصَن)). ولأنَّه إخصانٌ من شَرْطِه الحُرِّيَّةُ، فكان الإِسلامُ شَرْطاً فيه، فإخْصانِ القَذْفِ. وقال مالِكٌ كقولِهِمْ، إلاَّ أَنَّ الذُّمْيَّةَ تُخْصِنُ المسلمَ، بناءً على أصْلِه في أنَّه لا يَعْتَبِرُ الكمالَ في الزَّوْجَيْن، وينْبَغِي أن يكونَ ذلك قولاً للشَّافِعِي. ولَنا، ما روَى مالِكٌ، عن نافع عن ابن عمر، أنَّه قال: جاءَ اليهودُ إلى رسولِ اللهِ وَّ﴿، فذكَرُوا له أنَّ رجلاً منهم وامرأةً زَنْيًا. وذكرَ الحديثَ، فأمرَ بهما رسولُ اللهِ وَّهِ فِرُجِما. مُتَّفَقْ عليه. ولأنَّ الجنايَةَ بالزِّنَى استَوَتْ من المسلم والذِمِّيٌّ، فيجبُ أن يَسْتَويَا في الْحَدِّ. وحديثُهم لم يَصِحّ، ولا نعرفُه في مُسْنَدٍ. وقيل: هو مَوْقوفٌ علَى ابن عمر. ثم يتَعيَّنُ حَمْلُه على إحْصانِ القَذْفِ، جَمْعاً بين الحديثَيْن، فإنَّ راوِيَهما واحدٌ، وحديثُنا صريحٌ في الرَّجْم، فيَتَعَيِّنُ حَمْلُ خَبَرِهِم على الإِخْصانِ الآخَرِ. فإن قالوا: إنَّما رَجَمَ النَّبِيُّ وَّهِ اليَهُودِيَّيْن بِحُكْمِ التَّوْراةِ، بدليل أنَّه راجَعها، فلما تبيَّن له أَنَّ ذلك حكمُ الله عليهِمْ، أقامَه فيهم، وفيها أنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا النَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىّ وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَِّيُّون الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادِوا﴾. قُلْنا: إنَّما حَكَمَ عليهم بما أَنْزَلَ الله إليه، بدليلٍ قولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقْ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمُ شِرعَةً وَمِنْهَاجاً﴾. ولأَنَّه لا يَسُوعُ لَلنَّبِيِّ وَّهِ الحُكْمُ بغيرِ شَرِيعَتِه، ولو ساغَ ذلك له لساغَ لغيرِهِ، وإنَّما راجعَ التَّوْرَاةَ لتَعْرِيفِهم أنَّ حُكْمَ النَّوراةِ مُوافِقٌ لما يَحْكُمُ به عليهم، وأنَّهم تارِكون لشرِيعَتِهِم، مُخالِفُونَ لحُكْمِهِم، ثم هذا حُجَّةٌ لنا، فإنَّ حكمَ الله في وُجوبِ الرَّجْمِ إن كانَ ثابتاً في حَقْهم يجبُ أن يحكمَ به عليهم، فقد ثَبتَ وجودُ الإِخْصانِ فيهم، فإنَّه لا معنى له سوىَ وجوبِ الرَّجْمِ على مَن زَنَا منهم بعدَ وُجُودِ شُروطِ الإِخْصانِ فيه، وإن مَنَعُوا ثُبوتَ الحُكُم في حقُّهم، فَلِمَ حَكْمَ بَه النَّبِيُّ وَّهِ؟. ولا يَصِحُ القياسُ على إحْصانِ القَذْفِ؛ لأنَّ مِن شَرطِهِ العِفَّةَ، وليستْ شَرْطاً ههُنا. ينظر: المغني (٣١٧/١٢ - ٣١٩). ١٩٨ كتاب الحدود - رضي الله عنه - حين أراد أن يتزوَّج بهوديَّةً: ((دَعْهَا فَإِنَّهَا لاَ تُحْصِنُكَ))(١). وأما الدخول بالنكاح الصحيح(٢): فلأنه اقتضاء الشهوة بطريق حلال، فيقع به الاستغناء (١) أخرجه الدار قطني (١٤٨/٣) في كتاب الحدود والديات وغيره، حديث (٢٠١). والبيهقي (٢١٦/٨) كتاب ((الحدود))، باب: ((من قال من أشرك بالله فليس بمحصن))، كلاهما من طريق عيسى بن يونس ثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك أنه ... فذكر الحديث. وعزاه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢٨/٣) إلى ابن أبي شيبة في مصنفه وابن عدي في الكامل، والطبراني في معجمه، كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم ... بهذا الإسناد. قال الدارقطني: أبو بكر بن أبي مريم ضعيف، وعلي بن طلحة لم يدرك كعباً. قال الزيلعي: قال ابن عدي: أبو بكر بن أبي مريم بكير الغساني الغالب في حديثه الغرائب، قل ما يوافقه عليها الثقات، وهو ممن لا يحتج بحديثه، وتكتب أحاديثه فإنها صالحة. اهـ. والحديث أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٠٦) قال: حدثنا كثير بن عبيد، حدثنا بقية عن أبي سبأ عتبة بن تميم عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك ... فذكره. وهذا إسناد ضعيف، فبقية مدلس وقد عنعنه، وعلي بن طلحة قال الدارقطني: لم يدرك كعباً. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢٨/٣) قال ابن القطان في ((كتابه): هذا حديث ضعيف ومنقطع، فانقطاعه فيما بين علي بن أبي طلحة، وكعب بن مالك، وضعفه من جهة عتبة بن تميم فإنه ممن لا يعرف حاله، وقد رواه عنه بقية، وهو ممن عرف ضعفه، ولا يعلم روي عن عتبة بن تميم إلا بقية، وإسماعيل، انتهى. قال في ((التنقيح)): وعتبة وثقه ابن حبان، انتهى. وقال عبد الحق في ((أحكامه)): لا أعلم أحداً رواه عن علي بن أبي طلحة غير عتبة بن تميم، وأبي بكر بن أبي مريم. وهو ضعيف الإسناد، منقطع، انتهى. وقال البيهقي في ((المعرفة)): هذا حديث يرويه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف عن علي بن أبي طلحة عن كعب. وهو منقطع، فإن علي بن أبي طلحة لم يدرك كعباً، قال الدراقطني: فيما أخبرني عنه أبو عبد الرحمن السلمي، ورواه بقية بن الوليد عن عتبة بن تميم عن علي بن أبي طلحة عن كعب، وهو أيضاً منقطع. انتهى. وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن الحسن أنه كان يقول: لا يحصن الأمة الحر، ولا العبد الحرة. انتهى. (٢) لأنَّ النَّكَاحَ يُسَمَّى إحصاناً؛ بدليل قول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يعني المُتَزَوِّجاتِ. ولا خلافَ بينَ أهلِ العلم، في أنَّ الزُّنَا، ووَطْءَ الشُّبْهةِ، لا يَصِيرُ به الواطىءُ مُخْصَناً. ولا نَعْلمُ خلافاً في أنَّ التَّسَرِّي لا يُحصَّلُ بهَ الإِخصانُ لواحدٍ منهما؛ لكَوْنِه ليس بنكاح، ولا تَثْبُتُ فيه أحكامُه. الثالث، أن يكونَ النّكَاحُ صحيحاً. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم؛ منهم عَطاءٌ، وقَتَّدَةُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأي. وقالَ أبو ثَوْر: يَحْصُلُ الإِحْصَانُ بَالوَطْءِ في نكاحِ فاسِدٍ. وحُكِيَ ذلك عن اللَّيثِ، والأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّ الصحيحَ والفاسِدَ سواءٌ في أكثرِ الأحكام، مثل وجوّبِ المَهْرِ والعِدَّةِ، وتَخْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وأُمِّ المرأةِ، ولَحاقٍ الولدِ، فَكَذلك في الإِخْصانِ. وَلَنا، أنََّ وَطْءٌ في غيرِ مِلْكِ. فلم يخصُلْ به الإحصانُ، كَوَطْءِ الشُّبْهةِ، ولا نُسَلْمُ ثُبوتَ ما ذكرُوه من الأحكام، وإنَّما ثَبَتَتَ بالوَطْءِ فيه، وهذه ثبتَتْ في كلِّ وطْءٍ، وليستْ مُخْتَصَّةٍ بالنكاح، إلاَّ أنَّ النكاحَ ههُنا صارَ شُبْهةً، فصارَ الوَطْءُ فيه كوَطْءِ الشُّبْهَةِ سَواءٌ . ينظر المغني ٣١٥/١٢. ١٩٩ كتاب الحدود عن الحرام، والنكاح الفاسد لا يفيد [الحل](١) فلا يقع به الاستغناء. وأما كون الدخول آخر الشرائط: فلأن الدخول قبل استيفاء سائر الشرائط لا يقع اقتضاء الشهوة على سبيل الكمال، فلا تقع الغنية به عن الحرام على التمام، وبعد استيفائها تقع به الغنية على الكمال والتمام، فثبت أن هذه الجملة موانع عن الزنا، فيحصل بها معنى الإحصان وهو الدخول في الحصن عن الزنا. ولا خلاف في هذه الجملة إلا في الإسلام، فإنه رُوِيَ عن أبي يوسف أنه ليس من شرائط الإحصان حتى لا يصير المسلم محصناً بنكاح الكتابية والدخول بها في ظاهر الرواية، وكذلك الذمي العاقل البالغ الحر الثيب إذا زنا لا يرجم في ظاهر الرواية، بل يجلد. وعلى ما روي عن أبي يوسف يصير المسلم محصناً بنكاح الكتابية، ويرجم الذمي به، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله تعالى - واحتجًا بما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ، ولو كان الإسلام شرطاً لما رجم، ولأن اشتراط الإسلام للزجر عن الزنا والدين المطلق يصلح للزجر عن الزنا؛ لأن الزنا حَرَامٌ في الأديان كلها. ولنا في زنا الذمي قوله - تعالى -: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] أوجب - سبحانه وتعالى - الجلد على كل زاني وزانية، أو على مطلق الزاني والزانية من غير فصل بين المؤمن والكافر، ومتى وَجَبَ الجلدُ انتفى وجوب الرجم ضرورة، ولأن زنا الكافر لا يساوي زنا المسلم في كونه جناية، فلا يساويه في استدعاء العقوبة كزنا البكر مع زنا الثيب . وَبَيَانُ ذلك أن زنا المسلم اختص بمزيد قَبْح، انتفى ذلك في زنا الكافر، وهو كون زناه وضع الكفران في موضع الشكر، لأن دين الإسلام نعمةٌ ودينَ الكفرِ ليس بنعمةٍ، وفي زنا المسلم بالكتابية قوله - عليه الصلاة والسلام - لحذيفة - رضي الله عنه - حين أراد أن يتزوج يهوديةً: ((دَعْهَا فَإِنَّهَا لاَ تُخْصِئُكَ))، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ أَشْرَكَ بِالله، فَلَيْسَ بِمُخصَنٍ))(٢) والذمي مشرك على الحقيقة، فلم يكن محصناً، وما ذكرنا أن في اقتضاء الشهوة (١) سقط من ط . (٢) روي موقوفاً ومرفوعاً، فأما الموقوف فأخرجه الدارقطني (١٤٧/٣) في كتاب الحدود والديات وغيره، حدیث (١٩٨). والبيهقي (٢١٦/٨) كتاب (الحدود))، باب: ((من قال: من أشرك بالله فليس بمحصن)). كلاهما من طريق عبد الله بن خشيش ثنا مسلم بن جنادة ثنا وكيع عن سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - فذكره من قوله. = ٢٠٠ كتاب الحدود بالكافرة قصوراً، فلا يتكامل معنى النعمة، فلا يتكامل الزاجر. وقوله الزجر بحصل بأصل الدين، قلنا: نعم، لكنه لا يتكامل إلا بدين الإسلام، لأنه نعمة فيكون الزنا من المسلم وضع الكفران في موضع الشكر، ودين الكفر ليس بنعمةً فلا یکون في کونه زاجراً مثله. وأما حديث رجم اليهوديين فيحتمل أنه كان قبل نزول آية الجلد فانتسخ بها، ويحتمل أنه كان بعد نزولها، ونسخ خبر الواحد أهون من نسخ الكتاب العزيز، وإحصان كل واحد من الزانيين لبس بشرط لوجوب الرجم على أحدهما، حتى لو كان أحدهما محصناً والآخر غير وأما المرفوع فأخرجه الدارقطني (١٤٧/٣) في كتاب الحدود والديات وغيره، حديث (١٩٩). = والبيهقي (٢١٦/٨) كتاب ((الحدود))، باب: ((من قال: من أشرك بالله فليس بمحصن)) كلاهما من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه يرفعه إلى النبي - وَلـ قال الدارقطني: ولم يرفعه غير إسحاق، ويقال إنه رجع عنه، والصواب موقوف. قال العظيم أبادي في ((التعليق المغني)) (١٤٧/٣): رواه إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا عبد العزيز مثله، ومن طريق إسحاق أخرجه المصنف، قال إسحاق رفعه مرة فقال عن رسول الله وَلقر، ووقفه مرة، انتهى وهذا لفظ إسحاق بن راهويه في مسنده كما تراه ليس فيه رجوع، وإنما أحال التردد على الراوي في رفعه ووقفه، والله أعلم يعني ما قال المصنف، ويقال إنه رجع عنه أي إسحاق رجع عن الرفع ليس بسديد، قلت: لأن كلام إسحاق ليس نصاً في الرجوع، بل ظاهره التردد، والله أعلم. والحديث أخرجه الدارقطني (١٤٧/٣) في كتاب الحدود والديات وغيره، حديث (١٩٧). والبيهقي (٢١٦/٨) كتاب ((الحدود))، باب: ((من قال: من أشرك بالله فليس بمحصن)). كلاهما من طريق عفيف بن سالم عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلّه : ((لا يحصن المشرك بالله شيئاً». قال الدارقطني: وهو عفيف في رفعه والصواب موقوف من قول ابن عمر - رضي الله عنه -. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢٧/٣): قال ابن القطان في (كتابه)): وعفيف بن سالم الموصلي ثقة. قاله ابن معين، وأبو حاتم: وإذا رفعه الثقة لم يضره وقف من وقفه. وإنما علته أنه من رواية أحمد بن أبي نافع عن عفيف المذكور، وهو أبو سلمة الموصلي. ولم تثبت عدالته. قال ابن عدي: سمعت أحمد بن علي بن المثنى يقول: لم يكن موضعاً للحديث. وذكر له فيما ذكر هذا الحديث، قال: هو منكر من حديث الثوري. انتهى. وقال الدارقطني في ((كتاب العلل)): هذا حديث يرويه موسى بن عقبة، واختلف عنه، فرواه عفيف بن سالم عن الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي بَلّز، وخالفه أبو أحمد الزبيري. فرواه عن الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر موقوفاً. وهو أصح: وروي عن إسحاق بن راهويه عن الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، والصحيح موقوف. انتهى. قال البيهقي في ((المعرفة)): وكان المراد بالإحصان في هذا الحديث إحصان القذف، وإلا فابن عمر هو الراوي عن رسول الله وَ ر أنه رجم يهوديين زنيا، وهو لا يخالف النبي ◌َّ فيما يرويه عنه. انتهى. والله أعلم.