Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب آداب القاضي
وإن قبل كان لبيت المال، وإن لم يقبل للحال حتى انقضت الخصومة ثم قبلها لا بأس به.
ومنها: ألا يجيب الدعوة الخاصة بأن كانوا خمسة أو عشرة، لأنه لا يخلو من التهمة إلا إذا
كان صاحب الدعوة ممن كان يتخذ له الدعوة قبل القضاء، أو كان بينه وبين القاضي قرابة، فلا بأس
بأن يحضر إذا لم يكن له خصومة لانعدام التهمة، فإن عرف القاضي له خصومة لم يحضرها .
وأما الدعوة العامة فإن كانت بدعة كدعوة المباراة ونحوها، لا يحل له أن يحضرها، لأنه
لا يحل لغير القاضي إجابتها فالقاضي أولى، وإن كانت سُنَّةً كوليمة العرس والختان، فإنه
يجيبها لأنه إجابةُ السنَّةِ ولا تهمة فيه.
ومنها: ألا يلقن أحد الخصمين حجته، لأن فيه مكسرة قلب الآخر، ولأن فيه إعانة أحد
الخصمين فيوجب التهمة، غير أنه إن تكلم أحدهما أسكت الآخر ليفهم كلامه.
ومنها ألا يلقن الشاهد بل يتركه يشهد بما عنده، فإن أوجب الشرع قبوله قبله وإلا رده،
وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع وقال: لا بأس بتلقين
الشاهد بأن يقول: أتشهد بكذا وكذا؟
وجه قوله إن من الجائز أن [الشاهد](١) يلحقه الحصر لمهابة مجلس القضاء فيعجزه عن
إقامة الحجة، فكان التلقين تقويماً لحجة ثابتة فلا بأس به ولهما أن القاضي يتهم بتلقين الشاهد
فیتحرج عنه.
ومنها: ألا يعبث بالشهود لأن ذلك يشوش عليهم عقولهم فلا يمكنهم أداء الشهادة، على
وجهها، وإذا اتهم الشهود فلا بأس بأن يفرقهم عند أداء الشهادة، فيسألهم أين كان ومتى كان،
فإن اختلفوا اختلافاً يُوجِبُ رَدَّ الشهادة ردها، وإلا فلا.
ويشهد القاضي الجنازة لأن ذلك حق الميت على المسلمين، فلم يكن متهماً في [أداء
سنة](٢) فيحضرها، إلا إذا اجتمعت الجنائز على وجه لو حضرها كلها لشغله ذلك عن أمور
المسلمين، فلا بأس أن لا يشهد لأن القضاء فَرْضُ عَيْنٍ، وصلاة الجنازة فرض كفاية، فكان
إقامة فرض العين عند تعذر الجمع بينهما أولى، ويعود المريض أيضاً، لأن ذلك حق المسلمين
على المسلمين، فلا يلحقه التهمة بإقامته، ويسلم على الخصوم إذا دخلوا المحكمة، لأن
السلام من سنة الإسلام، وكان شريح(٣) يسلم على الخصوم، لكن لا يخص أحد الخصمين
بالتسليم عليه دون الآخر، وهذا قبل جلوسه في مجلس الحكم.
(١) سقط في ب.
(٣) في ب: وروي أن شريحاً كان.
(٢) في ب: في إقامته.

١٢٢
كتاب آداب القاضي
فأما إذا جلس لا يسلم عليهم ولا هم يسلمون عليه، أما هو فلا يسلم عليهم لأن السنة
أن يسلم القائم على القاعد لا القاعد على القائم، [وهو قاعد وهم قيام،](١) وأما هم فلا
يسلمون عليه لأنهم لو سلموا عليه لا يلزمه الرد، لأنه اشتغل بأمر هو أهم وأعظم من رد
السلام، فلا يلزمه الاشتغال.
كذا ذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني في رجل يقرأ القرآن فدخل عليه آخر، أنه لا ينبغي له
أن يسلم عليه، ولو سلم عليه لا يلزمه الجواب.
وكذا المدرس إذا جلس للتدريس لا ينبغي لأحد أن يسلم عليه، ولو سلم لا يلزمه الرد
لما قلنا، بخلاف الأمير إذا جلس فدخل عليه الناس أنهم يسلمون عليه وهو السنة، وإن كان
سلاطين زماننا يكرهون التسليم عليهم وهو خطأ منهم، لأنهم جلسوا للزيارة، ومن سنة الزائر
التسليم على من دخل عليه، وأما القاضي فإنما جلس للعبادة لا للزيارة، فلا يسن التسليم عليه
ولا يلزمه الجواب إن سلموا، لكن لو أجاب جاز.
ومنها: أن يسأل القاضي عن حال الشهود فيما سوى الحدود والقصاص، وإن لم يطعن
الخصم، وهو من آداب القاضي عند أبي حنيفة - رحمه الله -، لأن القضاء بظاهر العدالة وإن
كان جائزاً عنده فلا شك أن القضاء بالعدالة الحقيقية أفضل، وأما عندهما فهو من واجبات
القضاء.
وكذا إذا طعن الخصم عنده في غير الحدود والقصاص، وفي الحدود والقصاص طعن أو
لم يطعن، ثم القضاة من السلف كانوا يسألون بأنفسهم عن حال الشهود من أهل محلتهم وأهل
سوقهم، وإن كان الشاهد سوقيًّا ممن هو أتقى الناس وأورعهم وأعظمهم أمانة وأعرفهم بأحوال
الناس ظاهراً وباطناً، والقضاة في زماننا نصبوا للعدل تيسيراً للأمر عليهم لما يتعذر على
القاضي طلب المعدل في كل شاهد، فاستحسنوا نصب العدل.
ثم نقول: للتعديل شرائط بعضها يرجع إلى نفس العدل(٢)، وبعضها يرجع إلى فعل
التعديل.
أما الذي رجع إلى نفس المعدل فأنواعٌ: منها، العقل، ومنها البلوغ، ومنها الإسلام، فلا
يجوز تعديل المجنون والصبي والكافر، لأن التزكية إن كانت تجري مجرى الشهادة فهؤلاء
لبسوا من أهل الشهادة، فلا يكونون من أهل التزكية، وإن كانت من باب الإخبار عن الديانات
فخبرهم في الديانات غير مقبول، لأنه لا بد فيه من العدالة ولا عدالة لهؤلاء.
(١) سقط من ب.
(٢) في ط: العدل.

١٢٣
كتاب آداب القاضي
ومنها: العدالة لأن من لا يكون عدلاً في نفسه كيف يعدل غيره، وأما العدد فليس بشرط
الجواز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لكنه شرط الفضيلة والكمال، وعند محمد شرط الجواز.
وجه قوله إن التزكية في معنى الشهادة، لأنه خبر عن أمر غاب عن علم القاضي، وهذا
معنى الشهادة فيشترط لها نصاب الشهادة .
ولهما أن التزكية ليست بشهادة بدليل أنه لا يشترط فيه لفظ الشهادة فلا يلزم فيها العدد،
على أن شرط العدد في الشهادات ثبت نصًّا غير معقول المعنى، فيما يشترط فيه لفظ الشهادة،
فلا يلزم مراعاة العدد فيما وراءه، وعلى هذا الخلاف العدد فى الترجمان وحامل المنشور أنه
ليس بشرط عندهما، وعنده شرط.
وعلى هذا الخلاف حرية المعدل وبصره وسلامته عن حد القذف، أنه ليس بشرط
عندهما، فتصح تزكية الأعمى والعبد والمحدود في القذف، وعند محمد شرط فلا تصح
تزكيتهم، لأن التزكية شهادة عنده فيشترط لها ما يشترط لسائر الشهادات، وعندهما ليست
بشهادة فلا يراعي فيها شرائط الشهادة لما قلنا.
وأما الذكورة فليست بشرطي لجواز(١) التزكية، فتجوز تزكية المرأة إذا كانت امرأة تخرج
الحوائجها وتخالط الناس فتعرف أحوالهم، وهذا ظاهر الرواية على أصلها، لأن هذا من باب
الإخبار عن الديانات وهي من أهله.
وأما عند محمد فتقبل تزكيتها فيما تقبل شهادتها، فتصح تزكيتها فيما يقبل فيه شهادة
رجل وامرأتين، وتجوز تزكية الولد للوالد والوالد للولد، وكل ذي رحم محرم منه، لأنه لا
حق للعدل في التعديل إنما هو حق المدعي، فلا يوجب تهمة فيه، وهذا يشكل على أصل
محمد لأنه يجري التعديل مجرى الشهادة، وشهادة الوالد لولده وعكسه ـ لا تقبل.
ومنها: ألا يكون المزكي مشهوداً عليه، فإن كان لم تعتبر تزكيته ويجب السؤال(٢)، وهذا
تفريع على مذهب أبي يوسف ومحمد فيما سوى الحدود والقصاص؛ بناء على أن المسألة ما
(١) في ب: لصحة.
(٢) قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم ولا يسأل عن حال الشهود
حتى يطعن الخصم لقوله عليه الصلاة والسلام. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف
وروي مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه. ولأن الظاهر هو الانزجار عما هو محرم في دينه ويكتفي
بالظاهر حيث لا وصول إلى القطع.
وأورد أن الظاهر إنما يكفي للدفع والشهادة توجب الاستحقاق. وأجيب بأن الظاهر في الشهادة كالقطع
لأنه لا يمكن الوصول إليه ولا بالتزكية.
=

١٢٤
كتاب آداب القاضي
وجبت حقًّا للمشهود عليه عندهما، وإنما وجبت حَقًّا للشرع، وَحَقُّ الشرع لا يتأدى بتعديله،
لأن في زعم المدعي والشهود أنه كاذب في إنكاره فلا يصح تعديله.
وعند أبي حنيفة السؤال فيما سوى الحدود والقصاص حق المشهود عليه، وحق الإنسان
لا يطلب إلا بطلبه، فما لم يطعن لا يتحقق الطلب فلا تجب المسألة وذكر في ((كتاب التزكية))
أنَّ المشهود عليه إذا قال للشاهد: هو عدل، لا يكتفي به ما لم ينضم إليه آخر على قول
محمد، فصار عن محمد روايتان، في رواية لا تعتبر أصلاً وفي رواية يقبل تعديله إذا انضم إليه
غيره .
وأما الثاني الذي يرجع إلى فعل التعديل فهو أن يقول المعدل في التعديل: هو عدل جائز
الشهادة، حتى لو قال: هو عدل، ولم يقل جائز الشهادة، لا يقبل تعديله، لجواز أن يكون
الإنسان عدلاً في نفسه ولا تجوز شهادته، كالمحدود في القذف إذا تاب وصلح، والعبد
الصالح.
وكذلك إذا قال في الرد: هو ليس بعدلٍ، لا يرد ما لم يقُلْ: هو غير جائز الشهادة، لأن
غير العدل وهو الفاسق تجوز شهادته إذا تحرَّى القاضي الصدق في شهادته، ولو قضى به
القاضي ينفذ.
ومنها: أن يسأل المعدل في السر(١) أولاً، فإن وجده عدلاً يعدله في العلانية أيضاً،
ثم كون القاضي يكتفي بظاهر العدالة في المسلم إنما يكون في غير الحدود والقصاص أما فيهما فلا بد أن
=
يسأل عن الشهود لأنه يحتال بإسقاطها فيشترط الاستقصاء فيها وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله. لا
بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق لأن القضاء مبناه على الحجة وهي شهادة العدول
فيتعرف عن العدالة. وفي السؤال صون القضاء عن البطلان على تقدير ظهور الشهود عبيداً أو كفاراً.
وقيل هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان. وذلك لأن الغالب في زمان الصلاح بخلاف
زمانهما. وبقولهما قال الشافعي وأحمد.
وقال مالك من كان مشهوراً بالعدالة لا يسأل عنه ومن عرف جرحه ردت شهادته وإنما يسأل إذا شك.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله.
(١) تزكية السر: هي أن يبعث القاضي المستورة وهي الرقعة التي يكتبها. وسميت بذلك لأنها تستتر عن نظر
العوام. وينعتها سراً بيد أمينه إلى المزكي مكتوباً فيها نسب الشهود وحلاهم ومسجد. محلتهم حتى يعرفهم
المعدل. وينبغي ألا يختار إلا معدلاً صالحاً زاهداً كي لا يخدع بالمال مأموناً له خبرة بالناس بالاختلاط
بهم ليعرف العدل من غيره. وفقيهاً يعرف أسباب الجرح والتعديل. فمن عرفه بالعدالة يكتب تحت اسمه
في كتاب القاضي إليه عدل جائز الشهادة ومن عرفه بالفسق لا يكتب شيئاً احترازاً عن الهتك. أو يقول الله =

١٢٥
كتاب آداب القاضي
ويجمع ين المزكي والشهود وبين المدعي والمدعى عليه في تعديل العلانية(١)، وإن لم يجده
عدلاً يقول للمدعي: زِذ في شهودِكَ، ولا يكشف عن حال المجروح ستراً على المسلم، ولا
يكتفي بتعديل السر خوفاً من الاحتيال والتزوير، بأن يسمى غير العدل باسم العدل، فكان
الأدب هو التزكية في العلانية بعد التزكية في السر.
ولو اختلف المعدلان فَعَدَّلَهُ أحدُهما وجرحه الآخر، سأل القاضي غيرهما، فإن عدله
آخر أخذ بالتزكية، وإن جرحه آخر أخذ بالجرح، لأن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد
أعلم إلا إذا عدله غيره وخاف أنه إن لم يصرح بذلك يقضي القاضي بشهادته فحينئذ يصرح بذلك. ومن
=
لم يعرفه بعدالة ولا فسق يكتب تحت اسمه مستور ويردها المعدل إلى الحاكم.
ولا تشترط أهلية الشهادة في المزكي في تزكية السر. ويكفي فيها الواحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف
ومالك وأحمد في إحدى الروایتین عنه.
وعن محمد لا بد من اثنين وبه قال الشافعي وأحمد في رواية ثانية.
لمحمد أن التزكية في معنى الشهادة. لأن ولاية القاضي تبتنى على ظهور العدالة وهي بالتزكية فولاية
القضاء تبتنى على ظهور التزكية. فإذا كانت في معناها يشترط فيها شرائطها من العدد وغيره وتشترط
الذكورة في الحدود والأربعة في تزكية شهود الزنا .
ولهما أن التزكية ليست في معنى الشهادة. ولهذا لا يشترط فيها لفظ أشهد. ولا مجلس القضاء واشتراط
العدد في الشهادة أمر حكمي ثبت بالنص على خلاف القياس. لأن القياس لا يقتضي ذلك. لبقاء احتمال
الكذب فيها لأن انقطاعه إنما يكون بالتواتر. ورجحان الصدق إنما هو بالعدالة لا العدد كما في رواية
الإخبار. فلم يثبت بالعدد العلم لكن تركنا ذلك بالنصوص الدالة على العدد. فلا يتعداها إلى التزكية .
وهذا الخلاف إنما هو في تزكية السر يما تزكية العلانية فيشترط العدد بالإجماع على ما ذكره المضاف لأن
تزكية العلانية لها زيادة شبه بالشهادة من حيث اشتراط مجلس القضاء لها اتفاقاً .
ينظر: البيئة لشيخنا محمد جاب الله.
(١) تزكية العلانية: هي أن يجمع القاضي بين المعدل والشاهد لتنتفي شبهة تعديل المعدل لغير هذا الشاهد
المسؤول عنه من القاضي. إذا قد يتفق اسم وشهرة وصفة لاثنين.
ومحل الجمع بين مزكي السر والشاهد في العلانية إذا كان مزكي السر يصلح مزكياً في العلانية وكان
النصاب تاماً أما إذا لم يصلح أو لم يكمل النصاب. فلا بد من الإتيان بمزك آخر. واشترط الخصاف أن
يكون المزكي في العلانية غير المزكي في السر.
وفي الفتح وقد كانت العلانية وحدها في الصدر الأول. لأنهم كان يغلب عليهم الصبر للحق ووقع
الاكتفاء بالسر في زماننا تحرزاً عن الفتن. وقد روي عن محمد أنه قال تزكية العلانية بلاء وفتنة.
وإذا قال المدعى عليه أن الشهود عدول فلا يقع بذلك التزكية لأن في زعم المدعي وشهوده أن المدعى
عليه كاذب في إنكاره. مبطل في إصراره فلا يصلح معدلاً لأن العدالة شرط بالإجماع.
وعند أبي يوسف ومحمد يجوز قوله ذلك تعديلاً. وموضوع المسألة أن يقول هم عدول إلا أنهم أخطأوا
أو نسوا. أما لو قال صدقوا أو هم عدول صدقة أو معنى هذا فقد اعترف بالحق وانقطع النزاع.
ينظر: البينة لشيخنا محمد جاب الله.

١٢٦
كتاب آداب القاضي
بالقبول، لأنه حجة مطلقة، وإن انضم إلى كل واحد منهما رجل آخر فعدله اثنان وجرحه اثنان
عمل بالجرح، لأن الجارح يعتمد حقيقة الحال والمعدل يبني الأمر على الظاهر، لأن الظاهر
من حال الإنسان أن يظهر الصلاح ويكتم الفسق، فكان قبول قول الجارح أولى.
كذلك لو جرحه اثنان وعدله ثلاثة أو أربعة أو أكثر، يعمل بقول الجارح؛ لأن الترجيح
لا يقع بكثرة العدد في باب الشهادة (١).
ومنها: أن يجلس معه جماعة من أهل الفقه يشاورهم ويستعين برأيهم فيما يجهله من
الأحكام، وقد ندب الله - سبحانه - رَسُولَهُ - عليه الصلاة والسلام - إلى المشاورة بقوله
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] مع انفتاح باب الوحي، فغيره أولى، وعن أبي هريرة
(١) قال صاحب ((التحرير)": إذا تعارض الجرح والتعديل، فالمعروف مذهبان تقديم الجرح مطلقاً، سواء أكان
المعدلون أقل من الجارحين، أم مثلهم، أم أكثر منهم، نقله الخطيب عن جمهور العلماء، وصححه
الرازي، والآمدي، وابن الصلاح، وغيرهم، وهو المختار. والتفصيل بين تساوي المعدلين والجارحين،
فكذلك يقدم الجرح، والتفاوت بين الجارحين والمعدلين في المقدار، فيترجح الأكثر من الفريقين على
الأقل منهما، فأما وجوب الترجيح لأحدهما على الآخر بمرجح مطلقاً، أي سواء تساويا، أو كان أحدهما
أكثر، كنقل ابن الحاجب، فقد أنكر، بناء على حكاية القاضي أبي بكر الباقلاني الإجماع على تقديم
الجرح عند التساوي لولا تعقب المازري الإجماع بنقله عن عالم مالكي يشهر بابن شعبان، أنه يطلب
الترجيح في صورة التساوي، ولا يقدم الجرح فيها مطلقاً، لولا هذا التعقيب، لحكمنا ببطلان ما نقله ابن
الحاجب قطعاً، لكن ابن شعبان غير مشهور، ولا يعرف له تابع، فضلاً عن الأتباع، فلا ينفي قول ابن
شعبان الإجماع .
وأما قول شارح ابن الحاجب، وهو القاضي عضد الدين إن التعديل مقدم، فغير مسلم، إذ لا يعرف قائل
بتقديم التعديل مطلقاً .
ومحل الخلاف عند إطلاق الجرح والتعديل بلا تعيين سبب، أو عند تعيين الجارح سبباً لم ينفه المعدل،
أو نفاه بطريق غير يقيني، أما إذا عين الجارح سبب الجرح بأن قال قتل فلاناً يوم كذا مثلاً، ونفاه المعدل
يقيناً، بأن قال رأيته حيّا بعد ذلك اليوم، فالتعديل مقدم على الجرح اتفاقاً، وكذا يقدم التعديل على الجرح
لو قال المعدل علمت ما جرح به الشاعر، أو الراوي وأن المجروح تاب عنه. ا هـ.
وفي الفقه. إذا جرح الشهود واحد من المزكين وعدلهم اثنان منهم قدم التعديل على الجرح لقيام نصاب
الشهادة فيه. وإن عدلهم أكثر من اثنين وجرهم اثنان قدم الجرح لبلوغ كل نصاب الشهادة ولا عبرة
بالزائد. والجرح مقدم لإثباته خلاف الأصل. وإن جرحهم واحد وعدلهم واحد فعلى قول أبي حنيفة وأبي
يوسف الجرح أولى لاعتماده خلاف الظاهر. وقال محمد بالتوقف حتى يعدلهم أو يجرحهم آخر فيترجح
أحد الجانبين. هذا كله على مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وعند المالكية لو عدل شاهدان رجلاً وجرحه
آخران ففي ذلك قولان. قيل يقضي بأعدلهما لاستحالة الجمع بينهما. وقيل يقضي بشهود الجرح لأنهم
زادوا على شهود التعديل. إذ الجرح مما يبطن فلا يطلع عليه كل الناس.
ينظر: البيئة لشيخنا محمد جاب الله.

١٢٧
كتاب آداب القاضي
- رضي الله عنه - أنه قال: ما رأيت أحداً بعد رسول الله وسلّر أكثر مشاورة لأصحابه منه(١).
وروي أنه - عليه السلام - كان يقول لسيدنا أبي بكر وسيدنا عمر - رضي الله تعالى
عنهما - قَوْلاً: ((فَإِنِّي فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيَّ مِثْلُكُما))(٢) ولأن المشاورة في طلب الحق من باب
المجاهدة في الله - عزَّ وجلَّ - فيكون سبباً للوصول إلى سبيل الرشاد؛ قال الله - عزَّ وجلَّ -:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وينبغي أن يجلس معه من يوثق بدينه وأمانته، لئلا يضمن بما عنده من الحق والثواب،
بل يهديه إلى ذلك إذا رفع إليه ولا ينبغي أن يشاورهم بحضرة الناس لأن ذلك يذهب بمهابة
المجلس، والناس يتهمونه بالجهل، ولكن يقيم الناس عن المجلس ثم يشاورهم، أو يكتب في
رقعة فيدفع إليهم، أو يكلمهم بِلُغَةٍ لا يفهمها الخصمان.
هذا إذا كان القاضي لا يدخله حصر بإجلاسهم عنده ولا يعجز عن الكلام بين أيديهم،
فإن كان لا يجلسهم فإن أشكل عليه شيء من أحكام الحوادث بَعَثَ إليهم وسألهم.
ومنها: أن يكون له جلواز - وهو المسمى بصاحب المجلس في عرف ديارنا - يقوم على
رأس القاضي لتهذيب المجلس وبيده سوطٌ يؤدب به المنافق وينذر به المؤمن، وقد روي أن
رسول الله 40# كان يمسك بيده سوطاً ينذر به المؤمن ويؤدب به المنافق، وكان سيدنا أبو بكر
يمسك سوطاً، وسيدنا عمر اتخذ درة.
ومنها: أن يكون له أَعْوانٌ يستحضرون الخصوم ويقومون بين يديه إجلالاً له، ليكون
مجلساً مهيباً ويذعن المتمرد للحق، وهذا في زماننا، فأما في زمان الصحابة والتابعين
- رضي الله عنهم - فما كان تقع الحاجة إلى أمثال ذلك، لأنهم كانوا ينظرون إلى الأمراء
والقضاة بعين التبجيل والتعظيم ويخافونهم وينقادون للحق بدون ذلك.
(١) أخرجه الترمذي (٢١٤/٤) كتاب الجهاد باب ((ما جاء في المشورة))، حديث (١٧١٤). قال الترمذي:
ويروى عن أبي هريرة ... فذكره.
(٢) رواه الطبراني في الكبير كما في المجمع (١٨٣/١) عن معاذ بن جبل أن رسول الله وَّ لما أراد أن يسرح
معاذاً إلى اليمن فاستشار ناساً من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن
حضير فاستشارهم فقال أبو بكر لولا أنك استشرتنا ما تكلمنا فقال إني فيما لم يوح إلي كأحدكم قال
فتكلم القوم فتكلم كل إنسان برأيه فقال ما ترى يا معاذ فقلت أرى ما قال أبو بكر فقال رسول الله ويلشير:
((إن الله يكره فوق سمائه أن يخطىء أبو بكر))١ هـ.
وقال الهيثمي :
((فيه أبو العطوف لم أر من ترجمة يروي عن الوضين بن عطاء وبقية رجاله موثقون)) ١ هـ.
وعزاه المتقي الهندي في الكنز (٤٦٥/١١) رقم (٣٢١٨١) إلى الطبراني وابن شاهين في السنة.

١٢٨
كتاب آداب القاضي
فقد روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - كان يقضي في المسجد فإذا فرغ استلقى على
قفاه وتوسد بالحصى، وما كان ينقص ذلك من حرمته، وروي أنه لبس قميصاً فازدادت أكمامه
عن أصابعه، فدعا بالشفرة فقطعهما، وكان لا يكفهما أياماً وكانت الأطراف متعلقة منها والناس
يهابونه غاية المهابة، فأما اليوم فقد فسد الزمان وتغير الناس، فهان العلم وَأَهْلُهُ، فوقعت
الحاجة إلى هذه التكليفات للتوسل إلى إحياء الحق وإنصاف المظلوم من الظالم.
ومنها: أن يكون له ترجمان لجواز أن يحضر مجلس القضاء مَنْ لا يعرف القاضي لغته
من المدعي والمدعى عليه والشهود، والكلام في عدد الترجمان وصفاته على الاتفاق
والاختلاف - كالكلام في عدد المزكي وصفاته كما تقدم، والله تعالى أعلم.
ومنها: أن يتخذ كاتباً لأنه يحتاج إلى محافظة الدعاوى والبينات والإقرارات التي لا
يمكنه حفظها، فلا بد من الكتابة، وقد يشق عليه أن يكتب بنفسه فيحتاج إلى كاتب يستعين به،
وينبغي أن يكون عفيفاً صالحاً من أهل الشهادة وله معرفة بالفقه، أما العفة والصلاح فلأن هذا
من باب الأمانة، والأمانة لا يؤديها إلا العفيف الصالح، وأما أهلية الشهادة فلأن القاضي قد
يحتاج إلى شهادته، وأما معرفته بالفقه فلأنه يحتاج إلى الاختصار والحذف من كلام الخصمين
والنقل من لغة [إلى لغة](١)، ولا يقدر على ذلك إلا من له معرفة بالفقه، فإن لم يكن فقيهاً
كتب كلام الخصمين كما سمعه ولا يتصرف فيه بالزيادة والنقصان، لئلا يوجب حقًّا لم يجب
ولا يسقط حقًّا واجباً، لأن تصرف غير الفقيه بتفسير (٢) الكلام لا يخلو عن ذلك.
وينبغي أن يقعد الكاتب حيث يرى ما يكتب وما يصنع، فإن ذلك أقرب إلى الاحتياط،
ثم في عُزْفٍ بلادنا يقدم كتابة الدعوى على الدعوى، فيكتب [الكاتب] (٣) دعوى المدعي ويترك
موضع التاريخ بياضاً، لجواز أن تتخلف الدعوى عن وقت الكتابة، ويترك موضع الجواب أيضاً
بياضاً، لأنه لا يدري أن المدعى عليه يقر أو ينكر، ويكتب أسماء الشهود إن كان للمدعي
شهود، ويترك بين كل شاهدين بياضاً ليكتب القاضي التاريخ وجواب الخصم وشهادة الشهود
بنفسه، ثم يطوي الكتاب الكتاب ويختمه، ثم يكتب على ظهره خصومة فلان ابن فلان مع
فلان ابن فلان في شهر كذا في سنة كذا، ويجعله في قمطرة، وينبغي أن يجعل لخصومات كل
شهر قمطراً على حدة ليكون أبصر بذلك، ثم يكتب القاضي في ذلك الشهر أسماء الشهود
بنفسه على بطاقة أو يستكتب الكتاب بين يديه فيبعثها إلى المعدل سِرًّا، وهي المسماة بالمستورة
في عرف ديارنا، والأفضل أن يبعث على يدي عدلين، وإن بعث على يدي عدلٍ، فهو على
الاختلاف الذي ذكرنا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
(١) سقط من ط.
(٢) في ب: بتغيير.
(٣) سقط من ط .

١٢٩
كتاب آداب القاضي
ومنها: أن يقدم الخصوم على مراتبهم في الحضور الأول فالأول، لقوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((المُبَاحُ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ))(١) وإن اشتبه عليه حالهم استعمل القرعة، فقدم من خرجت
قرعته، إلا الغرباء إذا خاصموا بعض أهل المصر إليه، أو خاصم بعضهم بعضاً، أو خاصمهم
بعض أهل المصر، فإنه يقدمهم في الخصومة على أهل المصر، لما روي عن سيدنا عمر
رضي الله عنه قال: قدِّم الغريب فإنك إذا لم ترفع به رأساً ذهب وضاع حقُّهُ، فتكون أنت الذي
ضيعته، ندب - رضي الله عنه - إلى تقديم الغريب ونبه على المعنى، لأنه لا يمكنه الانتظار،
فكان تأخيره في الخصومة تضييعاً لحقه، إلا إذا كانوا كثيراً بحيث يشتغل القاضي عن أهل
المصر فيخلطهم بأهل المصر، لأن تقديمهم يضر بأهل المصر.
وكذا تقديم صاحب الشهود على غيره، لأن إكرام الشهود واجب، قال- عليه الصلاة والسلام -:
((أكرِمُوا الشُّهُودَ فَإِنَّ اللّه يُخِي بِهِمُ الحُقُوقَ))(٢) وليس من الإكرام حبسهم على باب القاضي.
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود (١٧٧/٣) كتاب ((الخراج والإمارة والفتن)): باب ((في إقطاع
الأرضين))، حديث (٣٠٧١).
والطبراني (٢٨٠/١)، حديث (٨١٤) وابن سعد في ((الطبقات)) (٥١/٧) كلهم من طريق محمد بن بشار،
حدثني عبد الحميد بن عبد الواحد حدثتني أم جنوب بنت نميلة عن أمها سويدة بنت جابر عن أمها عقيلة
بنت أسمر بن مضرس عن أبيها أسمر بن مضرس، قال: أتيت النبي - وَلـ ـ فبايعته فقال: ((من سبق إلى
ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له))، فخرج الناس يتعادون يتخاطون.
والحديث علقه البيهقي (١٣٩/١٠) كتاب ((آداب القاضي)) باب: ((القاضي يقوم الناس الأول فالأول،
فللأول حق السبق والسبق أصل في الشريعة)).
وإسناد هذا الحديث ظلمات بعضها فوق بعض، فلا يعرف حال رجاله اللهم إلا محمد بن بشار وصحابيه
أسمر بن مضرس وباقي الإسناد مجاهيل.
والحديث ذكره ابن حجر في ((التلخيص)) (١٣٩/٣)، وقال: قال البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا
الحديث وصححه الضياء في المختارة.
ونقل الملا علي القاري في الأسرار المرفوعة ما قاله البغوي كما سبق.
قال العجلوني في ((كشف الخفا» (٣٤٨/٢):
رواه أبو داود عن أسمر بن مضرس رفعه بلفظ من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو له، وصححه الضياء،
وقال البغوي لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث، ونحوه من أحيا أرضاً ميتة في غير حق مسلم فهي له
- أخرجه البيهقي وأبي شيبة وابن راهويه والبزار وأحمد وغيرهم عن عمرو بن عوف المزني، ورواه
الطبراني والبيهقي عن سمرة رفعه من أحاط حائطاً على أرض فهي له، وعبد بن حميد عن جابر رفعه،
وأخرج البخاري وأحمد والنسائي عن عائشة مرفوعاً من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها، ورواه أبو
داود والضياء عن أم جندب بلفظ من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له، ويؤيده حديث: مني مناخ
من سبق، وأخرجه الطبراني عن فضالة بن عبيد.
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٩٤/٥)، (١٣٨/٦)، (٣٠٠/١٠) والعقيل في ((الضعفاء =
بدائع الصنائع ج ٩ - ٩٢

١٣٠
كتاب آداب القاضي
وهذا إذا كان واحداً فإن كانوا كثيراً أقرع بينهم، وينبغي أن يقدم الرجال على حدة
والنساء على حدة لما في الخلط من خوف الفتنة، ولو رأى أن يجعل لهن يوماً، على حدة
لكثرة الخصوم فَعَلَ، لأن إفرادهن بيوم أستر لهن.
ومنها: أن لا يتعب نفسه في طول الجلوس، لأنه يحتاج إلى النظر في الحجج، وبطول
الجلوس يختل النظر فيها، فلا ينبغي أن يفعل ذلك ويكفي الجلوس طرفي النهار وقدر ما لا
يفتر عن النظر في الحجج.
وإذا تَقَدَّمَ إليه الخصمان هل يسأل المدعي عن دعواه؟ ذكر في أدب القاضي أنه يسأل،
وذكر في الزيادات أنه لا يسأل، وكذا (١) إذا ادعى دعوى صحيحة، هل يسأل المدعى عليه عن
دعوى خصمه؟ ذكر في آداب القاضي أنه يسأل، وذكر في الزيادات أنه لا يسأل حتى يقول له
المدعي : سَلْهُ عن جواب دعواي.
وجه ما ذُكر في الزيادات أن السؤال عن الدعوى إنشاء الخصومة، والقاضي لا ينشىء
الخصومة .
وجه ما ذكر في الكتاب أن من الجائز أن أحد الخصمين يلحقه مهابة مجلس القضاء
فيعجز عن البيان دون سؤال القاضي فيسأل عن دعواه.
ومنها: أن المدعي إذا أقام البينة فادعى المدعى عليه الدفع، وقال: لي بينة حاضرة،
أمهله زماناً، لقول سيدنا عمر - رضي الله عنه - في كتاب السياسة: ((اجعل للمدعي أمداً ينتهي
الكبير» (٨٤/٣) في ترجمة عبد الصمد بن علي الهاشمي (١٠٥٣)، (١/ ٦٥) في ترجمة إبراهيم بن
=
محمد العباس برقم (٦١)، وقال: حديثه غير محفوظ.
وفي ترجمة عبد الصمد زاد: ولا يعرف إلا به.
قال ابن الجوزي في «العلل المتناهية)) (٢/ ٧٦١): تفرد به عبد الصمد بن موسى وقد ضعفوه.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٣٦٣/٤): قال ابن طاهر في التذكرة: رواه بن أبي ميسرة عن عبد
الصمد بن موسى أيضاً، وقال العقيلي: هذا الحديث غير محفوظ وأورده في ترجمة إبراهيم بن محمد
الهاشمي، وصرح الصنعاني بأنه موضوع.
وقال في اللسان في ترجمة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي الأمير (٢٣/٤) عن أبيه
بحديث: ((أكرموا الشهود)» وهذا منكر، وما عبد الصمد بحجة، ولعل الحفاظ إنما سكتوا عنه مداراة
للدولة، انتهى. وقد ذكره العقيلي في ((الضعفاء))، وساق الحديث من طريقه الهاشمي، وكان أميراً علينا بـ
(مكة))، حدثني عمي إبراهيم بن محمد، عن عبد الصمد بن علي، فذكره ... وقال: حديثه غير
محفوظ، ولا يعرف إلا به، فتبين أنهم لم يسكتوا عنه.
(١) في ب: وكذلك المدعي.

١٣١
كتاب آداب القاضي
إليه))، وأراد به مدعي الدفع، ألا ترى أنه قال: وإن عجز استحللت عليه القضاء، ولأنه لو لم
يمهله وقضى ببينة المدعي ربما يحتاج إلى نقض قضائه، لجواز أن يأتي بالدفع مؤخراً فهو من
صيانة القضاء عن النقض، ثم ذلك مفوض إلى رأي القاضي إن شاء أخر إلى آخر المجلس،
وإن شاء إلى الغد وإن شاء إلى بعد الغد ولا يزيد عليه، لأن الحق قد توجه (١) عليه فلا يسعه
التأخير أكثر من ذلك، وإن أدى ببينة غائبة لا يلتفت إليه بل يقضي للمدعي.
ومنها: أن يجلس للقضاء في أشهر المجالس، ليكون أرفق بالناس، وهل يقضي في
المسجد؟ قال أصحابنا - رحمهم الله - يقضي، وقال الشافعي - رحمه الله - لا يقضي بل يقضي
في بيته.
وجه قوله إن القاضي يأتيه المشرك والحائض والنفساء والجنب، ويجري بين الخصمين
كلام اللغو والرفث والكذب، لأن أحدهما كاذب، وتنزيه المسجد عن هذا كله واجب.
ولنا: الاقتداء برسول الله وَ﴿ والصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم -، ((فَإِنَّ
رَسُولَ اللهِ - رََّ - كَانَ يَقْضِي في المَسْجِدِ)) (٢)، وكذا الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون
(١) في ب: وجب.
(٢) صح عن النبي ◌ِّر من حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه
في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله وَّر وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف
سجف حجرته فنادى: يا كعب. قال: لبيك يا رسول الله وَّ قال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه أي
الشطر .
قال: لقد فعلت يا رسول الله وَّهر، قال: قم فاقضه.
والحديث أخرجه أحمد (٣٨٦/٣، ٣٩٠، ٤٥٤، ٤٦٠) والبخاري (١٢٤/٢ - ١٢٥) كتاب ((الصلاة))،
باب: ((التقاضي والملازمة في المسجد))، حديث (٤٥٧)، وأطرافه في [٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦،
٢٧١٠].
ومسلم (٤٨٥/٥) كتاب ((المساقاة))، باب ((استحباب الوضع في الدين))، حديث (٢٠، ١٥٥٨/٢١).
وأبو داود (٣٠٤/٣) كتاب الأقضية، باب: ((في الصلح))، حديث (٣٥٩٥) والنسائي (٢٣٩/٨) كتاب
((آداب القضاة))، باب: ((حكم الحاكم في داره))، حديث (٥٤٢٣)، (٢٤٤/٨) كتاب ((آداب القضاة»،
باب: ((إشارة الحاكم على الخصم بالصلح))، حديث (٥٤٢٩).
وابن ماجه (٢/ ٨١١) كتاب ((الصدقات))، باب ((الحبس في الدين والملازمة))، حديث (٢٤٢٩).
وعبد بن حميد (٣٧٧).
والدارمي (٢/ ٢٦١) كتاب البيوع، باب: ((في أنظار المعسر)).
وابن حبان (٤٢٨/١١) كتاب البيوع، باب: ((الديون)) حديث (٥٠٤٨).
والطبراني (٦٧/١٩) حديث (١٢٧، ١٢٨) والبيهقي (٢٥٢/٦) كتاب التفليس، باب: «ما جاء في
الملازمة)».
كلهم من حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - فذكره واللفظ للبخاري.

١٣٢
كتاب آداب القاضي
- رضي الله عنهم - كانوا يجلسون في المسجد للقضاء، والاقتداء بهم واجب، ولا بأس
للقاضي أن يرد الخصوم إلى الصلح إن طمع منهم ذلك، قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿وَالصُّلْحُ
خَيْرٌ﴾ فكان الرد إلى الصلح رَدًّا إلى الخير.
وقال سيدنا عمر - رضي الله عنه -: ((ردّوا الخصومَ حتى يَصْطَلِحُوا، فإن فَضْل القضاء
يُورثُ بينهم الضغائن))(١). فندب - رضي الله عنه - القضاة إلى رد الخصوم إلى الصلح، ونبه
على المعنى وهو حصول المقصود من غير ضغينة، ولا يزيد على مرة أو مرتين، فإن اصطلحا
وإلا قضى بينهما بما يوجب الشرع، وإن لم يطمع منهم الصلح لا يردهم إليه، بل ينفذ القضية
فيهم، لأنه لا فائدة في الرد.
وهل للقاضي أن يأخذ الرزق؟ فإن كان فقيراً، له أن يأخذ لأنه يعمل للمسلمين، فلا بد
له من الكفاية ولا كفاية له، فكانت كفايته في بيت المال، إلا أن يكون له ذلك أجرة عمله،
وينبغي للإمام أن يوسع عليه وعلى عياله، كيلا يطمع في أموال الناس.
وروي أن رسول الله وَّر لما بعث عتاب بن أسيد - رضي الله عنه - إلى مكّة وَوَلاَهُ
أمرها - رزقه أربعمائة درهم - في كل عام (٢)
وروي أن الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم - أجروا لسيدنا أبو بكر الصديق
- رضي الله عنه - كلَّ يوم درهماً وثلثاً أو ثلثين من بيت المال.
وكذا روي أنه كان لسيدنا عمر - رضي الله عنه - مثل ذلك من بيت المال، وكان لسيدنا
علي - رضي الله عنه - كل يوم قصعة من ثريد، ورزق سيدنا عمر - رضي الله عنه - شريحاً،
وروي أن سيدنا عليًّا فرَضَ له خمسمائة درهم في كلِّ شهر.
وإن كان غنيًّا اختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يحل له أن يأخذ، لأن الأخذ بحكم الحاجة
ولا حاجة له إلى ذلك.
وقال بعضهم: يحل له الأخذ، والأفضل له أن يأخذ، أما الحل فلما بينا أنه عامل
للمسلمين، فكانت كفايته عليهم لا من طريق الأجر (٣) وأما الأفضلية فلأنه وإن لم يكن محتاجاً
إلى ذلك فربما يجيء بعده قاض محتاج، وقد صار ذلك سنة ورسماً فتمتنع السلاطين عن
إيطال رزق القضاة إليهم، خصوصاً سلاطين زماننا،، فكان الامتناعُ من الأخذ شحًا بحق
(١) تقدم.
(٢) تقدم تخريج حديث تولية عتاب بن أسيد.
(٣) في ب: الأجرة.

١٣٣
كتاب آداب القاضي
الغير، فكان الأفضل هو الأخذ، وليس للقاضي أن يستخلف إلا إذا أذن له الإمام بذلك، لأنه
يتصرف بالتفويض فيتقدر بقدر ما فوض إليه كالوكيل، ولو استخلف تتوقف قضايا خليفته على
إجازته، بمنزلة الوكيل الخاص إذا وكل غيره فتصرف، ولو كان الإمام أذن له بذلك كان له
ذلك كالوكيل العام، وفي آداب القضاء وما ندب القاضي إلى فعله كثرة لها كتاب مفرد
[يعرف](١) هناك، إن شاء الله تعالى.
فصل فيما ينفذ من القضايا وما ينقص منها
وأما بيان ما ينفذ من القضايا وما ينقض منها إذا رفع إلى قاض آخر فنقول وبالله التوفيق،
قضاء القاضي الأول لا يخلو إما أن وقع في فصل فيه نص مفسر من للكتاب العزيز والسنة
المتواترة والإجماع، وإما أن وقع في فصل مجتهد فيه من ظواهر النصوص والقياس، فإن وقع
في فصل فيه نص مفسر من الكتاب أو الخبر المتواتر أو الإجماع، فإن وافق قضاؤه ذلك نفذ
ولا يحل له النقض، لأنه وقع صحيحاً قطعاً، وإن خالف شيئاً من ذلك يرده، لأنه وقع باطلاً
قطعاً، وإن وقع في فصل مجتهد فيه فلا يخلو إما أن كان مجمعاً على كونه مجتهداً فيه، وإما
أن كان مختلفاً في كونه مجتهداً فيه، فإن كان ذلك مجمعاً على كونه محل الاجتهاد، فإما أن
كان المجتهد فيه هو المقضي به، وإما أن كان نفس القضاء، فإن كان المجتهد فيه هو المقضي
به فرفع قضاؤه إلى قاض آخر لم يرده الثاني، بل ينفذه لكونه قضاء مجمعاً على صحته، لما
علم أن الناس على اختلافهم في المسألة اتفقوا على أن للقاضي أن يقضي بأي الأقوال الذي
مال إليه اجتهاده، فكان قضاء مجمعاً على صحته، فلو نقضه إنما ينقضه بقوله، وفي صحته
اختلاف بين الناس فلا يجوز نقض ما صح بالاتفاق بقول مختلف في صحته، ولأنه ليس مع
الثاني دليل قطعي بل اجتهادي، وصحة قضاء القاضي الأول ثبت بدليل قطعي وهو إجماعهم
على جواز القضاء بأي وجه اتضح له، فلا يجوز نقض ما مضى بدليل قاطع بما فيه شبهة،
ولأن الضرورة توجب القول بلزوم القضاء المبني على الاجتهاد وأن لا يجوز نقضه، لأنه لو
جاز نقضه يرفعه إلى قاضٍ آخر يرى خلاف رأي الأول فينقضه، ثم يرفعه المدعي إلى قاضٍ
آخر يرى خلاف رأي القاضي الثاني فينقض نقضه(٢)، ويقضي كما قضى الأول فيؤدي إلى أن
لا تندفع الخصومة والمنازعة أبداً، والمنازعة سبب الفساد، وما أدى إلى الفساد فساد، فإن كان
رده القاضي الثاني فرفعه إلى قاض ثالث نفذ قضاء القاضي الأول وأبطل قضاء القاضي الثاني،
لأن قضاء الأول صحيح وقضاء الثاني بالرد باطل.
هذا إذا كان القاضي الأول قاضي أهل العدل، فإن كان قاضي أهل البغي فرفعت قضاياه
(١) سقط من ط .
(٢) في ب: بعضه.

١٣٤
كتاب آداب القاضي
إلى قاضي أهل العدل، بأن ظهر أهل العدل على المصر، الذي كان في يد الخوارج فرفعت
إلى قاضي أهل العدل قضايا قاضيهم. لم ينفذ شيئاً منها، بل ينقضها كلها وإن كانوا من أهل
القضاء والشهادة في الجملة كتباً وغيظاً لهم لينزجروا على البغي، وإن كان نفس القضاء مجتهداً
فيه أنه يجوز أم لا، كما لو قضى بالحجر على الحر أو قضى على الغائب، أنه يجوز للقاضي
الثاني أن ينقض [قضاء](١) الأول إذا مال اجتهاده إلى خلاف اجتهاد الأول، لأن قضاءه هنا لم
يجز بقول الكل، بل بقول البعض دون البعض، فلم يكن جوازه متفقاً عليه [فكان محتملاً
للنقض](٢) بمثله، بخلاف الفصل الأول، لأن جواز القضاء هناك ثبت بقول الكل، فكان متفقاً
عليه، فلا يحتمل النقض بقول البعض، ولأن المسألة إذا كانت مختلفاً فيها فالقاضي بالقضاء
يقطع أحد الاختلافين ويجعله متفقاً عليه في الحكم بالقاضي المتفق على جوازه، وإن كان
نفس القضاء مختلفاً فيه يرفع الخلاف بالخلاف.
هذا إذا كان القضاء في محل أجمعوا على كونه محل الاجتهاد، فأما إذا كان في محلٌ
اختلفوا أنه محل الاجتهاد أم لا، كبيع أم الولد هل ينفذ قضاء القاضي أم لا؟ فعند أبي حنيفة
وأبي يوسف - رحمهما الله - ينفذ، لأنه محل الاجتهاد عندهما لاختلاف الصحابة في جواز
بيعها، وعند محمد لا ينفذ لوقوع الاتفاق بعد ذلك من الصحابة وغيرهم على أنه لا يجوز
بيعها، فخرج عن محل الاجتهاد، وهذا يرجع إلى أن الإجماع المتأخر هَلْ يرفع الخلاف
المتقدم عندهما؟ لا يرفع، وعنده يرفع، فكان هذا الفصل مختلفاً في كونه مجتهداً فيه، فينظر
إن كان من رأي القاضي الثاني أنه يجتهد فيه ينفذ قضاءه ولا يرده، لما ذكرنا في سائر
المجتهدات المتفق عليها، وإن كان من رأيه أنه خرج عن حد الاجتهاد وصار متفقاً عليه لا
ينفذ، بل يرده، لأن عنده أن قضاء الأول وقع مخالفاً للإجماع فكان باطلاً، ومن مشايخنا من
فضَّل في المجتهدات تفصيلاً آخر، فقال: إن كان الاجتهاد شنيعاً مستنكراً جاز للقاضي الثاني
أن ينقض قضاء الأول، وهذا فيه نظر، لأنه إذا صح كونه محل الاجتهاد فلا معنى للفصل بين
مجتهد ومجتهد، لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل [بينهما](٣) فينبغي أن لا يجوز
للثاني نقض قضاء الأول، لأن قضاءه صادف محل الاجتهاد.
فصل فيما يحله القضاء وما لا يحله
وأما بيان ما يحله القضاء وما لا يحله، فالأصل أن قضاء القاضي بشاهدي الزور فيما له
(١) سقط من ب.
(٢) بدل ما بين المعكوفين في ب: فلا يحتمل النقض.
(٣) في ب: بين مجتهد ومجتهد.

١٣٥
كتاب آداب القاضي
ولاية إنشائه في الجملة يفيد الحل عند أبي حنيفة - رحمه الله - وقضاؤه بهما فيما ليس له ولاية
إنشائه أصلاً لا يفيد الحل بالإجماع.
وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - والشافعي - رحمه الله - لا يفيد الحل فيهما
جميعاً، فنقول:
جملة الكلام فيه أن القاضي إذا قضى بشاهدين ثم ظهر أنهما شاهدا زورٍ فلا يخلو: إما
أن قضى بعقد أو بفسخ عقد، وإما أن قضى بملك مرسل، فإن قضى بعقد أو بفسخ عقد
فقضاؤه يفيد الحل عنده، وعندهم لا يفيد، ولقب المسألة أن قضاء القاضي في العقود
والفسوخ بشهود زور هل ينفذ ظاهراً وباطناً؟ فهو على الخلاف(١) الذي ذكرنا، وإن قضى
بملك مرسل لا ينفذ قضاؤه باطناً بالإجماع.
وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا ادَّعَى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأَقَامَ
على ذلك شاهدي زور فقضى القاضي بالنكاح بينهما وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما - حلَّ
للرجل وطؤها وحلَّ لها التمكين عند أبي حنيفة، وعندهم لا يحل.
وكذا إذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً وهو منكر، فقضى القاضي بالفرقة
بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين - حل له وطؤها، وإن كان يعلم أنه شهدا بزور عنده(٢)
وعندهم لا يحل، وعلى هذا الخلاف دعوى البيع والإعتاق، وفي الهبة عن أبي حنيفة
- رحمه الله - روايتان، وأجمعوا على أنه لو ادعى نكاح امرأة وهي تنكر وتقول: أنا أخته من
الرضاع، أو أنا في عدة من زوج آخر، فشهد بالنكاح شاهدان وقضى القاضي بشهادتهما،
والمرأة تعلم أنها كما أخبرت - لا يحل لها التمكين ..
وأجمعوا أيضاً على أنه لو ادعى رجلٌ أن هذه جاريته وهي تنكر فأقام على ذلك شاهدين
وقضى القاضي بالجارية - أنه لا يحل له وطؤها إذا كان يعلم أنه كاذب في دعواه، ولا يحل
لأحد الشاهدين أيضاً أن يشتريها، احتجوا بما روي عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إِنَّكُمْ
تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ مَالٍ
أَجِيهِ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقٌّ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»(٣).
(١) في ب: الاختلاف.
(٢) في ب: عند أبي حنيفة.
(٣) أخرجه مالك (٧١٩/٢) كتاب الأقضية: باب الترغيب في القضاء حديث (١) والبخاري (٣٣٩/١٢) كتاب
الحيل: باب (١٠) حديث (٦٩٦٧) ومسلم (١٣٣٧/٣) كتاب الأقضية: باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
حديث (٤/ ١٧١٣) وأبو داود (١٢/٤) كتاب الأقضية: باب في قضاء القاضي إذا أخطأ حديث (٣٥٨٣)
والترمذي (٦٢٤/٣) كتاب الأحكام: باب التشديد على من يقضي له بشيء حديث (١٣٣٩) =

١٣٦
كتاب آداب القاضي
أخبر الشارع - عليه الصلاة والسلام - أَنَّ القضاء بما ليس للمدعي قضاءً له بقطعة من
النار، ولو نفذ قضاؤه باطناً لما كان القضاء به قضاء بقطعة من النار، ولأن القضاء إنما ينفذ
بالحجة وهي الشهادة الصادقة، وهذه كاذبة بيقين، فلا ينفذ حقيقة، ولهذا لم ينفذ بالملك
المرسل.
وكذا إذا كانت المرأة محرمة بالعدة والردة، أو الرضاع، أو القرابة، أو المصاهرة، كذا
هذا .
والنسائي (٢٣٣/٨) كتاب آداب القاضي: باب الحكم بالظاهر وابن ماجه (٧٧٧/٢) كتاب الأحكام: باب
=
أقضية الحاكم لا تحل حراماً حديث (٢٣١٧).
والشافعي (١٧٨/٢) كتاب الأحكام في الأقضية حديث (٦٢٦) والحميدي (١٤٢/١) رقم (٢٩٦) وابن
الجارود في ((المنتقى )) رقم (٩٩٩) وأبو يعلى (١٣ / ٣٠٥) رقم (٦٨٨٠) وابن حبان (٥٠٤٧، ٥٠٤٩ -
الإحسان) والدارقطني (٢٣٩/٤ - ٢٤٠) كتاب الأقضية والأحكام حديث (١٢٧) والبيهقي (١٤٣/١٠)
كتاب آداب القاضي: باب من قال: ليس للقاضي أن يقضي بعلمه، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(٤/ ١٥٤) باب الحاكم يحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه في الظاهر، الطبراني في ((الكبير)) (٢٣)
٣٤٣) رقم (٧٩٨) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٧/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق هشام بن عروة عن أبيه
عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي ◌ّ ر أن رسول الله وَّر قال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون
إلي ولعل بعضكم أن يكون اللحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء
من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار)).
وقال الترمذي. حسن صحيح.
وأخرجه البخاري (١٠٧/٥) كتاب المظالم: باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه حديث (٢٤٥٨)
ومسلم (١٣٣٨/٣) كتاب الأقضية: باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة حديث (١٧١٣/٤) وأحمد (٦/
٣٠٨) والدارقطني (٢٣٩/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (١٢٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار
(٤/ ١٥٤) والبيهقي (١٠/ ١٤٣) كتاب آداب القاضي؛ باب من قال: ليس للقاضي أن يقضي بعلمه كلهم
من طريق الزهري عن عروة عن زينب عن أم سلمة به.
وللحديث طريق آخر عن أم سلمة .
أخرج أبو داود (١٢/٤) كتاب الأقضية: باب في قضاء القاضي إذا أخطأ حديث (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) وأحمد
(٦/ ٣٢٠) وابن أبي شيبة (٧/ ٢٣٣ - ٢٣٤) رقم (٣٠١٦) وابن الجارود رقم (١٠٠٠) وأبو يعلى (١٢/
٣٢٤ _ ٣٢٥) رقم (٦٨٩٧) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٤/٤ - ١٥٥) وفي ((المشكل)) (١/
٢٢٩ - ٢٣٠).
والدار قطني (٢٣٨/٤ - ٢٣٩) كتاب الأقضية والأحكام والحاكم (٩٥/٤) والطبراني في ((الكبير)) (٢٣)
٢٩٨) رقم (٦٦٣) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٩/٤ - بتحقيقنا) كلهم من طريق أسامة بن زيد عن
عبد الله بن رافع عن أم سلمة به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

١٣٧
كتاب آداب القاضي
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن قضاء القاضي بما يحتمل الإنشاء إنشاء له، فينفذ
ظاهراً وباطناً، كما لو أنشأ صريحاً، ودلالة الوصف أن القاضي مأمور بالقضاء بالحق، ولا يقع
قضاؤه بالحق فيما يحتمل الإنشاء إلا بالحمل على الإنشاء، لأن البينة قد تكون صادقة وقد
تكون كاذبة فيجعل إنشاء، والعقود والفسوخ مما تحتمل الإنشاء من القاضي، فإن للقاضي
ولاية إنشائها في الجملة، بخلاف الملك المرسل، لأن نفس الملك مما لا يحتمل الإنشاء،
ولهذا لو أنشأ القاضي أو غيره صريحاً لا يصح، وبخلاف ما إذا كانت المرأة محرمة بأسباب،
لأن هناك ليس للقاضي ولاية الإنشاء، ألا ترى أنه لو أنشأ صريحاً لا ينفذ، وأما الحديث فقد
قيل إنه - عليه الصلاة والسلام - قال ذلك في أخوين اختصما إليه في مواريث درست [بينهما،
فقال إلى آخره، ولم يكن لهما بينة إلا دعواهما، كذا ذكره أبو داود عن أم سلمة - رضي الله
عنهما -، والميراث ومطلق الملك سواء في الدعوى وبه نقول، مع أنه ليس فيه ذكر السبب،
والكلام في القضاء بسبب على إنا نقول بموجبه، لكن لم قلتم أن القضاء بسبب قضاء له من
مال آخر (١) بغير حق، بل هو قضاء له من مال نفسه وبحق، لأن القضاء بسبب الملك صحيح
عندنا، فقد قلنا بموجب الحديث، والحمد لله وحده.
فصل في حكم خطأ القاضي
وأما بيان حكم خطأ القاضي في القضاء، فنقول: الأصل إن القاضي إذا أخطأ في قضائه
بأن ظهر أن الشهود كانوا عبيداً أو محدودين في قذف، أنه لا يؤاخذ الضمان، لأنه بالقضاء لم
يعمل لنفسه، بل لغيره، فكان بمنزلة الرسول فلا تلحقه العهدة، ثم ينظر إما أن كان المقضي به
من حقوق العباد، وإما أن كان من حقوق الله - عز وجل - خالصاً، كالقطع في السرقة والرجم
في [زنا المحصن](٢)، فإن كان في حقوق العباد، فإن كان مالاً وهو قائم - ردّه على المقضى
عليه، لأن قضاءه وقع باطلاً ورد عين المقضي به ممكن فيلزمه رده، لقول النبي - عليه الصلاة
والسلام -: ((عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى ترُدَّهُ)) (٣) ولأنه عين مال المدعى عليه، ومن وجد عين
ماله فهو أحق به، وإن كان هالكاً فالضمان على المقضي له لأن القاضي عمل له، فكان خطؤه
عليه ليكون الخراج بالضمان، ولأنه إذا عمل له فكان هو الذي فعل بنفسه.
وإن كان حَقًّا ليس بمال كالطلاق والعتاق - بطل، لأنه تبين أن قضاءه كان(٤) باطلاً، وأنه
أمر شرعي يحتمل الرد فيرد، بخلاف الحدود والمال الهالك لأنه لا يحتمل الرد بنفسه، فيرد
بالضمان .
(١) في ب: أخيه.
(٢) في ب: الزنا مع الإحصان.
(٣) تقدم.
(٤) في ب: وقع.

١٣٨
كتاب آداب القاضي
هذا إذا كان المقضي به من حقوق العباد، وأما إذا كان من حق الله - عزَّ وجلَّ - خالصاً
فضمانه في بيت المال، لأنه عمل فيها لعامة المسلمين لعود منفعتها إليهم وهو الزجر، فكان
خطؤه عليهم لما قلنا، فيؤدي من بيت مالهم ولا يضمن القاضي لما قلنا، ولا الجلاد أيضاً لأنه
عمل بأمر القاضي، والله أعلم.
فصل في بيان ما يخرج به القاضي عن القضاء
وأما بيان ما يخرج به القاضي عن القضاء، فنقول وبالله التوفيق: كل ما يخرج به الوكيل
عن الوكالة يخرج به القاضي عن القضاء، وما يخرج به الوكيل عن الوكالة أشياء ذكرناها في
(كتاب الوكالة))، لا يختلفان إلا في شيء واحد وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل
الوكيل، والخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل قضاته وولاته .
ووجه الفرق أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي خالص حقه أيضاً، وقد بطلت أهلية
الولاية [بموته](١) فينعزل الوكيل، والقاضي لا يعمل بولاية الخليفة وفي حقه، بل بولاية
المسلمين وفي حقوقهم، وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عنهم، لهذا لم تلحقه العهدة كالرسول
في سائر العقود والوكيل في النكاح، وإذا كان رسولاً كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين،
وولايتهم بعد موت الخليفة باقية، فيبقى القاضي على ولايته، وهذا بخلاف العزل فإن الخليفة
إذا عزل القاضي أو الوالي ينعزل بعزله ولا ينعزل بموته، لأنه لا ينعزل بعزل الخليفة أيضاً
حقيقة، بل بعزل العامة لما ذكرنا أن توليته بتولية العامة، والعامة ولوه الاستبدال دلالة، لتعلق
مصلحتهم بذلك، فكانت ولايته منهم معنى في العزل أيضاً، فهو الفرق بين العزل والموت.
ولو استخلف القاضي بإذن الإمام، ثم مات القاضي، لا ينعزل خليفته، لأنه نائب الإمام
في الحقيقة لا نائب القاضي، ولا ينعزل بموت الخليفة أيضاً كما لا ينعزل القاضي لما قلنا،
ولا يملك القاضي عزل خليفته لأنه نائب الإمام، فلا ينعزل بعزله كالوكيل أنه لا يملك عزل
الوكيل الثاني، لأن الثاني وكيل الموكل في الحقيقة لا وكيله، كذا ههنا، إلا إذا أذن له الخليفة
أن يستبدل من شاء فيملك عزله، ويكون ذلك أيضاً عزلاً من الخليفة لا من القاضي، لأن
القاضي كالوكيل إذا قال له الموكل: اعمل برأيك، أنه يملك التوكيل والعزل، وإذا عزل كان
العزل في الحقيقة من الموكل، كذا هذا، وعلم المعزول بالعزل شرط صحة العزل (في هذا
كله](٢) كما ذكر في الوكالة، وهل ينعزل بأخذ الرشوة في الحكم؟ عندنا لا ينعزل، لكنه
يستحق العزل فيعزله الإمام ويعزره، كذا ذكر في ((كتاب الحدود)).
(١) سقط من ط .
(٢) سقط من ط .

١٣٩
كتاب آداب القاضي
وقال مشايخ العراق من أصحابنا أنه ينعزل، وقالوا: صحت الرواية عن أصحابنا أنه
ينعزل، واستدلوا بما ذكر في السير الكبير أنه يخرج من القضاء، لكن رواية مشايخنا أنه [لا](١)
يخرج من القضاء وهذه الرواية أوْلَى، لأنه هذه الرواية مشتبهة ورواية ((كتاب الحدود)) محكمةٌ،
لأنه ذكر أن الإمام يعزله ويعزره، فكان فيما قلنا حمل المحتمل على المحكم فكان عملاً
بالروايتين جميعاً، فكان أولى، وهذا عندنا.
وقال الشافعي - عليه الرحمة - ينعزل، وهو قول المعتزلة (٢)، ولقب المعتزلة أن القاضي
إذا فسق هل ينعزل أو لا؟ فعندنا لا ينعزل، وعند الشافعي ينعزل، وبه قالت المعتزلة لكن بناء
على أصلين مختلفين .
فأصل المعتزلة أن الفسق يخرج صاحبه عن الإيمان فيبطل أهلية القضاء، وأصل الشافعي
- رحمه الله - أن العدالة شرط أهلية القضاء كما هي شرط أهلية الشهادة، لأن أهلية القضاء
تدور مع أهلية الشهادة، وقد زالت بالفسق فتبطل الأهلية، والأصل عندنا أن الكبيرة لا تخرج
صاحبها من الإيمان(٣)، والعدالة ليست بشرط أهلية القضاء كما ليست بشرط لأهلية الشهادة
على ما ذكرنا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
(١) سقط من ب.
(٢) المعتزلة أصحاب واصل بن عطاء الغزالي اعتزل عن مجلس الحسن البصري حين دخل على الحسن رجل
فقال يا إمام الدين ظهر في زماننا جماعة يكفرون صاحب الكبيرة فكيف تحكم لنا فتفكر الحسن وقبل أن
يجيب قال واصل أنا لا أقول صاحب الكبيرة مؤمن ولا كافر. ثم قال إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد
وأخذ يقرر على جماعة من أصحاب الحسن أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر. فقال الحسن اعتزل
عنا واصل فلذلك سمي أصحابه معتزلة ويلقبون بالقدرية به الدال لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم
وإنكارهم فيها أي خلقه الله تعالى لها. والمعتزلة لقبوا أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد. أما تلقبهم بالأول
فلقولهم بوجوب الأصلح وثواب المطيع. وأما بالثاني فلقولهم بنفي الصفات القديمة. وقالت المعتزلة
جميعاً بنفي الصفات الزائدة على الذات وأن كلامه تعالى مخلوق محدث مركب من الحروف والأصوات
وبأنه تعالى غير مرئي في الآخرة بالأنصار وبأن الحسن والقبح عقليان ويجب عليه رعاية الحكمة والمصلحة
في أفعاله وثواب المطيع والتائب وعقاب صاحب الكبيرة. ثم إنهم بعد اتفاقهم على هذه الأمور المذكورة
افترقوا عشرين فرقة يكفر بعضهم بعضاً وهم الواصلية والعمرية بفتح العين وسكون الميم. والهزيلية.
والنظامية والأسوادية. والأسكافية. والجعفرية. والبشرية. والمزدارية. والهشامية. والصالحية. والحائطية.
والحديبية. والمعمرية. والثمامية. والخباطية. والجاحظية. والكعبية. والحبائية. والبهشمية.
ينظر: نشر الطوالع (ص ٣٨٧ - ٣٨٨).
(٣) قالت المعتزلة والخوارج صاحب الكبيرة إذا لم يتب عنها يخلد في النار ولا يخرج منها أبداً. واستدلوا
بالآيات المشتملة على لفظ الخلود في وعيد صاحب الكبير. والجواب أن الأحاديث نصت على خروج
صاحب الكبيرة من النار فالمراد من الخلود في الآيات المذكورة هو المكث الطويل واستعمال الخلود بهذا
المعنى كثير كقولهم خلد الله لمكه والمراد طول المدة بلا شبهة. وأما أصحابنا فقالوا الثواب على الطاعة =

١٤٠
كتاب آداب القاضي
فضل من الله تعالى وعد به فيفي به لأن الخلف في الوعد نقص والله تعالى متعال عنه والعقاب على
=
المعصية عدل منه تعالى وله العفو عنه لأن العفو فضل ولا يعد الخلف في الوعيد نقصاً بل يمدح به عند
العقلاء وعمل الطاعة دليل على حصول الثواب وفعل المعصية علامة العقاب فلا يكون الثواب على الطاعة
والعقاب على المعصية واجباً على الله تعالى. وقالوا أيضاً أن مرتكب الكبيرة لا يخلد فى النار لقوله تعالى
﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾.
والإيمان خير ولا يرى جزاء خيره إلا بعد خروجه عن النار وللأحاديث الدالة على خروج العصاة من
النار. وأما الكفار فالمسلمون أجمعوا على أن الكفار مخلدون في النار أبداً لا ينقطع عذابهم سواء بالغوا
في الاجتهاد والنظر في معجزات الأنبياء ولم يهتدوا أو علموا نبوتهم وعاندوا أو تكاسلوا. قال الحافظ
وعبد الله بن الحسين العنبري الكافر المبالغ في اجتهاده إذا لم يهتد للإسلام ولم يلح له دلائل الحق
فمعذور وعذابه منقطع وهذا مخالف للإجماع المنعقد قبل ظهور المخالفين كذا في شرح المواقف.
وقال المصنف ويرجى من فضله تعالى ولطفه عفو الكافر البالغ في اجتهاده الطالب الهدى إذا لم يصل إلى
الهدى وبقي ناظراً مجتهداً. فإن قلت هل يرجى عفو الكافر الذي أدى اجتهاده إلى الكفر. قلت لا لأنه
مقصر في الاجتهاد لما ذكره الأصفهاني من أن الاجتهاد أي الكامل يستحيل أن يؤدي إلى الكفر فالبالغ في
الاجتهاد إما أن يصل إلى الحق وهو مؤمن ناج وإما أن يبقى ناظراً مجتهداً اخترمته المنية قبل تمام النظر
وهو كافر يرجي عفوه. فأما الوصول إلى الكفر بعد الاجتهاد التام فمحال فالواصل إلى الكفر مقصر في
الاجتهاد فهو معذب قطعاً.
ينظر: نشر الطوالع ص (٣٥٩ - ٣٦١).