Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب الرهن الراهن مسلماً والمرتهن قابضاً، وهذا/ جواب ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه يشترط ١٢٠٢/٣ معه النقل والتحويل، فما لم يوجد لا يصير قابضاً. وجه هذه الرواية أن القبض شرط صحة الرهن، قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ومطلق القبض ينصرف إلى القبض الحقيقي، ولا يتحقق ذلك إلا بالنقل، فأما التخلي فقبض حكماً لا حقيقة، فلا يكتفي به، وجه ظاهر الرواية أن التخلي بدون النقل والتحويل قبض في العرف والشرع. أما العرف فإن القبض يرد على ما لا يحتمل النقل والتحويل من الدار والعقار، يقال: هذه الأرض أو هذه القرية أو هذه الولاية في يد فلان، فلا يفهم منه إلا التخلي؛ وهو التمكن من التصرف. وأما الشرعُ فإن التخلي في باب البيع قبض بالإجماع، من غير نقل وتحويل، دل أن التخلي بدون النقل والتحويل قبض حقيقة وشريعة، فيكتفي به. وأما بيان أنواع القبض، فنقول وبالله التوفيق: القبضُ نوعان: نوعٌ بطريق الأصالة، ونوعٌ بطريق النيابة، أما القبض بطريق الأصالة فهو أن يقبض [الإنسان](١) بنفسه لنفسه. وأما القبض بطريق النيابة، فنوعان: نوعٌ يَرْجع إلى القابض، ونوع يرجع إلى نفس القبض. أما الذي يَرْجع إلى القابض فنحو قبض الأب والوصي عن الصبي؛ وكذا قبض العبد يَقُومُ مقام قبض المرتهن؛ حتى لو هلك الرهن في يده كان الهلاك على المرتهن؛ لأن نفس القبض مما يحتمل النيابة؛ ولأن قبض الرهن قبض استيفاء الدين؛ واستيفاء الدين مما يحتمل النيابة . وَأَمَّا الذي يَرْجِعُ إلى نفس القبض فهو أن المرهون إذا كان مقبوضاً عند العقد، فهل ينوب ذلك عن قبض الرهن؟ فالأصلُ فيه ذكرنا في ((كتاب البيوع)) والهبة أَن القبضين إذا تجانَسَا ناب أحدُهما عن الآخر، وَإذا اختلفا ناب الأعلى عن الأدنى، وقد بينا فقه هذا الأصل وفروعه فيما تقدم، وإن شئت عددت الحيازة، والفراغ والتمييز من شرائط نفس العقد، فقلت: ومن شرائط صحة العقد أن يكون المرهون محوزاً (٢) عندنا، وبنيت المشاع عليه، وإن شئت قلت: ومنها دوام القبض عندنا . (١) سقط من طـ. (٢) والحوز في اللغة الجمع وضم الشيء كالحيازة احترازاً عن رهن ثمر على شجر وزرع بأرض بدونهما فلا يجوز عندهم وذلك لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون خلقه فيكون بمنزلة الجزء الشائع والمشاع لا يجوز رهنه فكذا هذا. وقد بينت أن المشاع يجوز رهنه وأن المعول عليه إمكان بيد ليستوفى منه الدين عند تعذر الوفاء من الراهن ولا شك أن الثمر يجوز بيعه فيجوز رهنه وحده وكذا الزرع بدون الأرض فلا داعي لهذا الشرط. بدائع الصنائع ج٨ - ١١٢ ١٦٢ کتاب الرهن وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرطٍ، وبنيت(١) عليه المشاع، ولنا في إثبات هذا الشرط دليلان : أحدُهما: قولُه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أخبر الله - سبحانه وتعالى - أن المرهون مقبوضٌ، فيقتضي كونه مقبوضاً ما دام مرهوناً(٢)؛ لأن إخباره - سبحانه وتعالى - لا يحتمل الخلف، والشيوع يمنع دوام القبض، فيمنع صحة الرهن. (١) في أ: ويثبت. (٢) اختلف العلماء في حبس المرهون على سبيل الدوام تحت يد المرتهن إلى الأداء، أو الإبراء. فاختار الحنفية، والمالكية، والحنابلة على رأي أن الحبس الدائم تحت يد المرتهن شرطً لبقاء الرهن لازماً، فانبنى على هذا أنهم لا يجيزون للراهن أن يستردّ المرهون لينتفع به، واختلفوا في حصوله على أجرته بوساطة تولي المرتهن إجارته لغيره نيابة عنه. أجاز ذلك المالكية، ولا يتنافى هذا عندهم مع استمراره، إذ يكون المستأجر نائباً عن المرتهن في قبضه. ومنعه الحنفية، والحنابلة، ورأوه منافياً للحبس الدائم. ورأى الشافعية، وعطاء، والحنابلة؛ أنه ليس له حبسه على سبيل الدوام، فيباح للراهن استرداده إذا كان مما ينتفع به مع بقاء عينه، ولا يضره الانتفاع به؛ كالأراضي الزراعية، والدواب مثلاً، فإذا فرغ رده إلى المرتهن. أما ما تذهب عينه بالانتفاع؛ كالمطعوم، والشمع، وغاز الاستصباح مثلاً؛ فلا يجوز استرداده. احتج الحنفية، ومن معهم بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . وجه الدلالة: أنها أفادت وجوب القبض، والظاهر أنه وَصْفٌ لازمٌ، وهذا يستلزم أن يكون المرهونُ مقبوضاً ما دام مرهوناً. نقض هذا بالعارية؛ والغصب، والسرقة، ومحاولة الفرق بين استرداد الراهن وبينها - غير مقنعة؛ إذ يستطيع الراهن في العارية أن يجحد .... الخ. وبأن القبض لما ثبت ابتداء، فقد ثبت بقاء؛ إذ هو متعلّقٌ بالمحل، وما تعلق به، فالابتداء والبقاء فيه سواء؛ كالمحرمية في النكاح، وإذا ثبت وجوب القبض على سبيل الدوام قلنا: إنه لا معنى لحبس المرهون سوى دوام قبضه تحت يد المرتهن إلى قضاء الدين، أو الإبراء منه، فيكون حكماً للرمن. ورد عليه: أن قياس الدوام على الابتداء قياس مع الفارق؛ إذ يفتقر في الأول ما لا يفتقر في الثاني، والنقض السالف أيضاً. وبأن الرهن إنما شُرع وثيقة للمرتهن يستوفي منها دينه عند مطل الراهن، أو إفلاسه، فيأمن على ماله من الذهاب على معنى أن يكون الرهن موصلاً إلى ذلك، وهو لا يحصل هذا المقصود إلا باستحقاق المرتهن حبس المرهون، ومنعه عن الخروج من حوزته إلا بإذنه، ما دام الدين باقياً؛ إذ لو لم يكن له هذا الحق، وكان للراهن أن يسترده للانتفاع به - لفات هذا المقصودُ وهو التوثق للاستيفاء والصيانة، فإذا لم ينقطع انتفاعه عنه - لم يكن هناك تألم، أو ضجر يحمله على المسارعة إلى قضاء الدين، على أنه يخشى أن يجحد الرهن والدين متى عاد إلى يده بمقتضى ماله من حق الاسترداد هذا، وقد علم أن العقود إنما شرعت؛ ليترتب عليها ما هو المقصود منها، وإذا فات المقصود من الرهن بثبوت حَقُ الاسترداد للراهن - وجب ألا يكون له هذا الحق وإذاً لا يكون إلا بدوام حبسه تحت سيطرة المرتهن، فوجب المصير إليه إذا أمعنا النظر في هذا، رأينا أنهم قصروا سبيل الوصول إلى المقصود من الرهن، والحكمة التي شُرع = ١٦٣ كتاب الرهن لأجلها على الحبس الحقيقي، وجعلوا الرهن عديم الفائدة عند عدمه، ولكنه محل بحث؛ إذ الحبس = الحكمي كاف في صيانته حق المرتهن، كما لو أعاره من الراهن، فالنقص وارد عليه أيضاً. وتلافياً لما قد يحدث عن الاسترداد من الجحود لا يعاد إلا بالإشهاد، فإذا ما حل وقت الأداء، وبدا منه المطل - سلَّط الشارعُ عليه سلطانَ القضاء، فيلزمه بالتأدية، حتى إذا ما استمر في عناده باع الحاكم المرهون، أو ألزمه ببيعه، وقضى المرتهن دينه فلا يفوت المقصود. وبأن الرهن في اللغة الحبس. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»، أي: رهن؛ إذ لا جائز أن تكون رهينة مؤنث رهين؛ لأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، فمعنى الآية: كل نفس مرهونة بوبال ما اجترحته من الذنوب والخطايا. وإذاً، ثبت أن معناه: لغةً الحبس؛ لأن الله تعالى سمى العين التي ورد عليها عقد الرهن رهناً بمعنى مرهون، ثبت أن الحبس لدى المرتهن حكم شرعي للرهن؛ وذلك لأن للأسماء الشرعية دلالات بمعانيها اللغوية على أحكامها؛ لأنها مفهومة من اللفظ، ولا مانع من الجري على هذا المفهوم. وله نظير من الشرع فلفظ الطلاق، والحوالة، والكفالة قد اعتبر معناها اللغوي من أحكامها الشرعية اعترض بأن اللغة لا تنهض لإثبات حقّ حبس المرهون على سبيل الدوام؛ إذ هي تدلّ على مطلق الحبس، ولا شك أن المرهون محبوس حكماً بالدين، ولو لم يكن تحت يد المرتهن؛ لأن الراهن مغلول اليد من التصرف فيه بما يضر المرتهن بعد لزوم الرهن، فلا يباح له بيعه، أو رهنه، أو هبته من كل ما يعود على الدائن بالضرر؛ عملاً بقوله ويالقر: ((لا ضرر ولا ضرار))، فلا مخالفة للغة مع عدم ثبوت حق الحبس للمرتهن، فليس حكماً للرهن. يدل الشافعية، وعطاء، والحنابلة على أحد قولهم ما روي عن النبي وَّر: ((لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه))؛ إذ معنى قوله: ((لا يغلق الرهن)) لا يستحقه المرتهن بأن يدع الراهن قضاء حقه عند محله، ولا يستحق مرتهنه خدمته، ولا منفعة فيه بارتهانه إياه، ومنفعته للراهن؛ لأن النبي ◌َّر قال: ((هو من صاحبه الذي رهنه له غنمه))، ومنافعه من غنمه، وإذا كان للراهن الانتفاع بالمرهون؛ كما هو المتبادر من الحديث؛ إذ قد لا يتيسر مع حبسه عند المرتهن، تبين أن الحبس الدائم ليس حكماً للراهن. فعند الحنفية هذا الدليل بأنه لا حجة فيه؛ لأن معنى قوله وَ الر: ((لا يغلق الرهن)) لا يكون محبوساً حبساً كلياً لا رجوع فيه إلى صاحبه، على معنى أن يصير مملوكاً للمرتهن، فهذا ما نهى النبي ◌َِّ عنه بقوله: ((لا يغلق .... )) الخ، لا أنه لا يحبس أصلاً. يؤيد هذا ما روي عن الزهري قال: ((كانوا في الجاهلية يرتهنون، ويشترطون على الراهن إن لم يقض الدين إلى وقت كذا - فالرهن مملوك للمرتهن، فأبطل رسول الله وَ ل# ذلك بقوله: ((لا يغلق))، وأيضاً فإن سعيد بن المسيب قرر هذا المعنى حين سئل عنه، أهو قول الرجل إن لم يأت بالدين إلى وقت كذا، فالرهن بيعٌ له في الدين، فقال: نعم. وقوله مَله: ((هو لصاحبه)) تفسير للحديث على المعنى الذي ذكرنا، فلا يكون ملكاً للمرتهن بمقتضى ما اشترط . ويؤيد هذا رواية: ((الرهن من راهنه الذي رهنه))؛ إذ معناه: أنه باق على ملكه، ولا يخرج عنه بالشرط . = ١٦٤ كتاب الرهن والثاني أن الله - تبارك وتعالى - سَمَّاه رهناً، وكذا يسمى رهناً في متعارف اللغة والشرع، والرهن حبس في اللغة؛ قال الله - تبارك وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي: حبيسة بكسبها، فيقتضي أن يكون محبوساً ما دام مرهوناً، والشياع يمنع دوام الحبس، فيمنع جواز الرهن. وسواء كان فيما يحتمل القسمة أو فيما لا يحتملها؛ لأن الشيوع يمنع إدامة القبض فيهما والجواب أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وأن تفسير سعيد إنما هو اجتهاد منه، فلا حجة = فيه، وقوله ◌َّير: ((الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)) - صريح في أن منفعته لراهنه، وقد يتعذر استيفاؤها مع الحبس، ولا دلالة في حديث: ((الرهن من راهنه)) على أنه باق على ملكه؛ لأن معناه أنه من ضمان راهنه بدليل: ((وعليه غرمه)) - وسيأتي إيضاح أكثر في الانتفاع بالمرهون، والضمان. وبأن المقصود من شرع الرهن التوثّق، واطمئنان المرتهن على ماله؛ خشية الجحود أو المطل، وفي دوام حبسه عند المرتهن تفويتٌ لهذا المقصود، إذ ربما يهلك في يده، فيسقط من الدين بقدره على ما هو الحكم عندكم، فتكون الإضاعة لا التوثق. ورد عليه أن المرتهن بمقتضى ما ثبت له من يد الاستيفاء، أعني: الوصلة إليه، بالمعنى الذي بينا في دليلنا المعقول، ثبتت صيانة حق المرتهن عن الضياع، فلم يكن دوام حبسه تحت يده مفوتاً لما هو المقصود، بل محققاً له؛ إذ أن الهلاك ليس بغالب، فلا ينظر إليه. والجواب: أن قصدهم الوصول إلى الدين على الحبس تحت يد المرتهن ممنوع؛ إذ يمكن بيعه، والاستيفاء منه عند التعذّر بطريق القضاء، والإشهاد يمنع الجحود والإنكار، وكل ما رتَّبوه من المحظورات، مع أن في حبسه مراعاة لمصلحة المرتهن فقط؛ وإضراراً بالراهن، والنبي وَّر ينهى عن الضرار: ((لا ضرر ولا ضرار))، والإجابة بأن الهلاك نادر لا يلتفت إليه - واهية، إذ هذا إنما يكونُ عند تعين هذا الطريق مثلاً، وإذ قد تبين أنه غير متعين فسلوك طريق مقطوع بعدم ضرره أولى. وبأن في دوام حبسه تحت يد المرتهن، مع منع الراهن من الانتفاع الذي يمكن الحصول عليه من المرهون - تعطيلاً للعين التي ينتفع بها؛ وذلك لأن المرتهن أيضاً ممنوعٌ من الانتفاع؛ والتعطيل تسبيب، وهو من أعمال الجاهلية التي ورد الشرع بتحريمها: ((وَلاَ سَائِبَةً))، وما كان ذلك إلا من استمرار الحبس عند المرتهن، فلا يصح أن يكون حكماً للرهن. ومنع أن في دوام الحبس تسبيباً؛ إذ الراهن بعقد الرهن، وقبض المرتهن - أصبح موفياً في حق الحبس، والمرتهن صار مستوفياً هذا الحق، والإيفاء والاستيفاء من المنافع المقصورة من الأحوال، فلا تسبيب، فصح أن يكون حبسه في يد المرتهن حقاً ثابتاً له، فوجب القول به. والجواب أن هذا لا يتفق والسنة: ((له غنمه وعليه غرمه))، والحبس الحكمي كافٍ كما أسلفنا. هاتان نظريتان متقابلتان، إحداهما: للحنفية ومن معهم، والأخرى للشافعية ومن معهم، وغير خافٍ أن في الأخذ بوجهةٌ الشافعية ومن معهم جمعاً بين المصلحتين مصلحة الراهن والمرتهن؛ إذ يباح الانتفاع للأول في حدود لا تمس الثاني من قرب أو من بعد، هذا ما بدا لي .... والله أعلم بالصواب. ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى، وينظر المبسوط ٦٦/٢١ - ٧١ والزيلعي ٦٢/٦ - ٦٤ والأم ١٤٧/٣ - ١٤٨. ١٦٥ كتاب الرهن جميعاً، وسواء كان الشيوع مقارناً أو طارئاً في ظاهر الرواية؛ لأن كل ذلك يمنع دوام القبض؛ وسواء كان الرهن مِنْ أجنبيٍّ أو من شريكه؛ لأنه لو جاز لأمسكه الشريك يوماً بحكم الملك، ويوماً بحكم الرهن، فتختلف جهة القبض والحبس، فلا يدوم القبض والحبس من حيث المعنى، ويصير كأنه رهنه يوماً ويوماً لا، وذا لا يجوز؛ [كذا هذا](١) وعلى هذا أيضاً يخرج رهن ما هو متصل بعين ليس بمرهون؛ لأن اتصاله/ بعين المرهون يمنع من إدامة القبض عليه؛ وأنه شرط جواز الرهن. ومنها: أن يكون فارغاً عما (٢) ليس بمرهون. ومنها: أن يكون منفصلاً مميزاً عما ليس بمرهون، وخرجت على كل واحد منهما مسائله التي ذكرنا، فافهم. وأما الذي يَرْجِعُ إلى المرهون به فأنواعٌ: منها أن يكون مضموناً، والكلام في هذا الشرط يقع في موضعين: أحدُهما: في أصل اشتراط الضمان. والثاني: في صفة المضمون. أما الأول فأصلُ الضمان هو كون المرهون به مضموناً شرط جواز الرهن؛ لأن المرهون عندنا مضمونٌ بمعنى سقوط الواجب عند هلاكه، أو بمعنى استيفاء الواجب، ولسنا نعني بالمضمون سوى أن يكون واجب/ التسليم على الراهن. والمضمون نوعان: دينٌّ وعينٌ. أما الدين: فيجوز الرهن به بأيِّ سببٍ وجب من الإتلاف والغصب والبيع ونحوها؛ (٣) ٢٠٢/٣ب (١) سقط من ط. (٢) في ط: ما. (٣) من شروط المرهون به أن يكون ديناً: فلا يجوز الرهن بالأعيان إذا كانت أمانة كالوديعة . ومال القراض والعين المستأجرة باتفاق العلماء. واختلفوا في العين المضمونة كالمغصوب. فذهب الشافعي إلى أنه لا يرهن بها . وذهب المالكية إلى أنه يرهن بها. والحنفية يرون جواز الرهن بها إذا كانت مضمونة بنفسها كالمغصوب أما إذا كانت مضمونة بغيرها كالرهن فمحل خلاف عندهم. ١٦٦ کتاب الرهن ومنشأ الخلاف هل الشرط في المرهون به أن يكون ديناً كما سلف أو الشرط كونه مضموناً؛ إلى الأول = ذهب الشافعي وإلى الثاني ذهب المالكية والحنفية إذ كونه مضموناً أعم. احتج بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾. وجه الدلالة: أن الله تعالى ذكر الرهن في المداينة فلا يثبت في غيرها وأيضاً لو رهن على قيمتها إذا تلفت لم يصح لأنه رهن على دين قبل ثبوته وسيأتي أنه لا يصح بدين موعود به وأنه رهن على عينها لم يصح لأنه لا يمكن استيفاؤها من المرهون. استند الحنفية إلى أن الأعيان المضمونة بنفسها كالمغصوب في يد الغاصب والمهر في يد الزوج وبدل الخلع في يد المرأة وبدل الصلح عن دم العمد والمقبوض على سوم الشراء متقرر فيها الوجوب الذي يعتمده الرهن وذلك أن المقبوض على سوم الشراء مثلاً بمجرد القبض صارت ذمة القابض مشغولة بمثل المقبوض إن كان مثلياً أو بقيمة أنه كان متقوماً ما دام مقبوضاً على سوم الشراء على ما جرى عليه جمهورهم ورد العين المقبوضة يكون مخلصاً من ذلك الواجب الذي ثبت في ذمة القابض لا أنه هو الواجب مبدئياً يدل على ذلك صحة الإبراء عنه وانتفاء وجوب الزكاة على من هو في يده في قدر القيمة في ماله ولا يثبت شيء من ذلك لو كان الواجب مبدئياً هو العين المقبوضة وإذا ثبت أن الواجب الأصلي فيها هو المثل أو القيمة فذلك دين ولا شك في صحة الرهن به. وعلى رأي من قال إن الواجب ابتداء فيها هو العين ورد المثل أو القيمة مخلص من ذلك الواجب عند تعذر الوصول إليه بسبب الهلاك حصل سبب الوجوب للقيمة بالقبض فيصح أيضاً لهذا تعتبر قيمته يوم قبضه فكان في حكم الموجود لوجود سببه كما صحت الكفالة المنجزة به ما ذاك إلا لأن الوجوب لوجود سببه جعل كالموجود فيكون الرهن بهذه الأعيان رهناً بما تقرر وجوبه على ما جرى عليه جمهورهم أو بما تقرر سبب وجوبه على قول البعض وهو صحيح لأن له حكم الموجود. ويظهر أن المالكية ينزلون العين المضمونة مطلقاً منزلة الدين إذ لم أقف على دليل لهم. يرد على الحنفية أنه ليس الواجب المثل أو القيمة بل الواجب رد العين نفسها وما ذكروه من انتفاء وجوب الزكاة غير مسلم وكذا صحة الإبراء ويلزم ما ذكره الشافعية من أنه إما أن يكون رهناً بدين موعود به وهو غير جائز أو أن لا يمكن استيفاؤها من المرهون وهذا الأخير وارد على المالكية أيضاً فلا يجوز الرهن بالعين المضمونة فالأولى اشتراط الدينية. وقد أخذ الوضعيون برأي المالكية. وأن يكون ثابتاً: لتوضيح هذا نقول: أن للرهن ثلاثة أحوال: أن يكون عقد الرهن بعد ثبوت الحق في الذمة، وهو جائز باتفاق؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها كالضمان، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . فجعله بدلاً من الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحق، وفي الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَتْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . فجعله جزاء للمداينة مذكوراً بعدها بفاء التعقيب. أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين؛ بأن يقول البائع: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر، ترهنني به = ١٦٧ کتاب الرهن منزلك، فيقول: اشتريت ورهنت. = فيصح أيضاً عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق، ويشترطه فيه - لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أن لا يبذله، فتفوت الوثيقة. أن يقع عقد الرهن على دين موعود به وهو محل خلاف بين الفقهاء فرأى الشافعية والحنابلة أنه لا يجوز وصورته أن يقول: رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غداً. ويرى أبو حنيفة ومالك وأبو الخطاب من الحنابلة أنه يجوز فمتى أقرضه الدراهم لزم الدين. احتج الشافعية والحنابلة بأن الرهن تابع للحق فلا يسبقه كالشهادة وبأنه كالثمن لا يتقدم البيع. يرهن الحنفية والمالكية وأبو الخطاب بأن الرهن وثيقة بحق فجاز عقدها قبل وجوبه كالضمان أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل كضمان الدرك. اعترض هذا الدليل بأن الضمان يحتمل أن تمنع صحة وأنه سلم فقياس مع الفارق إذ الضمان التزام مال تبرعاً بالقول فجاز من غير حق ثابت كالنذر بخلاف الرهن فيترجح الأول. وأن يكون معلوماً للراهن والمرتهن فلو جهلاه أو أحدهما لم يصح وأن يكون لازماً فيجوز أخذ الرهن على دين السلم (المسلم فيه) وعوض القرض والثمن باتفاق للآية: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ وللخبر «روي عن أنس أن النبي ◌ّلقول رهن درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله». واختلف العلماء في الرهن على الأجرة قبل الانتفاع في إجارة العين والصداق وعوض الخلع ومال الصلح وأرش الجناية وغرامة المتلف. فذهب الجمهور إلى الجواز والظاهرية إلى المنع. أبد الجمهور بأنه دين لازم فجاز أخذ الرهن عليه كدين السلم وعوض القرض والثمن. استدل الظاهرية بقوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ إلى أن قال: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾. إذ معناه عندهم أنه يجوز اشتراط الرهن حيث أجازه الله والدين إلى أجل لا يعدو أن يكون بيعاً أو سلماً أو قرضاً فهذه الوجوه يجوز فيها اشتراط التأجيل لورود النصوص بوجوبه في السلم وجوازه في القرض والبيع ولا يجوز فيما عدا ذلك أصلاً لأنه لم يأت في شيء من المعاملات سوى ما ذكرنا نص على جواز اشتراط التأجيل فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل. وقد اعتبروا السفر قيداً في هذه الثلاثة وفقد الكاتب كذلك وقد بينت أن ذكر السفر ليس للتقييد وإنما هو مخرج مخرج الغالب فلا مفهوم له والسنة مصرحة بجوازه في الحضر. اعترض عليهم بأن ما ذكر من الصداق وعوض الخلع والأجرة وغير ذلك مقيس على دين السلم وعوض القرض والقياس كاشف عن حكم الله فيه فلم يصدق عليه الحديث الذي ذكروه إذ المراد منه والله أعلم أن كل شرط يخالف ما أمر الله به أو نهى عنه فهو باطل يؤيده ((كل شيء ليس عليه أمرنا فهو رد)) وليس ما معنا من هذا القبيل فالظاهر اشتراط اللزوم. ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى، وينظر مغني المحتاج شرح المنهاج ١٢٦/٢، والمحلى ٨٨/٨. ١ ١٦٨ کتاب الرهن لأن الديون كلها واجبة على اختلاف أسباب وجوبها، فكان الرهن بها رهناً بمضمون فيصح، وسواء كان مما يحتمل الاستبدال قبل القبض أو لا يحتمله؛ كرأس مال السلم وبدل الصرف والمسلم فيه، وهذا عند أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: لا يجوز الرهن بهذه الديون. وجه قوله إن سقوط الدين عند هلاك الرهن بطريق الاستبدال على معنى أن عين الدين تصير بدلاً عن الدين، لا بطريق الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء لا يتحقق إلا عند المجانسة، والرهن مع الدين يكونان مختلفي الجنس عادة، فلا يمكن(١) القول بالسقوط بطريق الاستيفاء، فتعين أن يكون بطريق الاستبدال، فيختص جواز الرهن بما يحتمل الاستبدال، وهذه الديون كما لا يجوز استبدالها فلا يجوز الرهن بها. ولنا أن السقوط بطريق الاستيفاء لما نذكر في حكم الرهن إن شاء الله تعالى، واستيفاء هذه الديون ممكنٌ. وأما قوله الاستيفاء يستدعي المجانسة، قلنا: المجانسة ثانيةٌ من وجهٍ؛ لأن الاستيفاء يَقعُ بمالية الرهن لا بصورته، والأموال كلها فيما يرجع إلى معنى المالية جنس واحد، وقد يسقط اعتبار المجانسة من حيث الصورة، ويكتفي بمطلق المالية للحاجة والضرورة؛ كما في إتلاف ما لا مثل له من جنسه، وقد تحققت الضرورة في باب الرهن لحاجة الناس إلى توثيق ديونهم من(٢) جانب الاستيفاء، فأمكن القول بالاستيفاء، وَإِذَا جاز الرهن بهذه الديون فإن هلك الرهن(٣) في المجلس تم الصرف والسلم؛ لأنه صَارَ مستوفياً عين حقه في المجلس لا مستبدلاً، وَإن لم يملك حتى افترقا بطّلا؛ لفوات شرط البقاء على الصحة؛ وهو القبض في المجلس. وأما العين فنقول: لا خلافَ في أنه لا يجوز الرهن بالعين التي هي أمانة في يد المرتهن (٤)؛ كالوديعة، والعارية، ومال المضاربة، والبضاعة، والشركة، والمستأجر؛ ونحوها، فإنها ليست بمضمونةٍ أصلاً. وأما العين المضمونة فنوعان: نوعٌ هو مضمون بنفسه، وهو الذي يجب مثله عند هلاكه إن كان له مِثْلٌ، وقيمته إن لم يكن له مثلٌ؛ کالمغصوب في يد الغاصب، والمهر في يد الزوج، وبدل الخلع في يد المرأة، وبدل الصلح عن دم العمد في يد العاقلة، ولا خلاف في (١) في ط: يكون. (٢) في ط: من. (٣) في أ: الدين. (٤) في طـ: الراهن. ١٦٩ كتاب الرهن أنه يجوز الرهن به، وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى يسترد العين، فإن هلك المرهون في يده قبل استرداد العين، والعين قائمة، يقال للراهن: سلْم العين إلى المرتهن وخذ منه الأقل من قيمة الرهن ومن الدين؛ لأن المرهون عندنا مضمونٌ بذلك، فإذا وصل إليه العين يجب عليه رد قدر المضمون إلى الراهن، فإن هَلَكَتِ العين والرهن قائمٌ، صار الرهن بها رهناً بقيمتها، حتى لو هلك الرهن بعد ذلك يهلك مضموناً بالأقل من قيمته وقيمة العين؛ لأن قيمة العين بدلها، وبدل الشيء قائمٌ مقامه؛ كأنه هو . وأما الذي هو مضمون بغيره لا بنفسه؛ كالمبيع في يد البائع ليس هو مضموناً بنفسه؛ ألا ترى أنه لو هلك في يده لا يضمن شيئاً، بل هو مضمون بغيره، وهو الثمن، حتى يسقط الثمن [عن](١) المشتري إذا هلك، فَهَلْ يجوز الرهن به؟ ذكر في ((كتاب الصرف)) أنه يجوز، وله أن يحبسه حتى يقبض المبيع، وإن هلك في يده قبل القبض يهلك بالأقل من قيمته ومن قيمة المبيع، ولا يصير قابضاً للمبيع بهلاكه، وله أن يقبض المبيع إذا أوفى ثمنه، وعليه أيضاً ضمان الأقل بهلاك الرهن [في يده](٢)، ولو هلك المبيع قبل القبض، والرهن قائم، بطل البيع؛ لأن هلاك المبيع قبل القبض يوجب بطلان البيع (٣)، وعلى المشتري أن يرد الرهن على البائع، ولو هلك في يده قبل الرد هلك بضمانه، وهو الأقل من قيمته ومن قيمة المبيع للبائع، ولا يبطل ضمانه بهلاك المبيع وبطلان البيع؛ لأنه وإن هلك المبيع فقد سقط الثمن بمقابلته، فكان بطلانه بعوض، فلا يبطل ضمانه، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصح الرهن، وبه أخذ الكرخي. وجه رواية الحسن/ أن قبض الرهن قبض استيفاء المرهون، ولا يتحقق معنى الاستيفاء ١٢٠٣/٣ في المضمون بغيره؛ لأن المشتري لا يصير مستوفياً شيئاً بهلاك الرهن، إنما يسقط عنه الثمن لا غیر. وجه ظاهر الرواية أن الاستيفاء هاهنا يحصل من حيث المعنى؛ لأن المبيع قبل القبض إن لم يكن مضموناً بالقيمة، فهو مضمون بالثمن. ألا ترى أنه لو هلك يسقط الثمن عن المشتري، فكان سقوط الثمن عنه كالعوض عن هلاك المبيع، فيحصلُ مستوفياً مالية المبيع من الرهن من حيث المعنى، فكان في معنى المضمون بنفسه فیصح الرهن به . ولو تزوَّج امرأة على دراهم بعينها، أو اشترى شيئاً بدراهم بعينها، فأعطى بها رهناً - لم (١) سقط من ط. (٣) في ط: المبيع. (٢) سقط من ط. ١٧٠ کتاب الرهن يجز عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم - وعند زفر يجوز، بناءً على أن الدراهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات، وإن عينت، فكان الواجب على الراهن مثلها لا عينها، فلم يكن المعين مضموناً، فلم يجز الرهن به، وعنده يتعين بالتعيين بمنزلة العوض، فكان المعين مضموناً، فجاز الرهن به، ولا يجوز الرهن بالكفالة بالنفس؛ لأن المكفول به ليس بمضمون على الكفيل؛ ألا ترى أنه لو هلك لا يجب على الراهن شيء، ولا يسقط عن المرتهن [شيء](١) بمقابلته، ولا يجوز الرهن بالشفعة؛ لأن الشفعة ليست بمضمونة على المشتري؛ بدليل أنه لو هلك لا يجب عليه شيء، ولا يسقط عن المرتهن بشيء بمقابلته، فكان رهناً بما ليس بمضمون، فلم يجز. وَلاَ يجوز الرهن بالعبد الجاني والعبد المديون؛ لأنه لو هلك لا يجب على المولى شيء ولا يسقط المرتهن شيء بمقابلته، فلم يكن مضموناً أصلاً، فلا يصح الرهن به، ولا يجوز الرهن بأجرة النائحة والمغنية؛ بأن استأجر مغنية أو نائحةً وأعطاهما بالأجرة رهناً؛ لأن الإجارة لم تصح، فلم تجب الأجرةُ، فكان رهناً بما ليس بمضمون، فلم يجز. ولو دفع إلى رَجُلٍ رهناً ليقرضه، فهلك الرهن قبل أن يقرضه، يهلك مضموناً بالأقل من قيمته ومما سمي من القرض، وَإِن حَصَلَ الارتهان بما ليس بمضمون، لكنه في حكم المضمون؛ لأنه قبض الرهن ليقرضه، فكان قبض الرهن على جهة الضمان والمقبوض على جهة شيء كالمقبوض على حقيقته في الشرع؛ كالمقبوض على سوم الشراء. وَأَما صفة المضمون فنوعان: أحدُهما متفقٌ عليه. والثاني: (٢) مختلفٌ فيه. أما المتفق عليه: هو أن يكون مضموناً في الحال، فلا يصح الرهن بما يصير مضموناً في الثاني؛ كالرهن بالدرك؛ بأن باع شيئاً وقبض الثمن وسلم المبيع إلى المشتري، فخاف المشتري الاستحقاق، فأخذ بالثمن من البائع رهناً قبل الدرك، لا يجوز حتى لا يملك الحبس، سواء وجد الدرك أو لم يوجد، ولو هلك يهلك أمانةً، سواء وجد الدرك أو لم يوجد؛ وكذا إذا ارتهن بما يثبت له على الراهن في المستقبل، لا يجوز بخلاف الكفالة، فإنَّ الكفالة بما يصير مضموناً في الثاني جائزة؛ كما إذا كفل بما يذوب له على فلان ونحو ذلك؛ لأن الارتهان استيفاء من وجه للحال، ولا شيء للحال يستوفى، واستيفاء المعدوم محالٌ؛ بخلاف الكفالة؛ ولأن الرهن والارتهان لما كان من باب الإيفاء والاستيفاء أشبه البيع، فلا يحتمل الإضافة إلى (١) سقط من ط. (٢) في أ: الأخذ. ١٧١ كتاب الرهن المستقبل كالبيع؛ ولأن القياس يأبى جوازهما جميعاً؛ لأن كل واحد منهما يستدعي مضموناً، إلا أن الجواز في الكفالة لتعامل الناس، ولا تعامل في الرهن، فيبقى الأمر فيه على أصل القياس، وبخلاف ما إذا دفع إلى إنسان رهناً ليقرضه؛ أن الرهن يكون مضموناً، وإن كان ذلك رهناً بما ليس بمضمونٍ في الحال؛ لأن له حكم المضمون، وإن لم يكن مضموناً حقيقة؛ لوجود القبض على جهة الضمان، والمقبوض على جهة شيء بمنزلة المقبوض على حقيقة كالمقبوض على سوم الشراء، ولم يوجد هنا، ولو قال لآخر: ضمنت لك مالك على فلان إذا حل، يجوز أخذ الكفيل والرهن به. ولو قال: قدم فلان فأنا ضامنٌ مالك عليه، لم يجز أخذ الرهن به، ويجوز أخذ الكفيل، والفرقُ أن في المسألة الأولى الكفالة والرهن [على](١) كل واحد منهما أضيف إلى مضمون في الحال؛ لأن الدين المؤجل واجب قبل حلول الأجل على طريق التوسع، وإنما تأثير التأجيل في تأخير المطالبة بخلاف الرهن بضمان الدرك؛ لأنه لا مضمون هنالك للحال، ولا ما له حكم المضمون؛ بخلاف ما إذا قال: إذا قدم فلان فأنا/ ضامنٌ ما لك عليه؛ لأن ذلك تعليق الضمان ٢٠٣/٣ب بقدوم فلان، فكان عدماً قبل وجود الشرط، فلم توجد الإضافة إلى مضمون للحال، فبطل الرهن وصحت الكفالة؛ لأنها لا تستدعي مضموناً في الحال، بل في الجملة على ما مَرَّ . وأما المختلفُ فيه، فهو أن الشرط كونه مضموناً ظاهراً وباطناً، أو كونه مضموناً من حيث الظاهر يكفي لجواز الرهن. ذكر محمد في ((الجامع)) ما يدلُّ على أن كونه مضموناً في الظاهر كافٍ، ولا يشترط كونه مضموناً حقيقةً، فإنه قال: إذا ادعى على رجل ألفاً وهي قرض عليه، فجحدها المدعى عليه ثم إنه صالح المدعي من ذلك على خمسمائة. وأعطاه بها رهناً يساوي خمسمائة، ثم تصادقا على أن ذلك المال كان باطلاً، وأنه لم يكن للمدعى عليه شيء، ثم هلك الرهن في يده - كان علی المرتهن أن يرد على الراهن خمسمائة؛ لأن الدين كان ثابتاً على الراهن من حيث الظاهر. ألا ترى أنهما لو اختصما إلى القاضي قبل أن يتصادقًا أن القاضي يجبر المدعى عليه على إيفاء الخمسمائة، فكان هذا رهناً بما هو مضمون ظاهراً، فيصح، يدلّ عليه أن الرهن بجهة الضمان جائزٌ على ما ذكرنا؛ فلأن يجوز بالضمان الثابت من حيث الظاهر أَوْلَى. وروي عن أبي يوسف أنه لا يضمن شيئاً؛ لأنهما لما تصادقًا على أنه لم يكن عليه شيءٌ، تبين أن الرهن حصل بما ليس بمضمون أصلاً، فلم يصح، وكذا ذكر في ((الجامع)) إذا (١) سقط من ط. (٢) في أ: لصحة. ١٧١ كتاب الرهن اشترى من رجل عبداً بألف درهم، وقبض العبد وأعطاه بالألف رهناً يساوي ألفاً، فهلك الرهن عند المرتهن، ثم قامتِ البينةُ على أن العبد حُرٍّ، أو استحق العبد من يده يهلك مضموناً؛ لأن الألف كانت مضمونة على الراهن ظاهراً، فقد حصل الارتهان بدين مضمون عليه من حيث الظاهر، فجاز؛ وكذا لو اشترى شاةً مذبوحة بعشرة دراهم، أو اشتر دنًّا من خلِّ وأعطاه بالثمن رهناً، فهلك الرهن ثم علم أن الشاة ميتة والخل خمرٌ، فالرهنُ مضمون لما قلنا؛ وكذا لو قتل عبد إنسان خطأ وأعطاه بقيمته رهناً، ثم علم أن العبد حُرٍّ، كان المرهون مضمونًا بالأقل من قيمته ومن قيمة العبد، لما ذكرنا. وعلى قياس ما روي عَنْ أبي يوسف يَنبَغِي أن لا يضمن في هذه المسائل أيضًا؛ لأنه تبين أَنَّ الارتهان حصل بما ليس بمضمون حقيقة، فلم یصح. ولو ادعى المستودع أو المضارب هلاك الوديعة أو المضاربة، وادعى رب المال عليهما الاستهلاك، وتصالَحا على مالٍ، وأخذ رب المال بالمال رهنًا من المستودع، فهلك عنده، ثم تصادقا على أن الوديعة هلكت عنده - يضمن المرتهن عند محمدٍ، وعند أبي يوسف: لا يضمن، وهذا الاختلاف بناءً على اختلافهما في صحة الصلح، فعند محمد: لما صح الصلح كان رهناً بمضمون من حيث الظاهر، فيصح، وعند أبي يوسف: لما لم يصح فقد حصل الرهن بما ليس بمضمون حقيقة، فلم يصح. ومنها أن يكون محتملاً للاستيفاء من الرهن، فإن لم يحتمل. لم يصح الرهن به؛ لأن الارتهانَ استیفاءً . وعلى هذا يخرج الرهن بالقصاص في النفس وما دونها أنه لا يجوز؛ لأنه لا يمكن استيفاء القصاص من الرهن، ويجوز الرهن بأرش الجناية؛ لأن استيفاءه من الرهن ممكنٌ، فصح الرهن به . وعلى هذا أيضاً يخرج الرهن بالشفعة أنه لا يصح؛ لأن حق الشفعة لا يحتمل الاستيفاء من الرهن، فلم يصح الرهن به. وعلى هذا أيضاً يخرج الرهن بالكفالة بالنفس، فإنه لا يجوز؛ لأن المكفول به مما لا يحتمل الاستيفاء من الرهن. فصل في حكم الرهن وأما حكم الرهن، فنقول وبالله التوفيق: الرهنُ نوعان: صحيحٌ وفاسدٌ، أما الأول فله أحكام، بعضُها يتعلق بحال قيام المرهون، وبعضها يتعلق بحالٍ هلاكه. ١٧٣ کتاب الرهن أما الذي يتعلق بحالٍ قيامه فعندنا ثلاثة، الأول: ملك حبس المرهون على سبيل الدوام إلى وقتِ الفكاكِ، أو (١) ملك العين في حق الحبس على سبيل الدوام إلى وقت الفكاك، أو كون المرتهن أحق بحبس المرهون على سبيل اللزوم إلى وقت الفكاكَ والعبارات [الثلاثة](٢) متفقة المعاني في متعارف الفقهاء. والثاني: اختصاص المرتهن ببيع المرهون، أو اختصاصه بثمنه، وهذان/ الحكمان ١٢٠٤/٣ أصليان للرهن عندنا. والثالث: وجوب تسليم المرهون عند الافتكاك. وقال الشافعي - رحمه الله -: الحكم الأصلي للرهن واحدٌ، وهو كون المرتهن أحق ببيع المرهون، وأخص بثمنه من بين سائر الغرماء، فأما حق حبس المرهون فليس بحكم لازم، حتى أن المرهون إن كان شيئاً يمكن الانتفاع به بدون استهلاكه، كان للراهن أن يسترده من يد المرتهن، فينتفع به، فإذا فرغ من الانتفاع ردَّه إليه، وإن كان شيئاً لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، كالمكيل والموزون، فليس للراهن أن يسترده من يده؛ احتج بما رويٍ عَنْ رَسُولِ الله - وَّ أنه قال: لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ولا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، هُوَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَّهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ))(٣) . (١) في ط: و. (٢) سقط من ط. (٣) ورد هذا الحديث موصولاً ومرسلاً نحوه ومثله. أما الموصول فهو من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً. وقد رواه عن الزهري جماعة وهم زياد بن سعد وإسحاق بن راشد ومالك ويحيى بن أبي أنيسة وابن أبي ذئب وسليمان بن داود ومحمد بن الوليد ومعمر. أما رواية زياد بن سعد. فأخرجها ابن حبان (١١٢٣ - موارد) والحاكم (٥١/٢) والدار قطني (٣٢/٣) كتاب البيوع: حديث (١٢٦) والبيهقي (٣٩/٦) كتاب الرهون: باب الرهن غير مضمون وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٥/٧) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َله: ((لا يغلق الرهن له غنمه وعليه غرمه)). قال الدارقطني: وهذا إسناد حسن متصل. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف فيه على أصحاب الزهري وقد تابعه - يعني زياد - مالك وابن أبي ذئب وسليمان بن أبي داود الحراني ومحمد بن الوليد الزبيدي ومعمر بن راشد على هذه الرواية ((ووافقه الذهبي)) وصحح هذا الطريق أيضاً ابن حبان. وقال أبو نعيم: غريب من حديث ابن عيينة عن زياد عن الزهري تفرد به عبد الله العابدي عن أبيه. = ١٧٤ كتاب الرهن ١ قلت: وفي كلام أبي نعيم نظر من وجهين. = الأول: قوله عبد الله العابدي عن أبيه فالسند ليس فيه ذكر لوالد عبد الله إنما هو عبد الله العابدي عن سفيان مباشرة. الثاني: دعوى تفرد عبد الله العابدي به كيف وقد تابعه إسحاق بن الطباع عند ابن حبان في صحيحه. روایة إسحاق بن راشد. أخرجها ابن ماجه (٨١٦/٢) كتاب الرهون: باب لا يغلق الرهن حديث (٢٤٤١) من طريق محمد بن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار عن إسحاق بن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقر قال: ((لا يغلق الرهن)). قال الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٢٥٧/٢): هذا إسناد ضعيف محمد بن حميد الرازي وإن وثقه ابن معين في رواية فقد ضعفه في أخرى وضعفه أحمد والنسائي والجوزجاني وقال ابن حبان: يروى عن الثقات المقلوبات وقال ابن وارة ... كذاب. اهـ. رواية مالك. أخرجها ابن جميع في ((معجم شيوخه)) (ص - ٢١٠ - ٢١١) رقم (١٦٨). من طريق محمد بن كثير والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٠٣/٣ - ٣٠٤)، (١٦٥/٦) من طريق إبراهيم بن أبي سكينة ومحمد بن كثير كلاهما عن مالك بن أنس عن الزهري عن سعيد المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويالقر: ((لا يغلق الرهن له غنمه وعليه غرمه)). رواية يحيى بن أبي أنيسة . أخرجها الشافعي في ((الأم)) (١٦٧/٣) باب ضمان الرهن وفي («المسند» (١٦٤/٢) كتاب الرهن حديث (٥٦٨) من طريق الثقة عن يحيى بن أبي أنيسة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله وَله: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غُنْمُه وعليه غرمه)). رواية ابن أبي ذئب. أخرجها الدارقطني (٣٣/٣) كتاب البيوع حديث (١٢٧) والحاكم (٥١/٢) والبيهقي (٣٩/٦) كتاب الرهن: باب الرهن غير مضمون من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ ر: ((لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه)). وأخرجه الدارقطني (٣٣/٣) كتاب البيوع حديث (١٣٣) والحاكم (٥١/٢) وابن حزم في ((المحلى)) (٨/ ٩٩) وابن عدي في «الكامل)) (٤/ ١٥٤٦) كلهم من طريق عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي ثنا شبابة عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢٠/٤) وصححه عبد الحق في أحكامه من هذا الطريق، قال ابن القطان: وأراه إنما تبع في ذلك أبا عمر بن عبد البر فإنه صححه وعبد الله بن نصر هذا لا أعرف حاله وقد روى عنه جماعة وذكره ابن عدي في كتابه، ولم يبين من حاله شيئاً إلا أنه ذكر له أحاديث منكرة منها هذا انتهى كلامه وقال في ((التنقيح)) - ابن عبد الهادي -: عبد الله بن نصر البزار الأنطاكي ليس بذاك المعتمد وقد روى عن أبي بكر بن أبي عياش وابن علية ومعن بن عيسى وابن فضيل وروى عنه أبو حاتم الرازي. اهـ. وقد روى ابن أبي ذئب هذا الحديث مرسلاً أيضاً. = ١٧٥ کتاب الرهن أخبر عليه الصلاة والسلام أن الرهن لا يغلق، أي: لا يحبس، وعندكم يحبس، فكان حجة عليكم؛ وكذا أضاف عليه الصلاة والسلام الرهن إلى الراهن بلام التمليك، وسماه صاحباً له على الإطلاق، فيقتضي أن يكون هو المالك للرهن مطلقاً، رقبة وانتفاعاً وحبساً؛ ولأن أخرجه الشافعي في («المسند» (١٦٣/٢) كتاب الرهن حديث (٥٦٧) وابن أبي شيبة (١٨٧/٧) رقم = (٢٨٤١) وعبد الرزاق (٢٣٧/٨) رقم (١٥٠٣٤) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٠/٤) والبيهقي (٣٩/٦) كتاب الرهن: باب في زيادات الرهن، من طرق عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسیب مرسلاً. رواية سليمان بن داود. أخرجه الدارقطني (٣٣/٣) كتاب البيوع رقم (١٢٨) والحاكم (٥١/٢) وابن عدي في ((الكامل)) (١/ ١٧٦) من طريق أبي ميسرة أحمد بن عبد الله بن ميسرة ثنا سليمان بن داود الحراني عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ لو قال: ((لا يغلق الرهن حتى يكون لك غنمه وعليك غرمه)» . . وأحمد بن عبد الله بن ميسرة ضعيف. قال ابن عدي: حدث عن الثقات بالمناكير ويحدث عمن لا يعرف ويسرق حديث الناس. وذكره الدارقطني في ((الضعفاء والمتروكين)) (٥١). رواية محمد بن الوليد. أخرجه الدار قطني (٣٣/٣) كتاب البيوع حديث (١٢٩) والحاكم (٥١/٢) من طريق إسماعيل بن عياش ثنا محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وليته : «لا یغلق الرهن له غنمه وعليه غرمه)). رواية معمر. أخرجه الدارقطني (٣٣/٣) كتاب البيوع حديث (١٣١) والحاكم (٥٢/٢) من طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((لا يغلق الرهن لك غنمه وعليك غرمه)). قال الدارقطني: أرسله عبد الرزاق وغيره عن معمر. أما الحديث المرسل. فأخرجه مالك (٧٢٨/٢) كتاب الأقضية: باب ما لا يجوز من غلق الرهن حديث (١٣) ومن طريقه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٠/٤) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٢٤٢/١٢) عن الزهري عن سعيد بن المسيب به مرسلاً. وقد تابع مالك جماعة منهم. يونس وشعيب أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار» (١٠٠/٤ - ١٠١) ومعمر أخرجه عبد الرزاق (٢٣٧/٨) رقم (١٥٠٣٣) والدارقطني (٣٣/٣) والبيهقي (٤٠/٦) كتاب الرهن: باب الرهن غير مضمون وتابعه أيضاً ابن أبي ذئب وقد تقدمت تخريج روايته الموصولة والمرسلة. قال الزيلعي في ((نصب الراية)» (٣٢١/٤): قال صاحب التنقيح: وقد صحح اتصال هذا الحديث الدارقطني وابن عبد البر وعبد الحق ... )) اهـ. قلت: وقد صحح وصله أيضاً الحاكم وابن حبان وابن حزم. ١٧٦ کتاب الرهن الرهن شُرع توثيقاً للدين، وملك الحبس على سبيل الدوام(١) يضاد معنى الوثيقة؛ لأنه يكون في يده دائماً، وعسى يهلك، فيسقط الدين، فكان توهيناً للدين لا توثيقاً له؛ ولأن فيما قلتم تعطيل العين المنتفع بها في نفسها من الانتفاع؛ لأن المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالرهن أصلاً، والراهن لا يملك الانتفاع به عندكم فكان تعطيلاً، والتعطيلُ تسبيب، وأنه من أعمال الجاهلية، وقد نفاه الله - تبارك وتعالى - بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]. ولنا: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا، فَرِهَانْ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ؛ أخبر الله - تعالى - بكون الرهن مقبوضاً، وإخباره - سبحانه وتعالى - لا يحتمل الخلل، فاقتضى أن يكون المرهون مقبوضاً ما دام مرهوناً؛ ولأن الرهن في اللغة عبارة عن الحبس؛ قال الله - عَزَّ وجل: ﴿كُلُّ آمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] أي: حبيس، فيقتضي أن يكون المرهون(٢) محبوسًا ما دام مرهوناً، ولو لم يثبت ملك الحبس على الدوام، لم يكن محبوساً على الدوام، فلم يكن مرهوناً؛ ولأن الله - تعالى - لما سمى العين التي ورد العقد عليها رهناً، وأنه ينبىء عن الحبس لغةً، كان ما دل عليه اللفظ لغة حكماً له شرعاً؛ لأن للأسماء الشرعية دلالاتٍ على أحكامها؛ كلفظ الطلاق والعتاق والحوالة والكفالة ونحوها؛ ولأن الرهن شرع وثيقة بالدين، فيلزم أن يكون حكمه ما يقع به التوثيق للدين كالكفالة، وإنما يحصل التوثيقُ إذا كان يملك حبسه على الدوام؛ لأنه يمنعه عن الانتفاع، فيحمله ذلك على قضاء الدين في أسرع الأوقات؛ وكذا يقع الأمن عن تواء حقه بالجحود والإنكار؛ على ما عرف. ولا حجة له في الحديث؛ لأن معنى قوله - عليه الصلاة والسلام: ((لا يُغلقُ الرَّهْنُ أي: لا يملك بالدين؛ كذا قاله أهل اللغة: غلق الرهن؛ أي: ملك بالدين، وهذا كان حكماً جاهليًّا، فرده رسولُ الله - ێم ۔۔ وقوله - عليه الصلاة والسلام -: هُوَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ)) تفسيرٌ لقولِهِ: ((لاَ يَغْلقُ الرَّهْرُ))، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: (لَهُ غُنْمُهُ)) أي: زوائده، ((وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ)) أي: نفقته وكنفه. وقوله إن ما شرع له الرهن لا يحصل بما قلتم؛ لأنه يتوي حقه بهلاك الرهن؛ قُلْنَا على أحد الطريقين لا يتوى، بل يصير مستوفياً، والاستيفاءُ ليس بهلاكِ الدين. وأما على الطريق الآخر، فالهلاك ليس بغالب، بل قد يكون وقد لا يكون، وإذا هلك فالهلاك ليس يضافُ إلى حكم الرهن؛ لأن حكمه ملك الحبس لا نفس الحبس، قوله فيه تسبيب ممنوعٌ، فإن بعقد الرهن مع التسليم يصير الراهن موفياً دينه في حق الحبس، والمرتهن (١) في أ: اللزوم. (٢) في أ: الرهن. ١٧٧ كتاب الرهن يصير مستوفياً في حق الحبس، والإيفاء والاستيفاء مِنْ منافع الرهن، وإذا عرف حكم الرهن في حال قيامه، فيخرج عليه المسائل المتعلقة به. أما على الحكم الأول؛ وهو ملك الحبس؛ فالمسائل المتعلقةُ بهذا الحكم بعضُها يتعلق بنفس الحکم، وبعضها يتعلق بکیفیته. أما الذي يتعلق بنفس الحكم، فنقول وبالله التوفيق: ليس للراهن أَنْ ينتفع بالمرهون استخداماً وركوباً ولبساً وسكنى(١)، وغير ذلك؛ لأن حق (١) اتفق الفقهاء على أن كل تصرف من جانب الزّاهن يضر المرتهن ممنوع، واختلفوا في المنافع التي لا يضر استيفاؤها بالمرتهن، هل له أن يستوفيها من غير إذنه أو لا؟. فمذهب الشافعية والحنابلة في رواية مرجوحة وابن أبي ليلى وابن المنذر: أن الراهن يملك التصرف في منافع المرهون على وجه لا ضرر فيه، كَسُكْنى الدار وزراعة الأرض وركوب الدابة، ويستوفي ذلك بالإجارة والإعارة مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين. واختلف الشافعية فيما بينهم هل له أن يستوفيها بنفسه أو لا؟. فذهب بعض أصحابه إلى أنه لا يجوز، وذهب بعض آخر إلى الجواز، وهو الصحيح ويرى فريق ثالث التفصيل: إن كان الراهن ثقة جاز وإلا فلا. ومنشأ الخلاف أنه ورد عن الإمام الشافعي قولان: أحدهما: قال: له ذلك. والثاني : قال: لا يجوز. ورأى الحنفية والحنابلة: في رواية راجحة والشعبي والثوري: أنه ليس للراهن الانتفاع بالمرهون بالسكنى أو الركوب أو الزراعة أو غير ذلك، ولا يملك التصرف فيه بإجارة أو إعارة أو غيرهما. واختار المالكية: أن المنافع للراهن إلا أن طريق استيفائها لا يكون إلاّ بمباشرة المرتهن إجارته أو إعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين نائباً عن الراهن بإذنه. وجنح ((ابن حزم)) إلى أن منافع المرهون كلها للراهن، إلا إذا كان مركوباً أو محلوباً وامتنع الراهن من الإنفاق عليه، وتولى المرتهن ذلك، فيكون له حينئذٍ ركوب الدابة ولبن الحيوان لا يحاسب به من دينه كَثُرَ ذلك أم قَلَّ . ورجح ((أبو ثور)) والأوزاعي ((والليث)) ما قاله ((ابن حزم))، إلا أنهم زادوا الاستخدام وشرطوا أن يكون كل ما ذكر بقدر النفقة. هذه خمسة أقوال في موضوعنا إذا أمعنا النظر فيها وجدناها تؤول إلى قولين؛ لأن أربعة منها متفقة على أن المنافع كلها للراهن، والشق الأخير من القولين الأخيرين: محله الفصل الآتي في انتفاع المرتهن، والخلاف بين المالكية وبين أصحاب الرأي الأول في طريق الاستيفاء فقط. وسأعرج على بيان وجهة الفريقين في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى. فتبين أن الخلاف الجدير بالعناية هو هل للراهن الانتفاع بالمرهون من غير إذن المرتهن أو لا؟ إلى الأول: ذهب الجمهور. بدائع الصنائع ج٨ - م١٢ = ١٧٨ کتاب الرهن وإلى الثاني: ذهب الحنفية ومن معهم احتج الجمهور بما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ((الرَهْنُ = مَرْكُوبُ وَمَخلُوبُ)) أخرجه ((الحاكم)) وصححه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً قال الحاكم: لم يخرجاه؛ لأن سفيان وغيره وقفوه على الأعمش، وقد ذكر ((الدارقطني)) الاختلاف فيه على ((الأعمش)) وغيره ورجح الموقوف، وبه جزم ((الترمذي)) وقال ابن أبي حاتم: قال أي: يرفعه. يعني ((أبا معاوية)) مرة ثم ترك الرفع بعد ورجح ((البيهقي)) أيضاً الوقف (٣) إلا أن ((ابن حجر)) في التلخيص ص ١٠٦ جـ ١٠ من المجموع زاد ((وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِي ثم البيهقي رواية الشافعي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة» كل ما تقدم في الرواية السابقة. وهذا الحديث له ألفاظ : منها: ما سلف، ومنها: ما روي في البخاري (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بن مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ أَخْبَرْنَا زَكّرِيًّا عَنِ الشَّغْبِيِّ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ وَّرَ: ((الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً وَلَّبْنُ الدّرِ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونَاً وَعَلَى الَّذِي يُرْكَبُ وَيُشْرَبُ النَّفَقَةُ)). وجه الدلالة: أنه لا يجوز إلا أن يكون الركوب والحلب لمالكه الراهن؛ لأنه إنما يملك - الركوب والحلب من ملك الرقبة والرقبة غير المنفعة التي هي الركوب والحلب فإذا رهن الرجل داراً أو دابة أو غير ذلك، فسكنى الدار وركوب الدابة للراهن، وكذلك منافع المرهون، ليس للمرتهن منها شيء. ووجه أيضاً: يشبه أن يكون المرادُ من رَهْنِ ذَاتٍ درّ وظهر لم يمنع الرّاهن من درّها وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له، كما كانت قبل الرهن. اعترض هذا الدليل بأمور: أولها: أن فاعل الركوب والحلب والشرب لم يتعين، إذ مركوب ومحلوب اسما مفعول ((وَيُرْكَبُ وَيُشْرَبُ)) مبنيان للمجهول، فيكون الحديث مجملاً ويرفع الإجمال بظهور أن المراد الراهن بسبب إنفاقه على المرهون الذي هو أثر من آثار الملك ولازم له. وأما ما قيل: إن المراد: المرتهن بقرينة: أن انتفاع الراهن بالعين المرهونة؛ لأجل كونه مالكاً، والمراد هنا: الانتفاع في مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن فمبني على أن الباء بدلية، وهو خلاف الظاهر إذ كونها سببية أظهر. وثانيها: أنه ورد في بعض رواياته ((إذا ارْتَهَن شَاةً شَرِبَ المُرْتَهِنُ مِنْ لَبَنِهَا بِقَدْرٍ عَلَفِهَا فَإن اسْتَفْضَلَ مِنَ اللَّبَنِ بَعْدَ ثَمَنِ الْعَلَفِ فَهُوَ رِباً)). وهذا صريح في أن الراكب والشّارب المرتهن، وفي رواية هشيم عن زكريا: ((إذا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونةً فَعَلَى المُرْتَهِنُ عَلَفِهَا)). أجاب ابن حزم: بأن ((إسماعيل بن سالم)) الصائغ تفرد عن هشيم بالزيادة، وأنها من تخليطه وتعقب بأن أحمد رواها في مسنده عن هشيم، وكذلك أخرجه الدارقطني من طريق زياد بن أيوب عن هشيم. وأجيب من قيل الجمهور: بأن هذا الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. وثانيهما: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة، فيكون مردوداً، قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند الجمهور ترده أصول مجمع عليها وآثار لا يختلف في صِحَّتها، ويدل على نسخة حديث ((ابن عمر)) رضي الله عنه عند البخاري بلفظ ((لاَ تَحْلِب مَاشِيَةَ امْرِىءٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)). = ١٧٩ كتاب الرهن ولا يخفى أن جواب غير مقبول، إذ دعوى مخالفة للأصول غير صحيحة، بل السنة الصحيحة من جملة = الأدلة، فلا ترد إلا بمعارض أَرْجَحَ منها بعد تعذر الجمع وأيضاً حديث ابن عمر عام، وحديث الباب خاص فينبني العام على الخاص والنسخ لا يثبت إلا بدليل يقتضي بتأخر الناسخ على وجه يتعذر معه الجمع، لا بمجرد الاحتمال مع الإمكان، وجمع الأوزاعي والليث وأبو ثور بأن هذا محمول على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون، فيباح حينئذٍ للمرتهن الإنفاق على الحيوان؛ حفظاً لحياته وإبقاء للمالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقة الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه، وهي من جملة مسائل الظفر وهو جمع وجيه. ولا يرد أن هذا لا يتأتى إلا على رأي من يشرط دوام الحبس في يد المرتهن إذ قد يكون الرَّاهن غير محتاج إلى الدّابة المرهونة؛ لوجود أخرى عنده تكفي لقضاء مصلحة، فيتركها عند المرتهن مختاراً وتشح نفسه بنفقتها . ثالثها: أنه يجوز حمل الحديث على أنه مركوب ومحلوب للراهن بإذن المرتهن وللمرتهن بإذن الراهن. ولا شك أنه خلاف الظاهر إذ الحديث مطلق في الركوب والحلب، وليس فيه تعليق على الإذن، فالمتبادر أنه المنتفع الراهن. رابعها: الصحيح: أن هذا الحديث موقوف على ((أبي هريرة))؛ ولم يثبت مرفوعاً، ويمكن أن يقال: إن وقفه غير قادح إذ هذا الحكم مما لا مجال للرأي فيه، فيترجح أنه عن النبي ◌َّير على أن البخاري رفعه وحسبنا رفعه. ومنع انتفاء ضرر المرتهن؛ لتمكن الراهن حينئذ من الجحود؛ بفوات الحبس الدائم الذي هو حكم الرهن. خامسها: أن الشعبي روى الحديث: وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده إلا وهو منسوخ وأرى: أن عمل الشعبي ليس دليلاً على النسخ؛ لجواز نسيانه، فالعمل بالحديث حتى يثبت الناسخ على أن ((أبا هريرة)» ثبت عنه أنه قال: ((صَاحِبُ الرَّهْنِ يَرْكَبُهُ وَصَاحِبُ الدَّرْ يُحَاسِبُهُ وَعَلَيْهُمَا النَّفَقَةُ))، وقال: ((الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ بعلفه))، فلو كان هناك ناسخ؛ لكان أعرف به من الشعبي؛ لسعة اطلاعه في السنة. فاتضح أن هذا الدليل سالم للجمهور وبما رواه الشافعي أخبرنا ابْنُ أبي فديك عن أبي ذِئْبِ عنِ ابْنِ شهاب عنِ ابنِ المسيّب أن رسول الله وَ﴿ - قال: ((لاَ يَغْلِقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَّهُ لَهُ غَنَمَهُ وَعَلَيْهِ غزمُهُ»، وقال الشافعي في رواية أخرى: (أخبرنا الثقة عن يحيى بن أبي أنَّيْسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ مثله أو مثل معناه لا يخالفه. وجه الدلالة: أن الغنم السلامة والزيادة، فيكون المعنى لا يغلق الرهن: لا يستحقه المرتهن بأن يدع الراهن قضاء حقه عند محله، ولا يستحق مرتهنه خدمته، ولا منفعته فيه بارتهانه إيّاه ومنفعته لراهنه؛ لأن النبي ◌ِّه قال: ((هُوَ مِنْ صَاحِبِهِ)) قال الخطابي: والعرب تضع من موضع اللام، كقولهم: (أمن أم أوفى ذمته لم تكلم) أي: لصاحبه على أن الرواية الأخرى رويت باللام ((لصاحبه)) ولا شك أن المنافع من الغنم. نوقش هذا الدليل، بأنه قد اختلف في وصله وإرساله، ورفعه ووقفه وذلك مما يوجب عدم انتهاضه؛ لمعارضته ما في صحيح البخاري وغيره الآتي: = ١٨٠ كتاب الرهن وسأذكر للقارىء ما قاله العلماء في هذا الحديث. = أخرجه الحاكم وابن حبان في صحيحه وأخرجه أيضاً ابن ماجه من طريق أخرى وصحّح أبو داود والبزار والدار قطني وابن القطان إرساله عن سعيد بن المسيب بدون ذكر أبي هريرة. قال في ((التلخيص)): (وله طُرُقْ أخرى في الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة، وقال في ((بلوغ المرام)): (أن رجاله ثقات إلا أنه المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. وساقه ابن حزم. قال: حَدَثَنَاهُ أحمد بن قاسم نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم، نا جَدِي قاسم بن أصْبَغ، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني يحيى بن أبي طالب الأنطاكي، وجماعة من أهل الثقة؛ نا نصر بن عاصم الأنطاكي نا شبابة عن ورقاء نا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيّب وأبي أسامة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: قَال رسول الله وَّله: ((لاَ يَغْلِقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ لِمَنْ رَهَنَهُ لَّهُ غَنَمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ))، فهذا مسند من أحسن ما روي في هذا الباب وتعقبه الحافظ بأن قوله نصر بن عاصم تصحيف وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي، وله أحاديث منكرة، وقد رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن نصر المذكور، وصحّح هذا الطريق عبد الحق وصحّح أيضاً وصله ابن عبد البر، وقال هذه اللفظة يعني: ((لَّهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ))، اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما ووقفها غيرهم، وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده وبين أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيّب، وقال أبو داود في المراسيل قوله: ((لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ)) من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزّهري. بعد هذا نستطيع الإجابة بأن الوصل زيادة من الثّقة، فتكون مقبولة، وعلى أنه مرسل، فهو مرسل سعيد بن المسيب الذي اتفق الفقهاء على قبول مراسيله، وما نقل عن ابن شهاب من أن ((لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ)) من قول سعيد لا يضرنا إذ معمر أثبت الناس في ابن شهاب، وقد ذكره عنه مرفوعاً، ورواه الشافعي والدارقطني مرفوعاً، وقال: هذا إسناد حسن متصل. ومن هنا يبدو أنه صالح للاحتجاج به فيدل على ما ذهب إليه الجمهور، ولا معارضة بينه وبين حديث البخاري الآتي، إذ يجمع بينهما بما تقدم. وبأن الانتفاع لم يدخل في العقد، ولا يضر بالمعقود له فَبَقِيَ على ملكه وتصرفه، كخدمة الأمة المزوجة، ووطء الأمة المستأجرة. والاحتياط بالأشهاد يحول بينه وبين الانكار، وإذا علم أن القائلين للزّاهن الانتفاع يمنعون إبقاءه عنده إلا في الزمن الذي يستوفي فيه منفعته فقط؛ للضرورة ويلزمونه برده إلى المرتهن في وقت الراحة، إذ الضرورة تقدر بقدرها فمثلاً لو كان ينتفع به نهاراً أعيد إليه ليلاً أو ليلاً أعيد إليه نهاراً، كما أنه إذا أمكن الحصول على كسبه، وهو تحت يد المرتهن منع من وضع يده عليه. يرى أنهم يراعون مصلحة الطرفين، والحبس الدائم الذي هو عبارة عن استمرار القبض، ليس حكماً للرهن، كما سلف فسلم للجمهور هذا الدليل أيضاً. وبأن عقد الرهن مشروع وبالإجماع المرتهن لا يتمكن من الانتفاع به، فلو قلنا: يمتنع على الراهن الانتفاع به؛ لعطلت العين عن الانتفاع بها؛ بسبب هذا العقد، وذلك مشبه تسييب أهل الجاهلية، فيكون خلاف المشروع. ومنع أن يكون في هذا تسبيب إذ هو يشبهه إذا لم يكن غرض صحيح، فأما إذا كان فيه غرض صحيح، وهو: إضجار الراهن، فلا يؤدي إلى ذلك المعنى. والمنصف يرى أن أضجار الراهن لا يصلح أن يكون غرضاً صحيحاً إذ فيه ضرر عليه والنبي بَ لجه ينهى عن = ٠