Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كتاب الدعوى عليه قوي، لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفى منه باليمين، وهي حجة ضعيفة، لأن الحالف يجلب لنفسه النفع = ويدفع عنها الضرر فكان ذلك في غاية الحكمة. فإذا ما شهد شاهد فقد قوي جانب المدعي فتكون اليمين من جهته. إذْ إنها تكون من جانب أقوى المتداعيين. ويرد على استدلالهم بقول الرسول وَله: ((لَوْ أَعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ)». أنه لم يعط بدعواه؟ وإنما أعطى بالشاهد، واليمين تقوية لهذا الشاهد، ولذا لو رجع الشاهد كان الضمان كله عليه . يرد على الاستدلال بحديث شاهداك أو يمينه، أنه لا يدل على عدم جواز الحكم بشاهد ويمين إلا بالمفهوم، والمانعون لا یقولون به . الإجابة عما ورد على الأدلة. أجيب عما ورد على سند الأحاديث التي استدل بها المجوزون: أنَّها رويت من طرق كثيرة بعضها صحيح لا مطعن فيه ورواها نَيِّفٌ وعشرون صحابياً. وخرَّج مسلم رواية الشاهد واليمين. وأما كونها محتملة فقد رد على ذلك ابن العربي بقوله: ((وأظرف ما وجدت لهم في رد الشاهد واليمين أمران. أحدهما أن المراد قضى بيمين المنكر مع شاهد الطالب. والمراد أن الشاهد الواحد لا يكفي في ثبوت الحق فيجب اليمين على المدعى عليه. فهذا المراد بقوله قضى بالشاهد واليمين وتعقبه ابن العربي بأنه جهل باللغة، لأن المعية تقتضي أن تكون من شيئين في جهة واحدة لا في المتضادين. ثانيهما حمله على صورة مخصوصة، وهي أنَّ رجلاً اشترى عبداً فادعى المشتري أن به عيباً، وأقام شاهداً واحداً فقال البائع: بعته بالبراءة فيحلف المشتري أنه ما اشتراه بالبراءة، ويرد العبد. وتعقبه بأنها صورة نادرة، ولا يحمل الخبر على النادر. هذا ما أجيب به عما ورد على أدلة المجوزين؟ ولم يجب أحد فيما نعلم عما ورد على أدلة المانعين. وانتصار المذهب المجوزين. قال أبو عبيد إنَّ القضاء بشاهد، ويمين هو الذي يختاره اقتداء برسول اللهِ وَلّ واقتصاصاً لأثره. وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه. والسنة مفسرة للكتاب ومترجمة عنه. وعلى هذا كثير من الأحكام التي أخذنا بها نحن، ومن خالفنا في الشاهد واليمين كقوله وله: ((لاً وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)) والرجم على المحصن؟ والنهي عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، والتحريم من الرضاع ما يحرم من النسب. وقطع الموارثة بين أهل الإسلام، والكفر، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وعدم قتل الوالد بالولد ... في شرائع كثيرة لا يوجد لفظها في ظاهر الكتاب، ولكنها سنن شرعها رسول الله ◌َّيه - فعلى الأمة اتباعها كاتباع الكتاب، وكذلك الشاهد واليمين لما قضى رسول الله وَلّ بهما. وإنَّما في الكتاب فرجل وامرأتان، فعلم أنَّ ذلك إذا وجدتا، فإذا عدمتا قامت اليمين مقامهما. كما علم حين مسح النبي ◌َّله على الخفين أن قوله تعالى: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ معناه: أن تكون الأقدام بادية، وكذلك لما رجم المحصن في الزنى علم أن قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا مَائِةَ جَلْدة﴾. للبكرين، وكذلك ما ذكرنا من السنن فما بال الشاهد، واليمين ترد من بينها. وقال ابن تيميَّة. القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم. وإنَّما ذكر هذين النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه. ثم قال: وما تحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم شيء آخر. فإنَّ طرق الحكم أوسع من الشاهدين والرجل والمرأتين = ٤٢٢ كتاب الدعوى فإنَّ الحاكم يحكم بالنكول، ولا ذكر له في القرآن. فإن كان الحكم بشاهد ويمين مخالفاً لكتاب الله = فالحكم بالنكول أشد مخالفة. وقال الرَّبيع: قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولاً أسرف فيه على نفسه قال: أرد حكم من حكم بهما، لأنه مخالف القرآن. فقلت له: الله أمر بشاهدين، أو شاهد وأمرأتين؟ قال نعم. فقلت أحتم من الله ألا يجوز أقل من شاهدين؟ قال: فإن قلت. قلت فقله. قال قد قلته. قلت: وتجد في الشاهدين اللذين أمر الله بهما حداً. قال نعم. حران مسلمان بالغان عدلان. قلت: ومن حكم بدون ما قلت. خالف حكم الله. قال: ((نعم)) قلت له: إنْ كان كما زعمت فقد خالفت حكم الله قال وأين؟ قلت أجزت شهادة أهل الذُّمَّةِ. وهم غير الذين شرط الله أن تجوز شهادتهم. وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة، وهذان وجهان أعطيت بهما من جهة الشهادة؛ ثم أعطيت بغير شهادة في القسامة وغيرها، قلت: والقضاء بالشاهد، واليمين ليس يخالف حكم الله، بل هو موافق لحكم الله إذْ فرض الله طاعة رسوله فاتبعت رسول الله ﴾﴿ فعن الله سبحانه وتعالى - قبلت كما قبلت عند رسوله. وقال الشوكاني؛ إن جميع ما أورده المانعون من الحكم بشاهد ويمين. غير نافق في سوق المناظرة. عند من له إلمام بالمعارف العلمية. وأقل نصيب من إنصاف فالحق أن أحاديث العمل بشاهد ويمين زيادة على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾. وعلى ما دل عليه قوله ◌َّارِ. شاهداك أو يمينه. غير منافية للأصل. فقبولها متحتم. وغاية ما يقال على فرض التعارض. وإن كان فرضاً فاسداً أن الآية والحديث المذكورين يدلان بمفهوم العدد على عدم قبول الشاهد واليمين، والحكم بمجردهما، وهذا المفهوم المردود عند أكْثَرِ الأصوليين لا يعارض المنطوق. وهو ما ورد في أحاديث العمل بشاهد ويمين على أنه يقال العمل بشهادة المرأتين مخالف لمفهوم شاهداك أو يمينه. فإن قالوا: قَدَّمْنَا على هذا المفهوم منطوق الآية الكريمة قلنا: ونحن قدمنا على ذلك المفهوم منطوق أحاديث الباب هذا على فرض أن الخصم يعمل بمفهوم العدد، فإن كان لا يعمل به، فالحجة عليه أوضح وأتم. بعد أن ذكرنا أدلة الطرفين وما نوقشت به. لا يسعنا إلا أن نقول أن الحكم بشاهد ويمين جائز. إذ يبعد كثيراً أن يختلق أولئك الرواة العديدون على رسول الله ◌َفي الحكم بشاهد ويمين. وأيضاً فقد يحصل أن يتعامل بعض الناس ولا يحضره إلا شاهد واحد. أفي مثل هذه الصورة نقول للمدعي إنك قصرت حيث لم تستشهد شاهدين؟ ولذلك قد ضاع حقك. وذهب مالك أم أن العدل كل العدل أن يقضي بالشاهد واليمين في مثل هذا اقتداء برسول الله . نعم إن الزهري قال في الشاهد واليمين إن هذا بدعة. وأول من أجازه معاوية والزهري من أعلم أهل المدينة في وقته. فلو كان خبر الشاهد واليمين ثابتاً لما خفي عليه. ولكن العقل يجوز أن يخفي الخبر على الزهري مع مكانته العلمية ولا يجوز أن يخطأ نيف وعشرون صحابياً. منهم الخلفاء الأربعة رضوان الله علیهم. فالحق كما يبدو لنا أن الحكم بشاهد ويمين جائز. والمصلحة داعية إلى الأخذ بهما. هذا ومما نستنكره أن من الأئمة الأجلاء والعلماء الباحثين في هذا الموضوع من وجه إلى مخالفيهم الحنفية ومن وافقهم ألفاظاً تنقص من مكانتهم العلمية . قال الإمام مالك. بعد أن سرد أن الحكم بشاهد ويمين حكم به الصحابة. قال وإنه ليكفي من ذلك ما = ٤٢٣ کتاب الدعوى احتج بما رُوِيَ عن رسول الله - وَرَ -: (أَنَّهُ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمينٍ))(١)؛ ولأن الشهادة إنما مضى من عمل السنة أترى هؤلاء تنقض أحكامهم. ويحكم ببدعتهم. هذا إغفال شديد. ونظر غير = سدید . ويقول القرطبي رد على المانعين. وهذا كله غلط وظن لا يغني من الحق شيئاً وليس من نفى وجهل كمن أثبت وعلم. ويقول ابن العربي أنه جهل باللغة . ولئن جاز في عرف البسطاء أن ينالوا من مخالفيهم. وأن ينقصوا من أقدارهم. أثناء بحثهم ونقاشهم. ما كان يجوز مطلقاً أن يحصل هذا ممن لهم منزلتهم ومكانتهم. ينظر البينة لشيخنا محمد جاب الله. (١) أخرجه مسلم (١٣٣٧/٣) كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين والشاهد حديث (١٧١٢/٣) وأبو داود (٣٢/٤) كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين والشاهد حديث (٣٦٠٨) والنسائي في ((الكبرى)) (٤٩٠/٣) كتاب القضاء: باب الحكم باليمين مع الشاهد الواحد حديث (٦٠١١) وابن ماجه (٧٩٣/٢) كتاب الأحكام: باب القضاء بالشاهد واليمين حديث (٢٣٧٠) وأحمد (٢٤٨/١، ٣١٥، ٣٢٣) والشافعي (٢/ ١٧٨) كتاب الأقضية رقم (٦٢٧، ٦٢٨) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (١٠٠٦) وأبو يعلى (٣٩٠/٤) رقم (٢٥١١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٤/٤) كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين مع الشاهد، والبيهقي (١٦٧/١٠) كتاب الشهادات: باب القضاء باليمين مع الشاهد والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٠/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: ((أن رسول الله (َّلو قضى باليمين مع الشاهد)). وهذا الحديث قد طعن فيه الطحاوي فقال في ((شرحه)): أما حديث ابن عباس فمنكر لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء فكيف يحتجون به في مثل هذا اهـ. وقد رد عليه البيهقي فقال في ((المعرفة)» (٤٠١/٧ - ٤٠٢): ورأيت أبا جعفر الطحاوي رحمنا الله وإياه أنكره واحتج بأنه لا يعلم قيساً يحدث عن عمرو بن دينار بشيء والذي يقتضيه مذهب أهل الحفظ والفقه في قبول الأخبار ما كان قيس بن سعد ثقة والراوي عنه ثقة ثم يروي عن شيخ يحتمله سنه ولقيه غير معروف بالتدليس كان ذلك مقبولاً وقيس بن سعد مكي وعمرو بن دينار مكي وقد روى قيس عن من هو أكبر سناً وأقدم موتاً عن عمرو: عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر، وروي عن عمرو من كان في قرن قيس وأقدم لقيامه: أيوب بن أبي تميمة السختياني فإنه رأى أنس بن مالك وروى عن سعيد بن جبير ثم روى عن عمرو بن دينار فمن أين إنكار رواية قيس عن عمرو غير أنه روي عنه ما يخالف مذهب هذا الشيخ ولم يمكنه أن يطعن فيه بوجه آخر فزعم أنه منكر. وقد روى جرير بن حازم وهو من الثقات عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلاً وقصته ناقته وهو محرم فذكر الحديث، فقد علمنا قيساً روى عن عمرو بن دينار غير حديث اليمين مع الشاهد فلا يضرنا جهل غيرنا. ثم تابع قيس بن سعد على روايته هذه عن عمرو محمد بن مسلم الطائفي اهـ. قلت: والمتابعة التي أشار إليها البيهقي. أخرجها أبو داود (٣٢/٤) كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين والشاهد حديث (٣٦٠٩) والبيهقي (١٠/ ١٦٨) كتاب الشهادات: باب القضاء باليمين مع الشاهد وفي ((المعرفة)) (٤٠٢/٧). = وفي الباب عن أبي هريرة وزيد بن ثابت وجابر وسعد بن عبادة حديث أبي هريرة. ٤٢٤ کتاب الدعوى أخرجه أبو داود (٣٤/٤) كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين والشاهد حديث (٣٦١٠) والترمذي (٣/ = ٦٢٧) كتاب الأحكام: باب اليمين مع الشاهد حديث (١٣٤٣) وابن ماجه (٢/ ٧٩٣) كتاب الأحكام: باب القضاء بالشاهد واليمين حديث (٢٣٦٨) والشافعي (١٧٩/٢) كتاب الأقضية: باب (١) حديث (٣٨) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (١٠٠٧) وأبو يعلى (٣٦/١٢) رقم (٦٦٨٣) والدارقطني (٢١٣/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٣٣) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٤/٤) كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين مع الشاهد، والبيهقي (١٦٨/١٠ - ١٦٩) كتاب الشهادات: باب القضاء باليمين مع الشاهد، والبغوي في ((شرح السنة» (٣٤١/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي وَّ قضى باليمين مع الشاهد. قال الترمذي: حسن غريب. وقال أبو داود: وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث قال: أخبرني الشافعي عن عبد العزيز قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وكان قد أصابت سهيلاً علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عن أبيه اهـ. ومنه نعلم أن سهيل بن أبي صالح حدث به ونسي وهذا لا يضر في صحة الحديث. قال الحافظ في «الفتح» (٢٨٢/٥): ومنها حديث أبي هريرة أن النبي ◌َّ قضى باليمين مع الشاهد ((وهو عند أصحاب السنن ورجاله مدنيون ثقات ولا يضره أن سهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدث به ربيعة لأنه كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة عن نفسه وقصته بذلك مشهورة في سنن أبي داود وغيرها)) اهـ. وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة. أخرجه البيهقي (١٦٩/١٠) كتاب الشهادات: باب القضاء باليمين مع الشاهد، من طريق مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لر قضى باليمين مع الشاهد. وأسند البيهقي عن أحمد أنه قال: ليس في هذا الباب حديث أصح من هذا. حديث زيد بن ثابت . أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٥٠/٥) رقم (٤٩٠٩) والبيهقي (١٧٢/١٠) كلاهما من طريق عثمان بن) الحكم الجذامي حدثني زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت أن النبي رَله قضى باليمين مع الشاهد. والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٠٥/٤) وقال: وفيه عثمان بن الحكم الجذامي قال أبو حاتم: ليس بالمتقن وبقية رجاله ثقات. حديث جابر. أخرجه أحمد (٣٠٥/٣) والترمذي (٦٢٨/٣) كتاب الأحكام: باب اليمين مع الشاهد حديث (١٣٤٤) وابن ماجه (٧٩٣/٢) كتاب الأحكام: باب القضاء بالشاهد واليمين حديث (٢٣٦٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٤/٤ - ١٤٥) والدارقطني (٢١٢/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٢٩) وابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٠٨) والبيهقي (١٧٠/١٠) كتاب الشهادات: باب القضاء باليمين مع الشاهد من طريق عبد الوهاب الثقفي ثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله وم ير قضى باليمين مع الشاهد = ٤٢٥ کتاب الدعوى كانت حجة المدعي لكونها مرجحة جنسية الصدق على جنسية الكذب في دعواها الرجحان، فكما يَقَعُ بالشهادة يقع باليمين، فكانت اليمين في كونها حجة مثل البينة، فكان ينبغي أن يكتفي بها، إِلا أنه ضم إليها الشهادة نفياً للتهمة. ولنا: الحديث المشهور والمعقول، ووجه الاستدلال من وجهين: أحدهما أن النبي - عليه الصلاة والسلام - أَوْجَبَ اليمين على المدعى عليه، ولو جعلت حجة المدعي لا تبقى واجبة على المدعى عليه، وهو خلاف النص. والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام جعل كل جنس اليمين حجة المدعى عليه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر اليمين بلام التعريف، فيقتضي استغراق كل الجنس، فلو جعلت حجة وقد خولف عبد الوهاب الثقفي في هذا الحديث. = فخالفه الإمام مالك فرواه عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً أخرجه مالك (٧٢١/٢) كتاب الأقضية: باب القضاء باليمين مع الشاهد حديث (٥) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٥/٤) عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً. وقد توبع مالك على ذلك. تابعه سفيان الثوري. أخرجه الطحاوي (١٤٥/٤) وتابعه إسماعيل بن جعفر. أخرجه الترمذي (٦٢٨/٣) كتاب الأحكام: باب اليمين مع الشاهد حديث (١٣٤٥). وقال: وهذا أصح ـ يعني مرسلاً ـ اهـ. لكن عبد الوهاب لم ينفرد بوصل الحديث كما قال البيهقي: وقد روى عن حميد بن الأسود وعبد الله العمري وهشام بن سعد وغيرهم عن جعفر بن محمد كذلك موصولاً. اهـ. والدارقطني كلام ذكره في ((علله)) في ترجيح الموصول. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٠٠/٤): وقد أطال الدارقطني الكلام على هذا الحديث في ((كتاب العلل)) قال: وكان جعفر بن محمد ربما أرسل هذا الحديث وربما وصله عن جابر لأن جماعة من الثقات حفظوه عن أبيه عن جابر والقول قولهم لأنهم زادوا وهم ثقات وزيادة الثقة مقبولة اهـ. حديث سعد بن عبادة. أخرجه الترمذي (٦٢٧/٣) كتاب الأحكام: باب ما جاء في اليمين مع الشاهد حديث (١٣٤٣) والدارقطني (٢١٤/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٣٧) والبيهقي (١٧١/١٠) كتاب الشهادات: باب القضاء باليمين مع الشاهد، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: وأخبرني ابن سعد بن عبادة قال: وجدنا في كتاب سعد أن النبي ◌َّر قضى باليمين مع الشاهد. وله طریق آخر . أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٦/٦) رقم (٥٣٦١) والبيهقي (١٧١/١٠) كتاب الشهادات: باب القضاء باليمين مع الشاهد، من طريق سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده أن النبي وَّر قضى باليمين مع الشاهد. ٤٢٦ كتاب الدعوى المدعي لا يكون كل جنس اليمين حجة المدعى عليه، بل يكون من الأيمان ما ليس بحجة له، وهو يمين المدعي، وهذا خلاف النص. وأما الحديث: فقد طعن فيه يحيى بن معين، وقال: لم يصح عن رسول الله وَلّ القضاء بشاهد ويمين؛ وكذا رُوِيّ عن الزهري لما سُئل عن اليمين مع الشاهد، فقال: بدعة، وأول من قضى بهما معاوية - رضي الله عنه -، وكذا ذكر ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: كان القضاء الأول أن لا يقبل إلاَّ شاهدان، وأول مَنْ قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان، مع ما أنه ورد مورد الآحاد ومخالفاً للمشهور، فلا يقبل، وَإن ثبت أنه قضى بشاهد ويمين إما ليس فيه أنه فيه(١) قضی. وقد روي عن بعض الصحابة أنه قَضَى بشاهد ويمين في الأمان. وعندنا يجوز القضاء في بعض أحكام الأمان بشاهد واحد (٢) إذا كان عدلاً؛ بأن شهد أنه (١) في ب: فیم. (٢) ذهب القاضي شريح وزرارة بن أبي أوفى. ومعاوية إلى جواز الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا ظهر صدقه. وبهذا قال ابن القيم. وذهب الأئمة الأربعة وكثير من الفقهاء إلى عدم جواز الحكم بشهادة شاهد واحد اللهم إلا في بعض الصور. رآها بعضهم أنها من قبيل الاختيار أو الضرورة: فقيل فيها شهادة شاهد واحد. كما في رؤية هلال رمضان. وكما في المسائل التي ذكرها صاحب التبصرة في القضاء بقول رجل بانفراده وما يجري مجرى ذلك. والتي منها ما إذا تنازع المتبايعان في العيب الخفي. أو في قدم العيب وكان العيب لا يعرفه إلا أهل العلم به. كالأمراض التي تحدث بالناس. فلا يقبل فيه إلا أهل العلم به فإن وجدوا وإلا قبل غيرهم وإن كانوا غير مسلمين. ثم نقل صاحب التبصرة عن المتيطية أن الواحد منهم أو من المسلمين كاف إذ طريق ذلك الخبر لا الشهادة. ومن المسائل الاكتفاء بقول واحد في تزكية السر. لأن ذلك في الحقيقة أخبار. والخبر يكتفي فيه بالواحد . ونقل ابن القيم عن المغني ما يأتي : إذا اختلفا في الجرح هل هو موضحة أم لا أوفى قدره كالهاشمة والمنقلة والمأمومة والسمحاق أو غيرها. أو اختلفا في داء يختص بمعرفة الأطباء أو داء الدابة فظاهر كلام الخرقي أنه إذا قدر على طبيبين أو بيطارين لا يجزىء بواحد منهما. لأنه مما يطلع عليه الرجال فلم يقبل فيه شهادة رجل واحد كسائر الحقوق وإن لم يقدر على اثنين أجزأ واحد منهما لأنه حالة ضرورة فإنه لا يمكن كل أحد أن يشهد به. لأنه مما يختص به أهل الخبرة. فيجعل بمنزلة العيوب تحت الثياب تقبل فيه المرأة الواحدة فقبول قول الرجل في هذا أولى. اهـ. استدل المانعون بالنصوص التي ورد فيها تقدير العدد. ((وأشهدوا ذوي عدل منكم. فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان» . = ٤٢٧ كتاب الدعوى بينت هذه النصوص نصاب الشهادة فلا يجوز الحكم بشاهد واحد إلا إذا كان معه يمين المدعي (على = مذهب القائلين بالمشاهد واليمين) عملاً بالآثار التي وردت في الحكم بشاهد ويمين. واستدل المجوزون بما يأتي: بحديث خزيمة بن ثابت أن النبي وي *. ابتاع فرساً من أعرابي. فأسرع النبي ◌َّر المشي وأبطأ الأعرابي: فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس. ولا يشعرون أن النبي ◌َّ ابتاعه. فنادى الأعرابي رسول الله. إن كنت مبتاعاً هذا الفرس وإلا بعته. فقام النبي عليه الصلاة والسلام حين سمع نداء الأعرابي. فقال: ((أو ليس قد ابتعته منك))؟ قال الأعرابي لا والله ما بعتك. فقال النبي ((بلى قد ابتعته منك)). فطفق الأعرابي يقول هاشم شهيداً. فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي ◌َّ- على خزيمة. فقال بم تشهد؟ قال بتصديقك يا رسول الله. فجعل النبي والقر شهادة خزيمة بشهادة رجلين. ففي هذا الحديث اكتفى الرسول الأعظم وَّر بشهادة خزيمة. إذ علم صدقه. فإنه ما قال لخزيمة أحتاج معك إلى شاهد آخر. قبل النبي ◌َّلتر شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان. أجاز النبي ◌َّلتر. شهادة الشاهد الواحد في قصة السلب. ولم يطالب القاتل بشاهد آخر ولا استحلفه. قبل النبي ◌َّلير شهادة المرأة الواحدة في الرضاع - وقد شهدت على فعل نفسها. ففي الصحيحين عن عقبة ابن الحارث. قال تزوجت أم يحيى بنت أبي أهاب. فجاءت أمة سوداء. وقالت قد أرضعتكما. فذكرت ذلك للنبي وَّر. فأعرض عني. قال فتنحيت فذكرت ذلك له. قال ((فكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما))؟ ويرد على أدلة المانعين ما يأتي. إن هذه النصوص لم يرد فيها ما يمنع شهادة الواحد إذا علم صدقه بل سكتت عن حكم شهادته فبينته السنة . ويرد على أدلة المجوزين ما يأتي. يرد على حديث خزيمة أنه كان خصوصية له. ورد هذا بأن الأصل عدم الخصوصية وأنه لا معنى لأن ينفرد خزيمة بجواز شهادته وحده. مع أن في الصحابة من هو مثله. أو خير منه. فلو شهد أبو بكر وحده أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي بن كعب لكان أولى بالحكم بشهادته وحده. يرد على الاستدلال بجواز شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان. أن هذا إخبار وليس بشهادة. وأجيب بأن هذا أمر لفظي لا يقدح في الاستدلال. ويرد على الاستدلال بقصة السلب. أنه لا دلالة فيها على جواز الحكم بشاهد واحد. إذ كل ما تضمنته. أن المقر يعامل بإقراره. فالرجل الذي أقر بأن أبا قتادة قد قتل قتيلاً وإن سلبه عنده قد عامله النبي ولقد بإقراره. وألزمه بدفع السلب لأبي قتادة. ولكن يمكن أن يقال إن الحادثة تضمنت أمرين إقرار هذا الرجل بأن السلب عنده. وشهادته أن أبا قتادة قد قتل قتيلاً. فألزم النبي ◌َّير المقر بإقراره. واعتبر شهادته وحده بينة (ففي هذا الحديث يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)). هذا والذي يظهر لنا أن شهادة الواحد إذا علم صدقه جائزة في الأموال وما يماثلها. لأن البينة كما قدمنا هي كل ما يبين الحق ويظهره. فإذا استبان الحق بشهادة شاهد واحد واطمأن القاضي إلى قوله كان من العدل الحكم بشهادته وحده. ينظر البينة لشيخنا محمد جاب الله. ٤٢٨ کتاب الدعوى أمن هذا الكافر، تقبل شهادته حتى لا يقتل، لكن يسترق، واليمين من باب ما يحتاط فيه، فحمل على هذا توفيقاً بين الدلائل؛ صيانةً لها عن التناقض، وبهذا يتبين بطلان مذهب الشافعي - رحمه الله - في رده اليمين إلى المدعي عند نكول المدعى عليه؛ / لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - ما جعل اليمين حجة إلا في جانب المدعى عليه، فالرد إلى المدعي يكون وضع الشيء في غير موضعه، وهذا حد الظلم، وعلى هذا يخرج مسألة الخارج مع ذي اليد إذا أقاما البينة أنه لا تقبل بينة ذي اليد؛ لأنها جعلت حجة للمدعي، وذو اليد ليس بمدع، بل هو مدعى عليه، فَلاَ تكون البينة حجة له فالتحقت بينته بالعدم، فخلت بينة المدعي عن المعارض فيعمل بها، وقد تخرج المسألة على أصل آخر نذكره في موضعه إن شاء الله. وَإذا عرفت أن البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه، فلا بد من معرفة علائقهما وعلائق البينة قد مَرَّ ذكرها في ((كتاب الشهادات))، ونذكر هنا علائق اليمين، فنقول وبالله التوفيق : الكلام في اليمين في مواضع : في بيان أن اليمين واجبة. وفي بيان شرائط الوجوب. وفي بيان الوجوب. وفي بيان كيفية الوجوب. وفي بيان حكم أدائه وفي بيان حكم الامتناع عن تحصيل الواجب. أما دليل الوجوب فالحديث المشهور؛ وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((البَيْنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَالِيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ)) و((على)) كلمة إيجاب. وأما شرائط الوجوب، فأنواعٌ: منها: الإنكار(١)؛ لأنها وجبت للحاجة إلى دفع التهمة، (١) وصورته: أن يدعي عليه عشرة دراهم مثلاً، فإذا قال مجيباً: لا تلزمني هذه العشرة، ولا شيء منها، أو لا يلزمني تسليم عشرة دراهم إليه، ولا شيء منها، أو لا يستحق علي عشرة دراهم، ولا شيئاً منها، فكل ذلك جواب صحيح. ولا بد أن يقول في الجواب: ولا شيئاً منها على الأصح من مذهب الشافعي. وقال القاضي حسين: لا يحتاج المنكر في الإنكار أن يقول: ولا شيء منها، بل ذلك يكون في اليمين. وليس بصحيح، لأن مدعي العشرة مدع بكل جزء منها، فلا بد من نفي جميع ما يدعي عليه، أو الإقرار بجميعه، أو إنكار بعضه، والإقرار ببعضه. ينظر أدب القضاء (٤٧٤/١). ٤٢٩ کتاب الدعوى وهي تهمة الكذب في الإنكار، فإذا كان مقرًّا لا حاجة؛ لأن الإنسان لا يتهم في الإقرار على نفسه . ثم الإنكار نوعان: نَصِّ، ودلالَةٌ. أما النص: فهو صريح الإنكار، وأما الدلالة: فهو السكوت عن جواب المدعي من غير آفة؛ لأن الدعوى أوجبت الجواب عليه. والجواب نوعان: إقرار وإنكار، فلا بد من حمل السكوت على أحدهما، والحمل على الإنكار أَوْلَى؛ لأن العاقل المتدين لا يسكت عن إظهار الحق المستحق لغيره مع قدرته عليه، وقد يسكت عن إظهار الحق لنفسه مع قدرته عليه، فكان حمل السكوت على الإنكار أَوْلَی، فكان السكوت إنكاراً دلالة. ولو لم يسكت المدعى عليه ولم يقر، ولكنه قال: لا أقر، ولا أنكر، وأصر على ذلك؟! اختلف المشايخ فيه، قال بعضُهم: هذا إنكار، وقال بعضُهم: هذا إقرار، والأول أشبه؛ لأن قوله لا أنكر إخبار عن السكوت عن الجواب، والسكوت إنكار عَلَى مَا مَرَّ . ومنها: الطلب من المدعي؛ لأنها وَجَبَتْ على المدعى عليه حَقًّا للمدعي، وحق الإنسان قبل غيره واجب الإيفاء عند طلبه. ومنها: عدم البيئة الحاضرة عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بشرط؛ حتى لو قال المدعي: ب لي بينة حاضرة، ثم أراد أن يحلف المدعى عليه، ليس له/ ذلك عنده، وعندهما له ذلك. وجه قولهما إن اليمين حجة المدعي كالبينة(١)، ولهذا لا تجب إلا عند طلبه، فكان له ولاية استيفاء أيهما شاء. (١) هي اسم لكل ما يبين الحق ويظهره. سواء أكان أمارات، أم قرائن، أم شهوداً. ونحن إذا استقرينا الشرع وجدناه قد اعتبر الأمارات والقرائن، وأقامها مقام الشهود. يدل على ذلك: ما رواه ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله. قال: أردت السفر إلى خيبر فأتيت النبي ◌َل8ه ـ فقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً. فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته. فهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة وإقامة لها مقام الشاهد. ومثل هذا ما وقع في غزوة بدر لابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل. فقال لهما رسول الله وَلثير - ((هل مسحتما سيفيكما))؟ فلما نظر إليهما قال: ((هذا قتله))، وقضى له بسلبه. فاعتمد على الأثر في السيف. وجعل صلى الله تعالى عليه وسلم معرفة القصاص والوكاء قائمة مقام البيئة . وورد في الصحيح: قوله بَّ في غزوة حُنين ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بينَةٍ، فَلَهُ سَلَبُهُ)). قال أبو قتادة: ((فقمت فقلت: من يشهد لي بذلك؟ ثم جلست، ثم قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيْنَةً فَلَهُ = ٤٣٠ کتاب الدعوى ولأبي حنيفة أن البينة في كونها حجة المدعي كالأصل؛ لكونها كلام غير الخصم واليمين كالحلف عليها (١)؛ لكونها كلام الخصم، فلهذا لو أقام البينة ثم أراد استحلاف المدعى عليه، سُلَبُهُ)). فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست. ثم قال ذلك الثالثة. فقمت. فقال رَّ﴾: ((مَا لَكَ يَا أَبَا = قَتَّادَةَ. فَأَقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ)). فقال رجل من القوم: ((صدق يا رسول الله بَّه وسلب ذلك القتيل عندي)). فارض منه يا رسول الله. فقال أبو بكرٍ لاَهَا الله إذا. لا يعمد إلى أسدٍ من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله وَ ﴿ صدق فأعطه إيَّاهُ. فأعطانيه. فبعت الدرع فأشتريت به مخْرَقاً في بني سَلَمَة فإنَّه لأوَّلُ مال تأثَّلته في الإسلام. يستدل بهذا على أنه تقبل شهادة الشاهد الواحد متى ظهر صدقه. وغير ذلك من الأمثلة كثيرة، من نظر فيها علم أن الشريعة لا تعول إلا على ظهور الحق فمتى استبان وأسفرت طريق العدل. فتم شرع الله و دينه . قصر الفقهاء على خصوص الشاهدين أو الشاهد واليمين. ولم يرتض ابن القيم هذا القصر منهم. وقال إن البينة في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة: اسم لكل ما يبين الحق ويظهره. فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين، أو الشاهد واليمين، ثم قال: ولا حَجْرَ في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص. وحملها على غير مراد المتكلم منها. وقد حصل للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص ونذكر من ذلك مثالاً واحداً، وهو ما نحن فيه. لفظ البينة. فإنها في كتاب الله: اسم لكل ما يبين الحق كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾، وقال: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾. وقال: ﴿قل إني على بينة من ربي﴾ وقال: ﴿أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾. وهذا كثير لم يختص لفظ البينة بالشاهدين، ولا استعمل في الكتاب فيهما ألبتة إذا عرف هذا فقول النبي وَّر: ألك بينة؟ وقول عمر: ((البينة على المدعي)) وإن كان هذا روي مرفوعاً المراد به ألك ما يبين الحق من شهود: أو دلالة؟ فإنَّ الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه. وشواهد له. ولا يرد حقاً قد ظهر بدليله أبداً فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها. ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحق، أو رجحانه عليه رجحاناً لا يمكن جحده ولا دفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرد السيد في صورة من على رأسه عمامة وبيده عمامة، وأخر خلفه مكشوف الرأس يعد وأثره ولا عادة له بكشف رأسه. فبينة الحال أو دلالة هنا يفيد أضعاف ما يفيد مجرد اليد عند كل أحد، فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة، والدلالة. ويضيع حقاً يعلم كل أحد ظهوره وحجته. بل لما ظن هذا من ظن. ضيعوا طريق الحكم فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين، وصار الظالم الفاجر ممكناً من ظلمه وفجوره، فيفعل ما يريد، ويقول لا يقوم علي بذلك شاهدان اثنان فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده. وحينئذٍ أخرج الله أمر الحكم العملي عن أيديهم، وأدخل فيه من أمر السياسة ما يحفظ به الحق تارة، ويضيق به أخرى، ويحصل به العدوان تارة، والعدل أخرى ولو عرف ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المغنية عن التفريط والعدوان. ينظر البينة لشيخنا محمد جاب الله، وأعلام الموقعين ص ١٠٤ وما بعدها. (١) في ب: عنها. ٤٣١ كتاب الدعوى ليس له ذلك، والقدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف. ومنها: أن لا يكون المُدَّعي حقًّا لله - عزَّ وجلَّ - خالصاً، فلا يجوز الاستحلاف في الحدود الخالصة حقًّا لله - عزَّ وجلَّ -؛ كحد الزنا والسرقة والشرب؛ لأن الاستحلاف لأجل النكول، ولا يقضى بالنكول في الحدود الخالصة؛ لأنه بذل عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما إقرار فيه شبهة العدم، والحدود لا تحتمل البذل ولا تثبت بدليل فيه شبهه؛ لهذا لا تثبت بشهادة النساء، والشهادة على الشهادة، إلاَّ أن في السرقة يحلف على أخذ المال؛ وكذا لا یمین في اللعان؛ لأنه جار مجری الحد. وأما حد القذف فيجري فيه الاستحلاف فى ظاهر الرواية؛ لأنه ليس من الحدود المتمحضة حقًّا لله تعالى، بل يشوبه حق العبد فأشبه التعزير، وفي التعزير يحلف؛ كذا هذا ويجري الاستحلاف في القصاص في النفس والطرف؛ لأن القصاص خالص حق العبد. ومنها: أن يكون المُدَّعِي محتملاً للإقرار به شرعاً؛ بأن كان لو أقر به لصح إقراره به، فإن لم يَكُنْ لم يجر فيه الاستحلاف، حتى أن مَنِ ادعى على رجلٍ أنه أخوه، ولم يدع في يده ميراثاً فأنكر، لا يحلف؛ لأنه لو أقر له بالأخوة لم يجز إقراره؛ لكونه إقراراً على غيره، وهو أبوه . ولو ادعى أنه أخوه وأن في يده مالاً من تركة أبيه، وهو مستحق لنصفه بإرثه من أبيه [فأنكر]، يحلف لأجل الميراث لا للأخوة؛ لأنه لو أقر أنه أخوه، صح إقراره في حق الإرث حتى يؤمر بتسليم [نصف](١) الميراث إليه، ولم يصح في حق النسب حتى لا يقضي بأنه أخوه . وعلى هذا عَبدٌ في يدٍ رجل ادعاه رجلان، فأقر به لأحدهما، وسلم القاضي العبد إليه، فقال الآخر: لا بينة لي، وطلب من القاضي تحليف المقر، لا يحلفه في عين العبد؛ لأنه لو أقر به لكان إقراره باطلاً، فإذا أنكر لا يحلف إلا أن يقول الذي لم يقر له: إنك أتلفت عليَّ العبد بإقرارك به لغيري، فاضمن قيمته/ لي، يحلف المقر بالله - تعالى - ما عليه رد قيمة ذلك ! العبد على هذا المدعي، ولا رد شيء منها، لأنه لو أقر بإتلافه لَصَحَّ وضمن القيمة، فإذا أنكر يستحلفه . وَلو ادعى على رَجُل أنه زوجه ابنته الصغيرة، وأنكر الأب، لا يحلف عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لطريقين: (١) سقط من ب. (٢) سقط من ب. ٤٣٢ كتاب الدعوى أحدُهما أنه لو أقر به لا يصح إقراره به عنده، فإذا أنكر لا يستحلف. والثاني أن الاستحلاف لا يجري في النكاح، وعندهما يجري، لكن عند أبي يوسف يحلف على السبب، وعند محمد على الحاصل، والحكم على ما نذكره في موضعه. هذا إذا كانت صغيرة عند الدعوى، فإن كَانَتْ كبيرة وادَّعَى أن أباها زوجها إياه في صغرها، لا يحلف عند أبي حنيفة؛ لما قلنا من الطريقين، وعندهما لا يحلف أيضاً لأحد طريقين، وهو أنه لو أقر عليها في الحال لا يصح إقراره، ولكن تحلف المرأة عندهما لأنها لو أقرت لصح إقرارها، وعندهما الاستحلاف يجري فيه، لكن عند أبي يوسف تحلف على السبب بالله - عزَّ وجلَّ - ما تعلم أن أباها زوجها وهي صغيرة إلا عند التعرض، فتحلف على الحكم؛ كما قال محمد. ولو ادعت امرأة على رجلٍ أنه زوجها عبده، فأنكر المولى، لا يحلف عند أبي حنيفة - رحمه الله - لطريقين : (أحدهما): أنه لو أقر عليه لا يصح إقراره. (والثاني): أنه لا استحلاف في النكاح عنده، وعندهما لا يحلف أيضاً؛ لكن لطريق واحدٍ، وهو أنه لو أقر عليه لا يصح إقراره، ولو ادعى رجل على رجل أنه زوجه أمته لا يحلف المولى عند أبي حنيفة، وعندهما يحلف لطريق واحد، وهو أن الاستخلاف لا يجري في النكاح عنده، وعندهما يجري. ومنها: أن يكون المدعي مما يحتمل البذل عند أبي حنيفة مع كونه محتملاً للإقرار، وعندهما أن يكون مما يحتمل الإقرار، سواء احتمل البذل أو لا . وعلى هذا يخرج اختلافهم في الأشياء السبعة؛ أنها لا يجري فيها الاستحلاف عند أبي حنيفة، وهي النكاح، والرجعة، والفيء في الإيلاء، والنسب، والرق، والولاء، والاستيلاد. أما النكاح: فهو أن يدعي رجلٌ على امرأة أنها امرأته، أو تدعي امرأة على رجلٍ أنه زوجها، ولا بينة للمدعي وطلب يمين المنكر. وأما الرجعة: فهو أن يقولَ الزوجُ للمطلقة بعد انقضاء عدتها: قد كنت راجعتك، وأنكرت المرأة، وعجز الزوج عن إقامة البينة، فطلب يمينها. وأما الفيء في الإيلاء: فهو أن يكون الرجل آلى من امرأته ومضت أربعة أشهر، فقال: قد كنت فئت إليك بالجماع؛ فلم تبيني، فقالت لم تفىء إلي [وبِنْتُ]، ولا بينة للزوج، فطلب یمینھا . ٤٣٣ کتاب الدعوى وأما النسب: فنحو أن يدعي على رجلٍ أنه أبوه أو ابنه، فأنكر الرجل، ولا بينة له وطلب يمينه، وأما الرق فهو أن يدعي على رجّلٍ أنه عبده، فأنكر وقال: إنه حُرُّ الأصل، لم يجر عليه رق أبداً، ولا بينة للمدعى، فطلب يمينه. وأما الولاء فإنه يدعي على امرأة أنه أعتق أباها، وأن أباها مات وولاؤه بينهما نصفان، فأنكرت أن يكون أعتقه، وأن يكون ولاؤه ثابتاً منه، ولا بينة للمدعي، فطلب يمينها على ما أنكرت من الولاء. وأما الاستيلاد: فهو أن تدعي أمة على مولاها، فتقولُ: أنا أم ولد لمولاي وهذا ولدي، فأنكر المولى. لا يجري الاستحلاف في هذه المواضع السبعة عند أبي حنيفة، وعندهما يجري والدعوى من الجانبين تتصور في الفصول الستة، وفي الاستيلاد لا يتصور إلا من جانب واحد؛ وهو جانب الأمة، فأما جانب المولى فلا تتصور الدعوى؛ لأنه لو ادعى لثبت بنفس الدعوى، وهذا بناء على ما ذكرنا أن النكول بذل عنه، وهذه الأشياء لا تحتمل البذل، وعندهما إقرار فيه شبهة، وهذه الأشياء تثبت بدليل فيه شبهة . وجه قولهما إن نكول المدعى عليه دليل كونه كاذباً في إنكاره؛ لأنه لو كان صادقاً لما امتنع من اليمين الصادقة، فكان النكول إقراراً دلالة، إلاَّ أنه دلالة قاصرة فيها شبهة العدم، وهذه الأشياء تثبت بدليل قاصر فيه شبهة العدم؛ ألا ترى أنها تثبت بالشهادة على الشهادة، وشهادة رجل وامرأتين. وَلأبي حنيفة أَنَّ النكولَ يحتمل الإقرار، لما قلتم، ويحتمل البذل؛ لأن العاقل الدين كما يتحرج(١) عن اليمين الكاذبة، يتحرج(٢) عن التغيير والطعن باليمين ببذل المدعي، إلاَّ أن حمله على البذل أولى؛ لأنَّا لو جعلناه إقراراً لكذبناه لما فيه من الإنكار، ولو جعلناه بذلاً لم نكذبه؛ لأنه يصير في التقدير كأنه قال: ليس هذا لك ولكني لا أمنعك عنه، ولا أنازعك فيه، فيحصل المقصود من غير حاجة إلى التكذيب، وإذا ثبت أن النكول بذل، وهذه الأشياء لا تحتمل البذل [والإباحة](٣) فلا تحتمل النكول فلا تحتمل التحليف؛ لأنه إنما يستحلف المدعي لينكل المدعى عليه، فيقضي عليه، فإذا لم يحتمل النكول لا/ يحتمل التحليف. (١) في ب: يتحرز. (٢) في ب: يتحرز. (٣) سقط من ط. بدائع الصنائع ج٨ - م٢٨ ٤٣٤ کتاب الدعوى فصل في بيان كيفية اليمين وَأَمَّا بيان كيفية اليمين، فالكلام فيه يتعلق بموضعين. أحدهما: في بيان صفة التحليف نفسه أنه كيف يحلف. والثاني: في بيان صفة المحلوف عليه أنه على ماذا يحلف. أما الأول فالأمرُ لا يخلو إما إن كان الحالف مسلماً، وإما إن كان كافراً، فَإن كان مسلماً فيحلفه القاضي بالله تعالى إن شاء من غير تغليظ؛ لما روي: ((أنَّ رَسُولَ اللهِوَ حَلَّفَ يَزِيدَ بْنَ رُكَانَةً أَوْ رُكَانَةً بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ بِالله عَزَّ وجَلَّ مَا أَرَدتُّ بِالبَتَّةِ ثَلاثً))(١)، وإن شاء غلظ؛ لأن الشرع ورد بتغليظ اليمين في الجملة فإنه، روي أن رسول الله وَ لّر حلف ابن صوريا الأعور وغلظ، فقال - عليه الصلاة والسلام - الذي أنزل التوراة على سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - أن حد الزنا في كتابكم هذا. وقال مشايخنا: ينظر إلى حال الحالف إن كان ممن لا يخاف منه الاجتراء على الله تعالى باليمين الكاذبة، يكتفي فيه بالله - عزَّ وجلَّ - من غير تغليظِ، وَإن كان/ ممن يخاف منه ذلك تغلظ؛ لأن من العوام مَنْ لا يبالي عن الحلف بالله - عَزَّ وجلَّ - كاذباً، فإذا غلظ عليه اليمين يمتنع، وقال بعضُهم: إن كان المال المدعي يسيراً يكتفي فيه بالله - عزَّ وجلَّ -، وإن كان كثيراً يغلظ وصفة التغليظ أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية؛ ونحو ذلك مما يعد تغليظاً في اليمين، وَإن كان الحالف كافراً؛ فإنه يحلف بالله - عزَّ وجلَّ - أيضاً، ذميًّا كان أو مشركاً؛ لأن المشركين لا ينكرون الصانع، قال الله - تبارك وتَعَالَى، جلّ شأنه -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: ٢٥] فيعظمون اسم الله تعالى عزَّ شأنه، ويعتقدون حرمته (٢) إلا الدهرية والزنادقة وأهل الإباحة، وهؤلاء أقوام لم يتجاسروا على إظهار نحلتهم في عصر من الأعصار إلى يومنا هذا، ونرجو من فضل الله - عَزَّ وجلَّ - على أمة حبيبه - وَالز - أن لا يقدرهم على إظهار ما انتحلوه إلى انقضاء الدنيا، وَإن رأى القاضي ما يكون تغليظاً في دينه فعل؛ لما روينا أن رسول الله وَّو غلظ على ابن صوريا، دَلَّ أن كل ذلك سائغ فيغلظ على اليهودي بالله تعالى - عزَّ وجلَّ - الذي أنزل التوراة على سيدنا (١) تقدم تخريجه في الطلاق. (٢) في ط: حرمة الإله. ٤٣٥ کتاب الدعوى موسى - عليه الصلاة والسلام -(١)، وعلى النصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على سيدنا عيسى - عليه الصلاة والسلام .(٢)، وعلى المجوسي بالله الذي خلق النار(٣)، ولا يحلف على الإشارة/ ب إلى مصحف معين بأن يقول بالله الذي أنزل هذا الإنجيل، أو هذه التوراة؛ لأنه قد ثبت تحريف بعضها، فلا يؤمن أن تقع الإشارة إلى المحرف، فيكون التحليف به تعظيماً لما ليس بكلام الله - عزَّ وجلَّ -، ولا يبعث هؤلاء إلى بيوت عبادتهم من البيعة والكنيسة وبيت النار؛ لأن فيه تعظيم هذه المواضع؛ وكذا لا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان ولا مكان عندنا. (١) مذهب الشافعية تغليظ اليمين على الكافر إن كان يهودياً احلفه بالله الذي أنزل التوراة على موسى ونجاه من الغرق. وهذا اللفظ يحلف به في كل يمين مخففة أو مغلظة، ولا يحلفه بإيمانهم، بقولهم اهيا اشر اهيا، ولا بالعشر كلمات. وتغليظ اليمين في حقه بالمكان في بيعهم، وبالزمان في أشرف وقت لصلواتهم. ينظر أدب القاضي ١/ ٥٥٠ - ٥٥١. (٢) وإن كان نصرانياً احلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، الذي أبرأ به الأكمه والأبرص، وأحيا له الموتى. وتغليظه اليمين في حقه بالمكان في الكنائس، وبالزمان في أشرف وقت لصلواتهم. ينظر أدب القضاء (١ / ٥٥١ - ٥٥٢). (٣) مذهب الشافعية في تحليف المجوس أن يحلف بالله الذي خلقه ورزقه وصوره. وهل يحلفه بالله الذي خلق النور والنار؟ فيه وجهان. فإن تغلظت اليمين عليه، فأجل الأمكنة عندهم بيت النار، فهل تغلظ به؟ فيه وجهان ذكرهما الماوردي والمراوزة. واختار القاضي أبو الطيب أنه لا تغلظ يمينه به، لأنهم لا يعظمون بيت النار، وإنما يعظمون النار، ولم يحك فيه خلافاً. وأما الزمان، فلا صلوات لهم مؤقتات، بل لهم زمزمة يرونها قربة، فإن كانت مؤقتة احلفوا في أعظم أوقاتها عندهم، وإلا سقط عنهم تغليظ إيمانهم بالزمان، إلا أنهم يرون النهار أشرف من الليل، لأن النور عندهم أشرف من الظلمة، فيحلفون في النهار. وإن كان الحالف وثنياً، ولم يحلفه بما يعظمه من الأوثان، ولا بالذي خلقها بل يحلفه بالله الذي خلقه ورزقه وأحياه. ويسقط عنهم تغليظ إيمانهم بالمكان، إذ لا مكان لهم، وبالزمان، إلا أن لهم يوماً يرونه أشرف الأيام، فإن بعد أو تأخر لم تؤخر اليمين. وإن كان الحالف دهرياً، لا يعتقد خالقاً، ولا معبوداً، أحلف بالله الخالق الرازق. فإن قيل: لا ينزجر بها، فما الفائدة. قلنا : فيه فائدتان. إحداهما: إجراء حكماً عليهم قال الله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾. والثانية: أن يزاد بها إثماً، ويدركه شؤمها، فربما ينعجل بها انتقام. ينظر أدب القضاء ٥٥٢/١ - ٥٥٤. ٤٣٦ کتاب الدعوى وقال الشافعي - رحمه الله -: إنْ كَانَ بالمدينة يحلف عند المنبر، وإن كان بمكة يحلف عند الميزاب، ويحلف بعد العصر. والصحيحُ قولنا، لما روينا من الحديث المشهور، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: (البَيْنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلى المُذَّعَىَ عَلَيْهِ)) مطلقاً عن الزمان والمكان، وروي أنه اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع في دار إلى مروان بن الحكم، فقضى على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر، فقال له زيد: احلف له مكاني، فقال له مروان: لا والله، إلا عند مقاطع الحقوق، فجعل زيد يحلف أن حقه لحق، وأبى أن يحلف عند المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك، ولو كان ذلك لازماً [لما احتمل] (١) أن يأباه زيد بن ثابت؛ ولأن تخصيص التحليف بمكان وزمان تعظيم غير اسم الله تبارك وتعالى، وفيه معنى الإشراك في التعظيم، والله - عز وجل - أعلم. وأما بيان صفة المحلوف عليه أنه على ماذا يحلف، فنقول: الدعوى لا تخلو إما إن كانت مطلقة عن سبب، وإما إن كانت مقيدة بسبب، فإنْ كانت مطلقة عن سبب بأن ادعى عبداً أو جاريةً أو أرضاً وأنكر المدعى عليه، فلا خلاف في أنه يحلف على الحكم، وهو ما وَقَعَ فيه الدعوى، فيقال: بالله ما هذا العبد، أو الجارية أو الأرض لفلانٍ هذا، ولا شيء منه، وَإنْ كانت مقيدة بسبب بأن ادعى أنه أقرضه ألفاً أو غصبه ألفاً أو أودعه ألفاً، وأنكر المدعى عليه، فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في أنه يحلف على السبب أو على الحكم. قال أبو يوسف: يحلف على السبب بالله ما استقرضت منه ألفاً، أو ما غصبته ألفاً، أو ما أودعني ألفاً، إلا أَنْ يعرض المدعى عليه ولا يصرح، فيقول قد يستقرض الإنسان، وقد يغصب، وقد يودع، ولا يكون عليه؛ لما أنه أبرأه عن ذلك أو رد الوديعة، وأنا لا أبين ذلك؛ لئلا يلزمني شيء، فحينئذٍ يحلف على / الحكم. أ وقال محمد: يحلف على الحكم من الابتداء: بالله ما له عليك هذه الألف التي ادعى. وجه قول محمدٍ أن التحليف على السبب تحليف على ما لا يمكنه الحلف عليه عسى؛ لجواز أنه وجد منه السبب، ثم ارتفع بالإبراء أو بالرد، فلا يمكنه الحلف على نفي السبب، ويمكنه الحلف على نفي الحكم على كل حال، فكان التحليف على الحكم أولى. وجه قول أبي يوسف ما روي: ((أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴿ حَلَّفَ الَهُودَ بالله))(٢) وفي باب (١) في ب: لاحتمل. : (٢) تقدم. ٤٣٧ کتاب الدعوى القسامة على السبب؛ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((بالله مَا قَتَلْتُمُوهُ وَلاَ عَلِمْتُمْ لَهُ قَاتِلاً)(١) فيجب الاقتداء به؛ ولأن الداخل تحت الحلف ما هو الداخل تحت الدعوى، والداخل تحت الدعوى في هذه الصورة مقصوداً هو السبب، فيحلف عليه، فبعد ذلك إن أمكنه الحلف على السبب حلف عليه، وإن لم يمكنه وعرض، فحينئذٍ يحلف على الحكم. وعلى هذا الخلاف دعوى الشراء إذا أنكر المدعى عليه، فعند أبي يوسف يحلف على السبب بالله - عز وجل - ما بعته هذا الشيء إلاَّ أن يعرض الخصم، والتعريض في هذا أن يقول: قد يبيع الرجل الشيء، ثم يعود إليه بهبة أو فسخ أو إقالة أو رد بعيب أو خيار شرط أو خيار رؤية، وأنا لا أبين ذلك كي لا يلزمني شيء، فحينئذٍ يحلف على الحكم بالله تعالى ما بينكما بيع قائمٌ أو شراء قائم. بهذا السبب الذي يدعي؛ وهكذا يحلف على قول محمد. وعلى هذا دعوى الطلاق؛ بأن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها ثلاثاً، أو خالعها على كذا، وأنكر الزوجِ ذلك، يحلف على السبب عند أبي يوسف بالله - عز وجل - ما طلقها ثلاثاً، أو ما خالعها، إلاّ أن يعرض الزوج، فيقول الإنسان قد يخالع امرأته ثم تعود إليه، وقد يطلقها ثلاثاً ثم تعود إليه بعد زوج آخر، فحينئذٍ يحلف بالله - عز وجل - ما هي حرام عليك بثلاث تطليقات، أو بالله - عز وجل - ما هي مطلقة منك ثلاثاً، أو ما هي حرام عليك بالخلع، أو ما هي بائن منك؛ ونحو ذلك من العبارات، وهكذا يحلف على قول محمد. وعلى هذا دعوى العَتَاق في الأمة؛ بأن ادعت أمة على مولاها أنه أعتقها وهو منكرٌ، عند أبي يوسف يحلف المولى على السبب بالله - عز وجل - ما أعتقها، إلا أن يعرض؛ لأنه يتصور النقض في هذا والعود إليه؛ بأن ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب ثم سباها/ أو سباها غيره ب فاشتراها، فحينئذٍ يحلف كما قاله محمد، ولو كان الذي يدعي العتق هو العبد فيحلف على السبب بلا خلاف بالله - عزَّ وجلَّ - ما أعتقه في الرق القائم للحال في ملكه، لانعدام تصور التعريض؛ لأن العبد المسلم لا يحتمل السبي بعد العتق؛ حتى لو كان العبد لم يعرف مسلماً أو كان كافراً يحلف عند محمد على الحكم؛ لاحتمال العود إلى الرق؛ لأن الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب ثم سبي يسترق، بخلاف المسلم؛ فإنه يجبر على الإسلام ويقتل إن أبى ولا يسترق. وعلى هذا دعوى النكاح، وهو تفريع على قولهما؛ لأنَّ أَبًا حنيفةً لا يرى الاستحلاف فيه، فيقول الدعوى لا تخلو إما أن تكون من الرجل أو من المرأة، فإن كانت من الرجل وأنكرت المرأة النكاح، فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا أن يعرض لاحتمال الطلاق (١) انظر تخريجه في باب القسامة. ٤٣٨ کتاب الدعوى والفرقة بسبب ما، فحينئذٍ يحلف على الحكم بالله - عز وجل - ما بينكما نكاح قائم؛ كما هو قول محمد. وأما عند أبي حنيفة لو قال الزوج: أنا أريد أن أتزوج أختها أو أربعاً سواها، فإن القاضي لا يمكنه من ذلك؛ لأنه إقرار لهذه المرأة أنها امرأته، فيقول له: إن كنت تريد ذلك فطلق هذه، ثم تزوج أختها أو أربعاً سواها، وإن كان دعوى النكاح من المرأة على رجل فأنكر، فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا أن يعرض، فيحلف على الحكم؛ كما قاله محمد. فأما عند أبي حنيفة لو قالت المرأة إني أريد أن أتزوج، فإن القاضي لا يمكنها من ذلك؛ لأنها قد أقرت أن لها زوجاً، فلا يمكنها من التزوج بزوج آخر، فإن قالت: ما الخلاص عن هذا، وقد بقيت في عهدته أبد الدهر وليست لي بينة، وهذه تسمى عهدة أبي حنيفة، فإنه يقول القاضي للزوج طلقها، فإن أبى أجبره القاضي عليه، فإن قال الزوج: لو طلقتها للزمني المهر، فلا أفعل ذلك، يقول له القاضي: قل لها: إن كنت امرأتي فأنت طالق، فتطلق لو كانت امرأتك، وإن لم تكن فلا، ولا يلزمك شيء؛ لأن المهر لا يلزم بالشك، فإن أبى يجبره على ذلك، فإذا فعل تخلص عن تلك العهدة، ولو كانت الدعوى على إجارة الدار أو عبد أو دابة أو معاملة مزارعة، فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا إذا عرض. أ وعند محمد يحلف على الحكم على كل حال، وعند أبي حنيفة/ ما كان صحيحاً - وهو الإجارة - يحلف، وما كان فاسداً - وهو المعاملة والمزارعة - لا يحلف أصلاً؛ لأن الحلف بناء على الدعوى الصحيحة، ولم تصح عنده. ولو كانت الدعوى في القتل الخطأ؛ بأن ادعى على رجلٍ أنه قتل أباه خطأ، وأنه وجبت الدية فأنكر المدعى عليه، يحلف على السبب عند أبي يوسف بالله ما قتلت، إلا إذا عرض، وعند محمد على الحكم بالله ليس عليك الدية، ولا على عاقلتك، وَإنما يَخْلِفُ على هذا الوجه لاختلاف المشايخ في الدية في فصله الخطأ؛ أنها تجب على العاقلة ابتداء، أو تجب على القاتل، ثم تتحمل عنه العاقلة، فإن حلف برىء، وإن نكل يقضي عليه بالدية في ماله؛ على ما نذكر إن شاء الله تعالى. فصل في حكم أدائه وأما حكم أدائه، فهو انقطاع الخصومة للحال لا مطلقاً، بل موقتاً إلى غاية إحضار البينة عند عامة العلماء. وقال بعضهم حكمه انقطاع الخصومة على الإطلاق حتى لو أقام المدعي البينة بعد يمين المدعى عليه قبلت بينته عند العامة، وعند بعضهم لا تقبل؛ لأنه لو أقام البينة لا تبقى له ولاية ٤٣٩ کتاب الدعوى الاستحلاف؛ فكذا إذا استحلف لا يبقى له ولاية إقامة البينة، والجامع أن حقه في أحدهما فلا يملك الجمع بينهما، والصحيح قول العامة؛ لأن البينة هي الأصل في الحجة؛ لأنها كلام الأجنبي. فأما اليمين فكالحلف عن البينة؛ لأنها كلام الخصم صير إليها للضرورة، فإذا جاء الأصل انتهى حكم الحلف، فكأنه لم يوجد أصلاً، ولو قال المدعي للمدعى عليه احلف وأنت بريء من هذا الحق الذي ادعيته، أو أنت بريء من هذا الحق، ثم أقام البينة، قبلت بينته؛ لأن قوله: ((أنت بريء)) يحتمل البراءة للحال، أي: برىء عن دعواه وخصومته للحال، ويحتمل البراءة عن الحق، فلا يجعل إبراء عن الحق بالشك، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. (فصل): وأما حكم الامتناع عن تحصيله، فالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين، فإن كان ذلك في دعوى المال يقضي عليه بالمال عندنا، لكن ينبغي للقاضي أن يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات، فإن حلفت وإلا قضيت عليك؛ لجواز أن يكون المدعى عليه ممن لا يرى القضاء بالنكول، أو يكون عنده أن القاضي لا يرى القضاء بالنكول، أو لحقه حشمة القضاة ومهابة المجلس في المرة الأولى، فكان الاحتياط أن يقول له ذلك، فَإن نكل / عن ب اليمين بعد العرض عليه ثلاثاً، فإن القاضي يقضي عليه عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يقضي بالنكول، ولكن برد اليمين إلى المدعي، فيحلف فيأخذ حقه. احتج الشافعي - رحمه الله - بقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ)) جعل البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه، ولم يذكر - عليه الصلاة والسلام - النكول، فلو كان حجة المدعي لذكره، والمعقول أنه يحتمل أنه نكل لكونه كاذباً في الإنكار، فاحترز عن اليمين الكاذبة، ويحتمل أنه نكل مع كونه صادقاً في الإنكار تورعاً عن اليمين الصادقة، فلا يكون حجة القضاء مع الشك والاحتمال، لكن يرد اليمين إلى المدعي ليحلف فيقضي له؛ لأنه ترجح جنبه الصدق في دعواه بيمينه، وقد ورد الشرع برد اليمين إلى المدعي، فإنه روي أن سيدنا عثمان - رضي الله عنه - ادعى على المقداد مالاً بين يدي سيدنا عمر - رضي الله عنه - فأنكر المقداد، وتوجهت عليه اليمين، فرد اليمين على سيدنا عثمان، وسيدنا عمر جَوَّز ذلك(١). (١) قال الزيلعي في نصب الراية (١٠٣/٤): ((قال البيهقي في ((كتاب المصرفة)) في كتاب أدب القاضي: قال الشافعي رحمه الله: بلغني أن عثمان بن عفان ردت عليه اليمين فافتداها بمال وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال: هذا بيمينه وقال في آخر الباب وفي كتاب استخرج لأبي الوليد بإسناد صحيح عن الشعبي: وفيه إرسال أن رجلاً استقرض من عثمان بن عفان سبعة آلاف درهم فلما تقاضاه قال له: إنما هي أربعة آلاف فخاصمه إلى عمر فقال تحلف أنها سبعة آلاف؟ فقال عمر: أنصفك فأبى عثمان أن يحلف فقال له عمر: خذ ما أعطاك)) اهـ. ٤٤٠ كتاب الدعوى ولنا ما روي أن شريحاً قضى على رجل بالنكول، فقال المدعى عليه: أنا أحلف، فقال شريح مضى قضائي، وكان لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله - وَلقرهــ، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكرٌ، فيكون إجماعاً منهم على جواز القضاء بالنكول، ولأنه ظهر صدق المدعي في دعواه عند نكول المدعى عليه فيقضى له؛ كما لو أقام البينة . ودلالة الوصف أن المانع من ظهور الصدق في خبره إنكاره المدعى عليه، وقد عارضه النكول؛ لأنه كان صادقاً في إنكاره، لما نكل فزال المانع للتعارض، فظهر صدقه في دعواه. وقوله يحتمل أنه نكل تورعاً عن اليمين الصادقة، قلنا هذا احتمال نادر؛ لأن اليمين الصادقة مشروعة، فالظاهر أن الإنسان لا يرضى بفوات حقه تحرزاً عن مباشرة أمر مشروع، ومثل هذا الاحتمال ساقط الاعتبار شرعاً؛ ألا يرى/ أن البيئة حجة القضاء بالإجماع، وإن كانت محتملة في الجملة؛ لأنها خبر من ليس بمعصوم عن الكذب، لكن لما كان الظاهر هو الصدق سقط اعتبار احتمال الكذب؛ كذا هذا. وأما الحديث فنقول: البينةُ حجة المدعي، وهذا لا ينفي أن يكون غيرها حجة، وقوله لو كان حجة لذكره، قلنا يحتمل أنه لم يذكره لما قلتم، ويحتمل أنه لم يذكره نصًّا مع كونه حجة، تسليطاً للمجتهدين على الاجتهاد؛ ليعرض كونه حجة/ بالرأي والاستنباط، فلا يكون حجة مع الاحتمال، وأما رد اليمين على المدعي، فليس بمشروع لما قلنا من قبل. وأما حديث المقداد فلا حجة فيه؛ لأن فيه ذكر الرد من غير نكول المدعى عليه، وهو خارج عن أقاويل الكل، فكان مؤولاً عند الكل، ثم تأويله أن المقداد - رضي الله عنه - ادعى الإيفاء، فأنكر سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فتوجهت اليمين عليه، ونحن به نقول. هذا إذا نكل عن اليمين في دعوى المال، فإن كان النكول في دعوى القصاص، فنقول: لا يخلو إما أن تكون الدعوى في القصاص في النفس، وإما أن تكون فيما دون النفس، فإن كان في النفس فعند أبي حنيفة لا يقضي فيه لا بالقصاص ولا بالمال؛ لكنه يحبس حتى يقر أو يحلف أبداً، وإن كان الدعوى في القصاص في الطرف، فإنه يقضي بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ، وعندهما لا يقضي بالقصاص في النفس والطرف جميعاً، ولكن يقضي بالأرش والدية فيهما جميعاً؛ بناءً على أن النكول بذل عند أبي حنيفة - رحمه الله - والطرف يحتمل البذل والإباحة في الجملة، فإن من وقعت في يده آكلة والعياذ بالله - تعالى - فأمر غيره بقطعها، يباح له قطعها صيانة للنفس؛ وبه تبين أن الطرف يسلك مسلك الأموال؛ لأنه خلق وقایة للنفس کالمال. فأما النفس، فلا تحتمل البذل والإباحة بحالٍ؛ وكذا المباح له القطع إذا قطع لا ضمان