Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الرهن
ورهنه به درعه، وكان ذلك رهناً في الحضر؛ ولأن ما شرع له الرهن - وهو الحاجة إلى توثيق
الدين - يُوجد في الحالين، وهو [الأمن من](١) تواء الحق بالجحود والإنكار، وتذكره عند السهو
والنسيان، والتنصيص على السفر في كتاب الله - تعالى، عزَّ وجلَّ - [ليس لتخصيص الجواز، بل
هو إخراج](٢) الكلام مخرج العادة؛ كقوله تعالى: ﴿فَكَائِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣].
وأما الذي يرجع إلى المرهون فأنواعٌ:
منها أن يكون محلاً قابلاً للبيع، وهو أن يكون موجوداً وقت العقد مالاً، مطلقاً،
متقوماً، مملوكاً، معلوماً، مقدورَ التسليم؛ ونحو ذلك، فلا يجوز رهن ما ليس بموجود عند
العقد، ولا رهن ما يحتمل الوجود والعدم، كما إذا رهن ما يثمر نخيله العام، أو ما تلد أغنامه
السنة، أو ما في بطن هذه الجارية ونحو ذلك.
ولا رهن الميتة والدم؛ لانعدام ماليتهما، ولا رهن صيد الحرم والإحرام؛ لأنه ميتةٌ، ولا
رهن الحر؛ لأنه ليس بمال أصلاً، ولا رهن أم الولد والمدبر المطلق والمكاتب؛ لأنهم أحرارٌ
من وجهٍ؛ فلا يكونون أموالاً مطلقة .
ولا رهن الخمر والخنزير من المسلم، سواء كان العاقدان مسلمين، أو أحدهما مسلم؛
لانعدام مالية الخمر والخنزير في حق المسلم؛ وهذا لأن الرهن إيفاء الدين، والارتهان
استيفاؤه، ولا يجوز للمسلم إيفاء الدين من الخمر واستيفاؤه، إلا أن الراهن إذا كان ذميًّا كانت
الخمر مضمونة على المسلم المرتهن؛ لأن الرهن إذا لم يصح كانت الخمر بمنزلة(٣) المغصوب
في يد المسلم، وخمر الذمي مضمون على المسلم بالغصب، وَإذا كان الراهن مسلماً والمرتهنْ
ذميًّا لا تكون مضمونةً على أحدٍ(٤).
وأما فى حق أهل الذمة فيجوزُ رهنُ الخمر والخنزير وارتهانهما منهم؛ لأن ذلك مالٌ
متقوَّمٌ في حقهم؛ بمنزلة الخل والشاة عندنا(٥)، ولا رهن المباحات من الصيد والحطب
والحشيش ونحوها؛ لأنها ليست بمملوكةٍ في أنفسها .
وذلك أن الله تعالى شرط السفر في جواز الرهن وعلقه عليه فلا يجوز في غيره.
=
أي التقیید به للغالب فلا مفهوم له.
(١) في ط: الرهن عن.
في أ: ليس للتقیید به بل أخرج.
(٢) في أ: تقوم.
(٣) في أ: في حكم.
(٤) في أ: الذمي ..
(٥) في أ: في حقنا.

١٤٢
کتاب الرهن
فَأَمَّا كونه مملوكاً للراهن، فليس بشرط لجواز الرهن، حتى يجوز رهن مال الغير بغير
إذنه بولاية شرعية؛ كالأب والوصي يرهن مال الصبي بدينه وبدين نفسه؛ لأن الرهن لا يخلو
١٩٨/٣ ب إما أن يجري مجرى الإيداع، وإما أن يجري مجرى المبادلة، والأب يلي كل واحد/ منهما في
مال الصغير؛ فإنه يبيع مال الصغير بدين نفسه، ويودع مال الصغير، فإن هلك الرهن في يد
المرتهن قبل أن يفتكه الأب، هلك بالأقل من قيمته ومما رهن به؛ لأن الرهن وقع صحيحاً،
وهذا حكم الرهن الصحيح، وضمن الأب قدر ما سقط من الدين بهلاك الرهن؛ لأنه قضى دين
نفسه بمال ولده(١)، فيضمن، فلو أدرك الولد والرهن قائمٌ عند المرتهن، فليس له أن يسترده
قبل قضاء القاضي؛ لما ذكرنا أن الرهن وَقَعَ صَحيحاً؛ لوقوعه عن ولاية شرعية، فلا يملك
الولدُ نَّقْضَهُ، ولكن يؤمر الأب بقضاء الدين ورد الرهن على ولده؛ لزوال ولايته بالبلوغ.
ولو قضى الولد ديْنَ أبيه وافتك الرهن، لم يكن متبرعاً، ويرجع بجميع ما قضى على أبيه
لأنه مضطرٌ إلى قضاء [هذا](٢) الدين؛ إذ لا يمكنه الوصول إلى ملكه إلا بقضاء الدين كله،
فكان مضطراً فيه، فلم يكن متبرعاً، بل يكون مأموراً بالقضاء من قبل الأب دلالةً، فكان له أَنْ
يَرْجِعَ عليه بما قضى، كما لو استعار من إنسان عبده ليرهنه بدين نفسه فرهن، ثم إن المعير
قَضَى دين المستعير وافتك الرهن، أنه يرجع بجميع ما قضى على المستعير؛ لما قلنا؛ كذا
هذا.
وكذلك حُكُمُ الوصيّ في جميع ما ذكرنا(٣) حُكْمُ الأب، وإنما يفترقان في فصل آخر؛
وهو أنه يجوز للأب أن يرتهن مال الصغير بدين ثبت على الصغير، وإذا هلك يهلك بالأقل من
قيمته ومن الدين، وإذا أدرك الولد، ليس له أن يسترده إذا كان الأب يشهد على الارتهان، وإن
كان لم يشهد على ذلك(٤) لم يصدق عليه بعد الإدراك، إلا بتصديق الولد، ويجوز له أن يرهن
ماله عند ولده الصغير بدين للصغير عليه، ويحبسه لأجل الولد، وَإذا هلك بعد ذلك فيهلك
بالأقل من قيمته، ومن الدين إذا كان أشهد عليه قبل الهلاك، وَإِن كان لم يشهد عليه قبل
الهلاك لم يصدق، إلا أن يصدقه الولد بعد الإدراك، والوصي لو فعل هذا من اليتيم لا يجوزُ
رهنه ولا ارتهانه.
أَمَّا عَلى أصل محمد فلا يشكل؛ لأنه لا يرى بيع مال اليتيم من نفسه، ولا شراء ماله
لنفسه أصلاً؛ فكذلك الرهن، وعلى قولهما إن كان يجوز البيع والشراء؛ لكن إذا كان خيراً
لليتيم ولا خير له في الرهن؛ لأنه يهلك أبداً بالأقل من قيمته ومن الدين، فلم يكن فيه خير
للیتیم، فلم يجز.
(١) في أ: في يده.
(٢) سقط من ط.
(٣) في أ: ما قلنا.
(٤) في أ: العقد.

١٤٣
كتاب الرهن
وكذلك يجوز رهن مال الغير بإذنه؛ كما لو استعار من إنسان شيئاً ليرهنه بدين على
المستعير؛ لما ذكرنا أن الرهن إيفاء الدين وقضاؤه، والإنسان بسبيل من أن يقضي دين نفسه
بمال غيره بإذنه، ثم إذا أذن المالكُ بالرهن، فإذنُهُ بالرهن لا يخلو إما إن كان مطلقاً، وإما إن
كان مقيداً، فإن كان مطلقاً فللمستعير أن يرهنه بالقليل والكثير، وبأي جنس شاء، وفي أي
مكانٍ كان، ومن أي إنسان أراد؛ ولأن العمل بإطلاق اللفظ أصلٌ.
وإن كان مقيداً؛ بأن سمَّى قدراً أو جنساً أو مكاناً أو إنساناً يتقيد به، حتى لو أذن له أن
يرهنه بعشرة، لم يجز له أن يرهنه بأكثر منها ولا بأقل؛ لأن المتصرف بإذن يتقيد تصرفه بقدر
الإذن والإذن لم يتناول الزيادة، فلم يكن له أن يرهن بالأكثر ولا بالأقل أيضاً؛ لأن المرهون
مضمونٌ، والمالك إنما جعله مضموناً بالقدر، وقد يكون له في ذلك غرض صحيحٌ فكان
التقييد به مفيداً.
وكذلك لو أذن له أن يرهنه بجنس، لم يجز له أن يرهنه بجنس آخر؛ لأن قضاء الدين
من بعض الأجناس قد يكون أيسر من بعض فكان التقييد بالجنس مفيداً؛ وكذا إذا أذن له أن
يرهنه بالكوفة، لم يجز له أن يرهنه بالبصرة؛ لأن التقييد بمكانٍ دون مكانٍ مفيدٌ، فيتقيد
بالمكان المذكور.
وكذا إذا أذن له أن يرهنه من إنسان بعينه، لم يجز له أن يرهنه من غيرِهِ؛ لأن الناس
متفاوتون في المعاملات، فكان التعيين مفيداً، فإن خالف في شيء مما ذكرنا فهو ضامنٌ لقيمته
إذا هلك؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فصار غاضباً، وللمالك أن يأخذ الرهنَ من يد
المرتهن؛ لأن الرهن لم يصحّ، فبقي المرهون في يده بمنزلة المغصوب، فكان له/ أن يأخذه ١١٩٩/٣
منه، وليس لهذا المستعير أن ينتفع بالمرهون، لا قبل الرهن ولا بعد الانفكاكِ، فإن فعل
ضمن؛ لأنه لم يأذن له إلاَّ بالرهن، فإن انتفع به قبل أن يرهنه، ثم رهنه بمثل قيمته، برىء من
الضمان حين رهن، ذكره في الأصل؛ لأنه لما انتفع به فقد خالف، ثم لما رهنه فقد عاد إلى
الوفاق فيبرأ عن الضمان؛ كالمودع إذا عاد إلى الوفاق بعد ما خالف في الوديعة، بخلاف ما إذا
استعار العين لينتفع بها، فخالف، ثم عاد إلى الوفاق - أنه لا يبرأ عن الضمان؛ لأن المستعير
للانتفاع ليست يده يد المالك، بل يد نفسه، حيث تعود المنفعة إليه، فلم تكن بالعود إلى
الوفاق راداً للمال إلى يد المالك، فلا يبرأ عن الضمان.
فَأَمَّا المستعير للرهن، فيدُهُ قبل الرهن يد المالك،، فإذا عادَ إلى الوفاق فقد رَدَّ المال
إلى يد المالك، فيبرأ عن الضمان، وإذا قبض المستعير العارية فهلك في يده قَبْلَ أن يرهنه، فلا
ضمان عليه؛ لأنه هلك في قبض العارية، لا في قبض الرهن، وقبضُ العارية قبضُ أمانةٍ لا
قبض ضمانٍ؛ وكذلك إذا هلك في يده بعد ما افتكه من يد المرتهن؛ لأنه بالافتكاك من يد
المرتهن عَادَ عاريةً، فكان الهلاك في قبض العارية.

١٤٤
كتاب الرهن
ولو وكل الراهن - يعنى المستعير بقبض الرهن من المرتهن - أحداً فقبضه، فهلك في يد
القابض، فإن كان القابض في عياله، لم يضمن؛ لأن يده كيده، والمالك رضي بيده، وإن لم
يكن في عياله ضمن؛ لأن يده ليست كيده، فلم يكن المالك راضياً بيده، وإن هلك في يد
المرتهن وقد رهن على الوجه الذي أذن فيه، ضمن الراهن للمعير قَدْر ما سقط عنه من الدين
بهلاك الرهن؛ لأنه(١) قضى دين نفسه من مال الغير بإذنه بالرهن، إذ الرهن قضاء الدين،
ويتعذر القضاء عند الهلاك.
وَكذلك لو دخله عيبٌ فَسَقَطَ بعض الدين، ضمن الراهن ذلك القدر؛ لأنه قَضَى ذلك
القدر من دينه بمال الغير، فيضمن ذلك القدر، فكان المستعير بمنزلة رجلٍ عنده وديعةٌ
لإنسان، فقضى دين نفسه بمال الوديعة بإذن صاحبها، فما قضى يكون مضموناً عليه، وما لم
يقض (٢) يكون أمانةً في يده، يكون أمانةً في يده، فإن عجز الراهن عن الافتكاك فافتكه
المالك، لا يكون متبرعاً، ويرجع بجميع ما قضى على المستعير.
وذكر الكرخي أنه يرجع بقدر ما كان يملك الدين به، ولا يرجع بالزيادة عليه، ويكون
متبرعاً فيها؛ حتى لو كان المستعير رهن بألفين وقيمة الرهن ألف، فقضى المالك ألفين، فإنه
يَرْجِعُ على المستعير بألفين، وعلى ما ذكره الكرخي يَرْجعُ عليه بألفٍ.
وجه قول الكرخي أن المضمون على المستعير قدر الدين؛ بدليل أنه لا يضمن عند
الهلاك إلاَّ قدر الدين، فإذا قضى المالك [الزيادة على المقدر](٣)، كان متبرعاً فيها.
وجه القول الآخر أن المالك مضطرّ إلى قضاء كل الدين الذي رهن به [ماله](٤)؛ لأنه
علق ماله عند المرتهن؛ بحيث لا فكاك له إلا بقضاء كل الدين، فكان مضطرًّا في قضاء الكل،
فكان مأذوناً فيه من قبل الراهن دلالةً؛ كأنه وكله بقضاء دينه فقضاه المعير من مال نفسه، ولو
كان كذلك لرجع عليه بما قضى؛ كذا هذا، وليس للمرتهن أن يمتنع من قبض الدين من
المعير، ويجبر على القبض، ويسلم الرهن إليه؛ لأن له ولاية قضاء الدين لتخليص ملكه وإزالة
العلق عنه، فلا يكون للمرتهن ولاية الامتناع من القبض والتسليم.
فإن اختلف الراهن والمعير وقد هلك الرهن، فقال المعير: هلك في يد المرتهن، وقال
المستعير: هلك قبل أن أرهنه أو بعد ما افتككته، فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه؛ لأن الضمان
(١) في ط: إلا أنه.
(٢) في ط: يقبض.
(٣) في أ: المقدر على الزيادة.
(٤) سقط من ط.

١٤٥
كتاب الرهن
إنما وجب على المستعير؛ لكونه قاضياً دين نفسه من مال الغير بإذنه، وهو ينكر القضاء، فكان
القول قول المنكر، ولا يجوز رهن المجهول ولا معجوز التسليم ونحو ذلك مما لا يجوز
بيعه، والأصل فيه أن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، وقد ذكرنا جملةً ذلك في ((كتاب
البيوع)) .
ومنها: أن يكون مقبوض المرتهن، أو من يقوم مقامه، والكلام في القبض في
مواضع/ :
١٩٩/٣ ب
في بيان أنه شرط جواز الرهن.
وفي بيان شرائط صحته.
وفي تفسير القبض وماهيته.
وفي بيان أنواعه .
أما الأول فقد اختلف العلماء فيه، قال عامة العلماء. إنه شرطً، وقياس قول زفر - رحمه
الله - في الهبة أن يكون ركناً كالقبول، حتى أن مَنْ حلف لا يرهن فلاناً شيئاً فرهنه ولم يقبضه،
يحنث عندنا، وعنده لا يحنث، كما في الهبة، والصحيحُ قولنا؛ لقول الله - تبارك وتعالى:
﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولو كان القبض ركناً لصار مذكوراً بذكر الرهن، فلم يكن؛
لقوله - تعالى، عزَّ شأنه - مقبوضة معنى، فدل ذكر القبض مقروناً بذكر الرهن على أنه شرط
وليس بركنٍ.
وقال مالك - رحمه الله - ليس بركن ولا شرط، والصحيحُ قول العامة؛ لقوله - تبارك
وتعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وصف - سبحانه وتعالى - الرهن بكونه مقبوضاً، فيقتضي أن يكون
القبض فيه شرطاً؛ صيانة لخبره تعالى عن الخلف؛ ولأنه عقد تبرع للحال، فلا يفيد الحكم
بنفسه كسائر التبرعات(١).
(١) القبض في اللغة: الإمساك والتناول، يقال: قبضه بيده يقبضه، تناوله وقبض عليه بيده والقبض شرعاً:
يرجع فيه إلى الشرع والعرف، وهو يختلف؛ باختلاف المال وتفصيله: أن المال إما أن يرهن من غير
اعتبار تقدير فيه، أو يرهن معتبراً فيه تقدير، فالحالة الأولى التي لم يعتبر فيها تقدير؛ إما لعدم إمكانه أو
مع الإمكان، فينظر إن كان المرهون مما لا ينقل؛ كالدور، والأرضين، والشجر الثابت، والثمرة على
الشجرة قبل أوان الجداد، فقبضه بالتخلية بينه وبين المرتهن، وتمكينه من وضع يده، بأن يفتح الدار أو
يسلمه مفتاحها، وإن كان من جملة المنقولات ففيه خلاف نبينه :
فرأى ((الشافعي)) في رواية راجحة، و((أحمد))، و((أبو يوسف))؛ أنه لا يكتفي بالتخلية، بل لا بد من النقل
والتحويل.
=
بدائع الصنائع ج ٨ - ١٠٢

١٤٦
کتاب الرهن
ومذهب ((أبي حنيفة))، و((مالك))، و((الشافعي))، في رواية مرجوحة: الاكتفاء بالتخلية يرهن أصحاب
=
المذهب الأول بما روي عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: ((كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً، فنهانا
رسول الله ◌َ﴿ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه))، متفق عليه بهذا اللفظ، وغيره.
وجاء من طرق عدة: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)) وزاد ابن حبان، ((ونهى أن يبيعه حتى
يحوله)»، وللحاكم، وابن حبان، وأبي داود من حديث ابن عمر، عن زيد بن ثابت بلفظ: ((نهى أن تباع
السلع بحيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)).
وبالعرف إذ هو جار في قبض المنقول بالنقل؛ كأن يسوق الدابة، أو يقودها.
حجة أصحاب المذهب الثاني: أن الرهن وثيقة لجهة الاستيفاء، وحقيقة الاستيفاء تثبت بالتخلية بأن يخلى
بين المرتهن وبين دينه، فكذلك جهته؛ إذ الحقيقة أقوى من الجهة، وما يثبت به الأقوى يثبت به الأدنى
يرد هذا الدليل بأنه لم لا يجوز أن يحتاج الأدنى إلى ما يقويه ويؤكده، وبأنه لا يقاوم النص والعرف
المتقدمين؛ إذ لا فارق بين القبض في البيع وغيره؛ فالرأي الأول هو الأوْلَى بالاعتبارِ .
الحالة الثانية: أن يرهن الشيء مع اعتبار تقدير فيه؛ كما إذا رهن ثوباً أو أرضاً مزارعة، أو متاعاً موازنة،
أو صبرة حنطة مكايلة، أو معدوداً بالعدد - فلا يكفي للقبض ما مر، بل لا بد مع ذلك من الزرع، أو
الوزن، أو الكيل، أو العد، فلا يعتبر القبض جزافاً، ولا قبض المكيل بالوزن، والموزون بالكيل.
يؤيد هذا ما روي عن النبي 98 مرسلاً، ومسنداً: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع
البائع، وصاع المشتري))، ابن ماجة، والدارقطني، والبيهقي عن جابر، وفيه ابن أبي ليلى عن أبي الزبير
قال البيهقي: وروي من وجه آخر عن أبي هريرة، وهو في البزار من طريق مسلم الجرمي، عن مخلد بن
حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة، وقال: لا نعلمه إلا من هذا الوجه.
وفي الباب عن أنس، وابن عباس أخرجهما ابن عدي بإسنادين ضعيفين جداً، وروى عبد الرزاق، عن
معمر، عن يحيى بن أبي كثير؛ أن عثمان، وحكيم بن حزام: ((كانا يبتاعان الثمر، ويخلطانه في غرائر،
ثم يبيعانه بذلك الكيل، فنهاهما النبي ◌َّلهو عن ذلك أن يبيعا، حتى يكيلاه لمن ابتاعه منهما، ورواه
الشافعي، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن الحسن عن النبي ◌َّر مرسلاً. وقال في آخره فيكون له زيادته،
وعليه نقصانه.
قال البيهقي: روي موصولاً من أوجه إذا ضم بعضهما إلى بعض قوى، ما مع يثبت عن ابن عمر، وابن
عباس والرهن كذلك لا يختلف عن البيع في شيء، وروي عنه (عليه الصلاة والسلام): ((إذا سميت الكيل
فکل».
للمرهون حالتان: إحداهما أن يكون في يد الراهن، اتفقت المذاهب على اشتراط شرط القبض المعتبر
إذنه في القبض؛ إذ أنه لا يلزمه تقبيضه، فاعتبر إذنه كالواهب، ولأن له فسخه قبل القبض؛ فلا يملك
المرتهن إسقاط حقه .
والحالة الثانية: أن يكون في يد المرتهن بوديعة، أو إعارة، أو غصب.
ذهب الإمام أحمد إلى أنه يلزمُ بنفس العقد، من غير احتياج إلى أمر زائد وهو وجه ضعيفٌ عند الشافعية.
ورأى أصحابُ الشافعي، والقاضي من الحنابلة؛ أنه لا يصيرُ رَهْناً حتى تمضي مدة يتأتى فيها قبضه. فإن
كان منقولاً فبمضي مدة يمكن نقله فيها، وإن كان مكيلاً فبمضي مدة يمكن اكتياله فيها، أو معدوداً =

١٤٧
كتاب الرهن
فبمضي مدة يمكن عده فيها، وإن كان غير منقول فبمضي مدة التخلية، وإن كان غائباً عن المرتهن لم
=
بصر مقبوضاً حتى يوافيه هو أو وکیله، ثم تمضي مدة یمکن قبضُه فيها.
يدل على الرأي الأول: أن اليد ثابتة، والقبض حَاصِلٌ، وإنما يتغير الحكم لا غير، ويمكن تغير الحكم
مع استدامة القبض، كما لو طولب بالوديعة فجحدها، لتغير الحكم، وصارت مضمونة عليه من غير أمر
زائد، ولو عاد الجاحدُ فأقرَّ بها، وقال لصاحبها: خذ وديعتك، فقال: دعها عندك وديعة كما كانت، ولا
ضمان عليك - لتغير الحكم من غير حدوث أمر زائد.
ويمنع حصولُ القبض المطلوب للزوم الرهن؛ لتوقفه على الإذن، والإمكان، وتغير حكم الوديعة إلى
الغصب، والغصب إلى الوديعة - لا يستلزم التغير هنا للفارق)).
وجهة الرأي الثاني أن العقد يفتقر إلى القبض، والقبض يحصل بفعله أو بإمكانه، ويكفي ذلك، ولا يحتاج
إلى وجود حقيقة القبض، لأنه مقبوض حقيقة.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا تلف المرهون، قبل مضي مدة يتأتَّى قبضه فيها فعلى الأول يكون كتلف
المرهون بعد القبض، وعلى الثاني يكون كتلفه قبل لزومه والراجح عندي الرأي الثاني لقوة مدركه.
عند الحنابلة؛ والشافعية وجهان؛ أحدهما؛ يفتقر، وهو الأصح - وثانيهما: لا يفتقر وهو مرجوح يوجه
الأول بأن قبض يلزم به عقد غير لازم، فلم يحصل بغير إذنه؛ كما لو كان في يد الراهن. وإقراره في يده
لا يكفي؛ كما لو أقرَّ المغصوبُ في يد غاصبه مع إمكان أخذه منه.
والثاني: ينظر إلى أن إقراره في يده بمنزلة إذنه في القبض.
والذي أرجحه الوجه الأول؛ لظهور دليله، وورود إقرار المغصوب على الثاني. فإن أذن له في القبض،
ثم رجع عنه قبل مضيٍّ مدة يتأتى القبض فيها - لم يلزم الرهن حتى يعود، فيأذن، ثم تمضي مدة يقبضه
في مثلها.
الشرط الثاني: بقاء أهلية الآذن والقابض، فلو أذن الراهن، ثم جن أو مات، وكذا إذا جن المرتهن، أو
مات بعد الإذن، وقبل القبض - فلا يلزم الرهنُ؛ لأن الأول خرج عن أن يكون من أهل الإذن، فقبض
المرتهن جاء بعد إذن غير معتبر؛ ولأن المرتهن خرجَ عن أن يكون من أهل القبض في حال الجنون، وفي
حال الموت لم يوجد قبض أصلاً، ويكون الإذن في القبض إلى من ينظر في مال الراهن، وكذا القبض
يكون لمن ينظر في مال المرتهن، فإذا أذن وليَّ الراهن، أو ورثته، وتم القبض من أهله - لزم.
اتفق الفقهاء على أن الرهن لا يلزم من جهة المرتهن، فله أن يفسخه في أي وقت شاء، إذ العقد لحظه،
وعلى أنه شرط في الجملة. والخلاف في أنه شرط لزوم، أو تمام بالنسبة للراهن، وإليك البيان.
ذهب الإمام مالك إلى أنه شرط تمام، ووافقه أحمد في غير المكيل، والموزون في رواية مرجوحة.
وذهب الأئمةُ: أبو حنيفة؛ والشافعي، وأحمد في الرواية الراجحة، وأهل الظاهر إلى أنه شرط لزوم.
والفرق بين الملكين: أن من قال: إنه شرط تمام قال: يلزم بالعقد، ويجبر الراهن على الإقباض، إلا أن
يتراخى المرتهن عن المطالبة، حتى يفلس الراهن، أو يمرض، أو يموت. وأن من يرى أنه شرطُ لزوم
قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الراهن الرهن؛ كما أنه يعلم بالنظر في المذهبين أن الأول يقوي جانب
المرتهن، والثاني يقوي جهة الراهن.
استند الإمام مالك إلى قوله تعالى: ﴿فَرِحَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.

١٤٨
کتاب الرهن
وَلَوْ تَعَاقَدَا على أن يكون الرهن في يد صاحبه لا يجوز(١) الرهن، حتى لو هلك في يده
لا يسقط الدين، ولو أراد المرتهن أن يقبضه من يده ليحبسه رهناً، ليس له ذلك؛ لأن هذا
شرطٌ فاسدٌ أدخلاه في الرهن، فلم يصح الرهن، وَلَوْ تَعَاقَدَا عَلَى أن يكون في يد العدل وقبضه
العدل، جاز، ويكون قبضه كقبض المرتهن، وهذا قول [عامة العلماء](٢).
وقال ابن أبي ليلى: لا يصح الرهن إلاَّ بقبض المرتهن (٣)، والصحيحُ قول العامة؛
قال صاحب المنتقى: لنا من الآية دليلان: أحدهما: أنه قال عز من قائل: ﴿فَرِهَانْ مَقْبُوضَةٌ﴾، فأثبتها
=
رهاناً قبل القبض. ثانيهما: أن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أمر؛ لأنه لو كان خبراً لم يصحّ أن يوجدَ
رهنّ غير مقبوض؛ إذ خبره تعالى لا يتخلّف.
نوقش الدليل الأول بأننا نقول بموجبه، وهي أنها رهان قبل القبض، لم تزل على الجواز، فمن أين يكونُ
اللزوم؟ والدليلُ الثَّاني بأن كونه ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أمراً لا يفيد ما ذهبتم إليه، وسنوجهه نحن الجمهور:
بما يدل على أنه شرط للزوم الرهن مع أنه أمر. والرهن عقد وثيقة كالكفالة ((١)) ولا يخفى أنه قياسٌ مع
الفارق.
والرهن عقد يلزم بالقبض، فلزم قبله كالبيع؛ إذ هو عقد يختصّ بالمال من الجانبين، فصار كالبيع ((٢)).
ومن تأمل يرى أن البيع معاوضة، والرهن إرفاق.
احتجوا بقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
وجهُ الدلالة أن المصدر المقرون بالفاء في جواب الشرط يُراد به الأمر، والأمر بالشيء الموصوف يقتضي
أن يكون ذلك الوصف شرطاً فيه، إذ المشروع بصفة لا يوجد بدون تلك الصفة، نظيره قوله تعالى:
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقِبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، أي: فليحرر رقبة مؤمنة.
ورد أن رِهَاناً جمع رهن بمعنى مرهون، فأين المصدر؟ .
والجواب أن التقدير فرهن رهان؛ كقوله تعالى: ﴿فَعِدةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ إذ التقدير فصوم عدة من أيام
أُخر.
والرهن عقد تبرع؛ إذ الراهن لا يستحق في مقابلته على المرتهن شيئاً؛ ولهذا لا يجبر عليه، فلا بد من
إمضائه بعدم الرجوع؛ كما في الصدقة، والهبة، والامضاء يكون بالقبض.
والرهن عقد يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض. والرهن الذي لم يقبض لا يلزم إقباضه؛ كما
لو مات الراهن.
يتضح لي أن أدلة الجمهور قوية؛ بسلامتها من الاعتراضات، فليس لي أن أتحرج في ترجيح اشتراط
القبض في لزوم الرهن. ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى.
(١) في أ: يصح.
(٢) في ط: العامة.
(٣) أجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذا على قبض وكيله، واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن
على يديه، وقبل ذكر المذاهب أوضح المراد من العدل هنا العدل: من رضى الراهن، والمرتهن وضع
المرهون في يده، سواء أرضيا ببيعه أم لا، أو هو من يقدر على الإيفاء والاستيفاء، مسلماً كان أم ذمياً،
أم حربياً مستأمناً ما دام في دارنا ((٥))، أو هو من يجوز توكيله، وهو الجائز التصرف، مسلماً كان أم
كافراً، عدلاً أم فاسقاً، ذكراً أم أنثى.
=

١٤٩
كتاب الرهن
وقال ابن المقري: فإن شرطا وضعه عند عدل أو عدلين (جاز)، قال شارحه: لو عبر بدل عدل بثالث -
=
لكان أولى، فإن الفاسق كالعدل في ذلك رأى أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وعطاء،
وعمرو بن دينار، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق وأبو ثور؛ أن قبضه يقومُ مقامَ قبض المرتهن، إذا
شرطا وضعه عند عذلٍ .
وجنح ابن أبي ليلى، وقتادة، والحارث العسكري، والظاهرية إلى أنه لا يقوم مقامه، استدلوا بقوله
تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
وجه الدلالة: أنه إذا صار في يد العدل صار مقبوضاً لغة وحقيقة؛ إذ ليس في فرق بين قبض العدل
والمرتهن، وإطلاقه يقتضي جواز قبض كل منهما.
والعدل نائب عن صَاحِبِ الحقُّ، وبمنزلة الوكيل.
وبحث هذا الدليل بأنه لو كان وكيلاً للمرتهن - لكان له أن يقبضه منه، ولما كان للعدل أن يمنعه إياه .
ويجاب بأن هذا لا يخرجه عن أن يكون وكيلاً، وقابضاً له، وإن لم يكن له حَقُّ القبض من قبل أن الراهن
لم یرض بيده، وإنما رضي بيد وکیله.
ألا ترى أن الوكيل بالشراء قابض للسلعة للموكل، وله أن يحسبها بالثمن، ويدل على أن يَدَ العدل يدُ
المرتهن، وأن وكيله في القبض؛ أن للمرتهن متى شاء أن يفسخ هذا الرهن، ويبطل يد العدل، ويرده إلى
الراهن، وليس للراهن إبطال يد العدل، فدل ذلك على أن العدل وكيلٌ للمرتهن.
وبحث بأن المبيع لو جعل على يدي عدل لم يخرج من ضمان البائع، ولم يصح أن يكون العدلُ وکیلاً
للمشتري في قبضه كذلك المرتهن.
والجواب بالفرق؛ إذ العدل في البيع لو صار وكيلاً للمشتري - لخرج عن ضمان البائع، وفي خروجه من
ضمان بائعه سقوطُ حقٌّه. ألا ترى أنه لو أجاز قبضه بطل حقه، ولم يكن له استرجاعه، لأن المبيع ليس
له إلا قبض واحد، فمتى وجد سقط حق البائع، ولم يكن له أن يرده إلى يده، وكذلك إذا أودعه إياه؛
فلذلك لم يكن العدلُ وكيلاً للمشتري؛ لأنه لو صار وكيلاً له لصار قابضاً له قبض بيع، ولم يرض بذلك
فلم يجز إثباته، ولم يصح أن يكون العدلُ وكيلاً للمشتري.
ومن جهة أخرى أنه لو قبضه للمشتري لتم البيع فيه، وفي تمام سقوط حق البائع فيه، فلا معنى لبقائه في
يد العدل، بل يجب أن يأخذه المشتري، والبائع لم يرض بذلك، وليس الأمر كذلك في الرهن؛ لأن
كون العدل وكيلاً للمرتهن لا يوجب إبطال حق الراهن، ألا ترى أن حقه باق بعد قبض المرتهن، فكذلك
بعد قبض العدل؛ فلا فرق بين قبضهما.
والقبض في الرهن قبض في عقد، فجاز التوكيل فيه ككل قبض.
استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
وذلك أن الله تعالى ذكر القبض في الرهن، مع ذكره المتداينين في السفر إلى أجل عند عدم الكاتب، وقد
بَيِّن رسولُ اللهِوَ﴿ القبضَ المشروع بإقباض الدرع من له الدين، وأما قبض غيره فلم يأت به نَصُّ ولا
إجماع، واشتراط أن يقبضه فلان لا صاحب الدين - شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل.
وقيل بأن قبض العدل في معنى قبض المرتهن، فليس بمخالف لكتاب الله كما زعموا، وقد حصل
المقصود من القبض، وهو لزوم الرهن، وتعلق حق المرتهن بالمرهون دون سائر الغرماء.

١٥٠
کتاب الرهن
لقوله - تبارك وتعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ من غير فصل بين قبض المرتهن والعدل؛ ولأن قبض
العدل برضا المرتهن قبض المرتهن معنى، ولو قبضه العدل ثم تراضيا على أن يكون الرهن في
يد عدلٍ آخر، ووضعاه في يده، جاز؛ لأنه جاز وضعه في يد الأول لتراضيهما، فيجوز وضعه
في يد الثاني بتراضيهما؛ وكذا إذا قبضه العدل، ثم تراضيا على أن يكون في يد المرتهن
ووضعاه في يده؛ لأنه جَاز وضعه في يده في الابتداء، فكذا في الانتهاء.
وكذا إذا قبضه المرتهن أو العدل، ثم تراضيا على أن يكون في يد الراهن ووضعه في
يده، جاز؛ لأن القبض الصحيحَ للعقد قد وُجد، وقد خرج الرهن من يده، فبعد ذلك يده ويد
الأجنبيِّ سواءٌ.
ولو رهن رهناً وسلط عدلاً على بيعه عند المحل، فلم يقبض حتى حل الأجل، فالرهن
باطلٌ؛ لأن صحته بالقبض والبيع صحيحٌ؛ لأن صحة التوكيل لا تقف صحته على القبض،
فصح البيع، وإن لم يصح الرهن؛ وكذلك لو رهن مشاعاً وسلطه على بيعه، فالرهن باطلٌ
والوكالةُ صحيحةٌ؛ لما ذكرنا، ولو جعل عدلاً في الإمساك وعدلاً [آخر] (١) في البيع، جاز؛ لأن
كل واحدٍ منهما أمر مقصود، فيصح إفرادُه بالتوكيل.
وأما بيان شرائط [صحة الرهن](٢) فأنواعٌ: منها أن يكون بإذن الراهن؛ لما ذكرنا في
[كتاب] (٣) الهبة الإذن بالقبض شرط صحته، فيما له صحة بدون القبض؛ وهو البيع، فلأن
يكون شرطاً فيما لا صحة له بدون القبض أَوْلَى؛ لأن القبض في هذا الباب يشبه الركن؛ كما
في، [كتاب] (٤) الهبةً، فيشبه القبول، وذا لا يجوز من غير رضا الراهن؛ كذا هذا.
ثم نقول الإذن نوعان: نصِّ وما يجري مجرى النصّ دلالةً، فالأولُ نحو أن يقول: أذنت له
بالقبض، أو رضيت به، أو اقبض، وما يجري هذا المجرى؛ فيجوز قبضه، سواء [كان](6) قبض
في المجلس أو بعد الافتراق، استحساناً، وقياس قول زفر في الهبة أن لا يجوز بعد الافتراق.
والقبض من تمام العقد، فتعلق بأحد المتعاقدين؛ كالإيجاب والقبول.
=
وهو قياس مع الفارق؛ لأن الإيجاب إذا كان لشخص كان القبول منه، لأنه يخاطب به، ولو وكل قبل أن
يوجب له صح، وما ذكروه ينتقص بالقبض في البيع، وفيما يعتبر القبض فيه، فتبين أن الحق مع
الجمهور. ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى، وينظر المحلى ٨٨/٨، والجصاص ٦٢٥/١، ومغني
الحنابلة ٤ / ٣٨٧.
(١) سقط من ط.
(٢) في ط: صحته.
(٣) سقط من ط.
(٤) سقط من ط.
(٥) سقط من ط.
١

١٥١
کتاب الرهن
والثاني: نحو أنْ يقبض المرتهن بحضرة الراهن، فيسكت ولا ينهاه، فيصح قبضه
استحساناً.
وقياس قول زفر في الهبة أنْ لا يصح؛ كما لا يصح بعد الافتراق؛ لأن القبض عنده ركن
بمنزلة القبول، فلا يجوز من غير إذن، كالقبول، وصار كالبيع الصحيح، بل أولى لأن القبض
ليس بشرطٍ لصحته، وأنه شرط لصحة الرهن.
وجه الاستحسان أنه وجد الإذن لههنا دلالة الإقدام على إيجاب الرهن؛ لأن ذلك دلالة
القصد إلى إيجاب حكمه، ولا ثبوت لحكمه إلا بالقبض، ولا صحة للقبض بدون الإذن،
فكان الإقدام على الإيجاب دلالة الإذن بالقبض، والإقدام دلالة الإذن بالقبض في المجلس لا
بعد الافتراق، فلم يوجد الإذن هناك نصاً ودلالة بخلاف البيع؛ لأن البيع صحيح بدون القبض،
فلم يكن(١) الإقدام على إيجابه دليل/ القبض، فلا يكون دليل الإذن، فهو الفرق.
١٢٠٠/٣
ولو رهن شيئاً متصلاً بما لم يقع عليه الرهن؛ كالثمر المعلق على الشجر ونحوه مما لا
يجوز الرهن فيه إلاَّ بالفصل والقبض، ففصل وقبض، فإن قبض بغير إذن الراهن لم يجز
قبضُه، سواء كان الفصل والقبض في المجلس أو في غيره؛ لأن الإيجاب لههنا لم يقع
صحيحاً، فلا يستدل به على الإذن بالقبض، وإن قبض بإذنه، فالقياس أن لا يجوز، وهو قول
زفر، وفي الاستحسان جائز؛ بِنَاءً على أصلٍ ذكرناه في الهبة، والله الموفق.
ومنها: الحيازة عندنا، فلا يصحُّ قبض المشاع.
(٢)
وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرطِ، وقبض المشاع صحيح
(١) في ط: الصحيح.
(٢) ذهب ((مالك)) و((الشافعي)) و((أحمد)) وابن أبي ليلى ((والبتي) والأوزاعي و((سوار والعنبري)) و((أبو ثور))
والظاهرية إلى جواز رهن المَشَاع
ويرى الإمام ((أبو حنيفة)) وأصحابه أنه لا يجوز رهنه أمكنت قسمته أم لا، سواء في هذا الشريك
والأجنبي.
وفصل («الحسن بن صالح إن كان مما لا يقسم جاز ولا يجوز فيما يقسم.
احتج الجمهور بأن المشاع عين يجوز بيعها، وكل ما يجوز بيعه يجوز رهنه، إذ المقصود من الرهن
الاستيثاق بالدين؛ للتوصل إلى استيفائه من ثمن المرهون إن تعذر الوفاء من ذمة الراهن، وهذا يتحقق في
المشاع.
أيد الحنفية رأيهم بأن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء (ملك اليد) على معنى اختصاص المرتهن
بالمرهون على جهة الحبس، وثبوت اليد بالحبس إنما يكون على ما تناوله العقد، وما تناوله مَشاع، وهو
لا يتصور فيه ملك اليد إذ هي لا تثبت إلا على معين؛ فإذا انتفى التعين بالشيوع انتفت يد الاستيفاء وإذا =

١٥٢
کتاب الرهن
انتفى ملك اليد الذي هو موجب العقد كان العقد غير معتبر شرعاً؛ لأن العقود إنما شرعت؛ لتترتب عليها
=
أحكامها، وإذا تبين أن الشيوع مانع من تحقق مقتضى العقد كان رهنه باطلاً.
ودفع - ثبوت يد الاستيفاء الذي عدوه موجب عقد الرهن، مدللين عليه بأن الاستيفاء الحقيقي يفيد ملك
العين وملك اليد، وبما أن عقد الرهن وثيقة استيفاء، فيفيد ملك اليد - بالمنع إذ لا تلازم بينهما.
وبأن الرهن لا بد فيه من دوام الحبس تحت يد المرتهن إلى الاستيفاء، أو الإبراء والشيوع ينافيه، ولهم
على الشطر الأول دليلان:
أحدهما: أنه لم يُشْرَعْ إلا مقبوضاً ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
ثانيهما: أن المقصود من الرهن التوثق؛ لاستيفاء الدين بمنع الراهن من الانتفاع به؛ كي يسارع إلى
قضائه، فيأمن المرتهن على ما له من الضياع.
وكلا الوجهين كونه لم يُشْرَغْ إلا مقبوضاً، وكون المقصود من التوثق يقتضي دوام الحبس، إما بالنظر
للمشروعية، فقياس الدوام على الابتداء الذي سلف في استدامة القبض، وإما بالنظر إلى المقصود منه،
وهو: التوثق، فهو أن الرهن إنما شرع؛ وثيقة للمرتهن يستوفى منها دينه عند مطل الراهن، أو إفلاسه،
فيأمن على ماله من الذهاب على معنى: أن يكون الرهن موصلاً إلى ذلك، وهو لا يحصل هذا المقصود
إلا باستحقاق المرتهن حبس المرهون، ومنعه عن الخروج من حوزته إلا بإذنه ما دام الدين باقياً، إذ لو لم
يكن له هذا الحق وكان للراهن أن يسترده، للانتفاع به لفات هذا المقصود، وهو التوثق؛ للاستيفاء
والصيانة، فإذا لم ينقطع انتفاعه عنه لم يكن هناك تألم أو ضجر يحمله على المسارعة إلى قضاء الدين
على أن يخشى أن يجحد الرهن، والدين متى عاد إلى يده بمقتضى ماله من حق الاسترداد، وقد علم أن
العقود إنما شرعت؛ ليترتب عليها ما هو المقصود منها، وإذا فات المقصود بالاسترداد، وجب ألا يكون
له هذا الحق، وذا لا يكون إلا بدوام حبسه في يد المرتهن فوجب المصير إليه وعلى الشطر الثاني: أنه
دوام الحبس على جهة اللزوم إلى الأداء، أو الإبراء متوقف على استحقاق المرتهن ذلك، ولا استحقاق
لدوام الحبس في المشاع إذ لا بد فيه من المهايأة، وبدهي أن المهاياة تنافي استحقاق الحبس الدائم، ألا
ترى أن قول الراهن: رهنتك نصف داري هذه بمنزلة قوله: رهنتك هذه الدار يوماً ويوماً لا، فيكون دوام
الحبس غير مستحق، وإذا ظهر أن الشيوع ينافي استحقاق الحبس على الدوام، وجب أن يكون المرهون
مقسوماً منفصلاً غير مشاع، وما يحتمل القسمة غيره في هذا سواء، ولا ترد الهبة إذ تصح مع الشيوع، إذا
كان الموهوب لا يحتمل القسمة؛ لانتفاء الضرر الناشىء من تحمل مؤنة القسمة؛ لأن حكمها ثبوت
الملك والشيوع غير مانع منه، كما في البيع، ولا فرق بين الرهن من الأجنبي ومن الشريك، وهو واضح
في الأجنبي؛ لما تقدم وأما بالنسبة للشريك؛ فلأن المشاع لا يقبل الرهن على الوجهين.
أما على الأول وهو ثبوت ملك اليد؛ فلأنه لا يثبت إلا على معين، وأما على الثاني؛ فلأن الشريك إنما
ينتفع يوماً بحكم الملك، ويحبسه آخر بحكم الرهن، فكأن الرَاهِنَ رَهَنَ يوماً ويوماً لا، ولا شك أن هذا
يفوت دوام الحبس.
وتعقب هذا بأنه شرع مقبوضاً في الابتداء، وقياس الدوام عليه مع الفارق وبأن الحبس الحكمي كاف في
صيانة حق المرتهن، كالإعارة والغصب والسرقة ويمكن أن يوجه الرأي المفصل بقياس رهن المشاع الذي
لا يقيم على هبة ما لا يحتمل القسمة وما نوقش به الحنفية يناقش به المذهب المفصل؛ لأنه يعتمد أدلتهم
فيما يقسم، وما لا يقسم يقيسه على الهبة، والذي يعنينا إبطال الشق الأول فقط.
=
1

١٥٣
كتاب الرهن
وأما الثاني فهو: مع الجمهور، فوجهتهم صالحة؛ للتدليل عليه، وقد تبين أنها سالمة، فدلت على
=
مدعاهم.
وأزيد هذا الموضوع بياناً فأسرد ما دار في مناظرة بين الإمام ((الشافعي))، وبين أحد المانعين لرهن المشاع
وادعائه أنه لا يجوز إلا مقبوضاً مقسوماً لا يخاطبه غيره محتجاً بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فقال
الإمام: لِمَ لَم يجز إلا مقبوضاً مقسوماً، وقد يكون مقبوضاً وهو مشاع غير مقسوم؟ فسأله المانع متعجباً
كيف يكون مقبوضاً وأنت لا تدري أي: الناحيتين هو؟ وكيف يكون مقبوضاً في العبد وهو لا يتبعض؟
فقال الإمام: كأن القبض إذا كان اسماً واحداً لا يقع عندك إلا بمعنى واحد، وقد يقع على معانٍ مختلفة.
فقال مناظره: بل هو بمعنى واحد فقال الإمام: أو ما تقبض الدراهم والدنانير، وما صغر باليد وتقبض
الدور برفع المفاتيح والأرض بالتسليم.
فأجاب مناظره: بلى.
فقال الإمام: فهذا مختلف.
قال مناظره: يجمعه كله أنه منفصل، لا يخالطه شيء.
فقال الإمام: قد تركت قولك الأول، وقلت آخر وستتركه إن شاء الله تعالى.
فقال الإمام: فكأن القبض لا يقع أبداً إلا على منفصل لا يخالطه شيء.
فأجاب مناظره: نعم. فقال الإمام فإني لما اشتريت أردت نقص البيع، فقلت: باعني نصف دار مشاعاً لا
أدري أشرقي الدار يقع أم غربيها، ونصف عبد لا ينفصل أبداً ولا ينقسم وأنت لا تجيزني على قسمه؛
لأن فيه ضرراً، فأنا أفسخ البيع بيني وبينك.
فأجاب مناظره قائلاً ليس ذلك لك، وقبض نصف الدار ونصف الأرض ونصف العبد ونصف السيف أن
تسلمه، ولا یکون دونه حائل.
فقال الإمام: أنت لا تجيز البيع إلا معلوماً، وهذا غير معلوم.
قال مناظره: هو وإن لم يكن معلوماً بعينه منفصلاً، فالكل معلوم ونصيبك من الكل محسوب.
قال الإمام: وإن كان محسوباً فإني لا أدري أين يقع؟
قال المناظر: أنت شريك في الكل.
قال الإمام: فهو غير مقبوض؛ لأنه ليس بمنفصل، وأنت تقول فيما ليس بمنفصل لا يكون مقبوضاً،
فيبطل به الرهن، وتقول: القبض أن يكون منفصلاً.
قال مناظره: قد يكون منفصلاً وغير منفصل.
قال الإمام: وكيف يكون مقبوضاً، وهو غير منفصل؟! أجاب بأن الكل معلوم، وإذا كان الكل معلوماً،
فالبعض بالحساب معلوم.
قال الإمام: فقد تركت قولك الأول، وتركت قولك الثاني، فلم إذا كان هذا كما وصفت يجوز البيع فيه،
والبيع لا يجوز إلا معلوماً فجعلته معلوماً، ويتم بالقبض؛ لأن البيع عندك لا يتم حتى يقضي على صاحبه
بدفع الثمن إلا مقبوضاً، فكان هذا عندك قبضاً زعمت أنه في الرهن غير قبض، فلا يعدو إما أن تكون
أخطأت بقولك: لا يكون في الرهن قبضاً أو بقولك: يكون في البيع قبضاً.
ثم ذكر الإمام القبض الشرعي بما ينفق، وما ذكرناه في بيان حقيقة القبض الشرعي آنفاً، ثم قال
((الشافعي)»: ولم أسمع أحداً عندنا مخالفاً فيما قلت من أنه يجوز فيه الرهن، والذي يخالف لا يحتج فيه =

١٥٤
کتاب الرهن
وجه قوله إن الشياع لا يقدح في حكم الرهن، ولا في شرطه، فلا يمنع جواز الرهن،
ودلالة ذلك أن حكم الرهن عنده كون المرتهن أحق ببيع المرهون واستيفاء الدين من بدله على
ما نذكر، والشيوع لا يمنع جواز البيع وشرطه هو القبض، وأنه ممكن في النصف الشائع بتخلية
الكل.
وَلنا: أن قبض النصف الشائع وَحْدَهُ لا يتصور، والنصف الآخر ليس بمرهون، فلا يصح
قبضه، وسواء كان مشاعاً يحتمل القسمة أو لا يحتملها؛ لأن الشيوع يمنع تحقق قبض الشائع
في النوعين جميعاً؛ بخلاف الهبة، فَإن الشيوع فيها لا يمنع الجواز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأن
المانع هناك ضمان القسمة؛ على ما ذكرنا في ((كتاب الهبة)) وأنه يخص المقسوم، وسواء رهن
من أجنبيٍّ أو من شريكه؛ على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وسواء كان مقارناً للعقد أو طرأ عليه
في ظاهر الرواية .
وروي عن أبي يوسف أن الشيوع الطارىء على العقد لا يمنع بقاء العقد على الصحة،
وصورته إذا رهن شيئاً وسلط المرتهن أو العدل على بيعه كيف شاء، مجتمعاً أو متفرقاً فباع
نصفه شائعاً أو استحق بعض الرهن شائعاً.
وجه رواية أبي يوسف أن حال البقاء لا يُقَاس على حال الابتداء؛ لأن البقاء أسهل من
حكم الابتداء؛ لهذا فرق الشرع بين الطارىء والمقارن في كثير من الأحكام، كالعدة الطارئة
والإباق الطارىء ونحو ذلك، فكون الحيازة شرطاً في ابتداء العقد، لا يدل على كونها شرط
البقاء على الصحة .
وَجْه ظاهر الرواية أن المانع في المقارن كون الشيوع مانعاً من تحقق القبض في النصف
المشاع، وهذا المعنى موجود في الطارىء، فيمنع البقاء على الصحة، ولو رهن رجلان رجلاً
بمتقدم من أثر، فيلزم اتباعه، ولا بقياس ولا معقول، فيبقون في الاتباع الذي يلزمهم، أن يفرقوا بين
=
الشيئين إذا فرقت بينهما الآثار حتى يفارقوا الآثار في بعض ذلك لأن يجزئوا الأشياء زعموا على مثال ثم
تأتي أشياء ليس فيها أثر، فيفرقون بينها، وهي مجتمعة بآرائهم، ونحن وهم نقول في الآثار: نتبع كما
جاءت، وفيما قلت وقلنا بالرأي: لا نقبل إلا قياساً صحيحاً ((١)).
وأن هذه المناظرة لتدلنا دلالة واضحة: على أن ثبوت ملك اليد والحبس الدائم لَيْسَا بموجودين عند
المتقدمين من الحنفية، ولم يجر ذكرهما قط. ويغلب على الظن أن إماماً من أئمة الحنفية هو الذي ناظر
الإمام ((الشافعي))، فلو كانا يصلحان في نظره؛ لما ترك الحجاج بهما، وقد تبين ضعف اعتبارهما من
أحكام الرهن فيما سلف وإذا فقد أسفر الصبح وتبين أن رهن المشاع جائز - وأن المقصود من الرهن بيع
المرهون؛ ليقضي منه الدين عند تعذر الوفاء من الراهن، وهو متحقق في المشاع.
ينظر الرهن لشيخنا حسن مصطفى.

١٥٥
كتاب الرهن
عبداً بدين له عليهما رهناً واحداً، جاز، وكان كله رهناً بكلٌ الدين، حتى أن للمرتهن أن
يمسكه حتى يستوفي كل الدين، وإذا قضى أحدهما دينه لم يكن له أن يأخذ نصيبه من الرهن؛
لأن كل واحد منهما رهن كل العبد بما عليه من الدين لا نصفه، وإن كان المملوك منه لكل
واحد منهما النصف؛ لما ذكرنا أن كون المرهون مملوك الراهن ليس بشرطٍ لصحةٍ الرهن فإنه
يجوز رهن مال الغير بإذنه لما بينا، وإقدامهما على رهنه صفقة واحدة دلالة الإذن من كلِّ واحد
منهما، فصار كل العبد رهناً بكل الدين، ولا استحالة في ذلك؛ لأن الرهن حبسٌ، وليس يمتنع
أن يكون العبد الواحد محبوساً بكل الدين، فلم يكن هذا رهن الشائع، فجاز، وليس لأحدهما
أن يأخذ نصيبه من العبد إذا قضى ما عليه من الدين؛ لأن كلَّه مرهونٌ بكل الدين، فما بقي
شيء من الدين بقي استحقاق الحبس.
وكذلك إذا رهن [رجل من رجلين عبداً بدين](١) لهما عليه وهما شريكان فيه أو لا شركة
بينهما، جاز، وإذا قضى الراهن دين أحدهما لم يَكُنْ له أن يقبض شيئاً من الرهن؛ لأنه رهن
كل العبد بدين كل واحد منهما، وكل العبد يصلح رهناً بدين كل واحد منهما على الكمال؛
كأن ليس معه غيره لما ذكرنا، وهذا بخلاف الهبة من رجلين على أصل أبي حنيفة - عليه
الرحمة - أنها غير جائزة، لأن الهبة تمليكٌ، وتمليكُ شيء واحد من اثنين من كل واحد منهما
على الكمال محالٌ، والعاقلُ لا يقصد بتصرفه المحال.
فَأْمَا الرهن فحبسٌ، ولا استحالة في كون الشيء الواحد محبوساً بكل واحد من الدينين،
فهو الفرق بين الفصلين، غير أنه وإن كان محبوساً بكل واحد من الدینین، لكنه لا يكون
مضموناً إلا بحصته/ حتى لو هلك تنقسم قيمته على الدينين، فيسقط من كل واحد منهما ٣/ ٢٠٠ب
بقدره؛ لأن المرتهن عند هلاك الرهن يصير مستوفياً الدين من مالية الرهن، وأنه لا يبقى (٢)
لاستيفاء الدينين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيقسم عليهما، فيسقط من كل واحد منهما
بقدره .
وعلى هذا يخرج حبس المبيع؛ بأن اشترى رجلان من رجل شيئاً، فأدى أحدُهما حصته
من الثمن، لم يكن له أن يقبض شيئاً من المبيع، وكان للبائع أن يحبس كله حتى يستوفي ما
على الآخر، لأن كل المبيع محبوس بكل الثمن، فما بقي جزء من الثمن بقي استحقاق حبس
كل المبيع .
ولو رهن بيتاً بعينه من دار، أو رهن طائفة معينة من دار، جاز؛ لانعدام الشيوع، وعلى
(١) في ط: رجل رجلين بدين.
(٢) في ط: يفي.

١٥٦
کتاب الرهن
هذا الأصل تخرج زيادة الدين على الرهن أنها لا تجوز عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -
وجملة الكلام في الزيادات أنها أنواعٌ أربعة: زيادة الرهن وهي نماؤه؛ كالولد واللبن والتمر
والصوف، وكل ما هو متولد من الرهن أو في حكم المتولد منه؛ بأن كان بدل جزء فائت، أو
بدل ما هو في حكم الجزء، كالأرش والعقر وزيادة الرهن على أصل الرهن؛ كما إذا رهن
بالدين جارية، ثم زاد عبداً أو غير ذلك - رهناً بذلك الدين، وزيادة الرهن على نماء الرهن؛
كما إذا رهن بالدين جارية فولدت ولداً، ثم ماتت الجارية، ثم زاد رهناً على الولد، وزيادة
الدين على الرهن؛ كما إذا رهن عبداً بألف ثم إن الراهن استقرض من المرتهن ألفاً أخرى؛
على أن يكون العبد رهناً بالأول، والزيادة جميعاً، أما زيادة الرهن فمرهونة عندنا على معنى أنه
يثبت حكم الأصل [للرهن](١) فيها، وهو استحقاق الحبس على طريق اللزوم.
وعند الشافعي - رحمه الله - ليست بمرهونة أصلاً، والمسألة تأتي في بيان حكم الرهن،
إن شاء الله تعالى.
وأما زيادة الرهن [على أصل الرهن](٢) فجائزة استحساناً، والقياس أن لا يجوز، وهو
قول زفر - رحمه الله -، وهو على اختلاف الزيادة في الثمن والمثمن، وقد مَرَّتِ المسألة في
((كتاب البيوع)).
وَأما زيادة الرهن على نماء الرهن بعد هلاك الأصل، فهي موقوفة إن بقي الولد إلى وقت
الفكاك، جازت الزيادة، وإن هلك لم تجز؛ لأنها إذا هلكت تبين أنها حصلت بعد سقوط
الدين، وقيام الدين شرط صحة الزيادة.
وَأما زيادة الدين على الرهن فهي على الاختلاف الذي ذكرنا أنه لا يجوز عند أبي حنيفة
ومحمد، وعند أبي يوسف جائزة.
وجه [قول أبي يوسف](٣) أن الدين في باب الرهن كالثمن في باب البيع؛ بدليل أنه لا
يصح الرهن إلا بالدين؛ كما لا يصح البيع إلا بالثمن، ثم هناك جازت الزيادة في الثمن
والمثمن جميعاً؛ فكذا هنا تجوز الزيادة في الرهن والدين جميعاً، والجامع بين البابين أن الزيادة
عندنا تلتحق بأصل العقد؛ كأن العقد ورد على الأصل، والزيادة جميعاً، فيصير كأنه رهن
بالدین عبدین ابتداء، وذا جائز؛ كذا هذا.
وجه قولهما إن هذه الزيادة لو صحت لأوجبت الشيوع في الرهن، وأنه يمنع صحة
(١) سقط من ط.
(٣) في ط: قوله.
(٢) سقط من ط.

١٥٧
كتاب الرهن
الرهن، ودلالة ذلك أنها لو صحت لصار بعض العبد بمقابلتها، فلا يخلو إما أن يصير ذلك
البعض بمقابلة الزيادة مع بقائه مشغولاً بالأول، وإما أن يفرغ من الأول ويصير مشغولاً
بالزيادة، لا سبيل إلى الأول؛ لأن المشغول بشيء لا يحتمل الشغل بغيره، ولا سبيل إلى
الثاني؛ لأنه رهن بعض العبد بالدين وهذا رهن المشاع، فلا يجوز؛ كما إذا رهن عبداً واحداً
بدينين مختلفين؛ لكل واحد منهما بعضه، بخلاف زيادة الرهن على أصل الرهن؛ لأن الزيادة
هناك لا تؤدي إلى شيوع الرهن، بل إلى شيوع الدين؛ لأن قبل الزيادة كان العبد بمقابلة كل
الدين، وبعد الزيادة صار كله بمقابله بعض الدين؛ والعبد والزيادة بمقابلة البعض الآخر،
فيرجع الشيوع إلى الدين لا إلى الرهن، والشيوع في الدين لا يمنع صحة الرهن، وفي الرهن
يمنع صحته.
ألا ترى لو رهن عبداً بنصف الدين جاز، ولو رهن نصف العبد بالدين لم يجز؛ لذلك
افترق حکم الزیادتین .
ولو رهن مشاعاً فقسم وسلم جاز، لأن العقد في الحقيقة موقوفٌ على القسمة، والتسليم
بعد القسمة، فإذا وجد فقد/ زال المانع من النفاذ، فينفذ.
١٢٠١/٣
ومنها: أن يكون المرهون فارغاً عَمَّا ليس بمرهون(١)، فإن كان مشغولاً به بأن رَهَن داراً
فيها متاع الراهن وسلم الدار، أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع، أو رهن جوالقاً دون ما فيه،
وسلم الجوالق، أو سلمه مع ما فيه - لم يجز؛ لأن معنى القبض هو التخلية الممكنة من
التصرف، ولا يتحقق مع الشغل.
1
ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلمها فارغة، جاز، وينظر إلى حال القبض لا إلى حال
العقد؛ لأن المانع هو الشغل، وقد زال،، فينفذ كما في رهن المشاع.
ولو رهن المتاع الذي فيها دون الدار، وخلى بينه وبين الدار، جاز؛ بخلاف ما إذا رهن
(١) أي غير مشغول بالراهن أو بملكه فلو رهن داراً فيها متاع للراهن وأقبضه الدار وهو بداخلها أو كان له فيها
متاع لم يخرجه منها لم يصح القبض ولم يلزم الرهن حتى يخرج منها ويخليها من متاعه إذ تظل سيطرته
باقية عليها ولا بد من إعادة التخلية بعد الخروج ونقل المتاع ونظر في هذا بأن التخلية تصح بقوله مع
التمكين منها وعدم المانع فأشبه ما لو كانا خارجين عنها ولا يصح ما ذكروه ألا ترى أن خروج المرتهن
منها لا يزيل يده عنها ودخوله إلى دار غيره لا يثبت يده عليها ولأنه بخروجه محقق لقوله فلا معنى لإعادة
التخلية وأما المتاع فلا يمنع أيضاً من القبض وليكن تركه فيها على سبيل الوديعة ثم إن من تأمل كلامهم
في كل ما ذكروه يراه مبنياً على الحبس الدائم تحت يد المرتهن الذي يحول بين الراهن وبين الانتفاع
بالمرهون.

١٥٨
کتاب الرهن
الدار دون المتاع؛ لأن الدار تكون مشغولة بالمتاع، فأما المتاع فلا يكون مشغولاً بالدار،
فیصح قبض المتاع ولم يصح قبض الدار.
ولو رَهَنَ الدار والمتاع والذي فيها صفقة واحدة، وخلى بينه وبينهما وهو خارج الدار،
جاز الرهن فيهما جميعاً؛ لأنه رهن الكل وسلم الكل، وصح تسليمهما جميعاً، ولو فرق
الصفقة فيهما بأن رهن أحدهما ثم الآخر، فإن جمع بينهما في التسليم صَحّ الرهن فيهما
جميعاً.
أما في المتاع فلا شك فيه؛ لما ذكرنا أن المتاع لا يكون مشغولاً بالدار، وأما في الدار
فلأن المانع وهو الشغل قد زال، وإن فرق بأن رهن أحدهما وسلم، ثم رهن الآخر وسلم، لم
يجز الرهن في الدار، وجاز في المتاع، سواء قدم أو أخر بخلاف الهبة، فإن هناك يراعى فيه
الترتيب إن قدم هبة الدار، لم تجز الهبة في الدار، وجازت في المتاع؛ كما في الرهن، وَإن
قدم هبة المتاع جازت الهبة فيهما جميعاً.
أما في المتاع؛ فلأنه غير مشغولٍ بالدار، وأما في الدار فلأنها وإن كانت مشغولة وقت
القبض، لكن بمتاع هو ملك الموهوب له، فلم يمنع صحة القبض، وهنا الدار مشغولة بمتاع
هو ملك الراهن، فيمنع صحة القبض، فهو الفرق.
ولو رهن داراً والراهن والمرتهن في جوف الدار، فقال الراهن: سلمتها إليك، لم يصح
التسليم حتى يخرج من الدار ثم يسلم؛ لأن معنى التسليم وهو التخلية لا يتحقق مع كونه في
الدار، فلا بد من تسليم جديد بعد الخروج منها.
ولو رهن دابَّةً عليها حملٌ دون الحمل، لم يتم الرهن حتى يلقى الحمل عنها، ثم يسلمها
إلى المرتهن.
ولو رهن الحمل دون الدابة ودفعها إليه، كان رهناً تامًّا في الحمل؛ لأن الدابة مشغولة
بالحمل، أما الحمل فليس مشغولاً بالدابة؛ كما في رهن الدار التي فيها المتاع بدون المتاع،
ورهن المتاع الذي في الدار بدون الدار، ولو رهن سرجاً على دابة أو لجاماً في رأسها أو رسناً
في رأسها، فدفع إليه الدابة مع اللجام والسرج والرسن - لم يكن رهناً حتى ينزعه من رأس
الدابة ثم يسلم، بخلاف ما إذا رهن متاعاً في الدار؛ لأن السرج ونحوه من توابع الدابة، فلم
يصح رهنها بدون الدابة؛ كما لا يصح رهن الثمر بدون الشجر، بخلاف المتاع؛ فإنه ليس تبعاً
للدار؛ ولهذا قالوا: لو رهن دابة عليها سرج أو لجام دخل ذلك في الرهن بحكم التبعية.
وَعَلَى هذا يخرج ما إذا رهن جارية واستثنى ما في بطنها، أو بهيمة واستثنى/ ما في
بطنها؛ أنه لا يجوز الاستثناء ولا العقد.

١٥٩
كتاب الرهن
أما الاستثناء فلأنه لو جاز لكان المرهون مشغولاً بما ليس بمرهون، وأما العقد فلأنه
استثناء ما في البطن بمنزلة الشرط الفاسد، والرهن تبطله الشروط الفاسدة، كالبيع بخلاف
الهبة .
ولو أعتق ما في بطن جاريته ثم رهن الأم أو دبر ما في بطنها ثم رهن الأم، فالكلام فيه
كالكلام في الهبة وقد مَرَّ الكلامُ في الهبة.
ومنها: أن يكون المرهون منفصلاً متميزاً عما ليس بمرهون، فإن كان متصلاً به غير
متميز عنه لم يصح قبضه؛ لأن قبض المرهون وحده غير ممكن، والمتصل به غير مرهون،
فأشبه رهن المشاع.
وعلى هذا الأصل يحرج ما إذا رهن الأرض بدون البناء، أو بدون الزرع والشجر، أو
الزرع والشجر بدون الأرض، أو الشجر بدون الثمر، أو الثمر بدون الشجر - أنه لا يجوز،
سواء سلم المرهون بتخلية الكل أو لا؛ لأن المرهون/ متصلٌ بما ليس بمرهون، وهذا يمنع ٢٠١/٣ب
صحة القبض.
ولو جد الثمر وحصد الزرع وسلم منفصلاً، جاز؛ لأن المانع من النفاذ قد زال، ولو
جمع بينهما في عقد (١) الرهن فَرَهَنَهُمَا جميعاً وسلم متفرقاً، جاز، وإن فرق الصفقة؛ بأن رَهَنَ
الزرع ثم الأرض، أو الأرض ثم الزرع، ينظر: إن جمع بينهما في التسليم جاز الرهن فيهما
جميعاً، وَإِن فرق لا يجوز فيهما جميعاً، سواء قدم أو آخر؛ بخلاف الفصل الأول؛ لأن المانع
في الفصلين مختلفٌ، فالمانع من صحة القبض في هذا الفصل هو الاتصال، وأنه لا يختلف،
والمانع من صحة القبض في الفصل الأول هو الشغل، وأنه لا يختلف.
مثالُ هذا ما إذا رهن نصف داره مشاعاً من رجلٍ ولم يسلم إليه حتى رهنه النصف
الباقي، وسلم الكل - أنه يجوز، ولو رهن النصف وسلّم، ثم رهن النصف الباقي، لا يجوز
كذا هذا.
وعلى هذا إذا رهن صوفاً على ظهر غنم بدون الغنم؛ أنه لا يجوز؛ لأن المرهون متصلٌ
بما ليس بمرهونٍ، وهذا يمنع صحة القبض، ولو جزه وسلمه جاز؛ لأن المانع قد زال؛ وعلى
هذا أيضاً إذا رهن دابة عليها حمل بدون الحمل أنه لا يجوز.
ولو رفع الحمل عنها وسلمها فارغةً جاز لما قلنا؛ بخلاف ما إذا رهن ما في بطن جاريته
أو ما في بطن غنمه أو ما في ضرعها، أو رهن سمناً في لبن أو دهناً في سمسم، أو زيتاً في
(١) في أ: صفقة.

١٦٠
كتاب الرهن
زيتون، أو دقيقاً في حنطة، أنه يبطل، وَإن سلطه على قبضه عند الولادة أو عند استخراج ذلك
فقبض؛ لأن العقد هناك لم ينعقد أصلاً؛ لعدم المحل؛ لكونه مضافاً إلى المعدوم؛ وهذا لم
ينعقد البيع المضاف إليها؛ فكذا الرهن، أما هنا فالعقدُ منعقدٌ موقوف نفاذه على صحة التسليم
بالفصل والتمييز، فإذا وجد فقد زال المانع.
ولو رهن الشجر بمواضعه من الأرض جاز، لأن قبضه ممكنٌ، ولو رهن شجراً وفيه ثمر
لم يسمه في الرهن، دخل في الرهن، بخلاف البيع أنه لا يدخل الثمر في بيع الشجر من غير
تسمية؛ لأنه قصد تصحيح الرهن، ولا صحة له بدون القبض، ولا صحة للقبض بدون دخول
ما هو متصل به، فيدخل تحت العقد تصحيحاً له، بخلاف البيع؛ فإنه يصح في الشجر بدون
الثمر، ولا ضرورة إلى إدخال الثمر للتصحيح.
ولو قالَ: رَهَنْتُكَ هذه الدار أو هذه الأرض أو هذا الكرم، وأطلق القول ولم يخص
شيئاً، دخل فيه كلُّ ما كان متصلاً به من البناء والغرس؛ لأن ذلك يدخلُ في البيع مع أن
القبض ليس من شرط صحته، فلأن يدخل في الرهن أَوْلَى؛ إلا أنه يدخل فيه الزرع والثمر،
ولا يدخل في البيع لما ذكرنا، بخلاف المتاع أنه لا يدخل في رهن الدار، ويدخل الثمر في
رهن الشجر؛ لأن الثمر تابعٌ للشجر، والمتاع ليس بتابعٍ للدار.
ولو استحق بعض المرهون بعد صحة الرهن ينظر إلى الباقي: إن كان الباقي بعد
الاستحقاق مما يجوز رهنُه ابتداءً لا يفسد الرهن فيه، وإن كان مما لا يجوز رهنه ابتداءً فسد
الرهن في الكل؛ لأنه لما استحق بعضه (١) تبين أن العقد لم يصح في القدر المستحق، وأنه لم
يقع إلا على الباقي؛ فكأنه رهن هذا القدر ابتداء، فينظر فيه إن كان محلاً لابتداء الرهن يبقى
الرهن فيه، وَإلا فيفسد في الكل؛ كما لو رهن هذا القدر ابتداء، إلاّ أنه إذا بقي الرهن فيه يبقى
بحصته، حتى لو هلك الباقي يهلك بحصته من الدين، وإن كان في قيمته وفاء بجميع الدين،
ولا يذهب جميع الدين، وإذا رهن الباقي ابتداء وفيه وفاء بالدين فهلك، يهلك بجميع الدين،
وإن شئت أن تجعل الحيازة شرطاً مفرداً وخرجت المشاع على هذا الأصل؛ لأنه مرهون متصلٌ
بما ليس بمرهون حقيقة، فكان تخريجه عليه مستقيماً، فافهم.
ومنها: أهلية القبض وهي العقل؛ لأنه يثبت به أهلية الركن وهو الإيجاب والقبول، فلأن
تثبت به أهلية الشرط أَوْلَى.
وأما تفسير القبض، فالقبضُ عبارةٌ عن التخلي، وهو التمكن من إثبات اليد؛ وذلك
بارتفاع الموانع، وأنه يحصل بتخلية الراهن بين المرهون والمرتهن، فإذا حصل ذلك صار
(١) في أ: نصفه.