Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ کتاب الدعوى القضاء بالحرية قضاء على الناس كلهم(١) في حق بطلان الدعوى. وثبوت ولاية الرجوع بالثمن على الباعة. ووجه الفرق بين الملك والعتق على نحو ما ذكرنا من قبل هذا إذا أنكر الذي في يده، فإن أقر به لأحدهما، فنقول: هذا لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان قبل إقامة البينة، وإما إن كان بعد إقامة البينة فإن أقر قبل إقامة البينة جاز إقراره، ودفع إلى المقر له؛ لأن المدعي في يده وملكه من حيث الظاهر، فيملك التصرف فيه بالإقرار وغيره. وإن أقر بعد إقامة البينة قبل التزكية، لم يجز إقراره؛ لأنه تضمن إبطال حق الغير وهو البينة، فكان إقراراً على غيره، فلا يصح في حق ذلك الغير، ولكن يؤمر بالدفع إلى المقر له، لأن إقراره في حق نفسه صحيح. وَكَذَا البينة قد لا تتصل بها التزكية، فيؤمر بالدفع إلى المقر له في الحال، فإذا زكيت البينتان يقضى بينهما نصفين؛ لأنه تبين أن المدعي كان بينهما نصفين، فظهر أن إقراره كان إبطالاً لحق الغير، فلم يصح، فالتحق بالعدم. وإن أقر بعد إقامة/ البينة وبعد التزكية يقضى بينهما؛ لما قلنا إن إقراره لم يصح، فكان أ ملحقاً بالعدم، هذا كله إذا كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد أو من الخارجين على ذي اليد، فأما إذا كانت من صاحب(٢) اليد أحدهما على الآخر، بأن كان المدعي في أيديهما، فإن أقام أحدهما البينة أنه يقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه والنصف الذي كان في يده، ترك في يده، وهو معنى قضاء الترك. وَلَوْ أقام كل واحد منهما البينة أنه له يقضي لكل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه؛ لأن كل واحد منهما في ذلك النصف خارج، ولو لم تقم لأحدهما بينة يترك في أيديهما قضاء ترك؛ حتى لو قامت لأحدهما بعد ذلك بينة، تقبل؛ لأنه لم يصر مقضيًّا عليه حقيقة . هذا إذا لم توقت البينتان، فإن وقتا فإن اتفق الوقتان فكذلك، وإن اختلفا فالأسبق أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله .. وأما عند محمدٍ فلا عبرة للوقت في بينة صاحب اليد، فيكون بينهما نصفين، وإن وقت(٣) إحداهما دون الأخرى، يكون بينهما عند أبي حنيفة ومحمد، والوقت ساقط، وعند أبي يوسف هو لصاحب الوقت، وقد مرت الحجج قبل هذا، والله تعالى أعلم. (١) في ب: كافة. (٢) في ب: صاحبي. (٣) في ب: أوقتت. ٤٦٢ کتاب الدعوى وأما حكم تعارض البينتين القائمتين على قدر الملك، فالأصل فيه أن البينة المظهرة للزيادة أولى؛ كما إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن، فقال البائع. بعتك هذا العبد بألفي درهم. وقال المشتري: اشتريته منك بألف درهم، وأقاما البينة، فإنه يقضى ببينة البائع؛ لأنها تظهر زيادة ألف، وكذا لو اختلفا في قدر المبيع، فقال البائع: بعتك هذا العبد بألف، وقال المشتري اشتريت منك هذا العبد وهذه الجارية بألف، وأقاما البينة، يقضى ببينة المشتري، لأنها تظهر زيادة. وكذا لو اختلف الزوجان في قدر المهر، فقال الزوج: تزوجتك على ألف، وقالت المرأة [تزوجتني](١) على ألفين، وأقاما البينة، يقضى ببينة المرأة؛ لأنها تظهر فضلاً، ثم إنما كانت بينة الزيادة أولى؛ لأنه لا معارض لها في قدر الزيادة، فيجب العمل بها في ذلك القدر لخلوها عن المعارض/، ولا يمكن إلا بالعمل في الباقي، فيجب العمل بها في الباقي ضرورة وجوب العمل بها في الزيادة، ولا يلزم على هذا الأصل ما إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر ثمن الدار المشفوعة، فقال الشفيع اشتريتها بألف وقال المشتري: بألفين وأقاما البينة؛ أنه يقضى ببينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وإن كانت بينة المشتري تظهر الزيادة؛ لأن البينة إنما تقبل من المدعي، لأنها جعلت حجة المدعي في الأصل، والمدعي هناك هو الشفيع؛ لوجود حد المدعي فيه وهو أن يكون مخيراً في الخصومة بحيث لو تركها يترك، ولا يجبر عليها، فأما المشتري فمجبور على الخصومة. ب ألا ترى لو تركها لا يترك، بل يجبر عليها، فكان هو مدعى عليه، والبينة حجة المدعي لا حجة المدعى عليه في الأصل، لذلك قضي ببينة الشفيع لا ببينة المشتري؛ بخلاف ما إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن؛ لأن هناك البائع هو المدعي؛ لأن المخير في الخصومة إن شاء خاصم، وإن شاء لا، وفيما إذا اختلفا في قدر المبيع المدعي هو المشتري. أَلاَ ترى لو ترك الخصومة يترك، وكذا في باب النكاح المدعي في الحقيقة هو المرأة؛ لما قلنا، فهو الفرق ووجه آخر من الفرق ذكرناه في كتاب الشفعة. وعلى هذا يخرج اختلاف المتبايعين في أجل الثمن في أصل الأجل أو في قدره، وأقاما البينة؛ أن البينة بينة المشتري؛ لأنها تظهر الزيادة؛ وكذا لو اختلفا في مضيه، وأقاما البينة، فالبينة بينة المشتري؛ أنه لم يمض لأنها تظهر زيادة. (١) سقط من ط. ٤٦٣ کتاب الدعوى وعلى هذا يخرج اختلافهما في المسلم فيه في قدره أو جنسه أو صفته مع اتفاقهما على رأس المال، وأقاما البينة بعد تفرقهما؛ أن البيئة بينة رب السلم، ويقضى بسلم واحدٍ بالإجماع، لأنهما اتفقا على أن المسلم إليه لم يقبض إلا رأس مال واحد، وإن اختلفا قبل التفرق، فكذلك، ويقضى بسلم واحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد تقبل البينتان جميعاً ويقضى بسلمين. وجه قول محمد أن كل واحد من البينتين قامت على عقد على حدة؛ لاختلاف البدلين، فيعمل بهما جميعاً، ويقضى بسلمين؛ إذ لا تنافي بينهما/ ولهما أنهما اتفقا على عقد واحدٍ، وإنما اختلفا في قدر المعقود عليه قدراً أو جنساً أو صفة وبينة رب السلم تظهر زيادة، فكانت أقوى. ١ ولو اختلفا في رأس المال في قدره أو جنسه أو صفته مع اتفاقهما على المسلم فيه، فالبينة بينة المسلم إليه عندهما، وعنده تقبل البينتان جميعاً، ويقضى بسلمين. والحجج على نحو ما ذكرنا، هذا إذا تصادقا أن رأس المال كان ديناً، فإن تصادقا أنه عين، واختلفا في المسلم فيه، فإن كان رأس المال عيناً واحدة يقضى بسلم واحد؛ كما إذا قال رب السلم: أسلمت إليك هذا الثوب في كر حنطة، وقال المسلم، إليه: في كر شعير، فالبينة بينة رب السلم؛ لأن رأس المال إذا كان عيناً واحدة لا يمكن أن يجعل عقدين، فيجعل عقداً واحداً، وبينة رب السلم تظهر زيادة، فكانت أولى بالقبول، وإذا كان عينين [وصورته](١) بأن قال رب السلم أسلمت إليك هذا الفرس في كر حنطة، وقال المسلم إليه: هذا الثوب في كر شعير، يقضي بسلمين بالإجماع؛ لأنه يمكن أن يجعل عقدين فيجعل سلمين. هذا كله إذا كانت الدعوى دعوى الملك، فأما دعوى اليد، بأن تنازع رجلان في شيء يدعيه كل واحد منهما أنه في يده، فعلى كل واحد منهما البينة على اليد؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((الْبَيْنَةُ عَلَى المُدَّعِي، واليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ))(٢) ولأن الملك واليد كل واحد منهما مقصود في نفسه، فتقع الحاجة إلى إثبات كل واحد منهما بالبينة، فإن أَقَامًا جميعاً البينة، يقضى بكونه في أيديهما لاستوائهما في الحجة. وإن أقام أحدهما البينة، صار صاحب يد، وصار مدعى عليه، وإن لم تقم لأحدهما بينة، فعلى كل واحد منهما اليمين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ)) وكل واحد منهما ينكر دعوى صاحب اليد، فيحلف. (١) سقط من ط. (٢) تقدم. ٤٦٤ کتاب الدعوى هذا كله إذا قامت البينتان على الملك أو على اليد، فأما إذا قامت إحدى البينتين على الملك، والأخرى على اليد، فبينة الملك أَوْلى، نحو ما إذا أقام الخارج البينة على أن الدار له منذ سنتين، وأقام ذو اليد البينة على أنها في يده منذ ثلاث سنين، يقضى بها للخارج؛ لأن ب البينة القائمة على الملك أقوى؛ لأن اليد قد تكون محقة/ وقد تكون مبطلة؛ كيد الغصب والسرقة، واليد المحقة قد تكون يد ملك وقد تكون يد إعارة وإجارة، فكانت محتملة، فلا تصلح بينتها معارضة لبينة الملك. وأما دعوى النسب، فالكلام في النسب في الأصل في ثلاثة مواضع: في بيان ما يثبت به النسب . وفي بيان ما يظهر به [النسب. وفي بيان صفة النسب الثابت. أما ما يثبت به النسب فالكلام فيه في موضعين. أحدهما: في بيان](١) ما يثبت به نسب الولد من الرجل. والثاني: في بيان ما يثبت به نسبه من المرأة. أما الأول: فنسب الولد من الرجل لا يثبت إلا بالفراش، وهو أن تصير المرأة فراشاً له، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ))(٢) وقوله عليه الصلاة والسلام: (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ))، أي: لصاحب الفراش، إلاَّ أنه أضمر المضاف(٣) فيه اختصارا (٤)، كما في (١) سقط من طـ. (٢) تقدم. (٣) في ب: الصاحب. (٤) وفي قول الله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المشهور: أنه على حذف مضاف، تقديره: واسأل أهل القرية وأهل العير، وهو مجاز سائغ، قاله ابن عطية وغيره. قلت: وهذا على خلاف في المسألة، هل الإضمار من المجاز أو غيره؟ المشهور أنه قسم منه وعليه أكثر الناس. قال أبو المعالي: ((قال بعض المتكلمين)): هذا من الحذف وليس من المجاز. لفظة استعيرت ما هي له، قال: ((وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه)). هذا مذهب سيبويه وغيره، وحكي أنه قول الجمهور. وقال فخر الدين الرازي: ((إنَّ المجاز والإضمار قسيمان لا قسمان، فهما متباينان . الثاني: أنه مجاز، ولكنه من باب إطلاق اسم المحل على الحال للمجاورة كالرواية. الثالث: أنه حقيقة لا مجاز فيه، وذلك أنه يجوز أن يسأل القرية نفسها والإبل تجيبه، لأنه نبي يجوز أن ينطق له الجماد والبهائم. ينظر الدر المصون ٢٠٨/٥. 1 م ٤٦٥ كتاب الدعوى قوله - عز وجل -: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ونحوه، والمراد من الفراش: هو المرأة؛ فإنها تسمى فراش الرجل وإزاره ولحافه، وفي التفسير في قوله - عز شأنه -: ﴿وَفُرُشِ مَرْفُوعَةٍ﴾ إنها نساء أهل الجنة، فسميت المرأة فراشاً لما أنها تفرش وتبسط بالوطء عادة، ودلالة الحديث من وجوه ثلاثة . أحدها: أن النبي - عليه السلام - أخرج الكلام مخرج القسمة، فجعل الولد لصاحب الفراش، والحجر للزاني، فاقتضى أن لا يكون الولد لمن لا فراش له، كما لا يكون الحجر لمن لا زنا منه؛ إذ القسمة تنفي الشركة . والثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - جعل الولد لصاحب الفراش، ونفاه عن الزاني بقوله عليه السلام: ((وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ))، لأن مثل هذا الكلام يستعمل في النفي. والثالث: أنه جعل كل جنس الولد لصاحب الفراش، فلو ثبت نسب ولد لمن ليس بصاحب الفراش، لم يكن كل جنس الولد لصاحب الفراش، وهذا خلاف النص. فعَلَى هذا إذا زنى رجل بامرأة، فجاءت بولد، فادعاه الزاني، لم يثبت نسبه منه؛ لانعدام الفراش، وأما المرأة فيثبت نسبه منها؛ لأن الحكم في جانبها يتبع الولادة؛ على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وقد وجدت. وكذلك لو ادعى رجل عبداً صبياً في يد رجل أنه ابنه من الزنا، لم يثبت منه، كذبه المولى فيه أو صدقه لما قلنا. ولو هلك الولد بوجه من الوجوه، عتق عليه؛ لأنه أقر أنه مخلوق من مائة، وإن ملك أمه لم تصر أم ولد له؛ لأن أمومية الولد تتبع ثبات النسب، ولم يثبت؛ وكذلك لو كان هذا العبد لأب المدعى / أو عمه؛ لما ذكرنا. ١ ولو كان لابن المدعي، فقال: هو ابني من الزنا، يثبت نسبه منه، وهو مخطىء في قوله من الزنا؛ لأنه يصير متملكاً الجارية عندنا قبيل الاستيلاد أو مقارناً له، ولا يتحقق الوطء زناً مع ثبوت الملك، ولو كان المدعي غير الأب، فقال: هو ابني منها، ولم يقل من الزنا، فإن صدقه المولى ثبت نسبه منه، ويكون عبداً لمولى الأم، وإن كذبه لا يثبت النسب للحال، وإذا ملكه المدعي يثبت النسب ويعتق عليه، لأن الإقرار بالنبوة مطلقاً عن الجهة محمولٌ على جهة مصححة للنسب؛ وهي الفراش؛ إلا أنه لم يظهر نفاذه للحال؛ لقيام ملك المولى، فإذا ملكه زال المانع؛ وكذلك لو قال: هو ابني من نكاح فاسدٍ، أو شراء فاسد، وادعى شبهة بوجه من الوجوه، أو قال: أحلها لي الله، إن صدقه المولى يثبت النسب، وإن كذبه لم يثبت النسب ما دام عبداً، فإذا ملكه يثبت النسب ويعتق عليه؛ لأن العقد الفاسد ملحق بالصحيح في ثبات بدائع الصنائع ج٨ - ٣٠٣ ٤٦٦ كتاب الدعوى النسب؛ وكذلك الشبهة فيه ملحقة بالحقيقة، فكان هذا إقراراً بالنسب بجهة مصححة للنسب شرعاً، إلا أنه امتنع ظهوره للحال لحق المولى، فإذا زال ظهر وعتق؛ لأنه ملك ابنه، وإن ملك أمها (١) كانت أم ولد له، لأنه وجد سبب أمومية الولد، وهو ثبوت النسب، بناءً على وجود سبب الثبوت، وهو الإقرار بالنسب بجهة مصححة له شرعاً، إلاَّ أنها توقفت على شرطها وهو الملك، وقد وجد، بخلاف الفصل الأول، لأن هناك لم يوجد سبب أمومية الولد أصلاً؛ لانعدام سبب ثبوت النسب، وهو الإقرار بجهة مصححة [له](٢) شرعاً. وَعَلى هذا إذا تصادق الزوجان على أن الولد من الزنا من فلان لا يثبت النسب منه، ويثبت من الزوج؛ لأن الفراش له. وعلى هذا إذا ادعى رجل صبيًّا في يد امرأة، فقال: هو ابني من الزنا، وقالت المرأة: هو من النكاح، لا يثبت نسبه من الرجل ولا من المرأة؛ لأن الرجل أقر أنه ابنه من الزنا، والزنا ب لا يوجب النسب، والمرأة تدعي النكاح، والنكاح/ لا بد له من حجة. وكذلك لو كان الأمر على العكس، بأن ادعى الرجل أنه ابنه من النكاح، وادعت المرأة أنه من الزنا، لما قلنا. ولو قال الرجل بعد ذلك في الفصل الأول: هو من النكاح، أو قالت المرأة بعد ذلك في الفصل الثاني: هو من النكاح، يثبت النسب، وإن كان ذلك منهما تناقضاً؛ لأن التناقض ساقط الاعتبار شرعاً في باب النسب، كما هو ساقط الاعتبار شرعاً في باب العتق؛ لما ذكرنا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. وأما الثاني: فنسب الولد من المرأة يثبت بالولادة، سواء كان بالنكاح أو بالسفاح، لأن اعتبار الفراش إنما عرفناه بالحديث(٣)، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((الوَلَّدُ لِلْفِرَاشِ))، أي: لمالك الفراش، ولا فراش للمرأة؛ لأنها مملوكة وليست بمالكه، فبقي الحكم في جانبها متعلقاً بالولادة. وإذا عرفت أن نسب الولد من الرجل لا يثبت، إلا إذا صارت المرأة فراشاً له، فلا بد من معرفة ما تصير به المرأة فراشاً، وكيفية عمله في ذلك، فنقول وبالله التوفيق: المرأة تصيرُ فراشاً بأحد أمرين: أحدهما: عقد النكاح، والثاني ملك اليمين، إلا أن عقد النكاح يوجب الفراش بنفسه، لكونه عقداً موضوعاً لحصول الولد شرعاً [وعرفاً](٤)؛ قال النبي (١) في ب: أمه . (٢) سقط من ط. (٣) في ب: بالشرع. (٤) سقط من ط. ٤٦٧ کتاب الدعوى - عليه الصلاة والسلام -: ((تَنَاكَحُوا تَوَالَدُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي أَبَاهِي بِكُمُ الأُمُمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَوْ بِالسَّقْطِ))(١) وكذا الناس يقدمون على النكاح لغرض التوالد عادةً، فكان النكاح سبباً مفضياً إلى حصول الولد، فكان سبباً لثبات النسب بنفسه، ويستوي فيه النكاح الصحيح والفاسد إذا اتصل به الوطء؛ لأن النكاح الفاسد ينعقد في حق الحكم عند بعض مشايخنا؛ لوجود ركن العقد من أهله في محله، والفاسد ما فاته شرط من شرائط الصحة. وهذا لا يمنع انعقاده في حق الحكم كالبيع الفاسد، إلا أنه يمنع من الوطء لغيره، وهذا لا يمنع ثبات النسب؛ كالوطء في حالة الحيض والنفاس، وسواء كانت المنكوحة حرة أو أمة؛ لأن المقصود من فراش الزوجية لا يختلف . وأما ملك اليمين ففي أم الولد يوجب الفراش بنفسه أيضاً؛ لأنه ملك يقصد به حصول الولد عادة؛ كملك النكاح، فكان مفضياً إلى حصول / الولد كملك النكاح، إلا أنه أضعف أ منه؛ لأنه لا يقصد به ذلك مثل ما يقصد بملك النكاح؛ وكذا يحتمل النقل إلى غيره بالتزويج، وينتفي بمجرد النفي من غير لعان؛ بخلاف ملك النكاح. وأما في الأمة، فلا يوجب الفراش بنفسه بالإجماع؛ حتى لا تصير الأمة فراشاً بنفس الملك بلا خلاف. وهل تصير فراشاً بالوطء؟ اختلف فيه، قال أصحابنا - رضي الله تعالى عنهم - لا تصير فراشاً إلا بقرينة الدعوة. وقال الشافعي - عليه الرحمة - تصير فراشاً بنفس الوطء من غير دعوة. وعبارة مشايخنا - رحمهم الله - في هذا الباب أن الفراش ثلاثة: فراشٌ قوي، وفراش ضعيف، وفراش وسط، فالقوي: فراش المنكوحة حتى يثبت النسب من غير دعوة، ولا ينتفي إلا باللعان. والوسط: فراش أم الولد حتى يثبت النسب من غير دعوة، وينتفي بمجرد النفي من غير لعان. والضعيف: فراش الأمة حتى لا يثبت النسب فيه إلا بالدعوة عندنا؛ خلافاً للشافعي. وجه قوله(٢) إن ثبات النسب منه لحصول الولد من مائة، وهذا يحصل بالوطء من غير دعوة، لأن الوطء سبب لحصول الولد، قصد منه ذلك أو لا . (١) تقدم. (٢) في ب: قول الشافعي. ٤٦٨ کتاب الدعوى وَلَنا أن وطء الأمة لا يقصد به حصول الولد عادة؛ لأنها لا تشتري للوطء عادة، بل للاستخدام والاسترباح، ولو وطئت فلا يقصد به حصول الولد عادة؛ لأن الولد لا يحصل إلا بترك العزل، والظاهر في الإماء هو العزل، والعزل بدون(١) رضاهن مشروعٌ، فلا يكون وطؤها سبباً لحصول الولد إلا بقرينة الدعوة؛ ولأنه لما ادعى علم بقرينة الدعوة أنه وطئها ولم يعزل عنها، والوطء من غير عزل سبب لحصول الولد، فيثبت النسب حتى لو كان المولى وطئها وحصنها ولم يعزل عنها لا يحل له النفي فيما بينه وبين الله - تعالى عز شأنه -، بل تلزمه الدعوى والإقرار به، لأنه إذا كان كذلك فالظاهر أنه ولده، فلا يحل له نفيه فيما بينه وبين الله تعالى، بلا خلاف بين أصحابنا - رضي الله تعالى عنهم .. واختلفوا فيما إذا وطئها وحصنها، ولكن عزل عنها، أو لم يعزل عنها ولكنه لم يحصنها، قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - يحل له/ النفي، وقال أبو يوسف - رحمه الله - أحب إلي أن يدعو إذا كان وطئها ولم يعزل عنها، وإن لم يحصنها. ب وقال محمد - عليه الرحمة -: أحب إليَّ أن يعتق ولدها ويستمتع بأمه إلى أن يقرب موته، فيعتقها . وجه قول أبي يوسف أنه إذا وطئها ولم يعزل عنها احتمل كون الولد منه، فلا يحل له النفي بالشك والاحتمال. وجه قول أبي حنيفة أنه إذا لم يحصنها احتمل كونه من غيره، فلا يلزمه الإقرار به بالشك؛ لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك؛ كما أن الثابت بيقين لا يزول بالشك. وجه قول محمد إنه إذا احتمل كونه من غيره لا يلزمه الإقرار به؛ كما قاله أبو حنيفة - رحمه الله - ولما احتمل كونه منه لا يجوز له النفي أيضاً؛ كما قاله أبو يوسف، لكن يسلك فيه مسلك الاحتياط، فيعتق الولد صيانة عن استرقاق الحر عسى ويستمتع بأمه؛ لأن الاستمتاع بالأمة وأم الولد مباح، ويعتقها عند موته صيانة عن استرقاق الحرة بعد موته (٢). ويستوي في فراش الملك ملك كل المحل وبعضه، وملك الذات، وملك اليد في ثبوت النسب. وبيان ذلك في مسائل: إذا حملت الجارية في ملك رجلين، فجاءت بولد فَادَّعَاه أحدهما يثبت نسب الولد منه؛ لأنَّ ما له من الملك أوجب النسب بقدره، إلاَّ أن النسب لا يتجزأ، فمتى ثبت في البعض يتعدى إلى الكل، وتصير الجارية أم ولد له، وعليه نصف قيمتها لشريكه، ونصف العقر، ولا يضمن قيمة الولد، وهي من مسائل ((كتاب العتق))(٣). (١) في ب: من غير. (٣) في ب: العتاق. (٢) في ط: بعد موته عسى. ٤٦٩ کتاب الدعوى ولو ادعياه جميعاً معاً فهو ابنهما، والجارية أم ولد لهما، وهذا عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله - هو ابن أحدهما، ويتعين بقول القائف. وَجْه قوله إن خلق ولدٍ واحدٍ من ماءِ فحلين مستحيلٌ عادةً، ما أجرى الله سبحانه وتعالى العادة بذلك إلا في الكلاب على ما قيل، فلا يكون الولد إلا من أحدهما، ويعرف ذلك بقول القائف، فإن الشرع ورد بقبول قول القائف في النسب، فإنه روي أن قائفاً مَرَّ بأسامة وزيد وهما تحت قطيفة واحدة قد/ غطى وجوههما، وأرجلهما بادية، فقال إن هذه الأقدام يشبه بعضها أ بعضاً، فسمع رسول الله - ر18ّ - ففرح بذلك حتى كادت تبرق أسارير وجهه - عليه الصلاة والسلام .. فقد اعتبر - عليه الصلاة والسلام - قول القائف حيث لم يرد عليه، بل قرره بإظهار الفرح. ولنا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي أنه وقعت هذه الحادثة في زمن سيدنا عمر - رضي الله عنه - فكتب إلى شريح لبساً فلبس عليهما، ولو بينا لبين لهما هو ابنهما يرثهما ويرثانه، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فيكون إجماعاً؛ لأن سبب استحقاق النسب بأصل الملك، وقد وجد لكل واحد منهما، فيثبت بقدر الملك حصة للنسب، ثم يتعدى لضرورة عدم التجزؤ، فيثبت نسبه من كل واحد منهما على الكمال. وأما فرح النبي - عليه الصلاة والسلام - وترك الرد والنكر، فاحتمل أنه لم يكن؛ لاعتباره قول القائف حجة، بل لوجه آخر، وهو أن الكفار كانوا يطعنون في نسب أسامة - رضي الله عنه - وكانوا يعتقدون القيافة، فلما قال القائف ذلك فرح رسولُ الله - ◌َلّ - لظهور بطلان قولهم بما هو حجة عندهم، فكان فرحه في الحقيقة بزوال الطعن؛ بما هو دليل الزوال عندهم، والمحتمل لا يصلح حجة. وكذلك لو كانت الجارية بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فادعوه جميعاً معاً، فهو ابنهم جميعاً، ثابت نسبه منهم، والجارية أم ولد لهم عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يثبت من أكثر من اثنين، وقال محمد: لا يثبت من أكثر من ثلاثة. وجه قول أبي يوسف أن القياس يأبى ثبوت النسب من أكثر من رجل واحد؛ لما ذكرنا للشافعي، إلاَّ أنا تركنا القياس في رجلين بأثر سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - فبقي حكم الزيادة مردوداً إلى أصل القياس. وجه قول محمد أن الحمل الواحد يجوز أن يكون ثلاثة أولاد، وكل واحد منهم يجوز أن يخلق من ماء على حدة، وقد جاء عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه أثبت النسب من ٤٧٠ کتاب الدعوى ثلاثة، فأما الزيادة على الثلاثة في بطن واحدٍ فنادر غاية الندرة، فالشرع الوارد في الاثنين يكون وارداً في الثلاثة. ولأبي حنيفة أن الموجب لثبات النسب لا يفصل بين عدد الاثنين والخمسة، فالفصل بين عدد وعدد يكون تحكماً من غير دليل، وسواء كانت الأنصباء متفقة أو مختلفة؛ بأن كان ب لأحدهم السدس وللآخر الربع وللآخر الثلث وللآخر ما بقي، / فالولد ابنهم جميعاً، فحكم النسب لا يختلف؛ لأن سبب ثبات النسب هو أصل الملك لا [صفة المالك](١)، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما حكم الاستيلاد فيثبت في نصيب كل واحد [منهما](٢) بقدر حصته من الملك، فلا يتعدى إلى نصيب غيره، ولو كانت الجارية بين الأب والابن، فجاءت بولد فادعياه جميعاً معاً، فالأب أَوْلى عند علمائنا الثلاثة، وعند زفر - رحمه الله - يثبت النسب منهما جميعاً، وجه قوله إنهما اسْتَوَيَا في سبب الاستحقاق، وهو أصل الملك، فيستويان في الاستحقاق. ولنا أن الترجيح لجانب الأب؛ لأن نصف الجارية ملكه حقيقة، وله حق تمليك النصف الآخر، وليس للابن إلا ملك النصف، فكان الأب أولى، ويتملك نصيب الابن من الجارية بالقيمة، ضرورة ثبوت الاستيلاد فى نصيبه؛ لأنه لا يتجزأ، فلا يتصور ثبوته في البعض دون البعض؛ كما في الجارية المشتركة بين الأجنبيين، ويضمن كل واحد منهما للآخر نصف العقر؛ لأن الوطء من كل واحدٍ منهما في قدر نصيب شريكه حصل في غير الملك كما في الأجنبيين(٣)، يضمن كل واحد منهما نصف العقر للآخر، ثم يكون النصف بالنصف قصاصاً؛ كما في الأجانب، وهذا بخلاف حالة الانفراد، فإن أمة لرجل إذا جاءت بولدٍ فادعاه أبوه، ثبت نسبه منه، ولا عقر عليه عند أصحابنا الثلاثة؛ لأن هناك صار متملكاً الجارية؛ ضرورة صحة الاستيلاد، سابقاً عليه أو مقارناً له؛ لانعدام حقيقة الملك، فجعل الوطء في الملك، وههنا الاستيلاد صحيح بدون التملك؛ لقيام حقيقة الملك في النصف، فلا حاجة إلى التملك لصحة الاستيلاد، وأنه صحيح بدونه، وإنما يثبت ضرورة ثبوت الاستيلاد في نصيبه؛ لأنه يحتمل(٤) التجزؤ؛ على ما ذكرنا، هو الفرق، وكذلك الجد عند عدم الأب؛ لأنه بمنزلة الأب عند عدمه . ولو كان بين الجد والحافد جارية، فجاءت بولد، فادعياه معاً، والأب حَيٍّ، يثبت النسب منهما جميعاً؛ لأن الجد حال قيام الأب بمنزلة الأجنبي، ولو ادعى الولد أحد المالكين (١) في ب: وصف الكمال. (٢) سقط من ط. (٣) في ب: الأجانب. (٤) في ب: لا يحتمل. ٤٧١ کتاب الدعوى وأب المالك الآخر، فالمالك أولى؛ لأن له حقيقة الملك، ولأب المالك الآخر حق التملك، فكان المالك الحقيقي أولى. هذا كله إذا كان الشريكان المدعيان حرين مسلمين، فإن كان أحدهما حُرًّا والآخر عبداً، فالحر أولى؛ لأن إثبات النسب منه أنفع/ ؛ حيث يصل هو إلى حقيقة الحرية، وأمه إلى حق أ الحرية . وكذلك لو كان أحدهما حرًّا والآخر [عبداً](١) مكاتباً، فالحرُّ أَوْلَى، لأن الولد يصل إلى حقيقة الحرية، ولو كان أحدهما مكاتباً والآخر عبداً، فالمكاتب أَوْلَى؛ لأنه حُرٍّ يدا، فكان أنفع للولد، ولو كانا عبدين يثبت النسب منهما جميعاً، لكن هل يشترط فيه تصديق المولى؟ فيه روايتان، ومنهم من وفق بين الروايتين؛ فحمل شرط التصديق على ما إذا كان العبد محجوراً، وحمل الأخرى على ما إذا كان مأذوناً؛ عملاً بهما (٢) جميعاً. ولو كان أحدهما مسلماً والآخر ذميًّا، فالمسلم أَوْلَى، استحساناً، والقياس أن يثبت نسبه منهما، وهو رواية للحسن عن أبي حنيفة وزفر. وَجْهُ القياس أن النسب حكم الملك، وقد استويا في الملك، فيستويان في حكمه؛ كما في سائر الأحكام المتعلقة بالملك. وجه الاستحسان أن إثبات النسب من المسلم أنفع للصبي؛ لأنه يحكم بإسلامه تبعاً له؛ وكذلك لو كان أحدُهما كتابيًّا والآخر مجوسيًّا، فالقياس أن يثبت النسب منهما [جميعاً](٣)؛؛ الاستوائهما في الملك، وفي الاستحسان للكتابي أَوْلَى، لأنه أقرب إلى الإسلام من المجوسي، فكان أنفع للصبي. ولو كان أحدهما عبداً مسلماً، أو مكاتباً مسلماً، والآخر حُرًّا كافراً، فالحر أولى؛ لأن هذا أنفع للصبي؛ لأنه يمكنه أن يكتسب الإسلام بنفسه إذا عقل، ولا يمكنه اكتساب الحرية بحال، ولو كان أحدهما ذميًّا والآخر مرتدًا، فهو ابن المرتد، لأن ولد المرتد على حكم الإسلام. [ألا ترى] (٤) أنه إذا بلغ كافراً يجبر على الإسلام، وإذا أجبر عليه فالظاهر أنه يسلم فكان هذا أنفع للصبي. هذا كله إذا خرجت دعوة الشريكين معاً، فأما إذا سبقت دعوة أحدهما في هذه الفصول (١) سقط من ب. (٢) في ب: بالروايتين. (٣) سقط من ط. (٤) في ب: إلا . ٤٧٢ کتاب الدعوى كلها، كائناً من كان فهو أَوْلَى؛ لأن النسب إذا ثبت من إنسان في زمان لا يحتمل الثبوت من غيره بعد ذلك الزمان، هذا إذا حملت الجارية في ملكهما، فجاءت بولدٍ، فادعاه أحدهما أو ادعياه جميعاً، فأما إذا كان [العلوق](١) قبل الشراء؛ بأن اشترياها وهي حامل، فجاءت بولدٍ، فادعاه أحدهما . فأما حكم نسب الولد، وصيرورة الجارية أم ولد له، وضمان نصف قيمة الأم، موسراً كان أو معسراً - فلا يختلف، ويختلف حكم العقر والولد، فلا يجب العقر هنا ويجب هناك؛ لأن الإقرار بالنسب هنا لا يكون إقراراً بالوطء/ لتيقننا بعدم العلوق في الملك؛ بخلاف الأول، والولد يكون بمنزلة عبد بين شريكين أعتقه أحدُهما؛ لأن ابتداء العلوق لم يكن في ملكه، فلم يجز إسناد الدعوى إلى حالة العلوق، إلا أنه ادعى نسب ولد بعضه على ملكه، ودعوى الملك بمنزلة إنشاء الإعتاق(٢). ولو أعتق هذا الولد يضمن نصيب شريكه منه، إن كان موسراً، ولم يضمن إن كان معسراً؛ كذا هذا بخلاف ما إذا علقت الجارية في ملكهما؛ لأن هناك استندت الدعوة إلى حال العلوق، فسقط الضمان، وهنا لا تستند، فلا بد من إفراد الولد بالضمان والولاء بينهما، وإن ادعياه [جميعاً معاً] (٣) فهو ابنهما، ولا عقر لواحد منهما على صاحبه؛ كما في الأول، ولا يفترقان إلا في الولاء، فإن ثبت هنا لا يثبت هناك؛ لأنَّ الدعوة ثمة دعوة الاستيلاد، فيعلق الولد حرًّا، والدعوة هنا دعوة تحرير، وأنه يوجب استحقاق الولاء، قال عليه الصلاة والسلام: ((الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)»(٤) ولو كانت الجارية المشتراة زوجة أحدهما فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر، يثبت نسبه من الزوج من غير دعوة، لأنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، فقد تيقنا أن علوق الولد كان من النكاح، وعقد النكاح يوجب الفراش بنفسه، ويضمن نصف قيمة الجارية، لأنها صارت أم ولد له، فصار/ متملكاً نصيب شريكه بالقيمة، ولا يضمن قيمة الولد؛ لأنه عتق عليه من غير صنعه، ولو اشترى اخوان جارية حاملاً، فجاءت بولد، فادعاه أحدهما، يثبت نسبه منه، وعليه نصف قيمة الولد؛ لأن دعوته دعوة تحرير، فإذا ادعاه فقد حرره، والتحرير إتلاف نصيب شريكه، فيضمن نصف قيمته، ولا يعتق الولد على عمه بالقرابة؛ لأن الدعوة من أخيه إعتاق حقيقة، فيضاف العتق إليه لا إلى القرابة، هذا إذا ولدت الجارية المشتركة ولداً فادعاه أحد الشريكين، أو ادعياه جميعاً، فأما إذا ولدت ولدين، فادعى كُلُّ واحدٍ منهما ولداً على حدة. (١) سقط من ب. (٢) في ب: العتق. (٣) سقط من ط. (٤) تقدم. ٤٧٣ کتاب الدعوى فنقول هذا في الأصل لا يخلو إما إن ولدتهما في بطن واحدٍ، وإما أن ولدتهما في بطنين مختلفين، والدعوتان إما إن خرجتا/ جميعاً معاً، وإما إن سبقت إحداهما الأخرى، فإن ولدت الجارية الولدين في بطن واحد، فإن خرجت الدعوتان جميعاً معاً، ثبت نسب الولدين منهما جميعاً؛ لأن دعوة أحد التوأمين دعوة الآخر؛ لاستحالة الفصل بينهما في النسب؛ لعلوقهما من ماء واحد، فكانت دعوة أحدهما دعوة الآخر ضرورة، وإن سبق أحدهما بالدعوة، ثبت نسب الولدين منه؛ لأنه ثبت نسب المدعي، ومن ضرورته ثبوت نسب الآخر وعتقا جميعاً لعلوقهما، جري الأصل، وصارت الجارية أم ولد له، وغرم نصف العقر ونصف قيمة الجارية، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا إذا ولدتهما في بطن واحد، فأما إذا ولدتهما في بطنين مختلفين، فإن خرجت الدعوتان جميعاً معاً، ثبت نسب الأكبر من مدعي الأكبر بلا شك، وصارت الجارية أم ولد له، وغرم نصف قيمة الجارية ونصف العقر لمدعي الأصغر. وهل يثبت نسب الولد الأصغر من مدعي الأصغر؟ فالقياسُ أن لا يثبت إلا بتصديق مدعي الأكبر، وفي الاستحسان يثبت. وجه القياس أن الجارية صارت أم ولد لمدعي الأكبر؛ لثبوت نسب الأكبر منه، فمدعي الأصغر يدعي ولد أم ولد الغير، وَمَنِ ادعى ولد أم ولد الغير لا يثبت نسبه منه، إلا بتصديقه، ولم يوجد . وجه الاستحسان أن مدعي الأكبر غير مدعي الأصغر؛ حيث أخر الدعوة إلى دعوته، فصار مدعي الأصغر بتأخير دعوة الأكبر مغروراً من جهته، وولد المغرور ثابت النسب، حر بالقيمة، وعلى مدعي الأصغر العقر لمدعي الأكبر، لكن نصف العقر أو كله ففيه اختلاف الروايتين، والتوفيق بينهما ممكنٌ؛ لأن رواية نصف العقر على مدعي الأصغر جواب حاصل ما عليه من العقر بعد القصاص وهو النصف، ورواية الكل بيان ما عليه قبله؛ لأن مدعى الأكبر قد غرم نصف العقر لمدعي الأصغر، فالنصف بالنصف يلتقيان قصاصاً، فلا يبقى على مدعي الأصغر بعد المقاصة إلا النصف، فأمكن التوفيق بين الروايتين من هذا الوجه، وعلى مدعي الأصغر قيمة الولد الأصغر، لأنه ولد المغرور، وولد المغرور حُرِّ بالقيمة بإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم / . فإذن على مدعي الأصغر نصف العقر وكل قيمة الولد، وعلى مدعي الأكبر نصف قيمة الجارية؛ لصيرورتها أم ولد له، فيصير نصف قيمة الجارية الذي على مدعي الأكبر قصاصاً بنصف العقر، وقيمة الولد الذي على مدعي الأصغر ويترادان الفضل. ب ٤٧٤ کتاب الدعوى هذا إذا خرجت الدعوتان جميعاً معاً، فادعى أحدهما الأكبر، والآخر الأصغر، فأما إذا سبق أحدهما بالدعوة، فإن ادعى السابق بالدعوة الأكبر أولاً . فقد ثبت نسب الأكبر منه، وعتق وصارت الجارية أم ولد له، وغرم لشريكه نصف قيمة الجارية، ونصف العقر، بعد ذلك إذا ادعى الآخر الأصغر، فقد ادعى ولد أم ولد الغير، فلا بد من التصديق لثبات النسب، فإن صدقه ثبت النسب ويكون على حكم أمه، وإن كذبه لا يثبت النسب، هذا إذا ادعى السابق بالدعوة الأكبر أو لا . فأما إذا ادعى الأصغر أولاً، ثبت نسب الأصغر منه، وعتق، وصارت الجارية أم ولد له، وضمن نصف قيمتها. ونصف عقرها لشريكه الآخر، والأكبر يعد رقيق بينهما؛ لأنه ولد جارية مملوكة بينهما لم يدعه أحد، فإذا ادعاه الشريك الآخر بعد ذلك، صار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما عتق نصيبه، وثبت نسبه منه والشريك الآخر بالخيار: إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه إن كان موسراً، وإن كان معسراً فله خيار الإعتاق والاستسعاء لا غير وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما إن كان موسراً فله تضمين الموسر لا غير، وإن كان معسراً له الاستسعاء على ما علم(١) في ((كتاب العتاق)). ولو قال أحدهما: الأكبر ابني والأصغر ابن شريكي، ثبت نسب الأكبر منه، وصارت الجارية أم ولد له، وضمن نصف قيمة الجارية ونصف العقر لشريكه، والأصغر ولد أم ولده، أقر بنسبه لشريكه، فإن صدقه شريكه ثبت نسبه منه ولا يعتق، وإن كذبه لا يثبت النسب؛ وكذلك لو قدم وأخر، بأن قال الأصغر: ابني والأكبر ابن شريكي ثبت نسب/ الأصغر منه. [ونسب الأکبر موقوف علی تصدیق شریکه. ولو قال أحدُهما الأصغر ابني والأكبر ابن شريكي، أو قدم وأخر، فقال: الأكبر ابن شريكي والأصغر ابني، ثبت نسب الأصغر منه، وعتق، وصارت الجارية أم ولد له، وعتق، وضمن لشريكه نصف قيمة الجارية ونصف العقر، ونسب الأكبر موقوف على تصديق شريكه، فإن صدقه ثبت النسب منه، ويغرم لمدعي الأصغر نصف قيمة الأكبر، وإن كذبه صار كعبد بين شريكين شهد أحدهما على صاحبه بالإعتاق، وكذبه صاحبه؛ [لما علم في ((كتاب العتاق))](٢). ولو ولدت جارية في يد إنسان ثلاثة أولاد، فادعى أحدهم فنقول: (٣) لا يخلو إما إن ولدوا في بطن واحد، وإما إن ولدوا في بطون مختلفة، ولا يخلو إما أن ادعى أحدهم بعينه، (١) في ب: عرق. (٢) في ب: على ما عرف في مسائل الإعتاق. (٣) في ب: فهذا. ٤٧٥ کتاب الدعوى وإما أن ادعى أحدهم بغير عينه، فإن ولدوا في بطن واحد فادعى أحدهم بغير عينه، فقال: أحد هؤلاء ابني، أو عَيِّنَ واحداً منهم، فقال هذا ابني، عتقوا، وثبت نسب الكل منه؛ لأن من ضرورة ثبوت نسب أحدهم ثبوت نسب الباقين؛ لأنهم توأم علقوا من ماء واحد، فلا يفصل بين البعض والبعض في النسب، وإذا ثبت نسبهم صارت الجارية أم ولد له. هذا إذا ولدوا في بطن واحد، وأما إذا ولدوا في بطون مختلفة، فقال: الأكبر ولدي، ثبت نسبه(١) منه، وصارت الجارية أم ولد له، وهل يثبت نسب الأوسط والأصغر، القياس أن يثبت، وهو قول زفر - رحمه الله -، ويكون حكمهما حكم الأم، وفي الاستحسان لا يثبت. وَجْهُ القياس ظاهرٌ؛ لأنه لما ثبت نسب الأكبر فقد صارت الجارية أم ولد له، فكان الأوسط والأصغر ولد أم الولد، وولد أم الولد يثبت نسبه من مولاها من غير دعوة ما لم يوجد النفي منه، ولم يوجد. وَجْهُ الاستحسان أن النفي فيه وإن لم يوجد نصًّا فقد وجد دلالة، وهو الإقدام على تخصيص أحدهم بالدعوة، فإن ذلك دليل نفي البواقي؛ إذ لو لم يكن كذلك لم يكن لتخصيص البعض مع استواء الكل في استحقاق الدعوة معنى. هذا إذا ادعى الأكبر، فأما إذا ادعى الأوسط، فهو حر ثابت النسب منه، وصارت الجارية أم ولد له، والأكبر رقيق؛ لأنه ولد على ملكه، ولم يدعه أحد، وهل يثبت نسب الأصغر/ فهو ب على ما ذكرنا من القياس والاستحسان. هذا إذا ادعى الأوسط، فأما إذا ادعى الأصغر فهو حُرِّ ثابت النسب، والجارية أم ولد له، والأكبر والأوسط رقيقان؛ لما ذكرنا. هذا إذا ادعى أحدهم بعينه، فأما إذا ادعى بغير عينه فقال: أحد هؤلاء ابني، فإن بين فالحكم فيه ما ذكرنا، وإن مات قبل البيان عتقت الجارية بلا شك؛ لأنه لما ادعى نسب أحدهم فقد أقر أن الجارية أم ولد له، وأم الولد تعتق بموت السيد. وأما حكم الأولاد في العتق فقد ذكرنا الاختلاف فيه بين أبي حنيفة وصاحبيه - رضوان الله تعالى عليهم - في ((كتاب العتاق)). عبدٌ صغير بين اثنين، أعتقه أحدهما ثم ادعاه الآخر، ثبت نسبه منه عند أبي حنيفة - رحمه الله - ونصف ولائه للآخر، وعندهما لا يثبت نسبه؛ بِنَاءً على أن الإعتاق يتجزأ (١) في ب: نسب الأكبر. ٤٧٦ کتاب الدعوى عنده(١)، فيبقى نصيب المدعي على ملكه، فتصح دعوته فيه، وعندهما لا يتجزأ ويعتق الكل؛ فلم يبق للمدعي فيه ملك، فلم تصح دعوته، وإن كان العبد كبيراً فكذلك عنده؛ لما ذكرنا أنه يبقى الملك له في نصيبه، وعندهما إن صدقه العبد ثبت النسب، وإلا فلا؛ لأنه عتق كله بإعتاق البعض، فلا بد من تصديقه. ويخرج على الأصل الذي ذكرنا دعوة العبد المأذون ولد جارية من إكسابه؛ أنها تصح، ويثبت نسب الولد منه؛ لأن ملك اليد ثابت له، وأنه كاف لثبات النسب، ولو ادعى المضارب ولد جارية المضاربة، لم تصح دعوته، إذا لم يكن في المضارب ربح؛ لأنه لا بد لثبات النسب من ملك، لا ملك للمضارب أصلاً لا ملك الذات ولا ملك اليد إذا لم يكن في المضاربة ربح. وَلَوِ ادَّعَى ولداً من جارية لمولاه، ليس من تجارته، وادعى أن مولاها أحلها له أو زوجها منه - لا يثبت نسبه منه إلا بتصديق المولى؛ لأنه أجنبي عن ملك المولى؛ لانعدام الملك له فيه أصلاً، فالتحق بسائر الأجانب إلا في الحد، فإن كذبه المولى ثم عتق فملك الجارية بوجه من الوجوه، نفذت دعوته؛ لأنه أقر بجهة مصححة للنسب، لكن توقف نفاذه لحق المولى، وقد زال. ولو تَزَوَّجَ المأذون حرة أو أمة فوطئها ثبت النسب/ منه، سواء كان النكاح بإذن المولى أو لا؛ لأن النسب ثبت بالنكاح، صحيحاً كان أو فاسداً، وعلى هذا دعوة المكاتب ولد جارية من إكسابه صحيحة؛ لأن ملك اليد والتصرف ثابت له كالمأذون. وإذا ثبت نسب الولد منه لم يجز بيع الولد ولا بيع الجارية، أما الولد فلأنه مكاتب عليه، ولا يجوز بيع المكاتب، وأما الأم فلأنه له فيها حق ملك ينقلب ذلك الحق حقيقة عند الأداء، فمنع من بيعها، والعبد المسلم والذمي سواء في دعوى النسب؛ وكذا المكاتب المسلم والذمي؛ لأن الكفر لا ينافي النسب. ويستوي في دعوته الاستيلاد وجود الملك وعدمه عند الدعوة بعد أن كان العلوق في الملك، فإن كان العلوق في غير الملك، كانت دعوته دعوة تحرير، فيشترط قيام الملك عند الدعوة، فإن كان في ملكه يصح، وإن كان في ملك غيره لا يصح إلا بشرط التصديق أو البينة، فنقول جملة الكلام فيه أن الدعوة نوعان: دعوة الاستيلاد ودعوة تحرير، فدعوة الاستيلاد هي أن يكون علوق المدعي في ملك المدعي، وهذه الدعوة تستند إلى وقت العلوق، وتتضمن (١) في ب: عند أبي حنيفة. 1 ٤٧٧ كتاب الدعوى الإقرار بالوطء، فيتبين أنه علق حُرًّا، ودعوة التحرير هو أن يكون علوق المدعي في غير ملك [المدعي] (١) وهذه الدعوة تقتصر على الحال، ولا تتضمن الإقرار بالوطء لعدم الملك(٢) وقت العلوق. وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا ولدت جارية في ملك رجل لستة أشهر فصاعداً، فلم يدع الولد حتى باع الأم والولد، ثم ادعى الولد، صحت دعوته، ويثبت النسب منه، وعتق، وظهر أن الجارية أم ولد له، ويبطل البيع في الجارية وفي ولدها، وهذا استحسان. وفي القياس أن لا تصح دعوته، ولا يثبت النسب لعدم الملك وقت الدعوة. وجه الاستحسان أن قيام الملك وقت الدعوة ليس بشرط لصحة هذه الدعوة، بل الشرط أن يكون علوق الولد في الملك؛ لأن هذه الدعوة تستند إلى وقت العلوق، فإذا كان علوق الولد في ملك المدعي فقد ثبت له حق استحقاق النسب، وأنه لا يحتمل البطلان، كما لا يحتمل حقيقة النسب، فلم يبطل البيع وصحت دعوته، وظهر أن الجارية كانت أم ولد [له](٣) فلم يصح بيعها وبيع ولدها، [فيردها وولدها](٤)، ويرد الثمن، ولو لم يدعه البائع حتى خرج عن ملك المشتري بوجه من الوجوه، ينظر إن كان ذلك يحتمل الفسخ يفسخ، وإن لم يحتمله لا يفسخ إلا لضرورة، فنقول: بيانه إذا كان المشتري باع الولد أو وهبه أو رهنه أو آجره أو كاتبه، فادعاه البائع، نقض ذلك وثبت النسب؛ لأن هذه التصرفات مما يحتمل الفسخ والنقض. وكذلك لَوْ كَانَ المشتري باع الأم أو كاتبها أو رهنها أو آجرها أو زوجها لما قلنا، ولو كان أعتقها أو أعتق الولد، لم تصح دعوة البائع؛ لأن العتق بعد ثبوته لا يحتمل البطلان إلا لضرورة؛ لأنه يعقبه أثراً لا يحتمل البطلان، وهو الولاء؛ وكذلك لو مات الولد أو قتل؛ لأن الميت مستغن عن النسب؛ وكذلك لو كان المشتري باع الولد فأعتقه المشتري أو دبره أو مات عنده، لم تصح دعوة البائع لما قلنا. ولو كان المشتري أعتق الأم أو دبرها دون الولد، صحت دعوته في الولد ولم تصح في الأم، وفسخ البيع في الولد، ولا يفسخ في الأم؛ لأن المانع من الفسخ خص الأم ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأن أمومية الولد ليست من لوازم ثبات النسب، بل تنفصل عنه في الجملة؛ كمن استولد جارية الغير بالنكاح، يثبت نسب الولد منه، ولا تصير الجارية أم ولد له للحال، (١) في ب: لعدم تصور الاستيلاد لعدم الملك. (٢) سقط من ط. (٣) في ب: فيسترد الجارية والولد. ٠٠ ٤٧٨ کتاب الدعوى إلا أن يملكها بوجه من الوجوه، وإذا فسخ البيع في الولد يرد البائع من الثمن حصة الولد، فيقسم الثمن على قدر قيمتهما، فتعتبر قيمة الأم يوم العقد، وقيمة الولد يوم الولادة؛ لأنه إنما صار ولداً بالولادة، فتعتبر قيمته يومئذ، فيسقط قدر قيمة الأم، ويرد قدر قيمة الولد. ولو كانت قطعت يد الولد عند المشتري، وأخذ أرشها، ثم ادعاه البائع، ثبت نسبه وسلم الأرش للمشتري؛ لأن هذه دعوة الاستيلاد، وأنها تستند إلى وقت العلوق، ومن شأن أ المستند أن يثبت للحال، أولاً، ثم يستند/ فيستدعي قيام المحل للحال؛ لاستحالة ثبوت الحكم في الهالك واليد المقطوعة هالكة، فلا يمكن تصحيح الدعوة فيها بطريق الاستناد، ويسقط عن البائع من الثمن حصة الولد؛ لأنه سلم البدل للمشتري، وهو الأرش. ولو ماتت الأم ثم ادعى البائع الولد، صحت دعوته، وثبت النسب؛ لأن محل النسب قائم وهو الولد، وأمومية الولد ليست من لوازم ثبوت النسب؛ لما تقدم، فثبت نسب الولد، وإن لم تصر الجارية أم ولد له، وهل يرد جميع الثمن؟ عن أبي حنيفة نعم، وعندهما(١) لا يرد إلا قدر قيمة الولد، فتعتبر القيمتان ويقسم الثمن على قدر قيمتهما، فما أصاب قيمة الأم يسقط، وما أصاب قيمة الولد يرد؛ لأنه ظهر أن الجارية أم ولده، ومن باع أم ولده ثم هلكت عند المشتري، لا تكون مضمونة عليه عنده(٢)، وعندهما تكون مضمونة عليه. ولقب المسألة أن أم الولد غير متقومة؛ من حيث إنها مال عنده، وعندهما متقومة، وهي من مسائل العتاق. وعلى هذا إذا باعها والحمل غير ظاهر، فولدت في يد المشتري لأقل من ستة أشهر، فادعاه البائع . وعلى هذا إذا حملت الجارية في ملكه فباعها وهي حامل، فولدت عند المشتري لأقل من ستة أشهر، فادعاه البائع . هذا إذا ولدت ولداً، فأما إذا ولدت ولدين في بطن واحد، فادعى البائع، فإن ادعاهما ثبت نسب الولدين منه، وهذا ظاهر. وكذا إذا ادعى أحدهما، صحت دعوته، ولزمه الولدان جميعاً؛ لما مر أن التوأمين لا يحتملان الفصل في النسب، لانخلاقهما من ماء واحد، فإن ولدت أحدهما لأقل من ستة، والآخر لأكثر من ستة أشهر، فادعى أحدهما ثبت نسبهما، ويجعل كأنهما ولدتهما جميعاً عند البائع لأقل من ستة أشهر؛ لأنهما كانا جميعاً في البطن وقت البيع. (١) في ب: وعند أبي يوسف ومحمد. (٢) في ب: عند أبي حنيفة. ٤٧٩ كتاب الدعوى ولو ولدتهما عند البائع، فباع أحد الولدين مع الأم، ثم ادعى الولد الذي عنده، ثبت نسبه ونسب الولد المبيع أيضاً، سواء كان المشتري ادعاه أو أعتقه؛ لما ذكرنا أنهما لا يحتملان الفصل في ثبات النسب، فمن ضرورة ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر. وكذلك لو ولدتهما عند المشتري، فأعتق أحدهما ثم ادعى البائع الآخر، ثبت/ نسبهما ب جميعاً، وينتقض العتق ضرورة؛ فرقاً بين الولد وبين الأم أنه لو كان أعتق الأم فادعى البائع الولد، لا ينتقض العتق في الأم، وينتقض في الولد؛ لأن العتق لا يحتمل الفسخ مقصوداً، وإنما يحتمله للضرورة، وفي الولد ضرورة عدم الاحتمال للانفصال في النسب، ولا ضرورة في الأم؛ لما ذكرنا أن أمومية الولد تنفصل عن إثبات النسب في الجملة. ولو قطعت يد أحد الولدين، ثم ادعاهما البائع، ثبت نسبهما، وكان الأرش للمشتري لا للبائع، إلا أن يقيم البائع البينة على الدعوة قبل البيع، فتكون له؛ لما ذكرنا أن ما ثبت بطريق الاستناد ثبت في الحال ثم يستند فيستدعي قيام المحل للحال، واليد المقطوعة هالكة فلا يظهر أثر الدعوة فيها، ولو قتل أحدهما ثم ادعاهما البائع ثبت نسبهما، وكانت قيمة المقتول لورثة المقتول لا للمشتري، فرقاً بين القتل والقطع. وَوَجْهُ الفرق أن محل حكم الدعوة مقصوداً هو النفس، وإنما يظهر في الأطراف تبعاً للنفس، وبالقطع انقطعت التبعية، فلا يظهر حكم الدعوة (١) فيها، فسلم الأرش للمشتري، ونفس كل واحد من التوأمين أصل في حكم الدعوة، فمتى صحت في أحدهما تصح في الآخر. وإن كان مقتولاً ضرورة أنه لا يتصور الفصل بينهما في النسب، ومتى صحت الدعوة استندت إلى وقت العلوق؛ لأنها دعوة الاستيلاد، فتبين أنهما علقا حرين، فكان ينبغي أن تجب الدية لورثة المقتول لا القيمة، إلا أنه وجبت القيمة؛ لأن صحة هذه الدعوة بطريق الاستناد، والمستند يكون ظاهراً من وجه مقتصراً على الحال من وجه، فعملنا بالشبهين، فأوجبنا القيمة عملاً بشبه الاقتصاد، وجعلنا الواجب لورثة المقتول عملاً بشبه الظهور؛ عملاً بالدليلين بقدر الإمكان، وكذلك لو أعتق المشتري أحدهما ثم قتل وترك ميراثاً، فأخذ ديته وميراثه بالولاء، ثم ادعى البائع الولدين، فإنه يقضي بالحي وأمه للبائع، ويثبت نسب الولد المقتول منه، ويأخذ الدية والميراث من المشتري؛ لما قلنا/ . هذا إذا ولدت في يد المشتري لأقل من ستة أشهر من وقت البيع، فإن ولدت لستة أشهر فصاعداً، لم تصح دعوة البائع، إلا أن يصدقه المشتري؛ لأنا لم نتيقن بالعلوق في الملك، فلم (١) في ب: التبعية . ٤٨٠ کتاب الدعوى يمكن تصحيح هذه الدعوة دعوة استيلاد، فتصحح دعوة تحرير، ويشترط لصحة هذه الدعوة قيام الملك للمدعي وقت الدعوة، ولم يوجد، فلا تصح إلا إذا صدقه المشتري فتصح؛ لأنه أقر بنسب عبد غيره، وقد صدقه الغير في ذلك، فثبت نسبه، ويكون عبداً لمولاه. ولو ادعى المشتري نسبه بعد تصديقه البائع، لم يصح؛ لما مر أن النسب متى ثبت الإنسان في زمان لا يتصور ثبوته من غيره بعد ذلك، هذا كله إذا كانت الدعوى من البائع، فإن كانت من المشتري وقد ولدت لأقل من ستة أشهر، صحت دعوته، وثبت النسب؛ لأن هذه دعوة تحرير لا دعوة استيلاد؛ لتيقننا أن العلوق لم يكن في الملك، فيستدعي قيام الملك وقت الدعوة، وقد وجد، فلو ادعاه البائع بعد ذلك لا تسمع دعوته، لما مر أن إثبات نسب ولد واحد من اثنين على التعاقب يمتنع، ولو ادعاه البائع والمشتري معاً، فدعوة البائع أَولَى؛ لأن دعوته دعوة استيلاد، لوقوع العلوق في الملك، وأنها تستند إلى وقت العلوق، ودعوة المشتري دعوة تحرير لوقوع العلوق في غير الملك بيقين، وأنها تقتصر على الحال، والمستند أولى؛ لأنه سابق في المعنى، والأسبق أولى؛ كرجلين ادعيا تلقي الملك من واحد، وتاريخ أحدهما أسبق، كان الأسبق أولى؛ كذا هذا. وعلى هذا إذا ولدت أمة رجل ولداً في ملكه لستة أشهر فصاعداً، فادعاه أبوه، ثبت نسبه منه، سواء ادعى شبهة أو لا، صدقه الابن في ذلك أو كذبه؛ لأن الإقرار بنسب الولد إقرار بوطء الجارية، والأب إذا وطىء جارية ابنه من غير نكاح، يصير متملكاً إياها لحاجته إلى نسب ولد يَخْيَا به ذِكْرُهُ، ولا يثبت النسب إلا بالملك، وللأب ولاية تملك مال ابنه عند حاجته إليه. ألا ترى أنه يتملك ماله عند حاجته إلى الإنفاق على نفسه/ ؛ كذا هذا. ب إلاَّ أن هناك يتملك بغير عوض، وهنا بعوض، وهو قيمة الجارية لتفاوت بين الحاجتين؛ إذ الحاجة هناك إلى إبقاء النفس، والحاجة هنا إلى إبقاء الذكر والاسم، والتملك بغير عوض أقوى من التملك بعوض؛ لأن ما قابله عوض كان تملكاً صورة لا معنى؛ وقد دفع الشارع كل حاجة بما يناسبها، فدفع حاجة استيفاء المهجة بالتملك بغير بدل، وحاجة استيفاء الذكر بالتملك ببدل؛ رعاية للجانبين، جانب الابن وجانب الأب، وتصديق الابن ليس بشرط، فسواء صدقه الابن في الدعوى والإقرار أو كذبه يثبت النسب، فرقاً بين هذا وبين المولى إذا ادعى ولد أمة مكاتبه؛ أنه لا يثبت نسبه منه إلا بتصديق المكاتب. ووجه الفرق ظاهر؛ لأنه لا ولاية للمولى على مال المكاتب، فكان أجنبيًّا عنه، فوقعت الحاجة إلى تصديقه، وللأب ولاية على مال ابنه، فلا يحتاج إلى تصديقه لصحة هذه الدعوة؛ لكن من شرط صحة هذه الدعوة كون الجارية في ملك الابن من وقت العلوق إلى وقت الدعوة، حتى لو اشتراها الابن فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر، فادعاه الأب - لا تصح